الحضارية «دراسات شرقية-غربية»

الأربعاء: 15/07/2009

 

 

معنى«الحريم» في العقل الغربي

 

محمد الدعمي(*)

 

 

يغدو الشرق مؤنثًا، كائنًا مستكينًا معرضًا لنزوات الذكر ضمن اقتصاد قصصي مستنبط من إعادة ترتيب الثنائيات الجنسية، على سبيل خدمة التمييز الرئيس بين الشرق والغرب، إذًا، يقوم اندفاع القصة بتفعيل عملية استعمار الشرق، حيث يخترق الأنا المذكر، الأوروبي الاستحواذي، فضاء الشرق المؤنث.

وهكذا تصبح الهيمنة على الآخر المؤنث المحجب صورة من صور خضوع الشرق للمبدأ الغربي، (إرك ميّر)، «الاستشراق الرومانسي في عين الآخر» بناء على معطيات عصرنا الحالي الزاخر بأفكار العولمة والإصلاحات وتحرير المرأة، يتوجب التنقيب في المفاهيم الخاطئة التي طورها الغرب حول المرأة الشرقية، والعربية المسلمة على نحو خاص، عبر تحليًل دلالات «الحريم» Harem، لفظًا وفكرة، بالنسبة للعقل الغربي.

وعليه فإننا نرصد ونتفحص مجموعة من الإعلانات الثقافية والأدبية التي تعكس الكيفية التي بوساطتها تمت عملية تجاوز دلالات اللفظ العربية الأصلية على سبيل إضفاء هالة من المعاني الاجتماعية والتاريخية عليه، من أجل الترويج لموقف ثقافي غربي متعال وشمولي، موقف لا يندب وضع المرأة في مجتمعاتنا فحسب، بل يعبر كذلك عن شعور غربي زاخر بأحاسيس القوة والتفوق الوسواسية إزاء شرق كان يبدو للعقل الغربي كينونة مؤنثة سالبة.

مفهوم «الحريم» في العقل الغربي

الـ«حريم»(1) لفظ عربي استعارته أدبيات الاستشراق منذ بداياتها، إذ عمد الكتّاب الخياليون والشعراء إلى توظيفه بكثافة، الأمر الذي أدى إلى توسيع دلالاته إلى حد نسف المعنى العربي الأصلي على سبيل عكس أفكار خاطئة وتمثيلات مشوهة كانت قد استقرت في قعر العقل الغربي منذ بداية وعيه بالإسلام وبالعرب إبان عصر الفتوحات الإسلامية المبكرة.

وبعد أن تم ضم اللفظ (كلمة مستعارة) إلى اللغة الإنكليزية وغيرها من اللغات الأوروبية، أخذت دلالاته توظف عمومًا لتأشير حال النساء المسلمات تحت ظل ما يحلو لأدبيات الاستشراق أن تطلق عليه، تعسفًا، تعبير «مؤسسة» تعدد الزوجات.

وعليه فإن اللفظ يسهم في تشكيل صورة شديدة التشويه والضبابية للحياة الاجتماعية الإسلامية من خلال بلورة مفهوم دوني للمرأة الشرقية، وبضمن هذا الاتجاه، لاحظ الأستاذ الراحل إدوارد سعيد مؤخرًا ميلاً تحجيميًا يشوب الفكر الغربي، ويتجسد في تمسكه بعدد من الأفكار المتكررة والأنماط الإيحائية كالحريم، فيقول، محقًا: «يمكن تشخيص الإسلام على نحو لامحدود بتوسل أنماط (أكليشيهات) معدودة، تعميمية على نحو لا مبال، وهي منتشرة بشكل متكرر».(2) يكمن هذا التعميم، على الرغم من اتصافه بالتسرع، على إغراء لا يقاوم، خصوصًا عندما يتناول المرء هذه الكلمة المستعارة و«المضخمة» دلاليًا التي لا تترادف مع فكرة «المرأة الحبيسة»فقط، بل كذلك مع صور قسرها وضربها وبؤسها بداخل نظام عائلي واجتماعي يبدو للناظر الغربي نظامًا «طاغيًا» مفتقرًا إلى الإنسانية. إن أية مراجعة، بغض النظر عن عجالتها، لتاريخ التأريخ الأوروبي للإسلام، بوصفه دينًا جديدًا نسبيًا (مقارنة باليهودية والمسيحية) ميالاً للتحدي،(3) لن تخفق قط في إماطة اللثام عن الكيفية التي تم من خلالها دمج «الحريم»، فكرة ومفهومًا، في كل نشاط ذهني أو إبداعي حول العرب والمسلمين، هؤلاء الذين تعمدت أدبيات الاستشراق إطلاق لفظ «محمديين» عليهم.

