الحضارية «دراسات شرقية-غربية»

 الأحـد: 11/01/2009

 

صراع اللغات وصراع الحضارات

اللغة العربية في عصر العولمة /2

د. ثائر حسن جاسم(*)

 

اللغة العربية وصراع اللغات

 اللغة العربية هي إحدى اللغات الحيّة التي تعيش صراعاً لغوياً مع لغات متعدّدة ، ساعدت على وجوده عوامل كثيرة ، منها خارجية فرضها الواقع العالميّ المعاصر الذي نعيشه ، منها : الدينية ، والعسكرية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والعلمية ، والاجتماعية ، والعولمة ... ، وأخرى داخلية ناجمة من الواقع التاريخي الذي وصل إليه أهلها من الضعف في ميادين التعليم ، والعمل ، والسياسة والاقتصاد ، والإعلام ...

واحتكاك اللغة العربية بغيرها من اللغات ، في العصر الحديث ، ظاهرة حضارية تفرضها الضرورة التاريخية التي لا يستطيع أحد أن يمنعها أو يعيقها على الرغم من تعالي الأصوات التي تحذّر من عواقب ذلك الاحتكاك ، وتتمنّى لو تضرب سدّاً بين اللغة العربية وأيّ مؤثّرات خارجيّة قد تغيّر بعضاً من ملامحها أو أساليبها وتبعد بها عن الأصول أو الفروع  ، ربّما لأنّ أصحاب تلك الأصوات يخشون من افتقاد القدرة على التحكّم في مجريات هذه الظاهرة أو التنبؤ بنتائجها . ولكنّ هذه الظاهرة لا يمكن دفعها ، وهي بالتأكيد ظاهرة طبيعية وصحيّة تمنح اللغة حيوية ومقدرة على المطاولة ، كما كان الأمر في العصور الخوالي لازدهار الحضارة العربيّة ، إذ حمل إليها الكثير من مظاهر التطور وعناصر القوّة ، سواء أكان ذلك في مجال المفردات ، أم في مجال التأثيرات اللغوية البارزة ، خصوصاً في لهجات القبائل ، والتي كانت تجاور أقواماً من غير العرب . وفي هذا السياق يرى فندريس: ((أنّ تطوّر اللغة المستمرّ ، في معزل عن كلّ تأثير خارجي ، يعدّ أمراً مثالياً ، لا يكاد يتحقق في أيّ لغة ، بل على العكس من ذلك ، فإنّ الأثر الذي يقع على لغة ما من لغات أخرى مجاورة لها كثيراً ما يلعب دوراً عامّاً في التطور اللغوي . ذلك لأنّ احتكاك اللغات ضرورة تاريخية))[1] .

واللغة ، أيّ لغة ، تنمو وتتجدّد بتأثير عاملين رئيسيين: أحدهما التولّد الداخليّ الذي يجري عفواً أو قصداً ، فتنشأ الألفاظ والأساليب على ألسنة الناس وأقلامهم منبعثة عن سليقة لغوية تتّبع السياقات العامّة لروح اللغة وقواعدها في الصرف والنحو وأساليب التعبير .. والثاني التأثير الخارجي فيها وما يتسرّب إليها من لغات أخرى ، ثمّ يتأصّل فيها ويصبح جزءاً ثابتاً منها . ومن ذلك ما استقرّ في اللغة العربية من ألفاظ وأساليب على توالي العهود فأصبح بمنزلة الفصيح من كلامها [2] . وكلا العاملين يعملان معاً في كلّ عصر ، ولكنّ الغلبة قد تكون لأحدهما على الآخر بحسب مستوى التقدّم الحضاري الذي يبلغه المجتمع ، وبحسب موقع المجتمع في علاقاته مع العالم الخارجيّ . وتطوّر اللغة على كلتا الحالين يعبّر عن جوهر الصراع الحضاري الذي يشهده أهلها .

 لقد كانت اللغة العربية لغة العلوم والمعارف والفنون والآداب جميعـاً، عندما كانت الحضارة الإسلامية في أوجها، وكانت العلوم لا تدرس إلا باللغة العربية ، وكانت المراجع العلمية المعتمدة في جامعات أوروبا ، حتّى مطلع القرن الثامن عشر ، هي تلك التي كتبت باللغة العربية . و((ابتداءً من القرن التاسع - الميلادي - كان للعلم لغة هي العربية ؛ حتى إن هذه اللغة بدورها أخذت بعداً  كونياً، فلم تعد لغة لشعبٍ بل لعدّة شعوب، ولا لغة لثقافة معيّنة إنما لغة كل المعارف ولغة علم العالم. وهكذا فتحت معابر لم تكن موجودة من قبل ، تسهل الاتصال المباشر بين المراكز العلمية المنتشرة ما بين حدود الصين والأندلس ، كما وتسهل التبادل بين العلماء)) [3] . ولكن عندما أفلت الحضارة الإسلامية ، وتراجع دور العرب والمسلمين في الساحة العالمية ، بعد أن سرى الضعفُ في كيان الأمة ، فقدت لغة الضاد مكانتَها ، وزاحمتها لغاتٌ أخرى لأمم شتى تفوّقت وتقدّمت وتطوّرت، وازدهرت ازدهاراً حضارياً حتى بسطت لغاتها وفرضت نفوذها ، ليمتدّا إلى مناطق واسعة من العالم .

