|
الخميس: 08/01/2009
صراع اللغات وصراع
الحضارات
اللغة العربية في عصر
العولمة /1
د. ثائر حسن جاسم(*)
تمهيد :
في غابر العصور كان كلّ قوم في كلّ
أرض يصنعون حضارتهم ويتوارثونها بلغة تخصّهم .. ولمّا كانت الأقوام
تنشطر ذاتياً بالحروب والهجرات وتتباعد شعوباً وقبائل يعيش بعضها
مستقلاً عن بعض استقلالاً نسبيا يقترب في بعض الأحيان من حال الانفصال
والانقطاع ؛ فإنّ ألسنتها تتبدل وتتطوّر إلى لغات تقترب أو تبتعد عن
بعضها بعضاً بحسب الظروف والبيئات التي تحتضنها ، فتتغير المفردات
أصواتاً ودلالات وتتحوّر التراكيب ، وقد تحتفظ اللغات النامية ببعض
المشتركات العامة من اللغة الأمّ وتختلف فيما بينها في السمات اللغوية
الأخرى وتستقلّ بخصائصها الجديدة .
وإذا كانت اللغات تتولّد وتنمو
وترتقي فهي كذلك تضعف وتموت وتندثر ، وتؤثّر كثير من العوامل في مسيرة
حياة اللغة عبر عمرها الطويل ، وتتحكّم في حراكها التاريخي ، فقد تساعد
تلك العوامل على انتشار اللغة ورقيّها وتوسعها ، وقد تؤول بها إلى
الوهن والاندثار ، لأنّ اللغة تستمد قوّتها من قوّة الأمة الناطقة بها
، أو من مجموعة الشعوب التي تنتمي إليها ، ولقد كان ارتباط اللغات
بأقوامها وما يشيدونه من حضارة ويتمثّلونه من ثقافة ارتباط وجود . وهذا
الأمر هو الذي يسوّغ القول بأنّ اللغة كائن حيّ ، إذ هي تحيا بحياة
الناطقين بها وديمومتهم في صراعهم من أجل البقاء ، وتهرم وتضمحلّ في
حال ضعف أهلها ، وانكسارهم وظهور غيرهم عليهم . ولقد أشار ابن خلدون
إلى هذه الحقيقة بقوله : ((إن غلبة اللغة بغلبة أهلها، وإن منزلتها بين
اللغات صورةٌ لمنزلة دولتها بين الأمم))
[1] .
وكانت اللغات تحافظ على استقلالها
وخصوصيتها ما دامت البيئة التي تحتضن أهلها مستقلة نسبياً عن سائر
الأقوام ... وكثيراً ما كانت شعوب الأرض وأقوامها تعيش في منقطعات من
الأرض لا تتيسر فيها سبل الاتصال فتضعف بينها أسباب التأثّر والتأثير .
ولكن على الرغم من ذلك التباعد والانقطاع كان تبادل التأثير الحضاري
والثقافي ، ويتصل بهما اللغوي ، قائماً بمستويات متباينة وبطرائق
مختلفة بحسب الواقع الجغرافية والظروف التاريخية ، مما يعكسه الاقتراض
اللغوي الذي ما تزال معجمات اللغات الحيّة تحتفظ بشواهد منه في متونها
.
وتغيّر الألسن واختلاف اللغات ليس
اختلافاً شكلياً محصوراً في الألفاظ ومعانيها والجمل ومبانيها فحسب
ولكنّه في جوهره ينطوي على تنوّعات في ما تعبّر عنه من ضروب الثقافة
ومكوّنات الحضارة ، ويدلّ أيضاً على اختلافات بمستويات متباينة في
طبائع النفوس ومدارك العقول وفي الاتّجاهات الاجتماعية ، والتراكمات
التاريخية ... فاللغة هي الوعاء الحاوي للثقافة ووسيلة من وسائل
التفكير تُحدّد من خلالها رؤية العالم وتُرسم بها نواميسه .
ترتبط ، إذن ، كلّ لغة ارتباطاً
تكوينياً وثيقاً بالبناء الحضاري لأية أمة ، وتعبّر عن خصوصية الحضارة
التي تمثلها وتحمل سماتها ، واللغة هي التي تحوّل الأفراد من جماعة
بشرية إلى مجموعة ثقافية مترابطة ، لأنّها تعمل على تماسك البناء
الاجتماعي ، وترابط أبناء الأمة الواحدة في البعدين : المكاني الذي
يتمثّل في انتشارهم في الأمكنة المختلفة والمتباعدة ، والزماني الذي
يتمثّل في تواصل الأجيال اللاحقة مع الأجيال السابقة .
ولا تنعكس الحضارة في شيء مثلما
تنعكس في اللغة ، فالخبرة الإنسانية المتراكمة على مدى الزمن تنعكس في
اللغة وتجد تعبيراً لها فيها ، سواء اتخذ ذلك التعبير شكل الكلام
العادي أو الكتابة المعروفة أو الرسوم والنقوش التصويرية .. ما دامت
كلّها تترجم إلى تصوّرات ومفهومات ومشاعر تُنقل إلى الآخرين وربّما
يصعب تصوّر قيام الحضارة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من نظم اجتماعية
وأنماط ثقافية وقيم أخلاقية .. وحياة مادية ومخترعات من غير اللغة
[2] . فقد درج الإنسان على
أن يفكر ويتكلّم ويعبّر عن أفكاره باللغة على نحو تلقائي ، حتّى أصبحت
كأنّها نشاط طبيعي غريزي كالتنفّس ، في حين أنّ النشاط اللغويّ يقوم
على التعلّم ، وهو أمر يحتاج إلى كثير من الوقت والجهد والعناء ،
فالطفل يتعلّم اللغة ، وتحتلّ اللغة الأمّ مكانها المركزي في أعماق
كلّ فرد منذ الولادة ، وساعة يحبو ، وأيام يمشي ، وتدخل في محكم بنائه
النفسي والاجتماعي من خلال كلّ لحظة يعيشها في بيئته وبين قومه ، حتى
تكون اللغة كأنّها عضو حيّ من أعضائه وليست ثوبا يمكنه استبداله حين
يشاء . هكذا وبعفوية تامة ، تورّث كلّ الأمّة أفرادها لغتها الأصلية ،
ويجد الإنسان نفسه وقد ورث ملكة لغته ، وبتلقائية يسبر أغوارها فهماً
وإدراكاً ويتمكّن منها استعمالا يوماً بعد يوم دون مشقّة أو جهد كبير ،
وتصير أداته المتقنة لتلقي المعارف من حوله في أقصر وقت وبأوضح معنى[3]
.
