الحضارية «دراسات شرقية-غربية»

الإثنين: 20/07/2009

 

القراءة الغربية- الاستشراقية

للتاريخ الإسلامي(*)  /1

       

عبد الله يوسف سهر محمد

 

تنقسم القراءة الغربية-الاستشراقية للتاريخ الإسلامي إلى ثلاث دوائر تاريخية مرّ بها المسلمون، وهي كالآتي:

الدائرة التاريخية الأولى:

        ونطلق عليها دائرة "التراكم العدائي المغلوط"، وهذه الفترة التاريخية تبدأ منذ بزوغ الإسلام مروراً بالفتوحات الكبرى وانتهاء بتضعضع قوة الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع عشر. وكان المسلمون خلال هذه الفترة في سدة القيادة العالمية يسيطرون على مساحات واسعة، كما أنهم كانوا يهددون تخوم أوربا، حيث فتحوا معظم بلاد اليونان والمجر وحاصروا فيينا ووصلوا إلى حدود فرنسا. ونتيجة لذلك تكوّن عند الأوربيين الذين كانت تسيطر عليهم الكنيسة حينذاك ما يسمى "عقدة المسلمين"، وظهرت شروح كثيرة حول خطر المسلمين وديانتهم على المسيحية وأوربا، بل حتى على العالم كله. ويقول المستشرق الروسي ألكسي جورافسكي (Alexy Zhuravsky) عن هذه الحالة: "لقد هيمن على الإدراك (الوعي) الأوربي في القرون الوسطى الموقف السلبي الصريح تجاه الإسلام، على الرغم من أن الأطروحات والمؤلفات المصنفة ضمن هذه المنحى قد انتشرت عندئذٍ بأشكال وصيغ مختلفة ومتمايزة جداً"(1).

        ويعطي جوارافسكي أمثلة من هذه المؤلفات الرائجة وتأثيرها في الإدراك والوعي الأوربيين، فمثلاً خرج أحد الرهبان الدومنيكانيين (Dominicans) الذي زار بغداد إلى الأوربيين بحكاية فحواها أن الشيطان استخدم كتاباً ووسيطاً من طبيعته لوقف انتشار المسيحية، والكتاب يقصد به القرآن، أما الوسيط فيقصد به الرسول محمد [ص]، الذي يجسد روح المسيح الدجال! وراهب آخر يقول عن الرسول [ص] إنه ساحر، ولقد سمح بالدعارة والفسق كسباً للأتباع. ويتابع جورافسكي القول إن بعض رجال الدين في العالم المسيحي كانوا يطلقون على الرسول [ص] اسم (ماهومت) أو (موميتو) الذي يعني الصنم (Mamomet)، ثم حور المعنى ليكون بمعنى الدمية، والذي لم يستطع كذلك أن يكون رجل دين فهرب إلى جزيرة العرب ومعه عقدة الإحباط والفشل والتأثر بالمذاهب والديانات الأخرى(2).

        كما أن هذه الأفكار نفسها تتكرر في أشهر كتاب درامي-ديني في أوربا وهو "الكوميديا الإلهية" (The Divine Comedy) لمؤلفه دانتي أليجيري (Dante Alighieri) أعظم شعراء إيطاليا، الذي وصف عذاب الرسول محمد [ص] والإمام علي كرم الله وجهه في الآخرة على نحو ساخر ومخيف، لأنهما –حسب رأيه- أصل الفساد في الأرض(3). لقد تكونت بفعل هذه الكتب وغيرها تصورات وإدراك جماعي لدى الأوربيين بأن الإسلام يتسم بالكذب والتشويه، وأنه دين الاحتقار والجبر والانحلال الخلقي والتساهل في الملذات والشهوات، وأنه دين لا يعرف إلا لغة الحرب والخراب والإرهاب.

        ولم يتحرر من هذا الإدراك المغلوط حتى أعلام الأدب والفلسفة الأوربية مثل شكسبير وتوماس الأكويني (122501272) وفولتير ومونتيسكيو؛ إذ يورد الأول في إحدى رواياته المسرحية، أسطورة الحمامة التي دربها الرسول محمد [ص]- كما يدعي الكهنوتيون في تلك الفترة –على نقر أذنه كي تصور العرب بأنها وحي سماوي، ويقتبس في أحد فصول مسرحياته الروائية: "أتُلهم الحمامة محمداً؟... أما أنت فإن النسر ربما ألهمك"(4). ولا يخرج عن هذا النطاق توماس الأكويني أو توما الأكويني كما يسميه بعض الدارسين، وهو أشهر فيلسوف ورجل دين أوربي، حيث نظر بازدراء إلى الإسلام بوصفه ديناً للجهلة ومؤيدي استخدام العنف، ولقد ورث هذه النظرة السلبية الكثير من فلاسفة الغرب وأدبائه إلى حد ساهم في بناء منظور عام عن العرب والمسلمين يصعب التحرر منه إلا فيما ندر(5).