ألف ليلة وليلة: اختلاط الحقيقة بالخيال

وككلمة اكتسبت قيمة مفهومية «فوق نصّية»، تستثير «الحريم» انطباعًا سلبيًا في العقل الغربي، مستحضرة قائمة طويلة من الممارسات من نوع تعدد الزيجات واتخاذ المحظيات والطلاق وضرب الزوجات والحجر على النسوة، وما يسمى بـ«سراي» الحريم الخاص بالسلطان وبالمتنفذين وغيرها، تزحف على نحو تلقائي إلى العقل الغربي في اللحظة التي تنطق بها كلمة «حريم». ومن ناحية أخرى، تستقطب هذه الكلمة دلالات إضافية، إذ توحي بانطباع منمط غير واقعي يتجسد في عالم شرقي لازمني يطفو هائمًا بلا هدف فوق محيط متلاطم بالحسية، ويعج بالطغاة وبالخليلات وبالمخنثين والغلمان، من بين شخصيات شاذة أخرى دأبت على مداعبة الخيال الغربي منذ ترجمة ألف ليلة وليلة، أو كتاب الليالي العربية Arabian Nights، كما يفضلون تسميته.

ولتأشير هذا الانطباع الذي لا يفلت العقل الغربي من توصيله بالعالم الإسلامي، يمكن للمرء أن يستذكر ما كان «واشنطن إرفنغ»Irving يتوقعه عند مشاهدته سفير الدولة العثمانية في برشلونة عام 1844م، إذ كتب إلى أحد أصدقائه يصف المشهد : «كنا نتوقع رجلاً شرقيًا ومسرحيًا برداء موشح بالفرو، وغليون طويل،ولحية وشاربين عملاقين، وثلة من الزوجات ورهط من العبيد السود»(4). هكذا كان يتم تصوير المرأة الشرقية المسلمة في الأدبيات الرومانسية وغير الرومانسية بوصفها مخلوقًا محجمًا مستكينًا لا حول له ولا قوة، مخلوق ينتمي إلى«حريم» أحد الرجال الأثرياء أو المتنفذين.

إذا ما اتفقنا مع توكيد الأستاذ إدوارد سعيد على فكرة إن المعرفة هي القوة، في سياق تحليله لآليات العقل الاستشراقي، فإننا سنتمكن من إدراك دوافع الرغبة القوية لمعرفة المزيد عن أحوال النساء المسلمات، لأن هذه الرغبة تتواشج بقوة مع التطلعات الأوروبية لغرض اكتشاف نقاط ضعف المجتمعات والأمم المستهدفة بالاستغلال، وكما كانت عليه الحال مع تعمد بريطانيا لجم عادة حرق الأرامل (ساتي) Sutee في الهند(5)، فقد حاول المشروع الاستعماري التمسك بفكرة «تحرير» النساء المسلمات كوسيلة لتبرير طرائق التاج الإمبراطوري نحو المسلمين. أنه لمن الملفت للنظر أن نلاحظ أن هذه «التحررية البريئة»، كما تبدو على السطح، كانت هاجسًا هيمن على المنقبين الآثاريين الغربيين الوافدين إلى الأقاليم الشرقية، برغم ما كان يبدو عليهم من موضوعية وعدم تحامل. ففي كتابه «نينوى وبقاياها» 1849م، خط «ليّارد» Layard هذا النوع من السلطوية التي منحها لنفسه على نحو لا واع، قائلاً:

عندما استخدمت العرب لأول مرة، كانت النساء يقاسين سوء معاملة فظيعة، إذ كن يواجهن صعوبات بالغة. وقد حاولت أن أدخل نوعًا من الإصلاح على ترتيباتهن المنزلية، إضافة إلى أني أوقعت أشد العقوبات على هؤلاء الذين يوقعون العقوبات البدنية بنسا ئهم. (6) ولكي ندرك ظاهرة تقديم الخيالي على الواقعي في الذهنية الغربية، علينا أن نلاحظ اختلاط صورة المرأة في كتاب ألف ليلة وليلة، الذي صار«أكثر الكتب شيوعًا في العالم»(7) كما وصفه الشاعر «لي هنت» Hunt ، منجمًا لا ينضب من التصويرات الخاطئة والأفكار المتوارثة حول المرأة الشرقية وأحوالها. لقد عمق هذا الكتاب مثل هذه المفاهيم على الرغم من أنه عمل فولكلوري زاخر بحكايات شعبية نصف أسطورية لا يمكن إلاّ أن يعكس الحياة المترفة لقلة من الأغنياء والسلاطين في العالم الإسلامي إبان العصر الوسيط.

