الحضارية «دراسات شرقية-غربية»

الثلاثاء: 06/01/2009


المستشرقون وتاريخ صلتهم بالعربية 

بحث في الجذورالتاريخية للظاهرة الاستشراقية

 

 

الدكتور إسماعيل أحمد عمايرة(*)

 

موضوع البحث :

    سبق أن تحدثت في دراستين سابقتين (1) عن المستشرقين واللغة العربية وقد رأيت في هذه الدراسة أن ألقي الضوء على صفحة أخرى من هذا الموضوع المتشعب الغائص في اعماق التاريخ الحضاري للشرق والغرب على حد سواء . وتتمثل هذه الصفحة في الجانب التاريخي لأسباب سوء التفاهم الذي حصل عبر التقاء الحضارتين : الإسلامية والغربية , وأثر ذلك على علاقة المستشرقين باللغة العربية تاريخيا .

سوء التفاهم وتعميق هوة الخلاف بين الحضارتين :

ولاشك في أن سوء التفاهم هذا نتج عن أسباب يحمل تبعتها الجانبان : الجانب الإسلامي والجانب الغربي , وهي أسباب عديدة تشابكت حتى غدت فيها ( الاعراض ) الطارئة على الزمن أمراضا مستعصية نتج عنا أعراض من نوع جديد .. وهكذا تصبح النتيجة ـ مرة ثانية ـ سببا تتوالد عنه نتائج أخرى , ولا احسب ـ حتى الآن ـ أن الفرصة قد أعطيت بالقدر الكافي لأن يعرف الطرفان : المسلمون والأوروبيون , أحدهما الآخر في معزل عن أسباب سوء التفاهم .

فمن الجانب الإسلامي ترتب على الانتشار السريع للفتوحات الإسلامية في أوربا بعض النتائج التي تختلف عن النتائج التي حققها المسلمون في المجتمعات النصرانية المجاورة لبلاد العرب , ففي تلك المناطق القريبة كان الجمهور النصراني يرى بأم عينيه عدالة الإسلام من خلال الممارسة العملية التي يعيشونها , ثم إن معرفة الطرفين : المسلمين والنصاري , أحدهما للغة الآخر كانت على نطاق ضيق , ولكنه نافع إلى حد ما في أن تعرف هذه المجتمعات أشياء كثيرة عن الإسلام وبخاصة أن هذه المعرفة قد زادت يوما بعد اليوم إلى أن أصبح أبناء الشعوب المفتوحة ـ بعامة ـ من أشد الناس تمسكا بالإسلام ـ بل لقد شاركوا في فتح المناطق الأخرى وإن كان لمشاركة كثير منهم محاذير يضيق المقام عن ذكرها .

أما المجتمعات النصرانية في أوروبا فقد ترتب على الفتوحات السريعة فيها أن شعر هؤلاء بالضيق , وفي هذا المعنى يقول ( رينو ) : ( إن الشيء الذي كان يضايق المسيحيين هو أن عدوهم قد استقر في كل مكان في وقت واحد تقريبا ) (2) .

وقد ترتب على الفتوحات السريعة غياب التأثير الإعلامي الإسلامي تقريبا عن تلك الأقطار المفتوحة , في الوقت الذي كان فيه الفارون من النصارى الموتورين في بلاد الشام ومصر , يقومون بإعلام مضاد للمسلمين فيقدمون الإسلام والمسلمين للشعوب الأوروبية في صورة مشوهة منفرة . وقد ترتب على هذا مزيد من العنف والقتال في تلك البلاد , ثم حدث أن تشابكت الفتوحات الإسلامية في أوروبا مع ذكرى غزوات وحشية كانت تشنها القبائل الوندالية الوثنية , وهي قبائل لا يزال اسمها يثير الفزع ويذكر بأقصى أنواع الشراسة والوحشية التي عرفتها أوروبا (3) .. وما يزال يحلوا للمؤرخين الأوروبيين أن يقارنوا بين المسلمين والوثنيين أن شبه الكتاب الأوروبيون المسلمين بالأعاصير الهوجاء الصحراوية المدمرة التي هبت من الجزيرة العربية على حد تعبير ( فرويند ) أما ( رينو ) فيصرح بأن معاصري الفتوحات الإسلامية من الأوروبيين كانوا يسمون المسلمين وندالا ويسمونهم وثنيين (4) , وقد أخذ يسوق القصص على نتائج هذا الخلط (5) الذي ترتب عليه مزيد من الإمعان في تشويه صورة الإسلام والمسلمين منذ تلك الأزمان إلى يومنا هذا .