        فعلى سبيل المثال -لا الحصر- نجد همفري بريدو (Humphrey Prideaux) الذي يعد من أوائل المستشرقين، يخرج بفكرة لإنقاذ المسيحية التي ضعف وهجها السياسي في عهده بالقرن السابع عشر حيث يقول إن الإسلام كان عقاباً من الله على تشرذم المسيحيين وخلافهم وبخاصة في المقاطعات الشريقية للكنيسة الرومانية، وعليهم الآن أن يتعظوا ويحلوا خلافاتهم، وإلاّ فسوف يرسل الله عليهم عقاباً آخر (محمداً آخر)، ليعكر صفو حياتهم وأمنهم(6). ويتواصل معه الفيلسوف الفرنسي العلماني الشهير فولتير في كتابه "النبي محمد" (Mahomet) فيتقوّل على الرسول [ص] ويصفه بأنه عار على الجنس البشري، حيث إنه يجسد خطر التعصب والنفاق والعنف(7).

        ويشير الفيلسوف مونتيسكيو صاحب نظرية فصل السلطات إلى أن الإسلام استبدادي ومتناقض مع الغرب، وذلك في أطروحتيه "روح القوانين" (L’Esprit des lois) و"الرسال الفارسية" (Letters Persians)، ونقلها بعد ذلك عنه كارل ويتفوجل (Karl Wittfogel) في كتابه الذائع الصيت "الاستبداد الشرقي" (Le Despotisme Oriental) الذي نشر عام 1967(8). وعلى الرغم من الفروقات الفكرية التي تفصل بعض هؤلاء العلماء والمفكرين عن بعض، من حيث منطلقاتهم الفكرية سواء كانت لاهوتية أو علمانية، فإنهم قد اجتمعوا على رأي مشترك تنتهي خلاصته بالصورة السلبية تجاه المسلمين والإسلام.

        وهكذا فإن النظرة في هذه المرحلة التاريخية والمتقدمة منها بخاصة تنم عن رؤية عدائية مغلوطة عن الإسلام بسبب توسع الأخير وانحسار المسيحية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخها. وبالإضافة إلى ما سبق، فإن هذا الموقف العدائي قد يرجع إلى تأثير رجال الدين وسيطرتهم السياسية الكبيرة في أوربا قبل عصر النهضة، مما يجعل هذه الآراء ضرورية للخطاب السياسي أكثر من أن تكون ذات بعد ديني بحت. ولقد خلقت مثل هذه التصورات والانطباعات الفكرية عن الإسلام والمسلمين قولبة جماعية لدى الخواص والعوام في آن معاً يمكن أن نصفها بالهالة الفكرية المسيطرة (Paradigm) على الفكر الأوربي السياسي في تلك الفترة(9). ولقد أثرت هذه الهالة الفكرية المسيطرة في الدوافع السياسية إزاء الشرق الإسلامي وتجسد ذلك في التوجهات السياسية عند الأوربيين بشكل كبير عندما قاموا بالحملات الصليبية المتكررة على فلسطين وبلاد المسلمين.

