|
السبت: 01/08/2009
القراءة
الغربية- الاستشراقية
للتاريخ
الإسلامي(*) /2
عبد الله يوسف سهر
محمد

الدائرة التاريخية الثالثة:
مع بزوغ فجر الدولة
الحديثة في العالم الإسلامي بعد سقوط الدولة العثمانية وتكريس تبعيتها
شبه الكاملة للغرب، ضمر الهجوم الأوربي على الديانة الإسلامية وعلى
خاتم المرسلين محمد [ص]، ولكنه من جانب آخر أخذ ينظر في كيفية إخراج
المجتمعات الإسلامية من تراثها الإسلامي إلى حيز تراث ملة الغرب. وتمك
تسمية هذه المرحلة التاريخية بدائرة "الاستعمار والانطلاق نحو العالمية".
لذلك السبب امتزجت أطروحة المدرسة الاستشراقية التقليدية بأدبيات مدرسة
التحديث (Modernization) في الفترة الزمنية الواقعة بين العشرينيات
والسبعينيات تقريباً من القرن العشرين(1). وإذا كانت المدرسة الأولى (الاستشراقية
التقليدية) تنظر بشوفينية (Chauvinism) ودونية –بشكل عام- إلى العرب
والمسلمين فإن المدرسة الثانية (التحديثية) حاولت أن تقدم نموذجاً
للمجتمعات الإسلامية والعربية يحاكي نموذج التجربة الغربية، فكان نتاج
هذا التزاوج بين المدرستين النخبوية العلمانية.
وعلى صعيد آخر، عمدت هاتان
المدرستان إلى تغريب (Westernization) المجتمع العربي والإسلامي عن
طريق تسمية ظواهر التقدم وتشخيصها وفرزها عن ظواهر التخلف؛ فالتقدم
تبعاً لهذا التصنيف هو أن تتبع الغرب فكراً وسلوكاً ابتداء بالاعتقاد
بالعلمانية النخبوية التي لا تفرز إلا نظماً دكتاتورية، وانتهاءً بوجوب
ارتداء ربطة العنق بوصفها مصداقية للحداثة كالنموذج التركي-الأتاتوركي.
وأخذ معظم الدول الإسلامية وكثير من الطبقات السياسية والثقافية في
السير في هذا الاتجاه، سعياً وراء التقدم والتطور حسب الوصفة الغربية
للعالم الثالث، فتبنّى معظم الدول الإسلامية الأنظمة العلمانية، كما
تبنّاها بعض الطبقات المثقفة.
ومن أهم فرضيات مدرسة
التحديث أنه كلما ابتعدت الدولة عن الأنماط التقليدية التي منها الدين،
كان هناك تقدم نحو الحداثة، ولا يشترط وجود الديمقراطية لكون مجتمعات
العالم الثالث تتمتع بثقافة "خاصة"، أي بمعنى أنه لا ضرورة للديمقراطية
في هذه المجتمعات كي تتطور سياسياً، ولكن الضرورة أن تعمل النخب
الحاكمة ضمن نغمة الغرب وليس ضدها. لذلك ظهرت عدة دول في العالم
الإسلامي تنادي بالعلمانية مثل تركيا في عهد مصطفى كمال أتاتورك،
وإيران في عهد محمد رضا شاه بهلوي، وإندونيسيا في عهد أحمد سوكارنو،
ومصر في عهد جمال عبد الناصر الذي بات يوصف بأنه دكتاتور عنيف ومتطرف
عندما خرج على نغمة الغرب. كما اقتبس الكثير من الحركات والأحزاب في
الدول العربية والإسلامية الاتجاه الغربي نفسه للتحديث، مثل حركة
القوميين العرب وحزب البعث والحركة الناصرية وحركة تركيا الفتاة، فأخذت
بمبدأ فصل الدين عن الدولة لكن دون ديمقراطية.
ولكن ما إن لبثت هذه
الدعوات لفترة وجيرة حتى تفاقمت المشكلات الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية، وفشلت الخطط التنموية للدولة العلمانية، ولم تجن الدول
العلمانية شيئاً عدا التبعية للدول الغربية، كما تخض عن هذه التبعية
كثير من أنواع الهيمنة الاستعمارية غير المباشرة والتردي في الأوضاع
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وحتى هذا الحد كانت المدرسة
التحديثية تفترض أن هذه التبعات والنتائج ما هي إلا مخلفات تاريخية يجب
أن تطفو على السطح، حتى يتسنى تأسيس البنية التحتية الضرورية للمجتمع
الرأسمالي-البرجوازي، وقيام المؤسسات الحديثة التي تستطيع أن تنهض
بأنواع متطلبات الحياة جميعها.
وعلى العكس من هذا الطرح
أخذت الأنماط التقليدية التي اعتبرتها المدرسة التحديثية في عداد
الموتى تنبعث من جديد مع حلول السبعينيات من القرن العشرين. وعلى رأس
هذه الانماط الاجتماعية-السياسية كان انبعاث العامل الديني وتفجر مشارب
التيارات الإسلامية، وانخراط كثير من الطبقات الاجتماعية على اختلاف
انتماءاتها الفكرية ومستوياتها المعيشية في كوادر تنظيمية تدعو إلى
إعادة الحياة الإسلامية بصورة عملية- وتعمل على ذلك أيضاً- تمهيداً
لقيام مجتمعات "إسلامية-سياسية" قادرة على المساهمة في برامج التنمية
والتطور، وتتطلع إلى الصعود نحو القمة والقيادة العالمية مع بقية دول
العالم المتقدم.
ولقد قام الغرب بقراءة هذه
التطورات في العالم الإسلامي، وظهر كثير من الدراسات العلمية
والإعلامية التي تحذر الغرب من "الغول" القادم المتمثل بالإسلام
وأتباعه، ومن الدراسات التي كان لها صدى كبير لدى صانعي القرار في
الغرب تلك الدراسة التي قام بها هارير دكمجيان (Harir Dekemjian)
"الإسلام في ثورة" (Islam in Revolution)(2)؛ إذ قام دكمجيان في هذه
الدراسة باستقصاء عام ﻟ 91 منظمة وتجمعاً إسلامياً في الدول العربية،
واستخلص أن 64 منها ظهرت مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وأن
حوالي 88% من هذه المنظمات تعد "راديكاية"، علماً بأن نطاق هذه الدراسة
محصور بالعالم العربي فقط، فكيف إذن سيكون الوضع بالنسبة إلى العالم
الإسلامي بأ<معه الذي تموج فيه التيارات الإسلامية بصورة كبرى وأكثر
فاعلية من الشرق الأوسط؟!
