|
السبت: 04/07/2009
الاستشراق والبلقنة وخطاب انساق الهيمنة
بقلم د.صباح واجد
علي(*)
(خاص للمعهد)

لعل التهميش وأزمة التمثيل للآخر
هي جل ماينصب عليه الاستشراق كخطاب أيديولوجي يحمل في طياته أهدافاً
كامنة ترنو الى السيطرة على الجزء المستضعف للتضاد المزدوج (Binary
opposition) التي بشر بها منظرو مابعد الحداثة البنيويون والتفكيكيون
كميشيل فوكو وجاك دريدا وقبلهم وإن لم يضفي على المصطلح أبعاداً أكثر
شمولية فرديناد دو سوسور.وإن مفهوم الاستشراق بالمعنى الذي أراده سعيد
يمتلك مثيلات في العديد ممن عاشوا تجربة التهميش وأزمة التمثيل سواء
كان في أفريقيا أو الشرق الاوسط أو البلقان.ولعل من الملفت للنظر أن
لتوظيف اللغة في الخطاب السياسي والادبي دوراً كبيراً في تشكيل النظرة
الفوقية للغرب مقابل الامم المهمشة الاخرى.إذ أن من جملة الامور التي
يمكن أن تسلط الضوء اكثر على قضية الاستشراق هي أن تعقد مقارنة بينه
وبين البلقنة Balkanism كخطاب موجه لدول البلقان فبعد حروب البلقان
التي امتدت من(1912- 1913)،حيث بدأت الحرب الأولى في الثامن من تشرين
الأول 1912 بين عصبة البلقان(بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الاسود)
وبين تركيا والتي انتهت بالاعتراف بألبانيا عام 1913 أما في الحرب
الاخرى فقاتلت اليونان وصربيا والجبل الاسود ورومانيا وتركيا ضد
بلغاريا.انتهت بمعاهدة بوخارست في العاشر من آب 1913. اضافت بعد هذين
الحربين اوربا لذخيرتها اللغوية ألإزدرائية مصطلحاً وهو على الرغم من
انه نحت جديد إلا انه صمد واستمر الا وهو(البلقنة) فهو يعني من جملة
مايعنيه التفتيت لوحدات أكبر متناحرة فيما بينها ويعني أيضاً كل
ماهو قبلي وبدائي وبربري.وقد تم سلخ هذا المصطلح عن سياقه وتم نسبه
لباقة من المشاكل.ليس هناك من يجادل بأن البلقان توصف بأنها
(الاخر)بالنسبة الى أوربا إذ ان ماتم التأكيد عليه هو ان شعوب البلقان
ليست مهتمة بالانصياع لقواعد السلوك التي وصفها العام المتمدن.إن الهدف
الذي دفع إدوارد سعيد للكتابة عن الاستشراق بوصفه آيدولوجيا تعكس صورة
مغلوطة عن الشرق والاسلام هو نفس الهدف الذي دفع ماريا تودوروفا
للكتابة عن البلقنة والهدف هو تصحيح المسار فكيف يمكن لتسمية جغرافية
ان تتحول الى احدى اكبر علامات السخرية في التاريخ والعلاقات الدولية
والعلم السياسي وحالياً الخطاب النخبوي.ان القضية تحمل في طياتها اكثر
من الارتباط الاكاديمي الضيق فهي حكاية المغالطة الناتجة عن المعرفة
الجغرافية الناقصة والتي انتقلت عبر الاجيال وهي كذلك حكاية لشحن
الاصطلاح بمعنى ايدولوجي وسياسي واجتماعي وثقافي اضافي وهي كذلك قصة
الفصل الكامل لهذا التصنيف من سياقه والقلب اللاحق لهذا التصنيف
المشحون ايدولوجياً للمنقطة.