واللغة ، بمعنى آخر ، ترتبط
بـ(الهوية) هوية الأمة أو الجماعة . و(الهوية) مفهوم ذو دلالة لغوية
وفلسفية واجتماعية وثقافية ، ومعناه لغةً (الشيء نفسه) بما يجعله دالاً
على ما يكون عليه حقّاً ويميزه ممّا سواه ، ويمتدّ مفهوم الهوية ليتضمن
الإحساس بالانتماء القومي والديني والإثني . ويتّفق كثير من الباحثين
على أنّ أبرز عناصر تحديد(الهوية) : الشعور بالانتماء ، والثقافة ،
والتواصل ، والتكامل ... ولعلّنا لا نستطيع ، واقعياً ، الفصل بين هذه
العناصر على الرغم من أنّ كلاً منها يمثل مفهوماً محدّداً ، وربّما كان
عنصر (الثقافة) هو العنصر الأكثر ثباتاً ، حتى الآن ، في الهوية
العربية ، واللغة هي عماد الثقافة ، (( فلولا الثقافة المشتركة
المستمدّة من اللغة العربية وآدابها والتي دعمت أوجه التشابه والتكامل
والتي تغذّت من عدّة حضارات لما صمدت الهوية العربية حتى الآن ))
[4] ، لذلك يعدّ تشرّب
اللغة أهمّ ركيزة لتحصين الهوية الجمعية والذات الفردية . ولذلك سعت
أغلب الأمم والأقوام ، منذ القدم ، إلى المحافظة على لغاتها بتدوين
أصولها وإقامة قواعدها ، وحثّت على الدفاع عنها لحفظ مكانتها
والاستمرار بين الأمم .
وبمكن النظر إلى موضوعة اللغة ، من
جهات مختلفة ، وعلى مستويات متباينة ، فليست اللغة مجرد المجموع الكلّي
للألفاظ ومعانيها المعجمية ، وإنما هي قوام الفكر والثقافة على
امتدادهما التاريخي وميراثهما الاجتماعي المتطاول . ولعلّنا نستطيع أن
نحدّد أهمّيّة اللغة في ثلاثة محاور هي :
1- أهمية اللغة لارتباطها بالإنسان
خَلقاً وطبيعة ، إذ تختصّ اللغة وصنوها الفكر بالطبيعة الإنسانية ،
لأنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على التفكير المنظّم
وتكوين مفهومات وتصورات وأفكار مجردة ، كما أنّه ينفرد عن بقية
الكائنات بوجود لغة متطوّرة يستطيع بها التفاهم مع الآخرين ، وبين
أيدينا بعض الإشارات التاريخية القديمة تنبّه إلى أهميّة اللغة في حياة
الإنسان ، فلفظة (لغة) العربية ، والألفاظ : (LOGOS) و(LANGUAGE) ،
و(LOGIC) ، لها علاقة وطيدة بالكلام المنطوق ، وبمفهوم العقل ، وبمفهوم
المنطق . وفي الفلسفة اليونانية ارتبطت لفظة (LOGOS) بكينونة متعالية
تخصّ قوى تدير نظام الكون ، فهي تعني (القانون الكلّي للكون) عند
هرقليطس [5] ، و(العقل
الخلاّق) عند أفلاطون [6]
، وفي الفكر المسيحي اختصّت اللفظة بالذات الإلهية حتّى كانت
الافتتاحية الإنجيلية « في البدء كانت الكلمة » . وارتبط خلق آدم
باللغة في القرآن الكريم : { وعلّم آدمَ الأسماءَ كلّها } ، ومهما كان
اختلاف المفسرين كبيراً في شرح أبعاد (تعليم الأسماء) فإنها إشارة
بيّنة إلى أهميّة اللغة والكلام الذي هو نطق باللسان وتفكير بالعقل .
وكلّ هذا يتوافق مع المقولة الكلاسيكية "الإنسان حيوان ناطق" ، بمعنى
أنّ في الإنسان هذه الخاصيّة التي تميّزه من سائر المخلوقات .
2- أهميّة اللغة في أنّها وسيلة
التوصيل الشعوريّ والمعرفي فيما بين أفراد المجتمع الواحد ، فهي تحمل
مواقف وسياقات حياة دافقة فيّاضة زاخرة بالعلاقات والتفاعلات ، وهي
وسيلة النمو العاطفي والنضج الذهني ومرآة العقل ووعاء الأفكار والمشاعر
، ويعطي كثير من علماء الاجتماع والمشتغلين بالعلوم الإنسانية اللغة مع
الفكر أولوية شبه مطلقة على كثير من الخصائص الثقافية الأخرى مثل الفنّ
والعلم والدين واستخدام الآلات .. ويعدّونهما أهمّ عاملين ساعدا على
نشأة الحضارة والثقافة اللتين تمثلان المنجزات المختلفة التي حققها
الجنس البشري في نواحي الحياة المادية والروحية
[7] ، و((تشهد حضارة اليوم
حركة نشطة لـ(لغونة) الكثير من جوانبها : السياسية والمعرفية
والاقتصادية والأخلاقية . وجاءت تكنولوجيا المعلومات ، والهندسة
الوراثية ، لتضع اللغة على قمة الهرم المعرفي . وهكذا أصبحت اللغة
رابطة العقد للخريطة المعرفية ، والركيزة الأساسية لفلسفة العلم ، وما
من مذهب فلسفي إلاّ وله شقّه اللغويّ ، وما من فرع من فروع الفنّ ، إلا
ويشارك اللغة كثيراً من سماتها ، وما من فرع من فروع العلم إلا وله
صلته باللغة)) [8] .