     ومما ترتب على غياب الصوت الدعوي الإعلامي من جانب المسلمين في أوروبا , وعلى المعارك الدامية التي سالت جراحها المثخنة على صفحات التاريخ الإسلامي الأوروبي أن خلا الجو للقساوسة ورجال الدين النصراني لتشويه صورة الإسلام في أذهان الأوروبيين ومما زاد الطين بلة أن جنّد هؤلاء إلى صفهم خيال الشعراء ومؤلفي القصص الشعبية ليقوموا بدور ( التعبئة الشعبية ) في حرب المسلمين , حتى لقد أصبح الشعر والقصص الخيالي مرجعا يعاد إليه في فهم الإسلام , وفي هذا يقول ( جوزيف رينو ) ونحن ندرك إلى أي مدى استطاع مؤلفو قصص الفروسية التأثير على نفوس الناس وتضليل العقول بحيث أصبحت رواياتهم مصدرا للخلط والإضطراب (6) .

حسبي بهذا مثالا كافيا على بيان ما ترتب على التوسع الإسلامي في الفتوحات دون أن يصحب ذلك جهد دعوي إعلامي إسلامي يراعي الطبيعة الخاصة بكل منطقة يتجه إليها جيش الفتح .

مثل على مسؤولية الجانب الأوروبي في تعميق أسباب الخلاف :

أما من الجانب الأوربي فحسبي أن نذكر مثلا واحدا لذلك أيضا , فقد دأبت الشعوب الأوربية على تنمية إحساسها المفرط بتعاليها و( نرجسيتها ) وما ترتب على ذلك من جهل بأمم الأرض , حتى لقد ظلوا إلى عصور متأخرة , بل ربما إلى يومنا هذا ـ يحسبون أن الأرض مخلوقة لهم وأن أمما عارضة غامضة ـ أطلقوا عليها اسم الوثنيين , أو أتباع المسيح الدجال ـ تنبري لهم بين الحين والآخر , من أطراف الأرض البعيدة . وكلما اشتد اليأس بالشعوب الأوروبية فسرت ذلك بأنه آية من آيات اقتراب الساعة , وأن عدوهم المسيح الدجال قد ظهر ... وأن ما يحل بهم من ضيق هو من فعل جنده . وقد كانوا حيال عدوهم بين اثنين : داع إلى القتال , وداع إلى الاستسلام , وعلى الحالين فلا وقت لفهم عقيدة هذا العدو ولا إلى ما بين عدو وعدو من فروق وعلى هذا فقد كانوا في كثير من الأحيان لايفرقون بين المسلمين والإغريق .. ولا بين المسلمين والرومان (7) .

وقد ترتب على هذا أن ألصق بالإسلام في نظر الأوروبي كل صفات تلك الشعوب الوثنية , وعزي إليهم سلوكا ووحشيتها , وما تزال أوروبا لم تتخلص نفسيا من آثار تلك الحقب التاريخية المتراكمة التي تربت فيها النفسية الأوربية .. وفي هذا يقول ( دانييل ) : ( إن مسائل الخلاف بين الإسلام والمسيحية لم تتغير , والمسيحيون يميلون دائما إثارة الانتقادات نفسها , وعلى الرغم من أن بعض الكتاب في العصر الحديث يحاولون نسبيا أن يتحرروا من الاتجاهات المسيحية فإنهم على العموم لم يستطيعوا تحقيق ذلك القدر الذي توهموه ) (8) . ولايتسع المقام لأمثلة كثيرة تؤكد ما قاله ( دانييل ) : وسأكتفي بضرب مثل واحد يتناول مستشرقا أثنى عليه بعض النقاد العرب , فوصف بالتوازن والدقة والرجوع إلى الأصول والموازنة بين الروايات المتعارضة .