لقد ظهر مؤخراً نوع أدبي يتعاطى
ومشكلة تمثيل (الآخر) ويمتد هذا النوع ليشمل ضروب المعرفة كعلم الانسان
مروراً بالادب والفلسفة الى علم الاجتماع والتاريخ بشكل عام.يسمى هذا
النوع علم الصورة imagology اذ يتعامل مع الصور الادبية عن الاخر.ويعد
الاستشراق فرعاً من فروع هذا العلم حيث يشغل نفسه بالطريقة التي يمثل
الاخر.وجد الاستشراق لنفسه مكاناً مهماً في الاوساط الاكاديمية
باعتباره نقداً لخطاب معين والذي عندما تم صياغته من قبل سعيد خرج
ليعني "المؤسسة المتحدة للتعامل مع الشرق ومتعاملة معه عن طريق صناعة
تصريحات حوله واعطاء السلطة لوجهات النظر حوله بواسطة وصفه وتدريسه
وحكمه وهو اسلوب غربي للهيمنة واعادة البناء والحصول على السلطة على
الشرق"(1)
كرر ادوار سعيد ماقاله بعد عقدين
من الزمن ان اعتراضه حول الاستشراق لم يبنى على اساس الدراسة الاثارية
للغات والمجتمعات والشعوب الشرقية بل "كنظام فكري اتخذ مقاربة متغايرة
الخواص ديناميكية ومعقدة للواقع الانساني من موضع جوهري لانقدي ويوحي
هذا بواقع شرقي صامد وبجوهر غربي صامد ليس بأقل معارضة يخدم الشرق من
بعيد وإن صح التعبير من فوق"(2)
كان للأستشراق وجوداً صاخبا بينما
هو الان يؤجج المشاعر وليست هذه هي الحال في البلقان فمن ناحية لم
يترجم كتاب سعيد او ينشر بلغات البلقان وهو بهذا لم يدخل الخطاب السائد
في حينها ومن ناحية أخرى تم تقديم المفهوم وترويجه من قبل المثقفين
الذين وجدوا انه يصف وبشكل ملائم،علاقة البلقان بالغرب كشف ادوارد سعيد
متأثراً بفوكو الذي لم يستعير منه اصطلاح (الخطاب) حسب بل الانتباه
المركزي المكرس لعلاقة المعرفة والقوة ،مخاطر التأسيس للشرق
(كآخر).ولايخفى تأثير أنطونيونيوغرامشي عليه من ناحية التميز بين
المجتمع السياسي والمجتمع المدني لاسيما مفهوم الضجة الثقافية التي
استثمرت الاستشراق بمتانة استثنائية.
جوبهت اراء ادوارد سعيد بنقد لاذع
من قبل منظري الحداثة.ولعل بعض النقد المألوف كان يتعلق بإدعاء تحويله
أعمال أجيال نزيهة من المستشرقين إلى شيطان متجاهلاً ان هذه الانجازات
قد ساهمت بشكل كبير في المعرفة الانسانية.أما مجاهرة سعيد بأنه لم ينسب
الشر لكل المستشرقين بل أراد أن يلفت النظر إلى حقيقة أن(صنف
المستشرقين)) يمتلك تأريخاً من التواطىء مع القوى الامبريالية) لم تكن
كافية لتخفيف صرخات الاستهجان حول تدنيس فكرة البحث غير المنحازة.
ونظراً للشبه الكبير في المنهجية
التي يتبعها الاستشراق والبلقنة يميل البعض لمعاملة البلقنة كمخالف
بنيوي للاستشراق.ويفضل البعض من النقاد أمثال ميليكا باكج-هايدن التي
جاءت بفكرة (عش الاستشراقات) معاملة الخطاب المتعلق بالبلقان على انه
متخالف للاستشراق وذلك لانه "طريقة إدامة المنطق المبطن...الذي يجعل
البلقنة والاستشراق تنوعان لنفس النوع"
لعل من بعض أوجه الشبه والاختلاف
بين الاستشراق والبلقنة ان البلقان تتسم بالمادية الملموسة جغرافيا
وتاريخيا على النقيض من الشرق (حسب سعيد)فهو ذو طبيعة معنوية.
ان التضاد بين الشرق والغرب
المعنويين قديم قدم الزمان حيث أستخدم اليونانيون القدماء الشرق
ليقودوا العداء بين المتحضرين والبرابرة.اما في القرون الوسطى فأن هذا
التقسيم استخدم بمعناه الضيق ليعود التضاد بين الكاثوليكية
والاورثودكسية وبمعنى أشمل ليصفوا التقسيم بين الاسلام والمسيحية وبذا
وفي كل الاحوال فأن ثنائية الشرق-الغرب عرفت بوضوح الابعاد المكانية
فهي قد وضعت جنباً الى جنب مجتمعات تعايشت لكنها تعارضت لأسباب سياسية
ودينية وثقافية.لم يكن الشرق عنصرا دونياً لهذه الثنائية على الدوام
فبالنسبة للبيزنطيين عُد الشرق المركز الأكثر حضوة للعالم الأوربي
المتحضر ولعدة قرون بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية في وقت لم يكن
الغرب مقرونا سوى بالبربرية والغلظة ولم يتم تحويل الشرق مبدئياً الى
العنصر الاقل امتيازا في الثنائية الا بعد ان سقطت القسطنطينية في عام
1453 وأفول الكنيسة الارثدوكسية ولاسيما مع النهوض الاقتصادي لأوربا
الغربية.