3- أهمّيّة اللغة لارتباطها بحضارة
مجتمعها وثقافته ، وتعبيرها عن هوّيته ، فاللغة هي الذات وهي الهوية ،
وهي أبرز مقومات الشخصية الفردية والجمعية والإطار الذي يحفظ كيان
أصحابها ويحدد هويتهم . كما أنها أهم مظهر يتجلى فيه إبداع أبناء الأمة
، وهي تعكس ما تنفرد به جماعة من الجماعات ، و((يذهب بعض الكتّاب إلى
القول بأنّ كلّ ما قد يظهر في لغة مجتمع من المجتمعات من نقص او قصور
هو دليل قاطع على مدى تخلف ذلك المجتمع في ركب الحضارة فالخبرة
الإنسانية المتراكمة على مدى الزمن تنعكس في اللغة وتجد تعبيراً لها
فيها))[9] ، وتنوّع اللغات
دليل واضح على تنوّع العقليات . وثقافة كل أمة كامنة في لغتها ، كامنة
في معجمها ونحوها ونصوصها .
4- واللغة كذلك وسيلة الاتصال
الأولى بين الأمم ، والجسر الواصل بين خصوصية الذات وعمومية الموضوع ،
وهي خطّ اتصال للتجارب بين ما ينتجه أمة ما من محمول حضاريّ وثقافيّ ،
وما ينتجه العالم الخارجي منهما . وسواء أكان الاتّصال بين الأقوام
سلميّاً سلساً أم قهريّاً عنيفاً ، فإنّ اللغة ارتبطت تاريخياً
بالتأثير المتبادل بين الحضارات أيّاً كانت طبيعة هذا التبادل وعلى أيّ
مستوى كان ، و((ما من حضارة إنسانية إلا وصاحبتها نهضة لغوية ، وما من
صراع بشريّ ، إلا ويبطن في جوفه صراعاً لغوياً ، حتى قيل إنّه يمكن
صياغة تاريخ البشرية على أساس من صراعاتها اللغوية ))
[10].
ويمكن أن نؤشّر ثلاثة مسارات في
المواجهة بين اللغات وعلاقتها باحتكاك الحضارات قديماً، وهذه المسارات
هي:
1- مسار صراع الأقوام والشعوب بفعل
الحروب الحاسمة : فقد كان صراع الحضارات الدموي في الحروب وظهور أمّة
على أخرى وغلبة حضارة قوم على حضارة غيرهم ، يرفع لغاتٍ ويسقط أخرى ،
وتهيمن لغة الغالب على لغة المغلوب ، وربّما أثّرت لغة المغلوب في لغة
الغالب وتمكّنت منها ، إذا كان المغلوب يمتلك من أسباب الحضارة ما لا
يمكن إلغاؤه ، وفي هذا المسار يكون صراع اللغات شديداً والتأثير قوياً
ومهيمناً ويكون تفوّق لغة على أخرى أشدّ عنفاً وأكثر نفياً .
2- مسار طبيعي تلقائي : يتمثّل
تاريخياً بالاحتكاك بين الشعوب بفعل الهجرات الطبيعية والرحلات ، وبفعل
العلاقات التجارية ، ممّا يؤدّي إلى انتقال العناصر الثقافية والمعرفية
بين المجتمعات وتبادل التأثير بين اللغات ، كاحتكاك العرب بالحضارات
الفارسية والبيزنطية في الشمال ، وباليمن في الجنوب ، في رحلة الشتاء
والصيف . وفي هذه الحال يكون التأثير عفوياً وجزئياً وسطحياً . وكانت
الهجرات وقوافل التجارة تسمح بغير القليل من التأثير الحضاريّ والثقافي
3- مسار التأثير الإرادي الذي
يتمثّل في التوجه المقصود لنقل المعارف والعناصر الحضارية بين الحضارات
عن طريق الترجمة . كسعي العرب ، مثلاً ، إلى ترجمة الآداب والحكمة
الفارسية والهندية والمنطق اليوناني الذي اشتدّ في عصر المأمون العباسي
، وكذلك ترجم الأوربيون علوم العرب وآدابهم واستثمروها في بناء نهضتهم
الحديثة . وفي هذا يقول روجيه غارودي: (( إن ما اصطلح الباحثون على
تسميته باسم (الغرب) إنما ولد في (ما بين النهرين) وفي (مصر) أي في
آسيا وأفريقيا)) [11] .
ويكون من نتائج الصراع بين اللغات
، في الغالب ، تأثير بعضها في بعض قليلاً أو كثيراً ، وربّما تداخل
بعضها في بعض ، أو إضعاف بعضها ، والارتقاء ببعضها الآخر ، ولا يؤثّر
الصراع اللغويّ بين الحضارات في لغة ما تأثيراً حاسماً مباغتاً يؤدي
إلى موتها واندثارها (( إلاّ في حالات محدودة سببها اعتداء خارجيّ على
أهل لغة معينة ذات مساحة محدودة كما حدث مع اللغة الأوغاريتية الت
تعرّضت لهجوم من البحر في عام 1260 ق. م. تقريباً ممّا أدّى إلى
إحراقها بصورة كاملة ، ثمّ حُمّ عليها القضاء نهائياً في عام 1200 ق.
م. بالزلزال الذي نعرفه ، ممّا أهلك هذه اللغة))
[12] . وعندما تشيخ
اللغة وتبدأ بالموت الذي غالباً ما يتمّ ببطء ، فإنّ لغة أخرى تبدأ
بالبروز والتغلغل في أماكن نفوذ اللغة الأصلية ، وتبدأ تفرض سلطانها
عليها بصورة قد تكون تلقائية عفوية ، وقد تكون واعية قصدية مقننة (في
حالة الإحلال العدواني) ، ويتجلّى حجم التأثير اللغوي في المعجم اللغوي
، أو في المستوى النحوي (التركيبي) الذي يعدّ من أخطر المستويات
اللغوية على الإطلاق ؛ لأنّه متى أصيب بالخلل ، فإنّ هذا يعني أنّ
اللغة نفسها مرشّحة لتغيّر حادّ قد يفضي إلى ميلاد لغة جديدة ، وهو أمر
قد لا يكون مهمّاً في اللغات التي لا تحتفل بتراثها أو بنصوص مقدّسة
فيها ، ولكنه أمر شديد الخطورة في حالة وحود الإرث الحضاري أو النصوص
الدينية .