لقد تم استقبال الترجمة المبكرة لليالي العربية المعروفة بـ Grub Street، بما حملته من حكايات تأسر الخيال عن نساء شبقات ورجال قساة من النوع الذي سكن منظومة «شهرزاد - شهريار» الساحرة، بحماس كبير بل ومنقطع النظير في أوروبا من قبل الصفوة المثقفة وجمهور القرّاء عامة.

وإذ تبعت هذه الترجمة أعداد كبيرة من محاولات المحاكاة أو محاولات صياغة حكاياتها بضمن مهاد أوروبي، فإن الليالي العربية بقيت تشيع فكرة الإساءة للمرأة الشرقية في عالم شرقي لا حدود له من الملذات المثيرة للخيال وللشجون. ولكن بالنسبة للقرّاء الأكثر عمقًا فكريًا، برز هذا الكتاب كوثيقة اجتماعية تدعو للدراسة والتحليل. ولسوء الحظ، لم يفعل هؤلاء من نقّاد الليالي شيئًا سوى تعميق الانطباعات الموروثة والمختزنة التي دأب الغربيون على الارتجاع إليها للاغتراف من منبع الخيالات الفنطازية الذي لا ينضب. وبغض النظر عن دوافعهم الموضوعية وآرائهم التصحيحية حول الليالي، وثيقة اجتماعية، ينبغي مباشرة هؤلاء النقاد على نحو جاد، ذلك أنهم كانوا، في حقيقة الحال، يستجيبون للأفكار الشائعة التي تشبثت ثقافتهم بأذيالها. وعليه يمكن لمقالاتهم (التي نشرت في اكثر دوريات ذلك العصر الانتقالي شيوعًا) أن تؤشر، إلى حد ما، الأفكار المتوارثة التي احتضنها جمهور القرّاء في تلك الفترة.

بيد أن تعليقات كتلك التي خطها «وولتر باجت» Bagehot في دراسته المعنونة«أناس الليالي العربية»National Review, 1809، أو كتلك التي كتبها «ريتشارد بيرتن» في «المرأة» (بضمن «المقالة الختامية» Terminal Essay ، 1886م) بقيت أسيرة ذات المفاهيم الخاطئة بدلاً من التحرر منها أو دحضها.

يتعمد «باجت» قلب ما يسميه بـ«عزل النساء» في العالم الإسلامي ليكون ذريعة لما يعده «عالمين منفصلين»: عالمان يتعايشان بداخل المجتمع الإسلامي، الأول هو عالم الرجال والثاني هو عالم النساء. ثم ما يلبث أن يؤكد من جديد «الحياة المستقلة» الكريمة التي تتمتع بها النسوة بداخل عالمهن المغلق(8). وبهدف إعادة تركيب الأفكار الشعبية الشائعة في أوروبا يقول باجت إن «الزوجة الواحدة مثلت الشكل الاعتيادي للحياة المنزلية في الشرق؛ بينما كان تعدد الزوجات، وحتى الاقتران باثنتين، هي الحال الاستثنائية»(9). ولكن كخلاصة نهائية، تخفق آراء باجت في إزالة المفاهيم المتوارثة لأنها تعجز عن إيضاح وتقديم الموقف الإسلامي الحقيقي الأصلي حيال المرأة وحقوقها، كما إنها تتجاوز الفلسفة الكامنة خلفه، تلك الفلسفة التي سمحت بالزواج لأكثر من مرة على نحو عقلاني ومشروط. ولهذا يباشر باجت وضع النساء الشرقيات، الذي صار مثارًا للكثير من الجدل. «مما لا ريب فيه هو أن الفكرة الشائعة حول اللامبالاة الواضحة والعزل الاستعبادي لحياة الحريم، إنما تعرضت لمبالغة كبيرة بسبب ما يسود بيننا من أفكار خاطئة حول موضوع آليات تعدد الزوجات ومدياته الحقيقية بين المحمديين … فلم تزل الفكرة الموروثة سائدة في إمكانية امتلاك المسلم عددًا من الشقق، حيث يحتفظ بداخلها بزوجتين أو ثلاث، وبعدد من الجواري اللائي يترقبن المحظية التي سيرمي بمنديله إليها، إضافة إلى الفكرة التي تفيد بأن جميع النساء الشرقيات هن جوار معرضات للإذلال على نحو منظم، زيادة على الاعتقاد بأنهن محرومات من دخول الجنة على نحو مؤكد. ولأن عشقنا لـ(الليالي العربية) عجز عن خلق انطباعات أكثر واقعية، فإن علة ذلك تكمن في أن هذه الحكايات تركز بشكل واسع على الحياة الخاصة بالأمراء الذين تنطبق هذه المواصفات على حياتهم بشكل دقيق».(10)