إنه سؤال حيَّر المتخصصين،
وأثيرت معه الدوائر السياسية في الغرب، فعلى صعيد الواقع نجد أن
التيارات والأحزاب والجماعات الإسلامية أخذت تتوسع قواعدها الشعبية في
دول العالم الإسلامي جميعها دون استثناء، وحتى في الدول الأخرى ذات
الأقليات الإسلامية. كما أخذت هذه الجماعات تنسج شبكة عريضة من منظمات
غير حكومية وفوق قومية، متحدية بذلك الخطوط الجغرافية والعرقية التي
رسمها المستعمر في العالم الإسلامي عندما أراد أن يقضي على مفهوم الأمة
الإسلامية، وفي الوقت نفسه متماشية بل بادئة في طريقها لما يطلق عليه
اليوم بالعالمية أو العولمة، ولكن بدلا من الاعتراف بهذه الحركات
بوصفها ظاهرة عالمية، تم إطلاق وصف الإرهاب الدولي عليها، كما سنأتي
على ذلك لاحقاً. ومن جانب آخر، أخذت هذه التيارات تتوسع سياسياً
واقتصادياً وليس اجتماعياً فقط، فنجدها سياسياً قد دخلت الانتخابات في
الدول الإسلامية ذات الديمقراطية المحدودة، ونالت نتائج باهرة في
منازلتها أعتى التيارات العلمانية النخبوية، أما اقتصادياً فإنها
استطاعت أن تنشئ مجموعاتها المالية والخيرية والتنموية التي لم تنحصر
في توزيع الخيرات، بل امتدت إلى استثمارها وتوزيع عوائدها. وهكذا بدأت
هياكل هذه التيارات والجماعات الإسلامية تتضخم، مما دعا المؤسسات
السياسية والعلمية في الغرب إلى أن تنظر بشك وحذر إلى ماهية ما هو
قادم(3).
ومع هذه التطورات انشق
أنصار المدرسة التحديثية في الغرب إلى صنفين: الأول، ينادي بضرورة أخذ
الدين عنصراً أساسياً للتحديث، لأن لكل أمة علاقة خاصة بدينها، وأن لكل
دين تأثيراً متبايناً عن غيره في أنصاره وأتباعه، وأن الدين الإسلامي
له ما يميزه من باقي الديانات الأخرى؛ حيث إنه برهن على أنه ليس دين
عبادة فقط، لكنه دين دولة أيضاً. ولقد سمي هؤلاء بأصحاب المنهج النقدي
(Critical Approach)، أو أحياناً المنهج الملتزم (Literal Approach).
ولهذه المجموعة تأثير محدود في الحياة السياسية والفكرية والسلوكية
للغرب تجاه العرب والمسلمين، فيما يتبقى التأثير الأكبر –وبخاصة في
مجالي الإعلام والسياسة- لأنصار التوجه الثاني الذين يسمون بأصحاب
المنهج الدعائي (Propagandistic Approach) أو كما يطلق عليه أحياناً
المنهج الموروث (Essentialist Approach)(4).
وقد أخذ أصحاب المنهج
الثاني بالرجوع مرة أخرى إلى أدبيات المدرسة الاستشراقية، وبدأوا يعزون
فشل التحديث في العالم الإسلامي إلى طبيعة المسلمين والديانة الإسلامية
غير المتطابقة مع الرأسمالية والديمقراطية، لذلك يطلق عليهم أتباع
المدرسة الاستشراقية الجديدة. ومع الأسف نجد أصحاب هذا الرأي هم
المتنفذين في دهاليز الدوائر التشريعية والتنفيذية والعلمية في الغرب،
ولقد استطاعوا أن يؤسسوا تصورات لا تختلف عن تصورات المدرسة اللاهوتية
والاستشراقية في القرون الغابرة، بل يمكن اعتبارها الأخطر؛ حيث إنها لا
تنطلق من بقايا أنقاض وأطلال الموروث الفكري القديم عن المسلمين، وإنما
تتعداه إلى فضاء جديد يقضي باستحالة تلاقي الشرق الإسلامي مع الغرب،
وعدم قدرة المسلمين والعرب على النهويض حضارياً ما داموا متمسكين
بمعتقداتهم.
كما عدَّت المدرسة
الاستشراقية الجديدة الإسلام وأتباعه خطراً على الانسانية، يجب أن
تتوحد ضده كل الدول والمجتمعات التي تؤمن بالحضارة والتطور والمسير نحو
العالمية الرأسمالية التي يبشر بها الغرب، والتي غرس بذورها طوال
القرون الأربعة الماضية، لذلك نشهد تركيزاً غير مسبوق على دعوة جديدة
ينشدها المستشرقون الجدد، تعزف أنغامها على قيثارة العولمة
(Globalization). وما العولمة بالشكل الذي يعرضه المشتشرقون الجد إلا
شعار جديد لهدف قديم، وكلمة حق يراد منها باطل، ومستقبل مقلوب لماض
أسود. وأفضل من عبر عن مكنون هذه الكلمة هو بنيامين باربر (Benjamin
Barber) في إحدى مقالاته المنشورة في مجلة أتلانتك عام 1992 التي حملت
عنوان "الجهاد ضد العالمية" (Jihad Vs. McWorld) والتي طورها كي تكون
كتاباً عام 1995. وكلمة الماك وورلد (McWorld) تدل هنا على العالم
الغربي، الذي تحف به التقنية والمشروعات الاقتصادية الكبرى وباقي مظاهر
الرأسمالية. أما كلمة جهاد فهي تشير إلى أتباع "الأصولية الإسلامية"
بالخصوص، الذي يحاولون جر العالم الإسلامي نحو التقوقع والانحدار
والتخلف حسب رأي الكاتب. فالدين وبخاصة الإسلام في تلك المخيلة
المتخلفة والمكيال البخس معيار كتب له أن يكون ضد العالمية، وربما أن
العالمية تنشد صالح البشرية فعلى دول العالم وشعوبه أن تقوم ضد أي خطر
محدق بهذه المسيرة "الإنسانية".