ومن الواضح أنّ التأثير الحضاري
والثقافي واللغويّ بين الأمم في كلّ الحالات القديمة والوسيطة ، كان
بطيئاً وتدريجياً ، ولم يكن في أكثر الأحيان مربكاً ولم يشكّل أزمة
تاريخية [13] . ربّما
لأنّ كلّ التأثيرات المتبادلة السابقة بين الأقوام كانت تتمّ على أسس
من التقارب والتشابه ، أقلّها التكافؤ الكبير في مستويات تطورها العامة
. أمّا اليوم فإنّ احتكاك الحضارات الحديث يختلف عمّا سلف اختلافاً
نوعياً وجوهرياً . ذلك أنّه يتمّ على اختلاف مستويات التطور . فهناك
الآن شمال وجنوب ، ودول صناعية متقدمة ودول متخلفة وتابعة ، دول تنتج
التكنولوجيا والإعلام والسلع المغرية والحياة الحديثة ودول تستهلكها .
وربما يكون التغير في طبيعة الاحتكاك الحضاري الحديث قد بدأ منذ تبلور
النزعة الاستعمارية الأوربية واحتياجها إلى مشروع ثقافي مطابق ، تمثل
في حركتي الاستشراق والتبشير
[14] . ولعلّ هناك بعض الإشارات التي تبرّر هذا الرأي مثل قول
اللورد (سالزبوري) : (( يأتي المبشّر أولاً ثمّ التاجر وفي أثرهما تأتي
البارجة الحربية )) [15]
. وقول المبشّر الأمريكي (جب) : (( من العناية الإلهية العظيمة أنّ
المطبعة الأمريكية ، والمدارس الأمريكية في سوريا ، كانت وسيلة لإعداد
رجال ونساء كثر ليكونوا مواطنين أمريكيين))
[16] .
وتتواصل في العصر الحديث مسيرة
الصراع الحضاري في العالم في سيرورة مهيمناً عليها من جهة واحدة
تقريباً ، تتدفق منها التكنولوجيا والسلع والثقافة والقيم إلى الشعوب
الأخرى فتؤثر فيها على مختلف الصعد : أنماط حياتها وعاداتها وقيمها ،
... ولغاتها التي هي مفاتيح حضاراتها وثقافاتها . حتّى برزت في السنوات
الأخيرة ظاهرة (العولمة) التي يتبلور مفهومها ، في ازدياد العلاقات
المتبادلة بين الأمم ، على نحو شامل وحرّ وسريع ، والشمولية تعني تبادل
السلع والخدمات ، وانتقال رؤوس الأموال ، وانتشار المعلومات والأفكار ،
وما يجرّه ذلك من تأثر كلّ أمّة بقيم وعادات غيرها من الأمم ..
العولمة وتدافع
الحضارات وصراع الثقافات :
يقتحم اليوم تيّار العولمة الجارف
الخصوصيات الثقافية والفكرية والحضارية للأمم والشعوب ، عبر وسائل
الاتصال المتطوّرة والمتنوّعة ، التي تعمل على كسر الحواجز الجغرافية
والعقائدية والسياسية .. بين الأقطاب والمراكز والثقافات المتباينة في
العالم ، وتحويل الأصقاع المترامية إلى قرية تكون فيها السيطرة العملية
والغلبة الثقافية لمن له قوة الفعل السياسي والثقل العلمي والتقني
والاقتصادي ، على المجتمعات الإنسانية التي تقصر وسائلها الدفاعية
الثقافية - والسياسية والاقتصادية أيضاً - عن التصدّي لهذا الاقتحام
المندفع ، وبسبب هذا تواجه اللغات الحيّة في عالم اليوم ، تحدّيات
كبيرة تهدّد خصوصياتها اللسانية الموروثة والقارّة ، في الكلمات
ومعانيها وفي الجمل وتراكيبها ، عبر صراع تاريخي يسعى فيه الجانب
المتفوق ، بوعي منه وقصد أو بدونهما ، إلى فرض لغته . ولا يخلو هذا
الأمر ، قطعاً ، من خطورة تاريخية تهدّد الأسس الثقافية والخصائص
الحضارية وتوهن الهويّة الوطنية والقومية لكلّ أمّة أو شعب ، لأنّ
اللغات ، كما نعلم ، أوعية الثقافات وعناوين الحضارات .
فلا تعني ظاهرة العولمة انفتاح
الأمم على بعضها بعضاً في تدفق السلع ورؤوس الأموال والخدمات والبشر
والأفكار على نحو سريع وبغير حدود ولا قيود فحسب، ولكنّها تعني مع ذلك
كله ، سرعة انتشار اللغة الأقوى التي تملك مقوّمات القوة والهيمنة
والسيطرة على اللغات الأخرى، خصوصاً لغات الأمم التي تعاني من مخلفات
عهود التخلّف ، والتي تخضع لضغوط شتَّى ناتجةٍٍ عن عدم انتظام أوضاعها
الاقتصادية والتعليمية في إطار سياسات وطنية قائمة على حسابات سليمة
واختيارات قويمة . وربّما ذهب بعض المهتمين إلى ترجيح العامل الثقافي
سبباً مركزياً في صراع الحضارات في العصر الحديث إذ يقول صموئيل
هنتنغتون : (( إنّ المنبع العميق للصراع في هذا العالم الجديد لن يكون
أيديولوجياً ولا اقتصادياً بالدرجة الأولى ... المنابع الأولى للصراع
ستكون ثقافية ... إنّ صدام الحضارات هو الذي سيهيمن على السياسة
العالمية ... سيشكل الصراع فيما بين الحضارات الحلقة الأخيرة من تطور
الصراع في العالم الحديث ))
[17] . ولكنّنا نفترض أنّ صدام الحضارات أو صراع الثقافات هو الشكل
الرمزي للصراع الاقتصادي والسياسي للهيمنة على العالم . والحضارة
الأكثر تطوراً اقتصادياً وتكنولوجيا ما فتئت هي التي تفرض ثقافتها
ومفاهيمها وقيمها وأنماط حياتها .