وتنطبق دلالات هذا الخط «التوفيقي» في التفكير (الذي يؤول إلى تعميق التشويه بدلاً من إزالته أو تصحيحه) على تعامل ريتشارد بيرتن Burton مع هذا الموضوع الحساس كذلك، حيث تتجلى نياته في تشويه الإسلام وفي التحامل الواضح على نبيه محمد [. فبينما يستهل بيرتن مقالته باحتجاج مضاد للمفاهيم الغربية الموروثة حول المرأة المسلمة(11) فإنه ما يلبث، أن ينتقل فجأة إلى استحضار بعض الأحاديث النبوية الشريفة، مجتزأة من سياقها التاريخي والاجتماعي الأصلي، على سبيل اختلاق الانطباع المتمثل في أن الإسلام بطبيعته يحط من شأن المرأة، مجسدًا هذا «الوضع» بوصفه عنصرًا جوهريًا من عناصر هذا الدين(12). ومما يثير الاهتمام في «المقالة الختامية»، التي كتبها بيرتن بعد قضائه حوالي ثلاثة عقود في ترجمة ألف ليلة وليلة،هو نقده ل«هاريّت مارتنو» Martineau وأحاسيسها بـ«الملذات والرأفة والحزن عند رؤيتها للنساء الشرقيات»(13). إنه لا يدّعي، كما هي الحال مع باجت، بأن الجمهور الغربي يبالغ في تصور «مؤسسة تعدد الزوجات»، ولكنه يميل إلى إعادة تأكيدها بوصفها ـ بحسب رأيه ـ تقليدًا اجتماعيًا ضروريًا في الشرق، ممتدحا الموقع الأبوي للزوج الذي ينبغي أن يفوز «بعشق ومحبة أكثر من زوجة واحدة (14).

وتوافقًا مع دراسته المطولة للإسلام كنظام اجتماعي، فانه يعمد إلى إحالة الإقلال من شأن المرأة في الشرق إلى طبيعة الإنسان الشرقي ـ من وجهة نظر إنثروبولوجية ـ وإلى افتقار هذا الإنسان لسجية العقلنة مقارنة بالإنسان الغربي(15).

تأنيث الشرق

إن التواشج الذي يفترضه المستشرقون بين تردّي الحياة العربية الإسلامية المعاصرة، وبين أوضاع النسوة يدعم ما نذهب إليه حول الكيفية التي تم من خلالها توظيف «الحريم»، فكرة مجردة، من قبل الثقافة الغربية الشائعة كعصا لضرب ومعاقبة المجتمعات الإسلامية المعاصرة. ولا يقل عن هذا الأمر أهمية هو الاعتقاد الغربي الملحاح في أن مفهوم «الحريم» إنما هو طريقة للتغطية على كينونة مجتمعية وحياتية مزدحمة بالتجاوزات الجنسية والسلوكيات القسرية. وهكذا يغدو «الحريم» مفهومًا غربيًا مبتكرًا يتوسله العديد من الشعراء والكتّاب الخياليين على سبيل التعبير عن فنطازياتهم وإسقاطاتهم الشخصية ورغباتهم المنفلتة غير التقليدية. في مناسبات عدة، يتوجه العقل الرومانسي الغربي إلى الشرق بحثًا عن الإشباع، الجسدي والخيالي الحسي، الذي تخفق بريطانيا الفكتورية أو أمريكا البيوريتانية في إتاحته وتوفيره له.

وكما لاحظ إدوارد سعيد في تعليقه حول علاقة «فلوبير» Flaubert بالراقصة المصرية «كشك هانم»، يوحي الشرق «بحرية الجنس الشبق» وبـ«تجربة جنسية لا يمكن الفوز بها في أوروبا»(16). ولا يستثني إدوارد سعيد، مبررًا، أي كاتب أو مرتحل غربي (رجلاً كان أو امرأة) من هذا الميل إلى «الجنسية الشرقية» التي صارت «بضاعة… فائدتها هي إن القرّاء والكتاب يمكنهم اقتناؤها دون الحاجة إلى الذهاب إلى الشرق بالضرورة»(17). ولا يقل عن هذا الأمر أهمية، بل وأكثر منه بلورة للدلالات الاستعمارية لهذه المسألة، هو ذلك الربط الذي لاحظه الكاتب الأمريكي «إرك ميّر» Meyer بين رغبة نابليون بونابرت بـ«امتلاك إمبراطورية في الشرق» وبين «حاجته إلى فرض الهيمنة على إناث المستعمرات»(18)، ومع إشارة خاصة إلى الشاعر اللورد بايرون Byron في قصيدتيه «غيور» Giaour و«دون جوان» Don Juan ، يقول ميّر: لقد بطنت هذه النصوص ببنية قصصية تكون فيها محاولات الفاعل الذكر «لتحرير» المفعول به المؤنث من طغيان الحريم قد أعيقت أو أوقفت من قبل طاغية أبوي نمطي يسد أو يلجم اندفاع القصة نحو امتلاك المرأة(19).