إن الأسباب التي دعت باربر
إلى تأليف كتابه المشار إليه تتمثل في التشجيع الذي حظيت به مقالته،
وبخاصة من طرف ستيف وازرمان (Steve Wasserman) المسؤول عن مؤسسة كتب
التايمز التي نشرت الكتاب. ويؤكد باربر أن دراسته هذه غير معنية
بالإسلام بوصفه ديناً، وإنما بظاهرة الجهاد التي تقف ندّاً لظاهرة
"الماك وورلد". ويقول إن الجهاد مصطلح يدل على ظاهرة التخلف والتقوقع
وكل العوامل التي تقف ضد الديمقراطية والحداثة، وتتمثل في قوى التعصب
والعنف. وفي المقابل فإن ظاهرة "الماك وورلد" تشير إلى الانفتاح
الاقتصادي، وتؤمن بقوى السوق العابرة للقارات التي تحارب مفهوم السيادة
بمعناه التقليدي، وتحارب كل ما من شأنه أن يحجّم دور أدوات العالمية
والاتصالات. وبكلمات باربر فإن "الجهاد يسعى إلى سياسة الدم في سبيل
إيجاد هوية خاصة، بينما يسعى الماك وورلد للربح الاقتصادي من دون
دم"(5).
وعلى الرغم من زعم باربر
أن الإسلام ليس هو المقصود بهذه الظاهرة فإنه لم يقل ما الذي دعاه إلى
اختيار كلمة "جهاد" التي تحمل بالتأكيد دلالة خاصة عند المسلمين، إضافة
إلى تداولها بصورة دعائية في العالم الغربي خلال فترة الثمانينيات؛
فلماذا مثلاً لم يختر المؤلف كلمة الصليبية (Crusade) أو الإنجيلية
الجديدة (Neo-Evangelism) لوصف الظاهرة التي يود دراستها؟! وثمة ما
يدعونا إلى الارتياب في حيادية الكاتب ومحاولته التنصل من العنصرية
التي يود إخفاءها أو تغليفها بغطاء أكاديمي وموضوعي؛ ففي إحدى صفحات
كتابه لم يستطع أن يُخفي ما بين ثناياه حيث قال ما معناه إنه على الرغم
من أن الإسلام دين معقد ولا يتماثل مع الجهاد (يعني ظاهرة الجهاد حسب
تعريفه)، فإن (أي الإسلام) –تقريباً- لا يرحب بالديمقراطية، وعدم
ترحيبه هذا بالديمقراطية يدعو إلى ترعرع حالات العقلية المغلقة ضد
الحداثة كما يدعو إلى العزلة والعدوانية تجاه الآخر، تلك المواصفات
التي لها مميزات الجهاد نفسها(6). وإن لم نكن بحاجة إلى حجة للتدليل
على عدم موضوعية باربر التي ادعاها في مقدمة كتابه، فإننا نكتفي
بالإشارة إلى أن كلمتي "مسلمين" و"إسلام" قد وردتا 60 مرة تقريباً،
بينما لم ترد كلمتا "مسيحية و"مسيحيين" أكثر من 15 مرة تقريباً، أما
كلمتا "يهودية" أو "يهود" فإنهما اختفتا بين طيات كتابه تماماً، فهل
يستطيع باربر وناشر كتابه بعد ذلك أن يدعيا أنه كتاب موضوعي وغير موجه
ضد المسلمين؟ إنه كتاب يفصح وبصراحة عن فحوى تعصب مرتهن بالماضي ولكنه
قُدّم بلغة جديدة إطارها العام الحداثة والعولمة.
وعلى هذه الشاكلة أتى معظم
المستشرقين الجدد بنواميسهم القديمة، وقادوا العالم الغربي نحو سياسات
موجهة ضد الإسلام والمسلمين من جديد. ويبدو –من الضروري- أن نتعرف إلى
بعض هؤلاء ومقولاتهم التي شكلت المحاور التثقيفية للمؤسسات الغربية
وبعض المؤسسات الرسمية في الشرق، وعلى رأس هؤلاء يأتي إمام المستشرقين
الجدد برنارد لويس (Bernard Lewis)، الذي استند في منطقته إلى الخبرة
التاريخية التي مرّ بها الغرب وأوربا بوجه خاص، ومن ثم يقيس عليها
أحوال المجتمعات الشرقية. وبالتالي، فهو يعُد القيم الغربية بدهيات
وحقائق للتقدم والحاضرة، فمن كان قريباً منها فهو متحضر، ومن كان
معارضاً لها أو بعيداً عنها في السلوك والاعتقاد فهو –بالضرورة- متخلف
وخطر في آن معاً، وحتى إسقاطاته لقيمه الخاصة على فهم المسلمين لا تعني
أنه يعالج فهم كل الظواهر الاجتماعية والسياسية لواقعهم من خلال
المعايير الغربية جميعها، وإنما بصورة منقوصة ودونية. وعلى الرغم من
أنه يرى أن المسلمين إذا أرادوا أن يتقدموا فعليهم احتذاء خطوات الغرب،
فإنه يعود عن ذلك عندما يدرس سبب الثورات في المجتمعات العربية
الإسلامية أو الأسباب التي تجعل من العرب مناهضين لإسرائيل؛ فيُرجع
الأسباب كلها إلى مرجع واحد وهو أن المسلمين يكنّون توجهات متعصبة لا
تمكّنهم من قبول الحداثة ولا تؤهلهم للتعايش السلمي مع غيرهم؛ وبذلك
فإن ثورتهم ضد الغرب أو عداءهم لإسرائيل ما هما إلا تعبير عن الرغبة في
العودة إلى القرون الإسلامية الأولى التي شهدت اضطهاد الأقليات الأخرى.