 

بدايات الجهود اللغويّة في مواجهة الحضارة الحديثة

 بزغ التأريخ الحديث على البلاد العربيّة ، على اختلاف بين أقطاره ، بحراك متواتر من المتغيّرات الحضاريّة ، وأخذت الحياة في هذا العصر تتبدّل غير تلك الحياة ، في مختلف مجالاتها ولكن على نحو وئيد وهيّن وعلى تفاوت في الاتّساع والشدّة في هذا المجال أو ذاك . وكان للتطوّرات العلميّة والصناعيّة النصيب الأوفر في بدايات هذا الحراك التاريخيّ والحضاريّ . فلقد ((شهد القرن التاسع عشر تقدّماً في العلوم وتوسّعاً في المخترعات  لم تشهد لهما البشريّة مثيلاً في القرون الماضية [...] وتعرّف العرب على هذه المنجزات العلميّة من خلال اتّصالهم بأوربّة ، فوقفوا منها موقف المشدوه في بداية الأمر ، ثمّ ما لبثوا أن استوعبوها بعد تأسيس المدارس العصريّة في مدنهم على يد محمّد عليّ في مصر أوّلاً ، ثمّ على أيدي الارساليّات التبشيريّة في بلاد الشام . وكانت حملة نابليون على مصر بداية اطّلاع العرب على منجزات أوربّة العلميّة ومخترعاتها الحديثة . فقد اصطحب نابليون عدداً من العلماء في مختلف الميادين والاختصاصات)) [4] .

لقد مثّلت المرحلة الأولى من التأريخ العربيّ الحديث الممتدّة من مطلع القرن التاسع عشر حتى الحرب العالميّة الأولى مرحلة انتقاليّة في تقدّم العلوم والمعارف والفنون شهدت اقتحاماً لغوياً كبيراً ، خاصة في وضع المصطلحات العلميّة الحديثة ، تعريباً وترجمةً ، من خلال اللغتين الأجنبيّتين اللتين كانتا سائدتين في الأقطار العربيّة ، وهما الفرنسيّة والإنكليزيّة ، واللتين رافقتا الحضور الأجنبيّ وربّما دعمتاه أيضاً [5] .

وربّما كان تأثير تلك الهجمة اللغوية في ألفاظ اللغة العربيّة وفي تراكيبها ، تأثيراً بالغاً لم تشهده من قبل ، لأنّ المؤثّرات جاءتها دفعة واحدة ، فانهالت عليها العلوم والمعارف ، ولم تترك للناس فرصة مناسبة لإيجاد ما يحتاجون إليه من الألفاظ الاصطلاحيّة ، ولم يكن المشتغلون في ميادين العلوم الحديثة عند أوّل دخولها على سعة في علوم العربيّة ، وليسوا على اطّلاع كافٍ على ما وضعه القدامى أو اقتبسوه من مصطلحات في نهضتهم الماضية ، فلمّا ترجموا تلك العلوم إلى اللغة العربيّة لم يهتدوا إلى مصطلحاتها القديمة ، أو اهتدوا إلى بعضها ، ووضعوا للبعض الآخر ألفاظاً لا تنطبق على المراد بها تمام الانطباق [6] . ممّا يعني افتقارهم إلى الأطُر المنهجيّة للنقل المعرفيّ ، وعدم إلمامهم بالمعرفة المنقولة ، لذلك كان تعامل هؤلاء الرواد والطليعيّون مع المعارف والعلوم على ما يبدو بسطحيّة أدّت إلى تشويه كبير في جوانب مهمّة من المعارف والعلوم التي نقلوها أو أوكلوا ترجمتها إلى تلامذتهم ، وربّما يعود ذلك كلّه إلى العجلة التي كانت تتمّ بها تلك الجهود ، لأنّ الحاجة كانت ماسّة إلى إقامة المصطلحات باللغة العربيّة وكان لتلك الجهود ، على أهمّيتها ، الكثير من النتائج السلبية على اللغة العربية  .

ونجد أنّ البلدان العربيّة الثلاثة : مصر والشام والعراق ، كانت لها الريادة في النشاط اللغوي في مواجهة المدّ اللغوي الأجنبيّ الذي صحب مستجدّات الحضارة الغربيّة الوافدة  . ويبدو أنّ ذلك كان لسببين : أوّلهما ما تراكم عبر تأريخ هذه البلدان من إرث علميّ وحضاريّ متنوّع وثرّ . وثانيهما : أنّها كانت مطمعاً لهجمات غازية أجنبيّة في وقت مبكّر من التأريخ الحديث . وكانت الجهود في هذه الدول ، برغم اختلاف الأحوال فيها ، وضعف التواصل بينها في بداية الأمر ، ذات سمات عامّة متشابهة . فقد حدث الانفتاح على معطيات الحضارة الغربيّة في أوقات مبكّرة متقاربة نسبيّاً في هذه الأقطار من المشرق العربيّ ورافق هذا الانفتاح وعي ملحوظ لأهمّيّة النهوض بالعربية لتحمل كلّ ما هو جديد وافد ، وحرص شديد على اعتماد أساليب اللغة العربيّة والتواؤم مع طبيعتها عند معالجة المصطلحات . ولذلك كان ((المشرق العربيّ يشكّل وحدة متكاملة تقريباً في الجهود اللغويّة لوضع المصطلح العلميّ الحديث . إذ وجدنا تعاونا بين الأشخاص والمؤسّسات وخاصّة بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى واستقلال هذه الأقطار تماماً عن الدولة العثمانيّة . فكانت مجلّة (المقتطف) من جهة ومجلة المجمع العلميّ العربيّ بدمشق من جهة ثانية ميداناً يتبارى فيه العلماء واللغويّون في إظهار نشاطاتهم المصطلحيّة)) [7] .