ولا تخفى على المرء مظاهر الصراع
بين الحضارات في عصر العولمة وآثاره العميقة المتوالية في المجتمعات
وثقافاتها ، ومن ذلك هذا التفكك المتصاعد والمستمر , الذي نشهده في كل
مكان من العالم , لكل البنى الاجتماعية التقليدية , والتغيرات النوعية
في أنماط السلوك و التفكير والقيم , وهذه السيرورة نحو توحيد أو دمج
الثقافات على مستوى العالم . ولابد أن نلاحظ أيضا أن ذلك إنما يتم في
ظل أو بفعل , تعميم النموذج الحضاري الأوربي الغربي , التعميم الذي
ييسره الدمج الاقتصادي والاجتماعي المرتبط بالتطور الصناعي والتكنولوجي
و تضاعف وسائل الاتصال والثورة الإعلامية و الاستهلاك بحيث أخذ الناس
تدريجيا يتنفسون جوا جماعيا واحدا إلى درجة كبيرة .
إنَّ تحديات العولمة لا تعدّ ولا
تحصى ، فالعالم يتغير بسرعة كبيرة ، ويتحول تحولات نوعية غير مسبوقة ،
ويتبلور الآن بشكل سريع مجتمع معلومات عالمي ، تنتقل المعلومات فيه
بسرعة عجيبة عبر شبكات (الإنترنت) محطمة كلّ الحدود القومية ، غير
عابئة بأي تحوّطات أمنية ، أو محظورات أخلاقية أو دينية ، أو تقاليد
ثقافية . وإذا كانت مراكز المعلومات القومية الآن يمكن أن تتحكم في
المعلومات التي ترغبها الدولة ، فإنها لن تستطيع أن تتابع ذلك في
مستقبل قريب جداً ، بل لم يعد لأيّ دولة الآن قدرة على الرقابة والمنع
، فثورة الاتصلات توسع بشكل عجيب الآن انتقال المعلومات ، وبشكل لا
يعبأ بأيّ معارضة ويتجاوز كلّ المصالح القومية والثقافية . ولذلك
تتفاوت التحدّيات من مستوى إلى آخر ؛ وفي جوانب مختلفة ، فهي تحديات
تواجه اقتصاديات الدول واختياراتها وسياساتها، كما تواجه ثقافات الأمم
والشعوب وخصوصياتها ولغاتها وقيمها . وهي في كلّ ذلك تحاصر الدول
والأمم والشعوب من كل جانب ، ولا يكاد يخرج عن هذا الحصار دولة من
الدول أو أمة من الأمم ، بما في ذلك الدولة التي تعدُّ بحسابات المرحلة
التاريخية ، القوةَ العظمى التي تملك زمام التحكّم في السياسة الدولية،
والتي تفرض على المجتمع الدولي برمته، النظامَ العالميَّ الجديد
[18] . على أنّ العولمة
، برغم كلّ ما يقال فيها سواء أكان سلباً أم إيجاباً ، ليست في المحصلة
النهائية شراً يُتّقى أو خطراً يُدفع ، وإنّما هي ظاهرة تكاد تكون
عالمية ، فيها سلبيات ولها إيجابيات، ولا بدّ من الحرص على توافر شروط
التعامل معها والتكيّف مع متغيّراتها ، لتجاوز تلك السلبيات والتغلّب
على ما يترتب عليها من مشكلات .
وفي مقدمة هذه الشروط امتلاك
القدرات الذاتية ، على مستوى الأفراد والجماعات، وامتلاك الوعي الحضاري
الرشيد الذي يقود نحو رسم السياسات الحكيمة ، واتخاذ القرارات الواعية
، للبناء الذاتي ، وللانفتاح على آفاق العصر ، وللاندماج في تياراته ،
من منطلق الإيمان بأن حماية الذات وترقيتها والمحافظة على خصوصية
الهوية الثقافية والحضارية ، رهين بإثبات الحضور في ساحة التفاعل
الإنساني وفي مضمار الحوار الثقافي . أما الاكتفاء بصب اللعنات على هذه
العولمة الغاشمة الجائرة وشتم الجهات التي تقف وراءها وإشهار الأخلاقية
والقيمية الوعظية في وجهها فهو ما لا جدوى منه
[19].
وقد تكون حالات الانغلاق والانكفاء
الثقافي القائمة إحدى آليات الدفاع وشكلاً من أشكال الممانعة الثقافية
ضد الاستسلام للعولمة أو الحضارة العالمية ، حضارة الآخر التي تعدّ
(غاشمة) ، ولكنّ ذلك (موقف سلبي) غير فاعل ، لأنّ فعله الموجّه ضد
الاختراق الثقافي ، لا يعدّل الاختراق ، ولا يفعل فيه أيّ فعل ، بل
فعله موجه كلّه إلى الذات بقصد تحصينها . والتحصين إنما يكون مفيداً
عندما يكون المتحاربان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات (( أما
في الحالة الراهنة من عدم تكافؤ القوى فإنّ الانغلاق يتحول إلى موت
بطيء ، وصاحبه محكوم عليه بالإخفاق ))
[20] .
ولا بدّ ، إذن ، أن نميّز بين
جانبين في ظاهرة (العولمة) التي تأخذ بالعالم الراهن نحو التوحد
والاندماج :
1- جانب موضوعي يفرضه التطور
الكبير للاقتصاد والتجارة الدولية ، والسلع الاستهلاكية العامة ،
وتعميم قانون القيمة على الصعيد العالمي ، وتطور المجتمع المدني
العالمي والنزعة الإنسانية المرتبطة به بما فيها حقوق الإنسان
والمحافظة على سلامة هذا الكوكب ... إلخ .
2- جانب سياسي أيديولوجي يحاول
ويسعى إلى استغلال هذه الحركة الموضوعية إلى العولمة ، لفرض هيمنة دولة
محدّدة أو حضارة محدّدة ، أو تسويق ثقافة أو نمط حياة محدّد ، أو مصالح
اقتصادية وسياسية محدّدة على العالم .