وتأسيسًا على هذا المدخل تتجلى أمامنا علاقة متبادلة ذات أهمية خاصة، وهي: أن تحرير النساء الشرقيات لا يمكن أن يتحقق بدون فرض السلطة والهيمنة على كامل المجتمع «المتخلف» الذي يحيل المرأة إلى ضحية مستضعفة. وهكذا يتم التوصيل ما بين المرأة الشرقية الواهنة المحجوبة، والنظام الاجتماعي الهش الذي يغلفها والذي يستدعي، حسب منطقهم، تدخلاً غربيًا «رجوليًا» من أجل الإصلاح والتوجيه. وبهذه الطريقة تتفاعل قضية حرية المرأة لتغدو تبريرًا «لاختراق» المستعمر الذكر (فاعلاً) للحجاب الذي لا يلف المرأة فحسب، بل ويلف ذلك المجتمع الذي يحبسها بداخله كذلك. وكما هي الحال في قصيدة «شيلي» Shelley، «تشينشي» Cenci، التي تعكس اتجاهًا مماثلاً حول فكرة اضطهاد المرأة، يستقر تأمل العقل الرومانسي على فكرة «الجمال المعذب» الذي يستدعي فروسية ذكرية لتحريره. لاحظ توسع جدل «ميّر» في الكيفية التي من خلالها يغدو الشرق، مؤنثًا، كائنًا مستكينًا معرضًا لنزوات الذكر بضمن اقتصاد قصصي مستنبط من إعادة ترتيب الثنائيات الجنسية، على سبيل خدمة الانشطار الرئيس بين الشرق والغرب.

إذًا، يقوم اندفاع القصة بتفعيل استعمار الشرق، حيث يخترق الأنا المذكر، الأوروبي الاستحواذي، فضاء الشرق المؤنث. وهكذا تصبح الهيمنة على الآخر المؤنث المحجب صورة من صور خضوع الشرقي للمبدأ الغربي(20).

وعلى سبيل الإضافة على جدل ميّر، فإن للمرء أن يذهب وبتيقن إلى أن الصفوة الفكرية في القرن التاسع عشر قد وحّدت ما بين الرغبة في امتلاك المرأة الشرقية (بدعوى تحريرها من «طغاة» العائلة الشرقية: الأب أو الأخ أو الزوج…إلخ) وبين الرغبة في امتلاك أو فرض الهيمنة على الأقاليم الشرقية بأسرها (بدعوى تحريرها من طغاتها: العثمانيين أو غيرهم).

وهنا لا يجد مرتحلون مهمون، من أمثال هارييت مارتنو، مفرًا من القبول بخلاصة مفادها أن اضطهاد النساء المسلمات يندمج، على نحو تلقائي، مع نظام الحكم التركي الذي كان يبارك تعدد الزوجات، مروجًا بذلك لممارسات إساءة معاملة النسوة. والحق، فان هؤلاء الكتّاب لم يكونوا بناة إمبراطورية على نحو واعٍ، ولكنهم كانوا مقتنعين بتيقن بأن الإمبراطورية العثمانية، الرجل المريض، كانت تؤول إلى التفكك والانهيار. وتأسيسًا على منطق مبسط، لاحظ هؤلاء أعراض التآكل والترهل والأمراض تطفو بقعًا على بشرة النظام العثماني التركي، مبشرة بظهور «خواء قوة»، خصوصًا في الأقاليم العربية التي كانت منضوية تحت هيمنة العثمانيين. لهذا السبب، فإنه ليس ببعيد المنال، بالنسبة لأغلب هؤلاء الكتّاب، التفكير بالإمبراطوريات الأوروبية التي كانت تعيش عصرها الذهبي وقتذاك، بدائل أقوى وأقدر على فرض السيطرة على هذه البقاع من الوطن العربي، خصوصًا وأنهم كانوا يعتقدون بأن هذه الإمبراطوريات كانت محملة بعبء «رسالة الرجل الأبيض المقدسة» من أجل القضاء على الممارسات الاجتماعية البالية والسلبية كالعبودية واضطهاد النساء، كما روجت الإدارات الإمبراطورية لهذه الرسالة المزعومة.