        هذه الأفكار لم تعبّد الطريق للاستعمار الغربي فحسب، بل أعطته مسوّغاً ووازعاً نفسياً وحضارياً وسياسياً وأخلاقياً. ولعلّ هذه الأفكار كانت شبيهة بتلك التي أ"لقها بعض الكهنوتيين ورجال الدين قبل فترة الحروب الصليبية، كالدعوة العلنية الشهيرة التي أ"لقها البابا أوربانُس الثاني عام 1095، والتي طالب فيها أباطرة أوربا وملوكها وحكامها باستعادة الأراضي المقدسة من يد "القوى الشيطانية" ويقصد بها المسلمين. والجدير بالذكر أن الحملات الصليبية السبع جميعها التي استمرت بين عامي 1096 و1291 لم تكن تخلو من أهداف وحوافز دينية، تمثلت في السعي لطمس الإسلام ومعالمه والقضاء على المسلمين وتراثهم، بالإضافة إلى كثير من الأهداف الاقتصادية والسياسية. وإن فشل هذه الحملات لم يردع كهنة أوربا وملوكها عن التفكير مجدداً في غزو بلاد الإسلام، بل أخذ التفكير يتراكم تحت حطام العقدة إزاء المسلمين. لكن بسبب حالات الشقاق والخلاف التي شابت العلاقات الأوربية-الأوربية في تلك الحقبة التاريخية، لم يكن هناك خط سياسي متفق عليه لمواجهة المسلمين بين النخب الحاكمة في أوربا.

        وبعد تدهور دور الدولة العثمانية وهبوط قوتها دبّ الأمل من جديد بالأطماع الأوربية نحو الشرق، فأخذت دولها وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا في تهميش دور العثمانيين وتمزيق دولتهم من خلال سلسلة كبيرة من الاتفاقيات السرية والعلنية. وما إن شعر الأوربيون بترنح الرجل المريض (الدولة العثمانية) حتى لجأوا إلى التآمر الاستعماري المنظم، مما تمخض عنه بزوغ الدائرة التاريخية الثانية، التي انتقلت بالعلاقات الأوربية-الشرقية إلى جولة جديدة تمثلت بالاستعمار.

الدائرة التاريخية الثانية

        بعدما انقضت المرحلة الأولى التي شكلت بدايات التفكير الغربي تجاه المسلمين والعرب، والتي أدت إلى تأسيس رؤية مغلوطة مصحوبة بحافز وسلوك سياسيين بدأت مرحلة تاريخية ثانية يمكن أن نطلق عليها مرحلة "الإرث الاستعماري". وبدأت هذه المرحلة مع إرهاصات انهيار الدولة العثمانية وبروز دور محمد علي في مصر. وفي الحقيقة إن هذه المرحلة قصيرة جداً مقارنة بسابقتها، وإن أهم ما فيها هو انبعاث الأمل من جديد ببناء دولة قوية في العالم الإسلامي، ولكن سرعان ما تبدد هذا الامل وذهب أدراج الرياح.

        ففي هذه المرحلة خرج محمد علي بحركة إصلاحية داخلية، إضافة إلى حملات عسكرية توسعية كان من المحتمل أن تؤدي إلى قيام دولة إسلامية جديدة وقوية تكون مصر قلبها النابض. وقام إبراهيم باشا ابن محمد علي بحملات عسكرية كبيرة، كان مؤداها هزيمة الجيوش العثمانية في قونية عام 1831 حتى وصل إلى أبواب القسطنطينية، فما كان من الدول الأوربية التي كانت متفقة على تمزيق الدولة العثمانية إلا أن تناقضت مع هدفها بصورة وقتية، وشكلت تحالفاً بين انجلترا وبروسيا والنمسا وروسيا من جهة وبين قوات الباب العالي من جهة أخرى، تمخض عنه توقيع معاهدة لندن عام 1840، وترتب على هذا التحالف إلحاق الهزيمة بقوات محمد علي، وإجباره على التراجع والبقاء في حدوده داخل مصر. والسؤال المطروح هنا، لماذا لم تترك هذه القوى شأن المسلمين للمسلمين دون أن تقحم نفسها في صراغ يمكن أن ينعكس عليها أيديولوجياً، وبخاصة أنها سعت مراراً إلى إسقاط الدولة العثمانية، وجازفت بفرصة قد لا تتكرر؟ إنه سؤال يحتاج إلى تأمل فكري عميق.