إنّ رفض هذا الاتجاه الأيديولوجي
أمر مشروع وملحّ ، ومقاومته ممكنة ومشروعة بنظر فاسلاف هافل حين تستهدف
أشكال الهيمنة الثقافية التطابق ما بين الحضارة العالمية وبعض الثقافات
القومية المركزية الغالبة والمهيمنة ، ولكنّ هذه المقاومة تعدّ
انتحاراً ثقافياً حقيقياً إذا كانت موجهة ضدّ الحضارة نفسها
[21] . أي إذا كانت
مقاومة للعولمة بالمعنى الأول التاريخي الموضوعي يصبح الرفض عندئذ
حكماً على الذات بالنفي خارج العالم والتاريخ ، مع أنّ ذلك غير ممكن
أساساً ، بسبب الضعف وقلة الحيلة وقصر ذات اليد ، ولأنّنا سنُقحم
ونُدمج في العالم دون أن نُستشار ، بل نحن في لجّة العالم والعولمة ،
بإرادتنا أو بدونها . لذلك ليست المسألة في القبول أو الرفض ، الانفتاح
أو الانغلاق ، بل في كيفية خوض التجربة مع الحدّ الأدنى من الخسارة
المادية والثقافية .
لقد كانت الأجيال في كلّ أمّة
تتواصل في نقل إرثها الحضاري والثقافي وتطوّره ذاتياً على نحو فيه قدر
كبير من الخصوصية والحصانة الذاتية والمقاومة للتغيير الذي يفرضه
الوافد الأجنبيّ من الخارج . وحل الآن زمن يتعرض فيه الآباء والأمهات
والأبناء لتخليق جديد وسريع . ليس في العالم اليوم أي مجتمع أو نموذج
اجتماعي ثقافي صاف ونقيّ لم يتعرض للاختراق بشكل ما , ولا أيّ بنية
اجتماعية غير منفتحة على العالم بكل نزعاته ونزاعاته الاقتصادية و
السياسية والأيديولوجية . فالعصر التكنولوجي الجديد سائر بالتدريج إلى
إضعاف رقعة الشطر المحلي و زيادة رقعة العناصر الشاملة في الثقافات
[22] .
إن عمليات التأثير الثقافي بين
الحضارات في هذا العصر التي تصل حدّ الصراع ، لا يمكن فهمها بمعزل عن
علاقات القوة في هذا العالم الحديث ، فليس هذا التأثير الذي يُعدّ
متبادلاً ، بأيّ حال ، تأثيراً بين أنداد متكافئين حضارياً وثقافياً .
وإنّما هو تأثير قائم ، في إطاره العامّ ، بين قطبين : أحدهما متقدّم
ومهيمن ، والآخر متقبّل متأثّر ، وما يحدث الآن إنّما يحدث في ظروف
هيمنة الغرب وتفوقه ، والتثاقف في ظلّ هذه الظروف ليست عمليات انتقال
ثقافي بريئة أو اختيارية ، وإنّما فرضتها شمولية العلاقات الحضارية في
ظروف العلاقات غير المتكافئة ولا تخلو فرض قسري لثقافة المهيمن ، وهي
تصاحب وتعبر عن منطق ومحتوى العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية
والأيديولوجية التي يفرضها من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تطوراً
والبضائع الأكثر انتشاراً ... إنه نمط حياة متكامل ماديا وثقافيا ، نمط
فشل أسلافنا منذ عصر النهضة العربية في تجزئته إلى نتاج مادي ونتاج
روحي بحيث يستجلبون الأول ويستبعدون الثاني محافظة على أصالتهم وعلى
كيانهم الحضاري والروحي ، فنحن نستورد ونستهلك ليس فقط البضاعة ولكن ،
شئنا أم أبينا ، نستورد ونستهلك معها نوعاً من العلاقة بين الإنسان
والإنسان وبين الإنسان والوجود . كل ذلك يفعل فعله بقوة في اختراق
الشخصية الثقافية وإعادة تكوينها وفق الأنماط التي يريدها الغرب ،
والخصوصية المفترضة ، المكوّنة لثقافتنا العربية تخضع لتشويه وتمويت
مستمرين ، بفعل تفوق الغرب وتعميمه منطقه ونموذجه الحضاري من جهة ،
والاستجابة البليدة للقوى القائدة للمجتمع العربي لهذا النقل من جهة
أخرى . ولن يستطيع الماضي التليد ، مهما بلغ من (عزّ) ومهما كان
(ذهبياً) أن يحمينا أو يحافظ على الخصوصية والانسجام والتماسك
والاختلاف والتميز الثقافي في إطار استمرار هذه السيرورة
[23] .
وإذا كانت الحضارات محكومة اليوم
بحراك التدافع الذي قد يصل حدّ الصراع ، ومعرّضة لعوامل النحت ورياح
التغيير في جميع جوانبها ومنها على وجه التخصيص الجوانب اللغوية التي
لها تبعات تمتدّ إلى هوّية الأمّة ، فما هي الوسائل والآليات والمناهج
التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق الموازنة التاريخية الضرورية في
المحافظة على الخصوصيات مع التفاعل البنّاء مع الحضارات الأخرى ؟ وأين
نحن من ذلك ؟ وما موقفنا وموقعنا من هذه المواجهة الشرسة ؟ وماذا
أعددنا لها لغويا ؟ وكيف يمكن تطوير خصوصيّتنا وما يميّزنا وتوظيفهما
في التوسع مستقبلاً بين أقطاب العولمة لتطوير ثقافتنا وحضارتنا بحيث
يصبح لنا في المستقبل دور ما في صنع الحضارة العالمية ؟
والقضية هنا تستدعي سؤالين هما :
- كيف ترتقي لغة من اللغات التي
تمثّل أمّة لها خصوصيتها الحضارية إلى العالمية ، وتتوسّع دائرة
انتشارها إلى آفاق شاسعة ، ويكون موقف فئات عريضة من أهلها منها هو
الصدود والعزوف والإعراض ، وأحياناً المحاربة ؟.
- هل العلة في هذه اللغة ؟، بمعنى
أن هذه الحالة تعود إلى طبيعة اللغة من حيث هي ، أم العلة ترجع إلى
عوامل خارجية ؟.