وليس إلى هذا الحد فحسب، بل إن لويس يرى أن مفهوم الثورة عند المسلمين
مغاير لما هو عند الغرب؛ إذ يعتقد في بحث له تحت عنوان "مفهوم الثورة
في الإسلام" أن المسلمين يشتقون كلمة ثورة من "ثور" الجمل، وأن المعنى
تحوّل وفق الواقع التراثي لتاريخ الإسلام إلى أن حمل معنى كلمة
التمرّد. ومن خلال الربط بين هذين المفهومين يصوغ لويس في مخيلة قارئه
معنى الثورة عند المسلمين المعاصرين عندما يتحدون الاستعمار والهيمنة
الغربية، فثورة المسلمين أو العرب في الوقت الحالي أو معارضتهم لا تعني
سوى "نهوض جمل أهوج على شكل إنسان فاقد للعقلانية"! لذلك لا يرى لويس
أي اتصال بين ثورة العرب أو المسلمين والمتغيرات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية، فهذه الأخيرة ليست لها علاقة بالموضوع الذي ينشده
المسلمون من ثورتهم التي هي تحرك غير عقلاني لا يتصل بمنطق(7).
لذلك فإنه يرى من خلال
مؤلفات كثيرة له أن المسلمين خطر عظيم على الانسانية مثل خطر ستالين
وهتلر، وأن تنامي الإسلام ودوائره المرعبة أمر خطير لا يمكن السكوت
عنه، لأن هذا التنامي في العالم الإسلامي من جهة وفي المجتمعات الغربية
عن طريق زرع "الطابور الخامس" من جهة أخرى سوف يصنع خطراً محدقاً
بالحضارة الغربية من الداخل والخارج. ثم يعظّم لويس من هذا الخطر ويقول
إنه سيكتمل بحيازة المسملين للسلاح النووي، حيث تأتي نهاية الغرب
والعالم؛ فحيازة هذا السلاح يجب ألاّ تكون بيد متعصب جاهل وغير عقلاني
كالمسلم. ويستطرد لويس ويدعو إلى وضع خطة استراتيجية لقمع المسلمين
محلياً وعالمياً بحيث يغض الغرب نظره عن النواحي الأيديولوجية
والأخلاقية الخداعة مثل الحريات الأساسية، لأنها ستكون بمنزلة المصيدة
الذاتية. وبهذا فإنه ينبغي علينا، كما يقول، تجاوز مثل هذه الشعارات
عند التعامل مع هذا الخطر القادم. ومع أن لويس كان دائما يفضل النموذج
التركي، الذي يعده أكثر ملاءمة للعرب والمسلمين، فإن بعد انتصار حزب
الرفاه الإسلامي بالأغلبية على الأحزاب العلماينة الأخرى في الانتخابات
التشريعية عام 1996، لم يتوان البتة عن تغيير رأيه في مقالة له نشرت
مؤخراً، يعبر فيها عن استيائه من النتائج الانتخابية في تركيا، والتي
جعلته يتوصل إلى "حقيقة مطلقة" مفادها أن الديمقراطية والإسلام برزخان
لا يمكن أن يلتقيا!(8).
أما بول جونسون صاحب
المؤلفات الكبيرة عن الأديان وبخاصة المسيحية واليهودية، والذي يعد أحد
الأقطاب الرئيسية في مدرسة لويس نفسها فيعتقد أن انتصار الرأسمالية على
الشيوعية يجب أن يكون البداية نحو العالمية الليبرالية، وأن الشعوب
التي ترفض ذلك يجب أن تقبلها عنوة. وأهم ما يدعو إليه هذا الرجل هو
العودة إلى الاستعمار ونظام الانتداب، فهو لا يجد حرجاً في القول صراحة
إن الإمبريالية الغربية هي الوحيدة الكفيلة بسعادة العالم واستقراره،
ويرى أن تأسيس هذه الإمبريالية يجب أن يكون من خلال رسم هيكلية جديدة
للأمم المتحدة، يتم بموجبها أولاً التخلص من "المتغطرس والعنيد" بطرس
غالي (ولقد تم ذلك بالفعل)، ومن ثم جلب القوى الامبريالية الأخرى إلى
مجلس الأمن كاليابان، وبعد ذلك يجب أن يتم تعديل مفهوم الأمن الجماعي
عن طريق إنشاء قوة تدخل سريع للقوى الليبرالية. وبالإضافة إلى ما سبق،
يجب أن يتعمل الدول الليبرالية على إحياء نظام الوصاية والانتداب
اللذين اعتبرهما منهجين ناجحين من النواحي العملية فيما عدا حالة
واحدة، وهي عندما ارتكبت بريطانيا جرماً تحت غطاء الانتداب بحق الحركة
الصهيونية حينما رفضت ممارساتها ضد الفلسطينيين قبل قيام الدولة
العبرية عام 1948!(9)
ويصف جونسون صدامخ حسين
بالشيطان كما يصف الصين بـ"صدام مضاعفاً أربعين مرة"، ثم يعود ليناقض
نفسه ويقول إننا في الغرب يجب أن نتعاون مع الصين ونشركها معنا في
النظام الدولي القادم، وهو ما يدلل على أن كلمة شيطان لا تعني بالضرورة
شيئاً سيئاً ومستنكراً من النواحي المبدئية والعلمية عنده. وهنا يدلل
جونسون –دنما دراية بالحقيق الغرب التي لا تظهر إلا من خلال ما يبيحه
العقل الباطن- على أن التعامل مع الشياطين لا يكون وفقاً للمبادئ، ولكن
تبعاً للمصلحة المادية فقط. وإذا كان الأمر كذلك فقد يتحول صدام بنظر
الغرب يوماً ما، ولعله قريب، إلى "الشيطان والملاك" في آن معاً. فإذا
كان الغرب يحث على لتعامل مع أربعين شيطاناً فما المانع من أن يتعامل
مع الشيطان صدام إذا قام هذا الأخير بالتعهد بخدمة المصالح الأجنبية
والغربية ضد الخطر المحدق المتمثل في التيار الإسلامي وتتم تسميته بعد
ذلك بـ"الشيطان التائب"؟! وهذا المنطق يكشف عن الأسباب التي دعت الغرب
إلى دعم صدام قبل غزوه لدولة الكويت على الرغم من معرفتهم به.