        ولعل من أهم الأسباب لهذا الموقف الأوربي المتناقض تلك الرؤية المغلوطة المتراكمة من الماضي نحو المسلمين وإسلامهم. فلم يعد الغرب الأوربي يفكر إلا من خلال هذه التركة التي مهدت للعصر الاستعماري، وأوجدت المسوغات النفسية والحضارية والسياسية الخلاقية كما سبق أن أشرنا. فأوربا لم تعد تتحمل أي حركة سياسية في الشرق الإسلامي يمكن أ، تؤدي إلى دفع تاريخي نحو الأفضل، وإن التاريخ وفق الرؤية الغربية الاستعمارية يجب أن يكون عنصرياً بحيث تبقى أوربا والغرب في القمة وأن تبقى العناصر الغربية هي العناصر المؤثرة، بينما يبقى العرب والمسلمون على ما هم عليه من سلبية وتأثر وضعف. ويقول جورافسكي في كتابه "الإسلام والمسيحية" عن هذه الحالة إن الأوربيين لم ينظروا إلى الإسلام كعدو أثناء فترة التعصب والتحكم الديني في أوربا فقط، بل حتى أثناء الفترة اللاحقة وبالتحديد إبان الاحتلال الاستعماري في القرنين التاسع عشر والعشرين، فلقد كان الدين شعاراً أيديولوجياً للاستعمار لا يمكن أن ينكره أحد. ويمكن التدليل على ذلك باستعراض الموقف الكنسي إزاء الاستعمار، ونذكر بهذا الصدد وصف مطران باريس الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1840 بأنه انتصار للمسيحية على الإسلام(10).  

        وحتى نستطيع أن نتعرف الثقافة السياسية التي دفعت الفعل السياسي الأوربي إزاء العالم الإسلامي، يفترض أن نسلط الضوء ولو بصورة سريعة على بعض الأدبيات الغربية عن الإسلام خلال هذه الفترة، لكن قبل ذلك حري أن ننبه على أن معظم الأدبيات في هذه الفترة قد قام بتأليفه مؤرخون وأنثروبولوجيون وفلاسفة من ذوي التنشئة غير الكهنوتية، حيث ركب معظمهم سفن الرحالة والاستكشافات إلى الشرق لدراسة مجتمعاته عن قرب. ولقد سمي هؤلاء بالمستشرقين لتخصصهم بالشرق (Orient)، وظهرت معهم المدرسة الاستشراقية (Orientalism) بشكلها المحترف أي بوصفها مؤسسة ثقافية في الغرب.

        وعلى الرغم من أن كثيراً من المستشرقين لم يتلق دراسة دينية فإنه ظل يحمل انطباعات المدرسة الدينية وأفكارها عن المسلمين وعن حتمية الصراع وبديهية التناقض الحضاري معهم، حتى حينما قام بدراسة المجتمعات الإسلامية والعربية من خلال العيش في أوساطها. وفي هذا الحكم على المستشرقين لا أدعي العمومية ولكن الوجه الأغلب. فهناك بعض المستشرقين الذي أنصفوا أصول البحث العلمي قبل أن ينصفوا موضوع البحث ولم تتأثر دراستهم بنصرة طرف دون الآخر(11)، ولكن الذين نعنيهم هم الذين أسسوا المعرفة التصورية الأوربية عن المسلمين في عهد الاستعمار، والذين أعطوا غطاءً فلسفياً وأخلاقياً للتوجه الغربي المعلن نحو الشرق، وشاركوا في استراتيجية السيطرة عليه. وأفضل من ألّف حول موضوع الاستشراق والمستشرقين هو إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق" (Orientalism). والاستشراق، حسب رأي سعيد، نظام معرفي ومنهج يمثل إدراكاً غربيا متأسساً على نظرة دونية لما هو شرقي وعلى نقيض ما هو غربي. ويجب تأكيد أن آراء المدرسة الاستشراقية تلاقي فهماً وقبولاً خاصاً، بل دعماً منظماً من الحكومات والنخب التي تمتلك القوة في الغرب، لذلك فإن محنة الاستشراق تمثلت في التقاء المعرفة المغلوطة عن الشرق مع المصلحة والقوة القاهرة التي يمتلكها الغرب، مما جعل الاستعمار يحظى بتسويغ حضاري وتاريخي وفلسفي وقبول حتى عند العامة من الناس في الغرب. وأصبحت مسألة الهيمنة على الشرق ومجتمعاته –بما فيها الإسلامية- مهمة حضارية و"مسؤولية إنسانية" عند الانسان الغربي. ويعبر عن هذه الحالة جولز هارماند (Juels Harmand) أحد الدعاة للإمبريالية وللاستعمار الغربي عندما أكد ضرورة القبول بهرمية الحضارات، وبالتالي أحقية الأفضل منها بفرض نفسه على الآخرين(12).