وأخذ الاهتمام باللغة العربية ، في مطلع العصر الحديث ، يزداد شيئاً فشيئا ، مع بدايات النهضة العربية ، لأنّ معطيات الحضارة الغربية أخذت في الورود على الحياة العربية في كثير من المجالات ، وراحت مشكلات اللغة العربية تبرز وتتفاقم لدى أهلها في مواجهة الوافد الغربيّ ، وظهر ذلك جليّاً في وضع المصطلحات العربيّة في مقابل المصطلحات الغربية المستحدثة . فالمصطلح عنصر من عناصر اللغة التي بها تُدوَّن ضروب النشاط المعرفيّ والنتاج العلمي ، والمعطى الحضاريّ ، وللمصطلحات أهمّيتها البالغة ، ولها شروطها ومواصفاتها وخصائصها . وقد أصبحت جلّ العلوم والمعارف الحديثة في الحضارة العربيّة وافدة ، وصارت اللغة العربيّة متلقّية لما ينتجه الآخرون بدلاً من أن تكون رافدة له . لذا برزت مشكلات في وضع المصطلح العربيّ ، في الميادين كافّة ، لم تكن قبلاً ، وكان على العربيّة أن ((تواجه هذا التحدّي الجديد ، وأمرها يختلف كثيراً عمّا كانت عليه في تاريخها الطويل حين استوعبت حضارة الفرس والروم وبقيت مع ذلك عربيّة خالصة لم تشبها شائبة ، أمّا اليوم فإنّها تواجه حضارة غربيّة ، عليها أن تتصدّى لها دون أن يدعمها سلطان من سيادة أهلها كما حدث من قبل ، فالعرب اليوم غير العرب بالأمس البعيد ، إنّهم ينظرون إلى الحضارة الغريبة نظرات متباينة يمتزج فيها الإعجاب بالنفور والإكبار بالاستهانة والإحباط بالتحدّي)) [8] .

ولا يُمكن فهم مشكلات اللغة العربية وأهمّها مشكلة المصطلحات في التأريخ العربيّ الحديث إلا مرتبطة بحركة النهضة العربيّة عامّة ، وفي سياق حركة إحياء اللغة العربيّة خاصّة . ويمكن أن تُؤشَّر بداية الجهود اللغويّة للترجمة ووضع المصطلح العربيّ مع أولى طلائع النهضة والإصلاح عندما بدأت اللغة العربيّة تتجدّد في مطلع القرن التاسع عشر على يد علماء النهضة في مصر ، ومنذ أن أخفقت حركة التتريك التي استهدفت القضاء على التعامل باللغة العربيّة داخل الدولة العثمانيّة [9] . لقد كان لسياسة التتريك التي اتّبعتها الدولة العثمانيّة أثرها البالغ في إعاقة اللغة العربيّة عن التقدّم حتّى انزوت في المساجد والمعاهد الدينيّة . وكان على اللغة العربيّة بكلّ ما تحمله من إرث حضاريّ وافر أن تواجه في مطلع هذا العصر الزخم الهائل لمعطيات الحضارة الغربيّة وتتفاعل معه على النحو الذي ينتفع به أهلها خصوصاً بعد عصور الجمود والانحطاط . وكان لا بدّ للعرب من أن يضعوا لما يستجدّ مصطلحات مستعينين بوسائل أهمّها : الوضع والقياس والاشتقاق والترجمة والمجاز والتعريب والتوليد والنحت . وهذه الوسائل تجعل اللغة العربيّة قادرة على استيعاب العلوم ومواكبة التطوّر العلميّ والحضاريّ[10] .

ويذكر لنا التأريخ أعلاماً بارزين سعوا إلى العناية باللغة العربية واستنهاض إمكاناتها الكامنة ، وقدّموا رؤيتهم في حلّ المشكلات الحضارية التي تواجهها ، وأسهموا في الترجمة إلى العربية وفي وضع المصطلح العلميّ مساهمة فعّالة ، إذ أخذوا يدعون إلى التعريب ووضع المصطلح العربيّ من خلال مؤلّفاتهم ومقالاتهم ، مثل أحمد فارس الشدياق (1804- 1887) الذي ترجم طائفة من الألفاظ الأجنبيّة وعرّبها ، ووضع كثيراً من ألفاظ الحضارة التي أخذت سبيلها إلى الاستعمال ، والذي قال :((لو أنّ العرب الأوّلين شاهدوا البواخر وسكك الحديد وأسلاك التلغراف والغاز والبوسطة ونحو ذلك مما اخترعه الافرنج ، لوضعوا له أسماء خاصّة ، فهم على هذا غير ملومين ، وإنّما اللوم علينا ، حالة كوننا قد ورثنا لغتهم وشاهدنا هذه الأمور بأعيننا ولم نتنبّه لوضع أسماء لها على النسق الذي ألفته العرب وهو الاختصار والايجاز [...] وإنّه لا شكّ في أنّ مفردات العربيّة غير تامّة بالنظر إلى ما استُحدِث بعد العرب من الفنون والصنائع ، مما لم يكن ببال الأوّلين ، وهو غير شين على العربيّة ، إذ لا يحتمل أنّ واضع اللغة يضع أسماء لمسمَّيات غير موجودة . وإنّما الشين علينا الآن في أن نستعير هذه الأسماء من اللغات الأجنبيّة مع قدرتنا على صوغها من لغتنا)) [11] .

ويضيق الشدياق ذرعاً بالمستعربين فيقول فيهم : ((إنّ العرب المستعربين بخسوا اللغة حقّها ، فإنّهم عدلوا إلى اللغات الأعجميّة من دون سبب موجب ، فإنّ من يستعير ثوباً من آخر ، وهو مستغن عنه ، يُحكم عليه بالزيغ والبطر ، فلو نشأ في القرن الأوّل من الإسلام جمعيّة أدبيّة كما ترى الآن في ممالك أوربّة ممّا يرعف عندهم بلفظ (أكاديميّ) لما دخلت ألفاظ العجم في لغتنا)) [12] .