وبهذا فإن المدرسة
الاستشراقية الجديدة وأتباعها لا يدعون إلى تبني القوالب التصورية
البائدة التي روج لها اللاهوتيون في القرون الوسطى فحسب، بل يتمادون
إلى أبعد من ذلك عبر التشكيك بقدرة المسلمين على فهم دينهم. وبموجب هذه
الرؤية فإنه يتعين على المسلمين أن يجدوا من يشرح لهم الإسلام ويقدمه
لهم بالصورة الصحيحة الحضارية (طبعاً التي تتلاءم ومصالح الغرب). فهذا
دانييل بايبس (Daniel Pipes) في كتابه "على درب الله" يتحدث عن الإسلام
بوصفه ديناً لا يفهمه المسلمون "المتعصبون"، بل من يفهمه هم المستشرقون
ومن اتبع سنتهم. والمعصبون هنا يعني بهم من يعارضون الرؤية الغربية،
والذي يقومون –حسب رأي بايبس- بتقديم تفسير خطأ وخطر للإسلام بشكل يهدد
مصالح الغرب والعالم. وبناءً عليه يدعو بايبس العلماء والمتخصصين
المستشرقين في الغرب إلى تقديم فهم جديد للإسلام، يتناسب والحياة
"العصرية" التي ينشدها الغرب. وبطبيعة الحال فإن العصرية عند بايبس
تعني التغريب، وإن كل من يعارض نمط الحياة الغربية وتبعياتها السياسية
فإنه يدخل في عضوية جوقة المتعصبين الذين لا يرمون إلاّ إلى أمر واحد
وهو تهديد راحة الغرب وتعكير صفو انتصاره على الشيوعية العالمية(10).
ويتضح بجلاء من خلال
استقراء مفاهيم بايبس وغيره من المستشرقين الجدد مدى الترابط بين
مفاهيم المدرسة الاستشراقية التقليدية ومدرسة التحديث، ليتمخض عنهما
مدرسة الاستشراق الجديدة التي تقوم أعمدتها الفكرية على ثلاثة محاور:
تهديد المسلمين المتعصبين، وحتمية انتصار التغريب، والحق الإسرائيلي.
والإشكالية هنا لا تقع في ظاهر الكلام الذي يحمل احتقاراً لإمكانية
المسلمين، ولكنها تقع في أمر أبعد من ذلك يتجسد في عدم قدرة المسلمين
على تمثيل أنفسهم، مثلما يقول إدوارد سعيد: وبهذا المنطق فإن بايبس
يفصح عن فكرة خاصة، لم يطرحها بصورة مباشرة تتعدى ما أشار إليه
ظاهرياً، وتتعلق بعدم قدرة المسلمين على تمثيل أنفسهم وإدارة شؤونهم
بأنفسهم، ومن ثم على الغرب أن يتولى ذلك عنهم، حتى في أمور دينهم وليس
دنياهم فقط. وبذلك قد أوجد بايبس المسوغ الأخلاقي والأيديولوجي للتدخل
في شؤون المسلمين في محاولة يائسة، بحيث لا يتناقض ذلك مع مبدأ حق
تقرير المصير الذي طالما روّج له الغرب(11).
وبهذا التصور المهجن بين
اللاأخلاقية واللاموضوعية والنظرة الدونية إلى الآخر تتضح معالم صورة
العرب والمسلمين التي ترسمها المدرسة الاستشراقية الجديدة؛ فالعرب
والمسلمون غير عقلانيين، والإسلام لا يمكن أن تنمو من خلاله ديمقراطية،
وأتباعه غير قادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وعلى رأس تلك الصفات
كلها يُعتبرون خطراً قادماً على الحداثة والسلم والدولي، وبناء على ذلك
يجب على الغرب أن يعود إلى نظام الإمبريالية أو الانتداب أو تحت أي
مسمىً آخر بحيث يبقى هذا الخطر في "قمقمه".
ولو قمنا بتشريح المدرسة
الاستشراقية الجديدة –إن جاز التعبير- لوجدنا أمرين في غاية الأهمية:
الأول، أن اكثر المنتمين إليها إما من اليهود الصهاينة وإما من
مناصريهم؛ إذ لا يوجد –حسب اطلاعي- أي مستشرق جديد تابع للمنهجين
"الدعائي أو الموروث" لا يؤيد الصهيونية والدولة العبرية. والأمر
الثاني، أن مفهوم الخطر وموضوعه بالنسبة إلى أتباع تلك المدرسة يتجسد
في الخطر من الإسلاميين، وأن هذا الخطر موجه بالدرجة الأولى ضد
إسرائيل، وبما أن إسرائيل تعد عاصمة الغرب الأبيض الديمقراطي في الشرق
الأوسط الأسود الاستبدادي فإن هذا الخطر موجه ضد الغرب بل ضد العالم
بأسره. وهذا بالفعل ما صادق عليه المعلّق الإسرائيلي داني روبنشتاين
(Dany Rubinstein) الذي قال: "في الماضي كان المستشرقون الأوربيون
المسيحيون هم الذين يزودون الثقافة الأوربية بالحجج اللازمة لاستعمار
الإسلام وقهره ولقهر اليهود وتحضرهم، أما اليوم فإن الحركة القومية
اليهودية هي التي تنتج كادر المسؤولين الاستعماريين. وأطروحاتهم
الأيديولوجية عن الذهن الإسلامي أو العربي هي التي تطبق في إدارة العرب
الفلسطينيين، وهم أقلية مقهورة ضمن الديمقراطية الأوربية البيضاء التي
تدعى إسرائيل"(12).
ويؤكد نتيجة روبنشتاين
الباحث الأمريكي آرثر لوري (Arthur Lowrie) في دراسته "الحملة ضد
الإسلام والسياسة الخارجية الأمريكية" التي استعرض من خلالها أسماء بعض
المتخصصين والمعلّقين الصحفيين من أمثال مورتايمر زكرمان (Mortimer
Zuckerman)، وفرجوس برودرويتش (Fergus Borderwich)، وروبرت ستالوف
(Robert Staloff)، ودانييل بايبس (Daniel Pipes)، وأموس بيرلموتر (Amos
Permutter)، وولتر جودمان (Walter Goodman)، ولسلي جيلب (Lesli Gelb)،
وديفيد هارتمان (David Hartmen)، ويهوشفاط حركابي (Yehoshhafa
Harkabi)، وستيفن هولمز (Steven Holmes)، وروبن رايت (Robin Wright)،
وأخيراً وليس آخراً، مارتن كرامر (Martin Kramer) الذي قال عنه آرثر
لوري في بحثه: "إنه بروفسور إسرائيلي، وجد نفسه في موقع شاذ كي يقول
للحكومة الأمريكية نيابة عن أكثر المؤسسات قوة في واشنطن، إن يجب ألاّ
تقوم الحكومة الأمريكية بإعطاء تأشيرة الدخول للأجانب الذين لا يتفقون
مع السياسة الخارجية لأمريكا وإسرائيل"(13). وبالفعل لقد أخذت الحكومة
الأمريكية بهذه النصائح ولم تتح لبعض أعلام الفكر الإسلامي الذهاب إلى
الولايات المتحدة الأمريكية للتحاور مع أقرانهم في قضايا أكاديمية بحتة
حول علاقة الإسلام بالغرب(14). كما أن هناك اعترافات بعض المسؤولين في
الخارجية الأمريكية، تؤكد أن سياسة بلدهم تأثرت –إلى حد كبير- بنزاع
إسرائيل مع الإسلاميين(15).