يقول مؤلف كتاب(اختراع أوربا
الشرقية:خارطة الحضارة في عقل عصر التنوير) لاري وولف ان التقسيم
التقليدي لأوربا كشرق وغرب هو أمر متأخر نسبياً لفلاسفة القرن الثامن
عشر والمسؤولون عن التوجيه المفاهيمي لاوربا وان هذا التقسيم رغم كونه
مكانيا اخذ يكسب تدريجيا معان إضافية مختلفة تم استعادتها وتبنيها من
الاعتقاد بالنشوء والتقدم اللذان ازدهرا في القرن الثامن عشر.ولأن شرق
أوربا الجغرافي والعالم الواقع في الشرق كان في تقهقر مستمر عن أوربا
لاسيما في الأداء الاقتصادي فقد أصبح الشرق مقرونا حصرا بالتخلف صناعيا
وبالعجز في العلاقات الاجتماعية والمؤسسات التي يتميز بها الغرب
الرأسمالي وبثقافات تتسم بالخرافة واللاعقلانية لم يتم مسحها من قبل
التنوير الغربي ولو تصفحنا المواريث التاريخية المختلفة التي شكلت شبه
الجزيرة الاوربية الواقع جنوب شرق القارة بإمكاننا تعيين ارثيين مهمين
الا وهما البيزنطي بتأثيراته الثقافية والدينية والقانونية والسياسية
والأخر هو العثماني الذي اعطى شبه جزيرة البلقان اسمها واسس لاطول فترة
من الوحدة السياسية.ولم يكتسب جزءاً من شبه الجزيرة هذه اسماً جديداً
وهو البلقان ابان الحكم العثماني بل ان العناصر العثمانية تلك التي تم
فهمها بصورة ما ادت الى تصوير البلقان بهذا الشكل النمطي.ليس من
المبالغة القول وفي ضوء ما تقدم ان البلقان هي ارث عثماني فالحكم
العثماني امتد في شبه الجزيرة تلك لستة قرون خلت ممتدة من القرن الرابع
عشر وحتى بواكير القرن العشرين.ان مكوث العثمانيين لردح طويل من الزمن
في شبه جزيرة البلقان قد أعاد خلف هذا الإرث وخصوصا عندما يتعلق الامر
بمسألة الهوية الذاتية.
يذهب البعض الى ان اهل البلقان
بدأوا بفقدان هويتهم بمجرد الأربنة Europeanize , وهنا اود الإشارة
الى ان هذا يدل بوضوح على اختلافهم عن الاوربيين.ولعل من المثير
للاهتمام هو ان البلقان في القرن التاسع عشر والقرن العشرين تضمنت
انتشار العقلانية والعلمانية والتشديد على النشاطات التجارية.
وتكون طبقة برجوازية وبروز طبقات
اجتماعية اخرى ضمن المحيط الاجتماعي والاقتصادي وفوق هذا كله انتصار
دولة بيروقراطية ذات قومية واحدة.اصبح البلقانيون من وجهة النظر هذه
اوربيون اذا بلفظهم اخر ماتبقى من الارث العثماني.
ويرتبط بطبقة الشرق كمفهوم
فضفاض،على خلاف مفهوم البلقان المحدد،هو الدور الذي حول الصورة الشرقية
كهروب من الحضارة فالشرق بصورة عامة قد تشكل لدى الغرب على انه مملكة
خيالية وساحرة وهو مكان الاساطير وحكايات الجنيات والعجائب.انه صورة
مصغرة للحنين ويقدم لك خياراً على عكس العالم الدنيوي في الغرب.لقد
اصبح الشرق المدينة الفاضلة اذ مثل الماضي والمستقبل والقرون الوسطى
مثار اعجاب الرومانسيين هو الذي أنتج أعمالا أدبية مثل((جايلد هارولد))
و ((جسر ابيدوس)) لبايرون((دليل الرحالة من باريس الى القدس))
لشاتوبريان و((شرقيات))لفيكتور هيغو وأعمال أخرى لصاموئيل كولرج وتوماس
مور.لقد غذى الشرق ودغدغ خيالات الرومانسيين ولكنه أصبح في الوقت ذاته
مفراً للبراليين والقوميين بعد ردود الافعال التي تلت الحروب
النابليونية عندما أصبح الشرق رمزا للحرية والثراء.
...........................
(*) تدريسي في قسم اللغة الإنكليزية- جامعة كربلاء
drsabah_lydia05@yahoo.com
المصادر:
......................
1-الاستشراق:ادوارد سعيد
2-
=المصدر نفسه
3-
برنارد لويس:الاسلام والغرب ص(47)
4-ميليكا: عش الاستشراقات ص(87)
5-لاري
هوفي (اختراع أوربا الشرقية:خارطة الحضارة في عقل عصر التنوير ص(37)
|