        واستطاعت المدرسة الاستشراقية أن تصنع وعاء احتوى على خبراء في الاجتماع والاقتصاد والانثروبولوجيا والسياسة وعلم النفس وعلوم الفنون واللاهوت، إضافة إلى صانعي القرار السياسي في الحكومات الغربية ومتخذيه. وكان الانتاج الكبير لهذه المدرسة متمثلاً في عقدة "نحن" و"هم" و"الأعلى" و"الأدنى". ومن بطن هذه الحالة أو العقدة، كما نسميها، تخرج كتابات كثيرة ومصنفات عديدة لعلماء غربيين يعتبرو من أقطاب الفكر الغربي والعالمي. فعلى سبيل المثال يقول توماس فالبي فرنش (Thomas Valpy French) (1825-1891): "إن المسيحية والمحمدية في اختلاف تام مثل اختلاف الأرض والجنة، لا يمكن بأي حال أن يتعايشا معاً"(13). ويزيد عليه معاصره آرنست رينان (Ernest Renan) (1823-1892) أحد علماء أوربا الذي أسس معرفة الدول الأوربية عن الإسلام في أطروحته "الإسلام والعلم" (L’islamisme et La Science) حيث يقول إن شعوب الشرق وأفريقيا ذوو عقول مغلقة أمام العلم، وليسوا بقادرين على الانفتاح على أي شيء جديد. كما يذهب رينان إلى أبعد من ذلك ويقول: "إن مستقبل الانسانية متوقف على الاوربيين، ولكن هناك شرطاً ضرورياً لذلك؛ تحطيم عناصر الحضارة السامية والقوى الدينية للإسلام"(14).

        وفي السياق نفسه يأتي آخرون، لا يسع المجال لذكر تصوراتهم من أمثال جيرار دي نافال (Gerard de Nerval) وفولني (Volney) ومارك بلوك (Marc Block) بالإضافة إلى جموع كثيرة من المفكرين والمثقفين الغربيين أجمعوا على تفوق كل ما هو أوربي وأن الشرق بما يحتويه من ثقافة وإنسانية ما هو إلا سقوط خارج أطواق التاريخ المتحضر(15). ناهيك عن دعم هذه التصورات بالمشاهد التصورية للشرق، التي رسمها أكبر فناني الغرب مثل جون أوجست دومونيك إنجريه (John A. D. Engres) صاحب لوحتي "الجارية والعبد" و"الحمام التركي" والذي لم يذهب إطلاقاً إلى الشرق! أما يوجين ديلاكروا (Eugene Delacroix) الذي شغف بالصور "الشهوانية الجنسية" للعرب والمسلمين فيعكس هذه الحالة في لوحته "الجارية"، وقد أراد من خلال لوحته إبراز ماهية الشرق حسب اعتقاده.

        أما لوحة جان ليون جيروم (Jean-Leon Gerome) "ساحرة الثعبان" فهي تعطي صورة حقيقية للانطباعات الاستشراقية المغلوطة عن المجتمع العربي الإسلامي. هذا، إضافة إلى عدد كبير من الفنانين المستشرقين، الذين يصعب حصرهم، والذين رسموا "الحريم" مثل جون لويس ولودفيج دويتش وألبرتو باسين. وفي الاتجاه نفسه، يتفنن آخرون برسم الرقيق مثل لوحة "سوق الرقيق بالقسطنطينية" لوليم آلان، الذي صور كيف ينتزع الرجل المسلم الطفل من أمه في أثناء بيع الرقيق، ويظهر آخران من الأشداء يجران امرأة بالعنف ليبيعوها. وعلى هذا المنوال، ينسج وبهذا الموّال يغني الكثيرون في الغرب أنشودة الرق والحريم والجنس في الشرق، كل هذا –طبعاً- باسم الفن الواقعي(16).

        ولم يتقصر تأثر الفنّين التشكيلي والواقعي بالصورة المغلوطة عن الشرق، وإنما تعداها إلى أن يحاكيا الواقع السياسي ليتأثرا به ويغرفا منه ألوانهما. ولما كان الفن ممزوجاً بالسياسة، فرضت هذه الأخيرة لوناً خاصاً على الفنانين في تلك الحقبة، وخرج ما يسمى ﺒ "الفن والسياسة من فوق". وتمثّل هذا اللون في كثير من اللوحات الفنية العالمية الشهيرة، ومنها: لوحة جيرين "ثوار القاهرة يطلبون العفو" عام 1808، التي تعبر عن حقيقة الأيديولوجيا الاستعمارية، حيث صور بألوانها الثوار المصريين بمظهر المنهزم الضعيف الذليل الطالب للمغفرة والرحمة من نابليون بونابرت وأعوانه الذين صورهم بمظهر الرحمة والحضارة. أما لوحة جيروديه "انتفاضة القاهرة" عام 1810 فلا تخرج عن النمط نفسه، حيث تصور كيف يحاول الجيش الفرنسي صد عنف الثوار بأسلوب "حضاري" تأسيساً على الانطباع الذي يعزز مفهوماً محدداً يتلخص بأن الجيش الاستعماري يؤدب الشعوب المتخلفة الرافضة للحضارة والرقي ويطورها.