ويعدّ الشيخ إبراهيم اليازجيّ (1847- 1906) من الأعلام الذين كانت لهم جهود مميّزة في الحثّ على استنهاض اللغة العربية الاهتمام بحلّ مشكلاتها والحرص على وضع المصطلح العربيّ بما يتوافق وروح العربيّة . وممّا يدلّ على مواقفه الصريحة والواعية لجسامة المشكلة قوله : ((إذا نظرنا إلى حال الأمّة العربيّة في هذا العهد ، وما انتشر فيها من التمدّن الغربيّ وجدنا أنّها قد أفضت إلى حال ، انتقلت فيها عن أفقها دفعة واحدة ، وهجمت على تمدّن فجائيّ وقد نبت في غير أرضها [...] فوجدت بين أيديها من أنواع الملبس والمفرش والماعون وأدوات الترف والزينة ومصطلحات العلم والتجارة والصناعة والسياسة وفنون الأحاديث والتصوّرات وغير ذلك ما هو مباين لما عندها ، وأصبح الكاتب فيها مضطرّاً إلى وضع المئات بل الآلاف من الأسماء التي لا يجد لها رديفاً في لسانه . ولا في وسعه نقل تلك الألفاظ بصورتها إلى لغته ، لشدّة التباين بين طبيعة هذه اللغة ولغات أولئك الأقوام ، لأنّ الألفاظ فيها محصورة الأوضاع ، محدودة الصيغ ، لا تقبل الزيادة عليها إلا منها ، ولا يمكن أن تدسّ اللفظة الأجنبيّة بينها إلا بعد أن تجانسها وتؤاخيها .

فإذا لم نبادر إلى سنّ طريق يمكن بها وضع ألفاظ لهذه المستحدثات ، أو سبك ألفاظ في قالب عربيّ لا تتشوّه به هيئة اللغة ، لم نلبث أن نرى الأقلام قد تقيّدت عن الكتابة في هذه الأمور بتّة ، أو أصبح أكثر اللغة أعجميّاً)) [13] .

ومن أعلام النهضة اللغويّة الحديثة بالعراق الأب أنستاس ماري الكرمليّ ، الذي أصدر ببغداد في (تموز سنة 1911م) مجلة (لغة العرب) عالج فيها اللغة والأدب والمصطلحات والتاريخ العراقيّ [14] . وقد نصّ في أوّل جزء منها على نيّته إيراد مصطلحات الحضارة الحديثة : ((إنّنا لا ندع ديواناً من دواوين هذه المجلة إلا ونورد فيه شيئاً من المصطلحات الحديثة ، والأوضاع العربيّة الطريفة ، ممّا يوسّع لغتنا الشريفة ، ويحدونا على مجاراة الأقوام المتقدّمة في الحضارة المنيفة ، بما يُستحدَث فيها من الموضوعات العصريّة ، والمدلولات العقليّة ، والأدوات الفنيّة أو الصناعيّة ، والأفكار العلميّة التي لا مقابل لها ولا مرادف في لساننا في هذا العهد لانقطاع نظام العقد بكثرة ما انتاب هذه الربوع من النوائب والرزايا ، وانقطاع ديارنا عن معالم الحضارة ومعاهدها الغربيّة التي ما زالت في سير حثيث سديد وتقدّم وتجدّد وتوسّع وتولّد ، ونحن لا نزال في ريث وئيد ووقوف وجمود وخمود وركود)) [15] .

وقد انتبه الكرمليّ إلى بواكير الصراع اللغويّ بين العربية واللغات الأجنبية ، فأشار إلى اتجاهات أهل اللغة من نقَلَة العلوم والمعارف في زمانه في معالجة الألفاظ الأعجميّة عربياً فقال : ((الناطقون بالضاد من أرباب العلم والقلم هم اليوم على ثلاثة أقسام : قسم يريد اتّخاذ الألفاظ الأعجميّة الجديدة وأساليب سبكها وإدخالها في لغتنا [...] ، وقسم لا يريد شيئاً من ثروة الأعاجم ولو كان زهيداً [...] ، وقسم ثالث يقول بأنّ خير الأمور أوساطها . فعلينا أن نأخذ من لغة الأجانب ما لا يمكن أن نحقّقه في لغتنا ولا نجد فيها ما يؤدّي معناه ، أو أنّ مقابله في اللغة الضادية هواليوم مجهول . فيتّخذ للعرب من كلام الأغراب ريثما نعرف ما يعرض عنه في لغتنا)) [16] .

وقد انتقد العالم اللغويّ محمود الآلوسيّ (ت 1924م) تقاعس ابناء العربية عن اعتمادها في نهضتهم ، وأكّد قدرة العربيّة على استيعاب كلّ جديد وتمثّله ، إذ قال : ((وقد سمعت من لا خلاق له من الناس أنّه ادّعى أنّ لغات الإفرنج اليوم أوسع من لغة العرب بناءً على ما حدث فيها من ألفاظ وضعوها لمعان لم تكن في القرون الخالية والأزمنة الماضية [...] . وأمّا ما ذُكر من أنّ مفردات العربيّة غير تامّة بالنظر إلى ما استُحدِث بعد العرب من الفنون والصنائع ممّا لم يكن يخطر ببال الأوّلين فهو غير مشين على العربيّة إذ لا يسوغ لواضع اللغة أن يضع أسماء لمسمّيّات غير موجودة ، وإنّما الشين علينا الآن في أن نستعير هذه الأسماء من اللغات الأجنبيّة مع قدرتنا على صوغها من لغتنا)) [17] . وهو بهذا يذكّرنا بما مرّ ذكره من قول الشدياق في الرأي نفسه .

لقد شهدت اللغة العربية في النصف الأول من القرن العشرين جهوداً متقدمة جديدة ؛ ففي تلك المرحلة أنشئت الجامعات التي فتحت فيها كليات للآداب كان الأساس الذي قامت عليه دراسة اللغة العربية وآدابها في المقام الأول، وفيها صدرت المجلات الأدبية الثقافية الراقية التي كانت منتدى لأقلام كبار الكتّاب والأدباء والشعراء والباحثين في حقول اللغة والثقافة والأدب والفكر، والتي قام بعضها بعمل مهم في توثيق الصلات بين شعوب الأمة العربية، فكانت مجلة مثل (المنار) ، وصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا، تصل إلى المثقفين في أندونيسيا والصين وجنوب أفريقيا والشعوب الإسلامية في آسيا الصغرى وفي شرق أوروبا حاملة إلى القارئ نصوصاً راقية المستوى باللغة العربية . وكانت مجلة (الرسالة) ، وصاحبها الأستاذ أحمد حسن الزيات عضو هذا المجمع، تصل إلى بلدان المهجر في أمريكا اللاتينية ناقلة إلى جمهور المثقفين من قرّاء الضاد في تلك المناطق النائية، الأدب العربي والثقافة العربية . وفي كلتا الحالتين كانت اللغة العربية تحتلّ مواقع لها في أصقاع الشرق والغرب . وكانت مجلة (المقتطف) ، وصاحبها الدكتور يعقوب صرّوف ، تترجم الفصول والمقالات العلمية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية ، فتسهم في تطعيم اللغة العربية بالمفردات الجديدة وتطويعها لاستيعاب المضامين والمفاهيم الحديثة في العلوم المختلفة . وقد كان لهذه المجلة دور متميّز في نشر الثقافة العلمية باللغة العربية [18] .