الثقافة الأمريكية: تواصل التقليد المشوّه

ولكن على الرغم من اضطلاع نقاد الاستشراق، من أمثال سعيد وميّر وسواهما، بتشخيص الرغبة المبطونة بتأنيث الشرق في الكتابات الفرنسية والإنكليزية على نحو خاص، فإنهم ولسبب ما، أخفقوا في تشخيص وسواسية تواصل هذه الرغبة في الأدب والثقافة الأمريكية. وهنا لا يود المرء تأكيد حقيقة تأصل جذور الاستشراق الأمريكي في تربة التقليد الاستشراقي الأوروبي(21)، ولكنه يميل إلى استقصاء بعض المحكات التي تؤشر الميل الأمريكي المبطون الذي يحاول ولوج شرق مؤنث مستكين. فإذا ما تمكنا من تشخيص هذا الجانب من الثقافة الأمريكية، يمكن أن نزعم دون مجازفة بأنه جزء لا يتجزأ من ذهنية ثقافية أوسع هيمنت على العالم الغربي بأسره. وهذا أمر غاية في الأهمية خصوصًا وأننا نبحث كتابات أمريكية ظهرت في عصر كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية لم تزل جمهورية فتية لا تمتلك طموحات استعمارية عبر البحار، على عكس فرنسا وبريطانيا. ولأن الاهتمام الفكري الأمريكي كان متحررًا من مثل هذه الطموحات آنذاك، يمكن لنا مباشرته بوصفه اهتمامًا لا مصلحيًا ذا قيمة فكرية فقط بقدر تعلق الأمر بتلك الحقبة التشكيلية في تاريخ أمريكا، كجمهورية فتية.

لقد لاحظت «دوروثي م. فنكلشتاين» Finkelstein مستعيرة مصطلح النقد الأسطوري الذي روجته الكاتبة «مود بودكن»Bodkin بأن الاهتمام الأمريكي بالشرق كان يتجسد «تشوقًا … لحياة الحياة»(22). ويمكن للمرء أن يستذكر فكرة «الخصب» المتكررة التي ربطها الأمريكيون بالشرق، مكافئًا للأنثى وللأم ولمانحة الحياة. لقد عدّ الشاعر «وتمان» Whitman الشرق «بيتًا للأمومة»(23) لأن هذا الشرق إنما يمثل «رحم التاريخ والأناشيد»(24). وبينما يمكن للمرء مباشرة تشوقات وتمان إلى الشرق بوصفه رمزًا للأمومة ودفئها على أساس «فرويدي»، مستذكرين الحنين «الأوديبي» للخصوبة والدفء، فإننا نجد أن مطاردة «لافكاندو هيرن» Hearn لسراب شرق مؤنث عملية زاخرة بالتشوق إلى مصدر الحكمة والنور والجمال. يرى هيرن أن ذكورية الغرب تتجسد في اندفاعه المتعامي والقوي نحو التقنية والعلم، وهي صفات ذكرية. لهذا السبب نجده يعد الشرق والغرب «أنصاف كينونات» يجب تلاحمهما برابطة الزواج كيما تولد «إنسانية من نوع ما، إنسانية أسمى من إنسانيتنا»(25). وقد تعمقت هذه الظاهرة المتمثلة بتطابق الشرق مع المرأة بدرجة أنها صارت جزءًا من الحياة المنزلية لكبار المفكرين الأمريكيين، الأمر الذي يفسر تسمية إمرسون زوجته، على سبيل المداعبة، بـ«آسيتي» Mine Asia ، كناية عن تمثيل الزوجة الجميلة لقارة آسيا. وتأخذ هذه الرؤيا، التي ترنو إلى «إنسانية جديدة» ومتفوقة متولدة من اقتران الغرب المذكر بالشرق المؤنث، تعبيرًا أوضح وأقوى لدى الشاعر «أرنست فينالوسا» Fenallosa الذي يصبو إلى ولادة «الإنسان الألفي السعيد» في قصيدته «الشرق والغرب». ومرة أخرى، يذهب فينالوسا إلى تمجيد مُثل الشرق بوصفها مُثلاً مؤنثة (كالتناغم الاجتماعي والإيمان بالحب والإيثار والخضوع والحكمة الروحية) متحدة مع مُثل الغرب المذكر (الصناعة والاعتماد على النفس والمغامرة والعسكريتارية والتحليل العلمي)(26) على سبيل تصوير رؤيا مستقبلية فردوسية واعدة. وبحسب رأيه، لا يفتقر هذا «التلاحم» المنشود إلى الأصول التاريخية، ذلك أنه يرى في محاولة الإسكندر الكبير خلط الشرق بالغرب في إمبراطوريته إخفاقًا مبكرًا لنفس الحلم الأمريكي المعاصر(27) ولكن على نحو معاكس لما ذهب إليه الكتاب الغربيون الذين كانوا يرون في التوسع الاستعماري نوعًا من «التوجيه» أو «الوصاية» على الأمم الشرقية، طوّر فينالوسا رؤيا لدور أمريكي «طلائعي» على طريق بلوغ «زواج» مستقبلي بين الشرق والغرب لا يمكن أن يتحقق إلا في تربة العالم الجديد. فبالنسبة إليه، عبّد كولومبس (الأمريكي الأول) الطريق لإدراك حلم الإسكندر الكبير من خلال محاولته «ولوج» الشرق (الهند) من خلال الغرب (المحيط الأطلسي). وهكذا صارت فكرة اتحاد نصفي الكرة الأرضية فكرة ممكنة التحقق من خلال إكمال كولومبس لدائرية الأرض. ولكن على الرغم من تشوق فينالوسا لعالم مثالي يواشج ما بين فضائل الشرق «المؤنث» وفضائل الغرب «المذكر»، ظهرت رؤيا فينالوسا مشوبة بالعنصرية الآرية لأنها بقيت متمسكة بأسطورة التفوق الآري(28).