والإجابة عن هذه التساؤلات تتطلب
الوعي الجمعي بالبعد المستقبلي لحضارة الأمة ، بكلّ جوانبه وأبعاده ،
وهي مترابطة ومتداخلة ، ويعدّ الجانب اللغويّ من الجوانب المهمة في هذا
الشأن ، إذ أنّ الاهتمام بالتخطيط للمستقبل اللغوي لأمة من الأمم ،
يعكس مستوى راقياً من الوعي بمتطلبات التغيير والتجديد وإعادة البناء
على أسس ثابتة راسخة. ويعبّر التفكير في استشراف آفاق المستقبل
واستطلاع آماده، عن نضج عقليّ يبلور إرادة ذاتية في الانتقال من طور
إلى آخر على المستويين الخاص والعام، نحو بناء الذات ، وترسيخ الكيان ،
وتقوية القدرات الكامنة في النفس وفي المجتمع ، ودور اللغة في مجتمع
المعرفة جوهري : فاللغة محورية في منظومة الثقافة لارتباطها بجملة
مكونات الثقافة من فكر وإبداع وتربية وإعلام ، وتراث وقيم ومعتقدات.
الثبات والتحول في
اللغة في زمن العولمة :
حينما تتعرض أيّ أمّة للاقتحام
الحضاري من حضارة وافدة لها من القدرة ما يمكّنها من الهيمنة على
مقدرات تلك الأمّة واختراق خصوصياتها ، تمتدُّ آثار ذلك كلِّه إلى
الهوية والثقافة والفكر والأدب والفنون، وإلى اللغة في المقام الأول .
والأمم النامية التي تتعثر في خطواتها نحو استكمال شروط التنمية
المتوازنة المتكاملة المستديمة ، هي أكثر من غيرها تضرراً من آثار هذا
الغزو الذي يتخذ أشكالاً متعددة ، ويصطبغ بألوان مختلفة من بلد إلى
آخر، ومن بيئة إلى أخرى. وهو الأمر الذي يؤدي إلى نشوء ظاهرةٍ أسمّيها
(التلوث اللغوي) ، الذي لا يقلّ خطورةً عن أي نوع من التلوث الذي تعرفه
المجتمعات الحديثة.
إنَّ فساد اللغة ، كما يقول فقهاء
اللغة وعلماء الاجتماع ، مدخلٌ لاستلاب الهوية ، ولإضعاف الشخصية ،
ولإكراه الأفراد والجماعات على الذوبان في الثقافة الأجنبية التي تغزو
اللسان قبل أن تستلب الجنان . ومن هنا يبدأ سريان الضعف في أوصال
المجتمع ؛ إذ تضعف مقومات الكيان الوطني والقومي بضياع اللغة أو
بفسادها، ، وتضعف بالتبعية ، الخصوصيات الثقافية والحضارية . ولذلك
كانت العناية بإصلاح لغة الطفل ، والسعي إلى تقويم لسانه، وتحبيب اللغة
الأم له بشدّه إليها ، فالطفل هو أول من يتضرّر من تلوث اللغة.
والعولمة بآلياتها وتقنياتها
ونظمها الثقافية قد تؤدي إلى إضعاف معظم اللغات . وطمس المعالم الخاصة
للهويات والثقافات المحلية . وتدفع التطور العالمي في اتجاه اللغة
الواحدة واللسان الواحد. وإضعاف اللغات أو ضياعها يعني تحطم الوعاء
الأول للثقافة. والمخزون التاريخي للتقاليد والأعراف والفنون
والإبداعات.
ويرى المفكر المغربي علال الفاسي
أنّ الأصل في اللغة أن تتغير وتتطور وتنمو، لكونها مؤسسة للتفاهم بين
الناس ، والتعبير عن عواطفهم وخلجات أفكارهم ، فمتى نما الفكر واختلفت
الحاجة وبرز الإبداع ، نمت اللغة واختلفت ، ووجب العمل على تنميتها
والإبداع فيها ، ولا يمكن الجمود أو الانقطاع عن الاجتهاد ، لأن من
صفات العلم البحث عن المجهول واستخراجه واكتناه الحقيقة، ومواكبة
المستجدات. وليس مشكل اللغة ومواءمتها للحاجات وقفاً على اللغة
العربية، بل إنه مشكل جميع اللغات
[24] .
وليس بخاف أن تنمية اللغة تكون
بتفعيل نموّها الطبيعي، أي بتوليد الألفاظ والتراكيب الجديدة بالاعتماد
على إمكانات اللغة وعلى وفق آلياتها الكامنة في طبيعتها ، حتى تتغير
وتتطور وتنمو بما يواكب التقدّم الحضاري المتتابع. فإذا جمدت اللغة
وانكمشت، ضمرت وضعفت وفسدت. لأنَّ في جمودها فساداً لها. وفساد اللغة
فسادٌ للمجتمع. وإن مما لاشك فيه أن اللغات تتطور وتنحط ، وتتقدم
وتتأخر بحسب درجة الناطقين بها من الرقي الحضاري والتقدم الاجتماعي ،
ولذلك فهي ليست ظاهرة اجتماعية فحسب، ولكنها مرآة مجلوة لتسجيل درجة
الوعي الحضاري لدى متحدثيها. وليست اللغة من وجهة أخرى، مجرد ظاهرة
اجتماعية كما يتمثلها علماء الاجتماع ، وإنما هي أداة تعبيرية طيّعة
حية تبلغ ذروتها حين يعمد الناطقون بها إلى التماس الجمال الفني في
تعبيرهم بها ، وفي التألق في انتقاء ألفاظها عبر نظامها الصوتي
والتركيبي، مما يجعل من تعابيرهم، لوحات فنية من النسوج الكلامية تروق
سامعها، وتبهر قارئها [25]
.
ولكن تطوير اللغة ، أيّاً كانت هذه
اللغة ، هو جزء لا يتجزأ من تطوير المجتمع الناطق بها من النواحي كافة
، وليس من الناحية الثقافية فحسب . وإذ كان هذا التطوير قضية ترتبط
بنموّ القدرات الذاتية على التغيير الإيجابي في مستويات الحياة العامة
، فإن اللغة لن تكون في المستوى الراقي من التألق والازدهار والقوة
والقدرة على مسايرة راكب التقدم في الميادين جميعاً ، ما لم تتوافر
الإرادة الجماعية للإصلاح الذي يبدأ من التطوير والتحديث.