إنَّ القاسم المشترك بين هذه المجلات الراقية جميعاً، وغيرها من المجلات الأدبية والثقافية والإسلامية، هو المستوى الرفيع للغة العربية ، الذي أسّس لنهضة أدبية وصحوة لغوية ، وتطور فكري وثقافي كان يأخذ سبيله إلى التبلور في صيغة مشروع ثقافي فكري عربي يجدّد الحضارة العربية الإسلامية.

لقد رافق تلك الجهود اللغويّة التي اعتمدت في معظمها الجهود الفرديّة أساساً ؛ محاولات لتأسيس جمعيّات لغويّة علميّة تكون مؤسّسات متخصّصة تعمل من أجل إحياء اللغة العربية وتراثها ، ومواجهة الزخم اللغويّ الأجنبيّ ، لتجاوز الأخطاء الكثيرة ، وبسبب الحاجة إلى مزيد من الجهود الرصينة والمتقنة في وضع المصطلح التي أخذت تشتدّ مع مرور الوقت . وبدأ إنشاء المجامع اللغويّة العلميّة الرسميّة بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى ، ((فتمّ إنشاء المجمع العلميّ العربيّ بدمشق عام 1919 في زمن الحكم الفيصليّ العربيّ في الشام ، ثم توالى إنشاء المجامع اللغويّة بعد ذلك فكان المجمع اللغويّ بالقاهرة عام 1932 ، والمجمع العلميّ العراقيّ عام  1947، وأخيراً مجمع اللغة العربيّة الأردنّيّ عام 1976 . وما تزال هذه المجامع قائمة بعملها اللغويّ من معاجم ومصطلحات علميّة مع تفاوت فيما بينها)) [19] ,

وعلى الرغم من أنّ نشاطها كان أقلّ نفعاً ممّا ينبغي له أو يُؤمَّل منه ، إلا أنّها كانت خطوة متقدّمة في المواجهة اللغوية في تاريخنا الحديث ، وتشير إلى وعي القوم لأهمّيّة هذا الجانب المعرفيّ في مسيرة التقدّم الحضاريّ للعرب . وقد حققت ونشرت في تلك المرحلة ، أمهات كتب التراث العربيّ الإسلاميّ .

أمّا اليوم فقد تقلّصت الحدود المكانية والزمانية بين الشعوب والأمم بسبب التطور العلمي الحديث في شتى المجالات المختلفة ، ممّا ساعد على سرعة الاحتكاك في جميع مجالات الحياة ، فزادت حدّة (الصراع اللغوي) بين لغة مؤثرة تملك مقوّمات القوّة وأخرى متأثرة تفتقد كثيراً من عناصر القوّة . ومن الخطل التقليل من خطورة مشكلات اللغة فهي الوسيلة التي تتمّ بها عملية التفاهم والاتصال الفردية والجماعية ، ولا معدى عن مواجهة ظاهرة صراعها وتبنّي السياسات الكفيلة بتجاوز كلّ التحدّيات والمساهمة في إنجاز التنمية الحضارية .

ومن الجليّ أنّ العربية تعيش في عصرنا هذا فوضى لغوية عارمة ؛ وأبرز أسبابها انتشار وسائل الإعلام انتشاراً لم تعهده من قبل ، واتّساع مديات الاتصال ، وضخامة حجم المعطيات والمعلومات التي يتمّ تداولها ، والإقبال غير المسبوق على استخدام اللغة ، يقابل هذا ضعف مستشرٍ في العربية ، حتّى لدى من يُفترض أنّهم من المختصين فيها، قبل أن يكون لدى غيرهم ، فقد خرجت المؤثرات في الحياة اللغوية من أيدي المعنيين ، وشقّت عليهم السيطرة على مجريات التغيير السريع والمتلاحق .

ويمكن النظر في قضية صراع اللغة العربية مع اللغات في عصر العولمة من جوانب متعدّدة أهمّها :

1- صراع العربية مع اللهجات المحليّة التي تحوّرت عنها ، (ظاهرة ازدواجية اللغة) .

2- صراع اللغة العربية الفصحى المثالية النموذجية المدوّنة والعربية الاعتيادية المنطوقة.

3- صراع العربية مع اللغات الأجنبية ، (ظاهرة ثنائية اللغة) .

فالناطقون باللغة العربية يعيشون في حال من ازدواجية اللغة : لغة عربية معيارية نموذجية (فصحى) أسسها راسخة تاريخياً في البناء الحضاري العربيّ الإسلاميّ بفضل القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والإرث الأدبي والفكريّ الذي يمتدّ مئات السنين ، ولهجات عربية أصابتها صنوف مختلفة من التحوير والتبديل والتطوّر ، أبعدتها غير قليل عن العربية المعيارية تلك .