لقد باشرنا هذه الدراسة بافتراضية مفادها أن «الحريم»، كلمة، كانت قد أطلقت من حدود معناها العربي الأصلي على سبيل اكتساب هالة واسعة من الدلالات والمعاني ككلمة مستعارة في الثقافات الغربية. وأخذت هذه الدلالات، مدعومة بأعمال رجال الفكر والمستشرقين، توحي بعدد من المفاهيم الخاطئة والتنميطات وإساءات التصوير المشوهة لحياة النساء في الشرق العربي الإسلامي خاصة. ولكن على الرغم من أن «الحريم» قد غدت فكرة معقدة وشائكة توحي بكل ما تقدم وأكثر، فإننا يمكن أن نتتبع جذور عملية إثقالها بالتشويهات إلى التواريخ الأوروبية المبكرة للإسلام و«للعدو العربي»(29)، كما كانت تواريخ القرون الوسطى الأوروبية تصفنا. وهذه هي التواريخ والحوليات التي كتبت وروجت، مدفوعة بروح العداء والضغينة والتصادم العسكري عبر تلك القرون وعصر النهضة ثم عصر الاستنارة اللاحق. وهكذا غدت الكلمة، موسعة الدلالات، فكرة مثقلة ومفتاحية وجاهزة أمام الكتّاب والشعراء الرومانسيين ومن تلاهم إبان القرنين التاسع عشر والعشرين (وحتى اللحظة)، حيث تصاعدت الرغبة بإزالة «حجاب» الشرق و«اختراق» غوامضه. وبطريقة ما، عد كل واحد من هؤلاء نفسه «كولومبسًا ثقافيًا» مدعوًا لإعادة اكتشاف العالم القديم بدلاً عن العالم الجديد. وهكذا لا يبالغ المرء إذا ما زعم بأن هؤلاء، متعمدين فكرة التأنيث والتذكير، تمكنوا من تكوين تراث يحافظ على وعي متعال وهو يتأمل حلمًا استعماريًا. ومن هذه النظرة لشرق مؤنث مستضعف، وجد هؤلاء أنفسهم «يرأفون» بالمرأة الشرقية التي غالبًا ما كانت تُرسم في أدبياتهم بوصفها الضحية النهائية لكل شرور الشرق من جهل وتخلف وطغيان. ولأن هؤلاء الكتّاب تمادوا بالتفاؤل للآفاق الوردية التي كان بناء الإمبراطوريات يعد بها، فإنهم ما لبثوا وأن ركزوا اهتمامهم على «الحريم»، ليس كأسلوب لتشخيص تخلف الشرق فقط، بل كذلك كطريقة لتأشير الوهن والارتخاء اللذين عاناهما الشرق، الأمر الذي حث وبرر (بحسب رأيهم) «التدخل» الغربي «الرجولي» على سبيل «إرشاد» و«إصلاح» الشرق بدءًا من بناه الاجتماعية الصغرى (العائلة) وانتهاء بحكوماته. وبدلاً من بحث مسببات التردي والنكوص السائدة في العصر المظلم بعد تراجع الحضارة العربية الإسلامية، حيث ساد الاستخدام غير السوي للحريم نتيجة لعوامل اجتماعية وسياسية معينة، صبّ الكتّاب الغربيون اهتمامهم وغضبهم على «الحريم» بأقبح أشكاله، مقنعين أنفسهم وقرّاءهم بأن هذه هي صفة أصيلة في الإسلام والعرب. إن السبب الوحيد الذي يمكن أن يبرر إخفاقهم في بحث ودراسة النظام الاجتماعي الإسلامي وموقف الإسلام من المرأة هو: وقوع هؤلاء الكتّاب في دائرة سحرية مغلقة لا مخرج فيها من خيال ملحاح مفاده أن الشرق هو كينونة ثقافية بائدة، ذات قيمة طللية فحسب. أما جماله الذي «يشتهونه» بحساسية مرهفة، فإنه كامن في الاشتياق الأوديبي الفرويدي للشرق (الأم، الدفء، الحب) وفي رغبة بناة الإمبراطوريات الغربية ولوج مياه الشرق الدافئة.