إنّ رقي اللغة وقوّتها لا يقومان
في فراغ ولا يعتمدان على تنظير اللغويين وذوي العلاقة من المختصين ،
ولكنّ اللغة تحيا وتزدهر بحياة المجتمع الذي ينطق بها، وبازدهار العلوم
والآداب والفنون والمعارف والصناعات والتقانات التي يبدعها أهلها في
المجالات كافة ، فيرتقون في مضمار التقدّم المادي والمعنوي، ويتبوأون
المكانة اللائقة بهم بين الأمم ، فتكون لهم السيادة على لغتهم ، لأنَّ
لهم السيادة على مقدراتهم ومكتسباتهم . فاللغة تقوى وتكتسب المناعة ضدّ
المؤثّرات الخارجية ، حين تكون لغة العلم ، ولغة المعرفة ، ولغة الحياة
التي تفرض نفسها وتملي شروطها ، فلا تذوب في لغة أخرى ، فتفقد هويتها ،
والأمة التي لا تنتج العلم ، تضعف لغتها وتنكمش وتنعزل ، وفي ضعف اللغة
ضعفٌ للكيان كما هو معلومٌ لدى علماء الاجتماع اللغويّ .
ومما لاشك فيه أنّ العولمة تجد
طريقها في مجتمعات مفرَّغة من الأصالة والجذور التاريخيّة؛ لأنَّ
المخزون الثقافي لهذه المجموعات ضحلٌ، ولا يمكنه تسخير الفكر العالمي
لمصلحته القومية، أي تفعيل موروثه الثقافي بأدوات معرفية أكثر جدة، مما
أساء إلى نتاج مختبرات الفكر القوميّة، وضاعف من تراكم الشوائب، وفرض
حالة من التشويش الذهنيّ الذي تجلى في معظم المستويات اللغويّة.
نخلص من ذلك كلِّه إلى ما يسمّيه
بعض الباحثين (الأبعاد اللغوية لظاهرة العولمة) ؛ فسواء أكانت العولمة
وفاقاً أم صراعاً، فاللغة - في كلتا الحالتين - شأن خطير ، فإن كانت
(وفاقاً) ، فاللغة ذات شأن جليل في حوار الثقافات ، إذ من المتوقع أن
يتخذ أنصار العولمة من علوم اللغة مرتكزاً أساساً لعولمة الثقافة ، وهم
يميلون إلى تجاوز الخصوصيات الثقافية للأمم والشعوب ، ويقفون بشدّة ضدّ
النسبية الثقافية ، ومن ثمّ النسبية اللغوية ، وهم بلا شك سيجدون
ضالتهم في التنظير اللغوي الحديث ، إذ تندرّج جميع اللغات الإنسانية في
إطار النظرية العامة للغة. أما إذا كانت العولمة (صراعاً) ، فإن معنى
ذلك سيادة لغة من لغات الدول المهيمنة في العلاقات التجارية
والاِقتصادية، وما يستتبع ذلك من سيادة ثقافتها وقيمها الخاصة، ممّا
يُفضي إلى تهميش اللغات الوطنية واحتوائها
[26] .
.......................
(*) مدرس
في قسم اللغة العربية كلية الآداب - جامعة بغداد
الهوامش
......................
[1] مقدمة ابن
خلدون : ص 764 .
[2] ينظر : حضارة
اللغة ، أحمد أبو زيد ، مجلة عالم الفكر، مج 2 ع 1 ، أبريل–
مايو-يونيو 1971م. : ص 11-12 .
[3] لمزيد من
الاطلاغ على العلاقة بين اللغة والحياة الاجتماعية والفكر ،
ينظر : سوسيولوجيا اللغة ، بيار اشار ، تعريب عبد الوهاب ترّو
، بيروت – منشورات عويدات ، 1996 م ص 24 وما بعدها .
[4] العرب
والتحديات الحضارية : ص 51 .
[7] ينظر: اللغة
والفكر ، أحمد أبو زيد ، مجلة عالم الفكر ، مج 2 ع 1 ، أبريل–
مايو-يونيو1971: ص 3 .
[8] الثقافة
العربية وعصر المعلومات : ص 233 .
[9] حضارة اللغة
، أحمد أبو زيد ، مجلة عالم الفكر ، مج 2 ع 1 ، أبريل–
مايو-يونيو 1971 : ص 11 .
[10] الثقافة
العربية وعصر المعلومات : ص 232,
[11] حوار
الحضارات : ص 17 .
[12] المرحلية
اللغوية قراء ةمقارنة تاريخية في نشوء اللغات وموتها ، آمنة
بنت صالح الزغبي ، مجلة جامعة أم القرى ، ج 18 ع 37 ، جمادى
الآخرة 1427 م : ص 400
[13] هناك
حالات استثنائية تاريخية شكّل فيها صراع الحضارات أزمة لغوية
مربكة ، كما ظهر عند دخول أقوام غير عربية في الإسلام.
[14] ينظر :
الثقافة العربية وحوار الحضارات ، حامد خليل ، فصل من كتاب نحو
مشروع للنهضة العربية في القرن الحادي والعشرين : ص 251 .
[15] التبشير
والاستعمار في البلاد العربية : ص 170 .
[16] المصدر
نفسه : ص 266 .
[17] الثقافة
العربية وحوار الحضارات ، حامد خليل ، فصل من كتاب نحو مشروع
للنهضة العربية في القرن الحادي والعشرين : ص 252 .
[19] ينظر
المصدر السابق .
[20] عشر
أطروحات حول العولمة والهوية الثقافية ، محمد عابد الجابري ،
جريدة السفير ، 24/12/1998 .
[21] وحدة
الحضارات وتعددية الثقافات بنظر هافل ، جورج طرابيشي ، جريدة
الحياة 18/1/1997 م .
[22] ينظر :
تأملات في الثقافة العربية على مشارف القرن الحادي والعشرين ،
فالح عبد الجبار ، مجلة النهج ، شتاء 1998 م.
[23] ينظر :
نحو مشروع للنهضة العربية في القرن الحادي والعشرين : ص
255-257 .
[24] ينظر :
التربية والتعليم واللغة عند علال الفاسي : ص 2 .
[25] : ينظر :
التعددية اللغوية فخ جديد لتمزيق الهوية الوطنية ، مجلة
(العربي) ، العدد (500) ، أكتوبر 2000 م ، الكويت: ص 27 .
[26] الثقافة
العربية وعصر المعلومات ، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي،
: ص 233 – 232 .
|