        ويأتي كثير من اللوحات لأنطوان جان جرو مثل "بونابرت يزور مرضى الطاعون" و"معركة الناصرة" التي انتصر فيها الفرنسيون على الجيوش الإسلامية والتي تُظهر الجندي الفرنسي بالمظهر الشجاع النظيف الرشيق ف ي مقابل المسلم الضعيف الخائف(17). وهناك سلسلة كبيرة من اللوحات خدمت أيديولوجيا الاستعمار، ومن ثم أ×ذت طريقها إلى الشهرة العالمية وسكنت المتاحف الرئيسية في العالم، وهي تختزل الصورة الدرامية المقلوبة للشرق الباطل والغرب الحق. وعلى الرغم من تسمية هذه الأنواع من النقوش بفن المدرسة التعبيرية أو الواقعية، فإننا لا نجدها –في الواقع- تثبت حقيقة أكثر منها انسياقاً أعمى خلف الاستشراق السياسي، الذي كان هدفه فرض واقع آخر وليس اكتشافه.

        إن هذه العقدة إزاء المسلمين والعرب جعلت المواطن الغربي لا يرى تناقض حكومته، التي تدعي الحرية والديمقراطية والليبرالية والتقدم والمساواة، والتي –من جانب آخر- تمارس القهر الاستعماري ومساندة أقطاب الدكتاتورية وأذناب المستعمرين في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، وفي فلسطين والسودان خلال فترة الانتداب والاستعمار البريطاني، وفي ليبيا عندما احتلها الإيطاليون، حيث لم يعد غريباً أو مستهجناً إعدام عمر المختار، بل أصبح قتله انتصاراً إيطالياً وأوربياً، لأنه كان يمثل قوى الشر والتخلف ضد ىقوى الخير والتطور تبعاً للتصور الغربي.

        وبناءً عليه، فإنه لا وجود لأي غبش أو غمامة عن تأثير المدرسة الاستشراقية التي صورت كل عمل شرقي على أنه سوء، وكل فعل شرقي إيجابي على أنه خطر على الغرب، بينما تجد الخطيئة العارية التي يقوم بها الغرب تبريراً أخلاقياً في البناء الثقافي المتجسد في مقولة "نحن الأعلى" و"هم الأدنى".

        وبهذا أصبح الفعل الغربي سابقاً لوجود مسبب شرقي، كما أصبح التبرير الغربي مجرد إسقاط لغوي خاوٍ من محتواه المنطقي. ولماذا يُحتاج إلى المنطق بالأساس إن كان الغرب –حسب الرؤية الاستشراقية السلبية في طرحها العام- هو المنطق؟! وضمن هذا السياق نستطيع أن نتوصل إلى جواب السؤال الذي أوردناه سلفاً عن سبب وقوف الغرب ضد حركة محمد علي وإلى جانب الدولة العثمانية، على الرغم من اقتباس محمد علي كثيراً من الأنماط الغربية في حركته الإصلاحية، وعلى الرغم –أيضاً- من معاداة الدول الغربية للإمبراطورية العثمانية التي كانت تعد رمز الضلال الإنساني والحضاري عند الغرب؛ فإن أي ظاهرة أو حركة توحي بنهضة الشرق كان على الغرب أن يقمعها سواء أكانت تلك الحكة قومية أم إسلامية، رأسمالية أم اشتراكية، علمانية أم دينية. وعليه لم تكن سياسة الغرب –ولن تكون- موجهة ضد أيديولوجيا بعينها، ولكن ضد ما تحمله هذه الأيديولوجيا من قدرة على النهوض بمجتمعها في الشرق، لهذا فإنها حاربت العلمانية وعندما شعرت بقوتها في عهد عبد الناصر واليوم تحارب الإسلاميين بالسلاح القديم نفسه(18).