ويتجلى هذا الربط العضوي
بين مفهوم الخطر وموضوعه (وهو المسلمون) في كتابين رئيسيين، طرحا الخطر
الإسلامي الموجه بالدرجة الأولى ضد إسرائيل، ومن ثم ضد العالم
"المتحضر" بأسره: الأول، كتبه شمعون بيريز تحت عنوان "الشرق الأوسط
الجديد" (The New Middle East) حيث يقول في إحدى صفحاته: "نشهد اليوم
بعثاً للإسلاميين، يتصف بالمعارضة للقيم والثقافة الغربية والتراجع عن
الحداثة، والدعوة إلى ممارسة العنف لإنشاء جمهورية إسلامية
انفصالية"(16). وعلى الرغم من أن بيريز رجل سياسي من الدرجة الأولى ولا
ينتمي إلى المدرسة الاستشراقية بهيئتها الأكاديمية، فإنه قد استند في
معظم آرائه عن الإسلام إلى صهيوني آخر اسمه إمانويل سافيان، الذي ألف
كتاب "الإسلام الراديكالي: لاهوت القرون الوسطى والسياسة الحديثة" (The
Radical Islam: Medieval Theology and Modern Politics)(17). وهذا
الارتباط بين الاثنين يشير إلى دلالة لا يشوبها الشك في تلاقي توجهات
السياسة الغربية العامة ضد العرب والمسلمين مع مؤسسات الاستشراق التي
تشكل البنية المعرفية التحتية للفعل السياسي إزاء العرب والمسلمين بشكل
عام. وعندما تفحصنا آراء سفايان، من جهة أخرى، لم نجد إلاّ آراء
المستشرقين التقليديين، الذين تمت الإشارة إليهم، والذين عدّوا الإسلام
ديناً لا يأخذ بالتحديث ولا يمكنه أن يكون ديناً للعقلانيين، أو للذين
يؤمنون بالديمقراطية وحق الاختيار الحر.
ويستطرد شمعون بيريز في
كتابه، وبناء على المعرفة الاستشراقية المسبقة، ليتوصل إلى نتيجة
مفادها أن الديمقراطية لا يمكن أن تطبق في الشرق الأوسط، لأنها سوف
تأتي بنتائج عكسية؛ إذ إن الإسلاميين سوف يفوزون بها ويأخذون زمام
السلطة السياسية بموجب قنوات لا تلائم طبيعة الدول العربية والإسلامية
والظروف المحيطة بها. وعليه، فإنه يعتقد أن الغرب يجب أن يشجع
الديمقراطية في هذه الدول؛ لأنها سوف تأتي بمجموعات معادية لإسرائيل.
وعلى العكس من ذلك فإنه يجب على الغرب –حسب اعتقاده- أن يعمل مع النخب
السياسية التي تهادن اسرائيل بغض النظر عن شرعيتها السياسية.
والكتاب الثاني الذي نرى
أن مراجعته مفيدة في هذا الصدد هو كتاب رافائيل إسرائيلي (Raphael
Israeli)، رئيس قسم الدراسات الآسيوية بالجامعة العربية، ويحمل عنوان
"الأصولية الإسلامية وإسرائيل" (Fundamentalist Islam and Israel).
ويربط إسرائيلي من خلال كتابه بين التهديد الإسلامي لإسرائيل وتهديد
أمن العالم "المتحضر". ولو تتبعنا قراءة الكتاب لوجدناه يبتدئ بفرضية
مسلّمة لديه تتمثل في قيادة إيران للأصولية الإسلامية التي تؤمن
بالعنف، ثم بعد ذلك يبين آراء بعض الإسلاميين وتعارضها مع القيم
والمفاهيم الغربية المتحضرة. وينتقل بعدها ليدلل من الواقع على مدى
خطورة التيار الإسلامي على بعض الدول العربية وإسرائيل بالذات، ويربط
هذا التهديد باستقرار الدول الغربية التي يقول إنها تحتضمن كثيراً من
الأقليات المسلمة المتعصبة والمنظمة التي تسعى إلى تخريب المجتمعات
الغربية، وتهدف إلى تحقيق "حكم ذاتي" لها في المستقبل عن طريق
استغلالها للقيم الغربية مثل الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات
العامة، والتي ليس لها محل في العقيدة الإسلامية عند هؤلاء المتعصبين.
ويختتم كتابه بالقول إن الديمقراطية ليست صالحة للدول الإسلامية
والعربية، وأنه "إذا أخذ مؤشر الأسلمة في الاستمرار مثلما حدث في
انتخابات الأردن عام 1989 والجزائر عام 1991، فلا شك في أن السنوات
المقبلة ستكون خطرة على الاثنين: الغرب وإسرائيل"(18).
هذه المؤلفات وغيرها دعت
كذلك بعض النقاد اليهود الاسرائيلين إلى ملاحظة نواقصها المنكشفة، فهذا
حاييم بارام (Haim Baram) يقول ما مفاده أن قادة إسرائيل قاموا بربط
التهديد الإسلامي (الكفاح الإسلامي) لإسرائيل بتهديد الغرب وأمن العالم
المتحضر والإنسانية(19)، وغدت وسائل الإعلام الإسرائيلية والمتواطئة
معها تروج لهذه الفكرة، فلم تعد ثقافة عامة فقط بل أصبحت سياسة عليا
للدول الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ومن وحي هذه
الكتابات الإسرائيلية-الصهيونية يستشف من كان له لب مدى التزواج الذي
تم بين المدرستين الاستشراقية الجديدة والصهيونية اللتين تسعيان إلى
نبذ كل ما هو إسلامي وتحطيمه عن طريق ربط التهديد الإسلامي لإسرائيل
بالنظام الدولي الجديد(*).