نجد هذه الحال ماثلة في واقع اللغة العربية في العصر الحديث ، إذ يقتصر تداول اللغة الفصيحة على جوانب معينة من الحياة الفكرية والثقافية ، بينما نجد للعامية ظهورها وحضورها في أماكن ومواقع حيوية ؛ كانتشارها على ألسنة العامة ، وفي الإعلام بمجالاته المختلفة ؛ مما يدل على أنّ تمثّل الفصحى يحدث صراعاً واضحاً مع العامية التي سيطرت على واقع المجتمعات العربية . ويمكن تعميم هذه الحال وبدون استثناء على جميع الدول العربية التي يحدث فيها صراع لغوي بين العامية والفصحى . وفي السياق نفسه نجد أنّ اللغة (الفصحى) المعيارية النموذجية ترتبط بالمكتوب والمدوّن في مساحة صغيرة نسبياً من الحياة الفكرية والثقافية ، في حين يقوم التواصل العملي على استعمال اللهجات ، أو خليط هجين من العربية . وتستحوذ هذه الظاهرة على مساحة كبيرة من عملية التواصل الاجتماعي والثقافي وحتّى الأكاديمي . وقد أشار (أحمد أمين) ، نقلاً أستاذه (علي بك فوزي) ، في الربع الأول من القرن العشرين ، إلى هذه الظاهرة وضرورة معالجتها : ((لا أمل في إصلاح مصر مادام هناك لغة للعلم ولغة للكلام ، فإما أن ترقى لغة الكلام ، وإما أن تنحط لغة العلم حتى تتحدا ، وحينئذ فقط يكون التفكير الصحيح واللغة التي تستمدّ روحها من الحياة الواقعية)) [20] . وهذا الربط بين إصلاح أحوال المجتمع وبين تطوير اللغة ، في تلك المرحلة المبكرة يثبت أنّ الوعي بضرورة مواجهة التحديات التي تحاصر اللغة العربية ، لا ينفصل عن إصلاح المجتمع .

ولا يبدو أنّ الجهود التي تبذل اليوم من أجل حسم هذا النوع من الصراع لصالح اللغة الفصيحة ؛ تسدّ الحاجة التاريخية الماسّة وتواكب التطوّرات المتلاحقة . ولعلّ العوامل المؤثّرة في اتجاه تضييق الهوة بين اللهجات وجمعها في العربية الفصيحة ، لم تبلغ بعدُ مبلغاً كافياً يقترب بها مما جرى للعربية نفسها من صراع بين عدّة لهجات متفرقة كانت الغلبة في النهاية للغة قريش لعوامل كثيرة دينية وسياسية [21]...

ومن المؤكّد أنّ هذا الازدواج اللغويّ بين العربية الفصيحة والعاميّات ، وكذلك بين العربية الفصحى النموذجية العالية المكتوبة وبين اللغة العربية المنطوقة ، يعيق الجهد الفكري والثقافي المطلوب في مسيرة التقدّم الحضاري لهذه الأمة . ويغذّي تلك النظرة الدونية للعربية من المتكلمين بها ومحاولة التقليل من شأنها ، وأنها لم تستطع أن تجاري التقدّم الحضاري ، وترقى إلى مصافّ تلك اللغات التي حوت علوماً علمية كثيرة !! واتهامها بالصعوبة وعدم صلاحيتها للواقع .

أمّا النوع الثالث من الصراع اللغويّ الذي يكون بين العربية واللغات الأجنبية ، فنجد أنّ اللغة العربية واجهت في العصر الحديث صراعاً لغوياً في الأقطار العربية مع عدة لغات أجنبية ؛ كما حصل لها مثلاً في المغرب العربي مع اللغة الفرنسية ، ودول الخليج العربي مع اللغة الإنجليزية. وكان هذا الصراع غير المتكافئ في الأساس مفروضاً على اللغة بعامل القوة الخارجية وما يتعلق به من قوة دينية وعسكرية واقتصادية وسياسية ، ممّا وضع العربية في موضع التأثر والاقتراض والدفاع السلبي .

 إنّ توسّع دور اللغات الأجنبية على حساب لغة الضاد من جهة ، والتمسك باللهجات المحلية من جهة أخرى ، من أهمّ أسباب المشكلات التي تعاني منها اللغة العربية اليوم لأن أي إقصاء للغة العربية الفصحى لصالح أيّ لغة أخرى أو أي لهجة عامية، يعدُّ إضعافاً لها وتحجيماً لمكانتها، ومن ثمّ يشكل خطراً على الثقافة العربية الإسلامية، ويسهم في إضعاف الأمة وفقدان هويتها وضياع تراثها.

وتدفع أسباب كثيرة في اتجاه نهوض اللغة العربيّة وخروجها إلى الآفاق الواسعة على امتداد العالم ، أهمّها وسائل الاتصال المتطوّرة والمتنوّعة التي لها تأثير واسعٌ شديد النفوذ في نشرها عبر الآفاق ، مع التوسعَ غيرَ المسبوق في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات التي تدرّس فيها اللغة العربية ، في الوطن العربيّ ، وفي العالم الإسلاميّ ، بل في عديد من دول العالم ، إذ يتزايد الإقبال على تعلّم اللغة العربية والتخصّص في علومها وآدابها ، ربّما للمصالح العظمى التي تربط العالم بالبلدان الناطقة بالعربية .

ولو أجرينا موازنة بين حال اللغة العربية الفصيحة قبل الخمسينات ، وحالها في نهاية القرن العشرين ، نجد أنّ الهوّة قد ضاقت كثيراً بين اللغة الفصيحة والعامية ، وتطوّر مستوى تدريسها ، وزاد عدد القادرين على استعمالها تحدّثاً وقراءة وكتابة واستماعاً . وقد عزا كلايف هول هذا التطور في وضع اللغة العربية الفصيحة إلى التغليم والتقدّم السياسي والنموّ الاقتصادي في النصف الثاني من القرن العشرين [22] .