 

 

...................
(*) من كتاب ((مؤسسات الاستشراق والسياسة الغربية تجاه العرب المسلمين)) للباحث

 

الهوامش:
........................

1.    الكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، ترجمة خلف الجراد، العدد 215، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1996)، ص74.

2.    المرجع السابق، ص77.

3.    دانتي اليجيري، الكوميديا الإلهية- الجحيم، ترجمة حسن عثمان (القاهرة: دار المعارف، 1995)؛ وانظر كذلك جورافسكي، مرجع سابق، ص67.

4.    جورافسكي، مرجع سابق، ص76.

5.    تمكن مراجعة هذه الآراء في الدراسة الرائدة:

Albert Hourani, “Islam and the Philosophers of History”, Middle Eastern Studies, no. 3 (April, 1967): 206-268.

6.    انظر:

M. P. Holt, “The Treatment of Arab History by Prideaux, Ockley and Sale”, In Bernard Lewis and M. P. Holt (ed.), Historian of the Middle East (London: Oxford University Press, 1962), 291.

7.    الكسي جورافسكي، مرجع سابق، ص100، والجدير بالذكر أن العنوان الأصلي لكتاب فولتير باللغة الفرنسية هو (Le Fanatisme ou Mahomet).

8.    بشارة خضر، أوربا والوطن العربي: القرابة والجوار، ترجمة جوزيف عبد الله، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1993)، ص132؛ كما يمكن الرجوع لاستقراء مثل هذه الآراء إلى كتاب:

Josep Schact and C. E. Bosworth (eds.), The Legacy of Islam (London: Oxford University Press, 1974).

والكتاب القيم:

Edward Dudley and Maximillian E. Novak (ed.), An Image in Western from the Renaissance to Romanticism (Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, 1972).

وكذلك الكتاب الرائد:

Edward Said, Orientalism (New York: Pantheon Books, 1978).

وانظر كذلك دراسة:

Muhammad A. Al-Da’mi, “Orientalism and Arab Islamic History: An Inquiry into the Orientalists’ motives and Compulsions”, Arab Studies Quarterly, Vol. 20, no. 4 (Fall, 1998): 1-11.

9.    لتغطية جيدة حول أعمال المستشرقين وتراجمهم، راجع كتاب عبد الحميد صالح حمدان، طبقات المستشرقين (القاهرة: مكتبة مدبولي، دون تاريخ نشر).

10.     الكسي جورافسكي، مرجع سابق، ص37.

11.     من هؤلاء المستشرقين الذين امتازوا بالإنصاف بشكل عام: إنكيتيل دوبيرون وفلاديمير سولوفيوف، ولويس ماسينيون، وألكسي جورافسكي، وروبرت أولسن، وجي دي براون.

12.     انظر:

Edward Said, Culture and Imperialism (Lonon: Chatta and Windus Ltd., 1993), 17.

13.     انظر:

Albert Hourani, Islam in European Thought (UK: Cambridge University Press, 1991), 17.

14.     Ibid., 29-30.

15.     هشام جعيط، أوربا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة (بيروت: دار الطليعة، 1995)، ص10-33؛ وللاستزادة تمكن مراجعة كتاب يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق: الدراسات العربية والإسلامية في أوربا حتى بداية القرن العشرين، ترجمة عمر لطفي العالم (دمشق: دار قتيبة، 1996).

16.     عرفة عبدة علي، "الشرق بالفرشاة الأوربية"، العربي، العدد 458 (الكويت: يناير 1997): ص170؛ وللاستزادة حول علاقة الفن الغربي بالاستشراق تمكن مراجعة دراسة:

Hohn Nash, “The Connection of Oriental Studies with Commerce, Art and Literature Dureing 18th-19th Centuries”, Manchester Egyptian and Oriental Society Journal, no. 15 (1930): 33-39.

17.     زينات بيطار، الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي، العدد 157، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992)، ص84-95.

تجدر الإشارة إلى أن المؤلفة لم تكتب أسماء الفنانين الذين تناولتهم بالأحرف اللاتينية، لذلك لم يتسن لنا كتابة أسماء الذين تمت الإشارة إليهم بالأحرف اللاتينية.

فواز جرجس، "الأمريكيون والإسلام السياسي: تأثير العوامل الداخلية في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية"، المستقبل العربي، العدد 207 (بيروت: 1997)، ص4-28.