وتحاول هاتان المدرستان أن
تصورا للغرب والعالم أن هناك معادلتين متناقضتين، يجب أن يؤخذ
بإحداهما: الأولى، عناصرها التطور والسلام وإسرائيل والغرب والأنظمة
النخبوية غير الديمقراطية في العالم الإسلامي، أما الثانية فعناصرها
الأصولية والتعصب والإسلاميون والعرب الأفغان والاستغلال الظاهري للقيم
الغربية كالديمقراطية والحرية. وعلى العالم والغرب أن يأخذ بالمعادلة
الأولى لأنها الأصلح والأمثل في عالم متناقض ومتضارب، لذلك نجد أن فكرة
التهديد الإسلامي آخذة في التدويل والتشهير والتسويق، وأصبحت كلمة لها
مدلولاتها الأدبية والسياسية والسلبية في معظم الوسائل الإعلامية
العالمية. ومع الأسف تنطلي مثل هذا الدعوات التي طالما روّج لها
المللون المستشرقون على كثيرين من الطبقة المثقفة في أرجاء العالم
الإسلامي وخارجه، فنجد على سبيل المثال المتبريرات الساذجة لترويج
المشروع "السلمي" مع الكيان الصهيوني، ونجد أيضاً من يشجب أعمال
المقاومة اللبنانية والفلسطينية المشروعة ضد المحتلّ، ويعدّها ضرباً من
ضروب الإرهاب، بينما يغض طرفه عما يفعله الصهاينة بلبنان وفلسطين.
الهوامش
:
...............
1. هناك
كثير من المراجع التي كتبت في هذا الصدد ولعل أفضلها ما كتبه:
Alvin Y.
So, Social Change and Development (Newbury Park, CA: AGE
Publication, 1995).
يتابع
ألفن سو في كتابه التطورات التي لحقت على مدرسة التحديث وتحولاتها
النظرية، كما تمكن مراجعة كثير من الأعمال الأخرى في هذا الصدد والتي
منها:
Gabriel
Almond, Scatl Flangan and Rober Munit (ed.) Choice, and Change:
Historical Studies of Political Development (Boston: Little (ed.).
Understanding Political Development: An Analytical Study (Boston:
Little Brown, 1987).
وهذان
الكتابان يعدان نموذجاً من الأعمال التقليدية لمدرسة التحديث، كما تمكن
مراجعة مقالة صامويل هنتنجتون في هذا المجال والتي تعد دراسة رائدة
وجامعة للأسئلة والمفاهيم والمداخل النظرية لمدرسة التحديث:
Samuel
Huntington, “Change to Change”, Comparative Politics, Vol. 3 (April,
1971): 283-322.
وللاطلاع
على علاقة التحديث بالاسلام من وجهة نظر إسلامية تمكن مراجعة الدراسات
الواردة في العدد الخاص بهذا الموضوع في مجلة:
The
American Journal of Islamic Social Sciences, Vol. 14, no. 1 (Spring,
1997).
وعلى وجه
الخصوص دراسة محمد ممتاز علي (Mohammed Mumtaz Ali) في العدد نفسه
المشار إليه التي حملت عنوان:
“The
Concept of Modernization: An Analysis of Contemporary Islamic
Thought”: 13-26
2. انظر:
Harir
Dekemjian, Islam in Revolution: Fundamentalism in the Arab World
(New York: Syracuse University Press, 1985).
3.
راجع:
Akbar
Ahmed and Hasting Donnan, “Islam in the Age of Postmodernity”, 1-20
and Fred Halliday, “The Politics of Islamic Fundamentalism: Iran,
Tunisia and the Challenge to the Secular State”, 91-113. In Akbar
Ahmed and Hastings Donnan, Islam, Globalization and Postmodernity
(London: Routledge, 1984).
وللاستزادة حول علاقة الإسلام بالعولمة تمكن مراجعة العدد الخاص
بالعولمة الذي نشر في:
The
American Journal of Islamic Social Sciences, no. 3, Vol. 15, (Fall
1998).
وبخاصة
دراسة البروفسور علي المزروعي (Ali Mazrui) في العدد نفسه المشار إليه
حملت عنوان:
“Globalization, Islam, and the West: Between Homogenization and
Hegemonization”: 113
4.
للتفصيل حول هذه المداخل انظر دراسة:
Fred
Halliday, Review Article “The Politics of Islam: A second look”,
British Journal of Political Science, no. 25, part 3 (July, 1995):
399-417.
5. انظر:
Benjamin
Barber, Jihand Vs. McWorld (New York: Random House Inc., 1995):
315-316.
6.
Ibid., 205.
7.
انظر: Edward Said, Orientatalism, op. cit., 315-316
8.
انظر:
Bernard
Lewis, “Islam and Liberal Democracy, “The Atlantic Monthly,
(February, 1993): 89-94.
9.
إدوارد سعيد، تعقيبات على الاستشراق، ترجمة وتحرير صبحي حديدي (بيروت:
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص14-19.
10.
أنظر:
Daniel
Pipes, In The Path of God: Islam and Political Power (New York:
Basic Books Inc. Publishers, 1983).
اعترف
باييس في مقدمة الكتاب، في ص24 بأنه اتبع منهج المدرسة الاستشراقية
التقليدية الأوربية-الأمريكية، لهذا فإنه طوال صفحات كابه أعلن مراراً
بأن المسلمين يجدون صعوبة للاندماج مع الحداثة (ص168)، ويقول لإثبات
فرضيته تلك إن المسلمين دون غيرهم من الحضارات قد عارضوا الهيمنة
والاستعمار الغربي، ومثاله على ذلك معارضة المسلمين الفلبينيين
للاحتلال الإسباني والاستعمار الأمريكي (ص170-171). وفي ص188 يقول
صراحة: عند مقارنة الحضارات غير الغربية، نجد أن الخبرة الإسلامية هي
الأقل تناسباً مع الحياة الحديثة، حيث يواجه المسلمون معضلات أكثر من
الهنود والصينيين واليابانيين. وعلى الرغم من أن بايبس قد حاول تلطيف
نزعته المتطرفة حينما قال في ص192-193 إن رفض المسلمين للحداثة راجع
إلى كونهم قد تعرضوا للاستعمار والهيمنة الغربية والى أن قيم الإسلام
لا ترفض الحداثة، لكنه لم يستطع الانحلال من قيود نظرته المتعصبة بعد
أقل من ثلاث صفحات فقط على ما تقدم (أي في ص196)، حيث كتب إن ادعاء بعض
المسلمين بفصل الحداثة عن التغريب هو مثل عملية إنجاب الاطفال ولكن دون
اتصال جنسي.