ولئن كان للتطور النسبي الذي شهده الوطن العربي أثر إيجابي في حال اللغة العربية ، فقد اقتصر هذا الأثر على جوانب محدودة تقلّ كثيراً عن المستوى المنشود . فعلى الرغم من هذا الانتشار الممتدّ للغة العربيّة الذي بدأ في القرن العشرين ، وما يزال يمتدّ إلى اليوم ، لم تواكب اللغة العربية هذا الانتشارَ بالقدر الذي يجعلها تتطور على نحو سليم ، وتتجدّد باستمرار ، وتحافظ على نصاعتها وقوّتها ، وعلى الرغم من أنّها أصبحت لغة عالمية – إذ عُدّت إحدى اللغات الست المعتمدة رسمياً في الأمم المتحدة ، وفي المنظمات التابعة لها- تعاني من ضغوط داخلية في الوطن العربيّ نتيجة الاستخفاف بالتزام قواعدها وأصولها والتساهل الذي يبلغ درجة انتهاك قوانينها وتجاوز ضوابطها ، وهي تحاول مقاومة اللهجات العامّية واللغات المحليّة . وأخرى خارجية ، المتمثّلة في ضغط اللغة الأجنبية اليت ما فتئت تبسط نفوذها وتقتحم حصون اللغة العربية [23] . ويبدو أنّ التطوّر الحقيقيّ مرهون بتغيير جوهريّ في بنية العقل العربيّ الجماعيّ على نحو يتضمن القضاء على السلبيات المترسّخة فيه .

ولكنّنا على الرغم من كلّ ذلك نجد باطراد واضح أنّ الحاجة الحضارية اليوم تدفع الناطقين بالعربية ، على اختلاف لهجاتهم وتباين مواردهم الثقافية وتباعد بيئاتهم ، في اتّجاه التزام العربية الفصيحة وتوظيفها في جوانب الحياة المختلفة ، وإنْ على نحو تدريجي وغير مدعوم بزخم مؤسساتي يليق بهذه اللغة الكريمة .

وإذا كانت عوامل الصراع اللغوي بين العربية من جهة واللهجات العامّيّة واللغات الأجنبية من جهة أخرى ، مختلفة في البلدان العربية من حيث النوع والكيف ، ومتفاوتة من عصر إلى آخر ، وكذلك تأثيرها ربّما كان سريعاً أو بطيئاً حسب ظروف ذلك العصر أو البلد ؛ فإنّ الوعي اللغوي المرتبط بوعي النهضة والتنمية أخذ يشغل حيّزاً متّسعاً في حياتنا الثقافية والأكاديمية في أغلب البلدان العربية ، وعلى أكثر من مستوى .

ولكنّ عاملاً جديداً وحاسماً ظهر بصورة بارزة في العصر الحديث ، وهو تيّار (العولمة) بجميع أجنحته المختلفة : السياسية ، والاقتصادية ، والثقافية ... متمثّلاً بالقوة العلمية والعملية التي تمتلكها بعض الدول الأجنبية ، فساعد على سرعة فرض الاحتكاك بشتى صوره عبر وسائله المتعدّدة القائمة على التقنية الحديثة ؛ لذا يعدّ من العوامل التي تشكل خطورة كبيرة في قضية التأثر والتأثير بين شعوب هذا العصر .

وفي ظل ذوبان الفروق والمسافات المكانية والزمانية التي أسهمت فيها جوانب الاتصالات الحديثة ، أصبحت الإفادة من الأمم والشعوب الأخرى سانحة وبصورة يسيرة ، ولا شكّ في أنّ الحياة الحديثة المتطورة التي كان من جوانبها التطور العلمي والتقني الذي وصل إليه الغرب في ميادين شتّى ، أدت إلى إفادة الأمم قاطبة والعربية خاصة من علومها .

 لقد ولّدت هيمنة النظام العالمي الجديد ، على نحو مقصود أو غير مقصود ، أخطاراً متفاقمة باطراد ما تزال اللغة العربية تواجهها اليوم ، بوصفها وعاء للثقافة العربية وللحضارة الإسلامية . ولهذا العامل تأثيره البالغ في اللغة العربية من جوانب مختلفة مترابطة ؛ إذ فتح الباب واسعاً لدخول أعداد وافرة من الألفاظ والمصطلحات إلى اللغة العربية ، وأصبح المصطلح الأجنبي من كثرة استعماله لدى متكلمي العربية أيسر من المصطلح العربي الذي يعاني من بطء في نشره بين المجتمعات العربية حتى إذا سارت الركبان بالأجنبي جاء المصطلح العربي المقابل له متأخراً ، فلا يجد من يتبنّاه إلا القلة التي لا تمتلك عناصر التأثير في المجتمع ، وإنما تستخدمه في نطاق ضيق ، بل يضطر أحيانا إلى استخدام العربي ويجاوره الأجنبي بين قوسين ، لأنّ المخاطب قد يجد صعوبة في معرفته بالعربي . مما ينذر بخطر كبير على الأمة العربية وخصوصيتها في ظل الهيمنة الأجنبية ، وهذا يوجب التفكير الجادّ في السعي إلى إيجاد الحلول التي تحافظ على اللغة العربية وهوية أبنائها ، ووضع استراتيجيات للتعامل مع اللغة الأجنبية ، لأنّ الأمر لا يقف عند حدّ انتقال الألفاظ والمصطلحات ، وإنما يتجاوزه إلى المحتوى الثقافي والاجتماعي الذي تحمله تلك اللغة الأجنبية في طياتها وجنباتها .