 

 

الهوامش:
..............

 

(1) يقدم «دكسن» الدلالات التالية المرتبطة بكلمة «حريم»: ممنوع، شرير، مخطئ. و«الحريم»، كذلك، هو مكان أو شيء مقدس؛ وكمثال، يورد دكسن كلمة «المحرم» بمعنى جناح النساء في الخيمة البدوية؛ وتدل الكلمة، بصيغة «الحرم»، كذلك على مكة المكرمة أو المسجد الأقصى، يراجع:

H.R.P. Dickson, The Arab of the Desert (London: George Allen & Unwin Ltd., 1959), p. 632.

(2) Edward W. Said, Covering Islam: How the Media and the Experts Determine How We See the Rest of the World (N.Y.: Pantheon Books, 1981), p. xi.

(3) لتكوين فكرة متكاملة عن تاريخ التأريخ الأوروبي للإسلام، يراجع:Muhammed A. Al- Da’mi, Arabian Mirrors and Western soothsayers: Nineteenth-Century Approaches to Arab-Islamic History, (N.Y.: Peter Lang Publishing, 2002), pp. 25-40.

(4) مقتبس في:

 

Pierre M. Irving, The Life and Letters of Washington Irving, vol. III (N.Y.: G.P. Putnam, 1863), p. 348.

(5) Eric Meyer,"’I Know Thee Not, I Loathe Thy Race’:Romantic Orientalism in the Eye of the Other",EHL, 58 (1991), p. 659.

(6) مقتبس في:

Paul Turner, English Literature 1832-1890, Excluding the Novel (Oxford: Clarendon Press, 1989), p. 336.

(7) مقتبس في:Muhsin J. Ali, Scheherazade in England (Washington, D.C.: Three Continents Press, 1981), p. 42.

(8) Walter Bagehot, "The People of the Arabian Nights", National Review, IX (July, 1859), pp. 58 and 65.

(9) المصدر السابق، ص 64 .

(10) المصدر السابق، ص ص 63 و64 .

(11) Richard F. Burton , "Terminal Essay", in The Arabian Nights, vol. VIII (London: H.S. Nichols Ltd., 1897), p. 192.

(12) المصدر السابق، ص 193 .

(13) المصدر السابق، ص 196 .

(14) المصدر السابق، ص 63 و64 .

(15) المصدر السابق، ص 197-198.

(16) Said, Covering Islam, p. 25

(17) Edward W. Said, Orientalism (London: Routledge & Kegan Paul, 1978, p. 190.

(18) المصدر السابق، ص 190.

(19) Meyer, p. 658

(20) المصدر السابق، ص 659-660.

(21) Carl T.Jackson Oriental Religions and American Thought Westport: Greenwood Press, 1981), p. 266.

(22) Dorothee M. Finkelstien, Melville’s Orienda (New Haven: Yale Univ. Press, 1961), p. 12.

(23) Beongcheon Yu, The Great Circle: American Writers and the Orient (Detroit: Wayne State Univ. Press, 1983) pp. 16-7.

(24) مقتبس في المصدر السابق، ص 65 .

(25) مقتبس في المصدر السابق، ص 123 .

(26) المصدر السابق، ص 104 .

(27) المصدر السابق، ص 104 .

(28) مقتبس في المصدر السابق، ص 107 .

(29) محمد الدعمي، «تاريخ التأريخ الأوروبي للإسلام والعرب»، مجلة الكلمة، ع 16 (صيف، 1997م)، ص 84-98 . 

 

 

................................

(*) مركز الدراسات- أمان - بغداد

 

..................
المصدر : من موقع :

http://3aql.maktoobblog.com/669483/معنى«الحريم»-في-العقل-الغربي/