وبعيداً
عن الكتاب المشار إليه فإن دانييل بايبس يعتبر من أشد المستشرقين الجدد
ذوي الميول الصهيونية الإسرائيلية، حيث يعبر عن آرائه المتشددة في
العديد من كتاباته وبخاصة في صحيفة وول ستريت جورنال (Wall Street
Journal)، (انظر الأعداد بتاريخ 30/تشرين الأول/أكتوبر 1992 و22 كانون
الثاني/يناير 1991 على سبيل المثال لا الحصر)، وفي إحدى مقالاته
الشهيرة التي حملت عنوان "المسلمون قادمون، المسلمون قادمون!" والتي
أشار إلى أن الدول الإسلامية هي أكثر الدول إرهاباً وأقلّها ديمقراطية
بين دول العالم؛ وللاستزادة انظر:
Daniel
Pipes, “The Muslims are coming! The Muslims are Coming.” National
Review, no. 42 (November 19, 1990): 29.
والمفارقة العجيبة أن بايبس يعمل محرراً لمجلة كوارترلي ميدل إيست
(Quarterly Middle East) التي ينادي من خلالها بتعزيز "المصالح
الأمريكية بالشرق الأوسط وتأهيل المجتمع الغربي للفهم السياسي
والاجتماعي لدول الشرق الأوسط وشعوبه". علماً بأن هذه المجلة ممولة من
مؤسسة برادلي التي تقف بانحياز ضد المسلمين وإلى جانب إسرائيل، كما هو
مبين في الجزء الخاص بمراكز الفكر من هذا البحث.
11. إدوارد
سعيد، تعقيبات على الاستشراق، مرجع سابق، ص33-62.
12.
المرجع السابق، ص47.
ويرى
رالف برايبانتي أنه ومنذ نشأة إسرائيل عام 1948 لم ينقض أسبوع دون
تنبيه العالم على خطر الإسلام، حيث أتى ذلك الإيعاز بشكل قوالب فكرية
وموضوعات إعلامية مثل الحرب، والاعتداء، والإرهاب، والنفط، والمقاطعة،
والتطهير العرقي، والاعتداء على الانسانية، وصراع الحدود. وهذه الأخبار
كانت تغطي العالم الإسلامي من فلسطين إلى الفليبين مروراً بكشمير
والكويت وقبرص والشيشان والبوسنة وصحراء المغرب ولبنان، حتى أصاب
العالم الغربي داء اسمه الخوف من الإسلام (Islamaphopia)، للتفصيل راجع:
Ralph
Braibanti, “Islam and the West: Common Cause or Clash?” The Journal
of Islamic Social Sciences, Vol. 16, no. 1 (Spring, 1999): 1-39.
13.
انظر:
Arthur
Lowrie, “The Campaign Against Islam and American Foreign Policy.”
Middle East Policy, vol. 4, no. 1-2 (September, 1995): 210-219.
14.
Ibid.:216-217 يقول الباحث: إن كتّاب مقالات صحفية من باحثين ومعلقين
مناصرين لإسرائيل وإسرائيليين داخل الولايات المتحدة الأمريكية شنوا
حملة دعائية ضد زيارة الشيخ راشد الغنوشي عندما كان مدعواً لإجراء حوال
مع بعض الأكاديميين الأمريكيين، مما ترتب عليه عدم منحه تأشيرة الدخول
وبالتالي إلغاء الحوال المزمع عقده.
15.
فواز جرجس، مرجع سابق، ص22.
16.
انظر:
Shimon
Peres, The New Middle East (New York: Henry Holt, 1993), 38-39.
17.
انظر:
Emmanuel
Sivan, Radical Islam: Medieval Theology and Modern Politics
(Binghamton, NY: Vail-Ballou Press, 1985).
ولقد
أشار شمعون بيريز إلى كتاب يفان في ص40، حيث اعتمد على نتائجه كي يعطي
وصفاً عاماً عن الإسلام والحركات الإسلامية بوصفهما خطراً يداهم
الحاضرة والمدنية بشكل عام.
18.
انظر:
Raphael
Israeli, Fundamentalist Islam and Israel, The Jerusalem Center for
Public Affairs (New York: Lanham, 1993), 201.
19.
انظر:
Haim
Baram, “The Demon Islam,” Middle East International, no. 2
(December, 1994): 8.
(*) تجدر
الإشارة في هذا الصدد إلى ضرورة التفريق بين بعض اليهود المستشرقين ذوي
الميول الصهيونية مثل برنارد لويس وإمانويل سافيان ودانييل بايبس
وأمثالهم من المستشرقين الآخرين، من حيث الدوافع الفكرية والسياسية حتى
لو كانت النتائج والأفكار النهائية متماثلة مع نظرائهم. فالمدرسة
الاستشراقية اليهودية مهجنة بالإفكار الصهيونية المعادية لكل ما هو
متعارض مع مصالح إسرائيل السياسية، أما المدارس الاستشراقية الأخرى فهي
وليدة التراث الاستعماري الذي أثاره الاحتكاك التاريخي بين الغرب
والشرق بكل عام والعرب والمسلمين بشكل خاص، وقد تم الالتقاء الحالي بين
التيارين بفعل الالتقاء بالمصالح، أو بالأحرى بفعل دور سوائل الإسلام
التي يسيطر عليها الصهاينة في العالم الغربي والتي تحاول أن تجعل من
الإسلام والمسلمين خطراً دولياً على العالم بأسره، كما سيتضح ذلك في
الصفحات المقبلة من هذه الدراسة.
...................
(*) من كتاب ((مؤسسات الاستشراق والسياسة الغربية تجاه العرب
المسلمين)) للباحث
|