وهذا لا يعني الوقوف أمام اللغات الأجنبية موقف المعارض والمتحدي ، ولكن لا بد من التعامل معها بتوازن غير مخلّ ، على نحو تكون فيه الإفادة أمراً يتيح التطور والتطوير ، وذلك بتخصيص مراكز وهيئات وأشخاص ومؤسسات تعليمية  تهتمّ بتحسين طرائق التعامل مع اللغة الأجنبية والإفادة منها في نقل العلوم والمعارف في جوانب الحياة المتطورة باستمرار . ويرتبط بهذا الموضوع مسألة تعليم الناطقين بالعربية العلوم الحديثة القائمة باللغة الأجنبية ، ويبرز تساؤل مهمّ :

هل يتمّ تعليم العلوم باللغة الأجنبية أم باللغة العربية عن طريق الترجمة والتعريب ؟

ويمكن الإجابة عنه من خلال الإجابة عن السؤال الآتي :

هل العلوم –فعلاً- لا يمكن أن تعلّم إلاّ عن طريق لغتها الأصلية ؟

والإجابة عن هذا السؤال ينبثق من حقيقة أنّ الحاجة في هذا العصر تستدعي وتتطلب بعض اللغات الأجنبية ، لتحقيق كثيراً من الأغراض والأهداف التي لا يمكن بلوغها إلاّ بالتعامل باللغة الأجنبية ، ولكن أمر تعليمها يحتاج إلى تقنين يعصمها من أن تكون سبباً في التأثير في اللغة العربية ، فلا يكون تعلمها عاملاً من عوامل الصراع اللغوي الداخلي . وتدلّ تجارب الأمم أنّ تعلّم العلوم وإتقانها ليس مقصوراً على اللغة التي أبدعتها ، فمن الواقع ما نشاهده في بعض"دول العالم التي تدرس الطبّ بلغتها : اليابان ، والصين ، وروسيا ، وكوبا ، وألمانيا ، وفرنسا ، وفي العالم العربي : هناك سوريا ، وحديثاً السودان ، والجزائر ، وكلها تجارب ناجحة جداً ، فهل الطبّ الألماني متخلف عن الطب الإنجليزي ؟ [24].

ربّما أثبتت تجربة سوريا في تعليم الطب بالعربية ، وما حققته من نجاحات متتالية ، قدرة العربية على مسايرة التقدم الحديث في المجال الطبي ، وإمكانية ذلك . وهذه الإشادة لا تنسينا دور مصر الريادي في هذا المجال ، إذ لها فضل السبق في افتتاح أول مدرسة للطب الحديث التي أسسها محمد علي ، وبدا التدريس فيها عام 1827 م باللغة العربية [25] .

إنّ إصرارنا على التعليم بالأجنبية اعتراف ضمني بعجز العربية عن مسايرة ذلك ، وعجزها عن تلبية احتياجات العلوم ، وهذا غير صحيح ، لأنّ العربية – كغيرها من اللغات الحيّة - قادرة على ذلك ، وقد أثبتت الدراسات والواقع ذلك . وإذا كان تعلّم اللغات الأجنبية ضرورةً لا مناص عنها لمواكبة مستجدات عصر التقانة الحديثة ، فإن إتقان اللغة العربية ، والتزام التعليم بها شرطان أساسيّان للإبداع في مختلف المجالات ، والإسهام في رقيّ أمتنا العربية الإسلامية واستعادة مجدها، واستئناف ريادتها الحضارية.

ويبيّن واقع الحال أن التطوّر الحضاريّ العلمي المتّسع والمتسارع لا يشكلّ تحدّياً للغة العربية وحدها ، ولا للغات التي في موقعها في التأثّر والأخذ ، وإنّما هو تحدٍّ حقيقيّ أيضاً للغة المؤثّرة التي تنتج الحضارة المتقدّمة أو تأخذ بزمام حركتها ، لأنّ اللغة أيّة لغة لا تملك ، في كلّ حين ، ما يستوعب المنجزات الحضارية لأهلها ، لذلك نفترض أنّ اللغة المؤثّرة الغالبة والمهيمنة -الإنجليزية مثلاً- تعاني هي أيضاً من مشكلات حقيقية في الجهد اللغويّ عامّة ، وفي وضع المصطلحات خاصّة ، من أجل اللحاق بالتقدّم الهائل .

 

.......................

(*) مدرس في قسم اللغة العربية كلية الآداب - جامعة بغداد

 


الهوامش
......................

[1]  اللغة : ص 348 .

[2]  ينظر : لغتنا الجميلة : ص 95 .

[3]  موسوعة تاريخ العلوم العربية : مج1 ص 16 .

[4]  الاتّجاهات الفكريّة عند العرب : ص 203 .

[5]  يُنظر : الجهود اللغويّة في المصطلح العلميّ الحديث : ص 5 .

[6]  يُنظر : اللغة العربيّة كائن حيّ : ص 73 .

[7]  الجهود اللغويّة في المصطلح العلميّ الحديث : ص 107 .

[8] خصائص العربيّة المعاصرة . د. محمد حسن عبد العزيز . مجلّة اللسان العربيّ : ع 45 ، 1998م ، ص 161 .

[9] ينظر : حركة التعريب في العراق : ص 63 ومابعدها .

[10]  المصدر السابق : ص 31 .

[11]  الجهود اللغويّة في المصطلح العلميّ الحديث : ص 69-70 .

[12]  المصدر السابق : ص 69-70 .

[13]  المصدر السابق : ص 75 .

[14]  ينظر : المباحث اللغويّة في العراق : ص 54 .

[15]  مجلة لسان العرب : السنة الأولى  1911م ، ج 1 . ص 2-3 .

[16]  المصدر السابق : السنة الرابعة 1926م ،  ج1 . ص  13 .

[17]  المباحث اللغويّة في العراق : ص 55 .

[18]  ينظر: المصطلحات العلميّة في اللغة العربيّة : ص 57-58 .

[19]  الجهود اللغويّة في المصطلح العلميّ الحديث : ص 107 .

[20]  حياتي : ص 81 .

[21]  ينظر : المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي : 167- وما بعدها .

[22]  يثظر : أزمة اللغة ومشكلة التخلّف في بنية العقل العربي المعاصر ، د. محمد محمد يونس علي ، مجلة جامعة أم القرى ، ج 17 ع 29 ن صفر 1425 هـ : ص 661 ,

[23]  ينظر : اللغة العربية ووسائل الاتصال الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري ، موقع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو ، على الرابط :

http://www.isesco.org.ma/arabe/publications/Allogha%20Arabia/menu.php

[24]  دراسة تحليلية لمحتوى مادة القراءة الطبية في كليّة الطبّ : ص 1330 .

[25]  في سبيل العربية : ص 45 .