    وأما هذا المستشرق فهو ( جوزيف رينو ) الذي مر بنا كيف انتقد سلفه من الكتاب الأوروبيين الذين خلطوا الحقائق بخيال الشعراء والقصاص فلم يتمالك نفسه إزاء ذلك الخلط الفاحش الذي أظهروا فيه الإسلام دينا وثنيا يقدس الأصنام , فقال رينو صارخا :  ( فيا لسخرية القدر والجهل الأعمى بالإسلام ) ثم قال : ( ما هو السبب الذي دفع بآبائنا إلى هذا الوهم والخطأ يا ترى ؟ ذهب بعض العلماء إلى أن النورمانديين وغيرهم من الشعوب الوثنية كانوا ضمن الشعوب التي كان يشملها اسم ( سارازين ) (يعني مسلمين) وبالتالي فإن موطن أسماء مثل ( تير فاجنت ) و ( أبو لين ) وغيرهما , هي البلاد الشمالية حيث كانوا يعبدون الأوثان , وهكذا خلط العامة بين المسلمين وهذه الشعوب بصورة مخجلة ) (9) انتهى كلام (رينو) وهو حديث صريح في نقد الفكر الأوروبي في العصور الوسطى لـ (رينو) من العصر الحديث , ولكننا نجد الكاتب (رينو) نفسه يعب من هذه الروايات بإسراف في كثير من المواطن في كتابه , فمن ذلك قوله مستشهدا على أن المسلمين كانت تتملكهم روح الدمار والخراب والقتل : ( ونحن نملك في هذا الموضوع شهادة شاعر كان يكتب في أوائل القرن التاسع وهي شهادة نرى من الضرورة إيرادها برمتها لأهميتها .. ) (10) وقد روى خبر الشاعر الخيالي هذا ثم أردفه للتو بقصة أخرى يزعم فيها وحشية الفتوحات الإسلامية في نظره . وقد انطوت القصة على أخبار يظهر المسلمون فيها عبدة أوثان , حيث تقول القصة : ( كان البرابرة ( يعني المسلمين ) منهمكين في طقوسهم الدينية حينما تقدم إليهم رئيس الدير وعرض عليهم ترك الوثنية وعبادة الأصنام والتحول لعبادة خالق الكون , ولكن هذه الدعوة زادت من غضبهم إلى حد أن قام الشخص الذي يتولى القرابين وأخذ حجرا كبيرا ورمى به على رأسه ووقع القسيس على الأرض فاقد الوعي ) (11) . وقدم ( رينو ) لاستشهاده بهذه القصة بقوله : ( وإزاء عدم وجود شهادات كثيرة يمكننا أن نستدل أيضا بحادثة أخرى على طابع الشدة والقسوة الذي رافق الغزو العربي الي تعرض له جزء كبير من فرنسا ) .

وعلى أية حال : فأسباب العلاقات التاريخية المعقدة موضوع شائك ... مشتت الجوانب والأطراف .. غائر كالصدع في عمر العلاقات الطويلة بين الحضارتين : الإسلامية والأوروبية , وهو يستحق دراسات طويلة تأخذ بعين الاعتبار مصادر الطرفين التاريخية والفكرية .

الجهل باللغة وأثره في تعميق سوء التفاهم بين الحضارتين :

     وسوف أكتفي بالحديث فيما تبقى من صفحات هذا البحث عن صلة الغرب باللغة بوصفها من أشد العوامل التي يمكن أن تقرب أو تباعد بين الحضارات , وقد ترتب على جهل المسلمين والأوروبيين كل منهما بلغات الطرف الآخر نتائج خطيرة على تاريخ العلاقة بين الطرفين , وسأركز الحديث على الجانب الاستشراقي محاولا في ذلك أن أبين فداحة الخلل الذي ترتب على قلة تمكن أولئك النفر المثقف الذين كانوا يمثلون الغرب في تعامله مع المسلمين من خلال اللغة العربية بوصفها أهم لغة لفهم الإسلام والمسلمين , وسأعتمد في رسم الصورة على البحوث الاستشراقية ـ ما أمكن ـ على أن الأمر يحتاج إلى ما يكمله ببحث في المصادر العربية عن صلة المسلمين باللغات الأوروبية عبر القرون الطويلة الماضية .

لم يلتفت الأوروبيون في العصور الوسطى إلى أهمية اللغة العربية , ويؤكد ( رينو ) هذا المفهوم بقوله : (والمسيحيون من جهتهم لم يكونوا ليفكروا في تلك العصور التي ساد فيها الجهل والبربرية في بلدهم في تعلم اللغة العربية , والتاريخ لا يحدثنا في هذا السياق إلا عن كاهن واحد وهو رئيس سانت جال واسمه هاتموت الذي كان درس في حوالي سنة 880 م اللغة العربية إلى جانب العبرية واليونانية (12) وأغرب من هذا أن اللاهوتيين البيزنطيين كانوا أقرب إلى المسلمين موقعا , والحرب سجال بينهم وبين المسلمين , وحاجتهم إلى العربية أشد من حاجة الأوروبيين , غير أن ( جهلهم بالعربية قد منع عنهم كل اتصال مباشر بالرسالة القرآنية ) على حد تعبير بلاشير (13) . ولم يتجاوز اهتمام النصارى في العصور الوسطى الاهتمام بمتطلبات الجدل الذي استهدف الدفاع عن أقانيم المسيح وتلفيق التهم المزعومة ضد الإسلام . ولم تكن عامة الناس في أوروبا تفهم الذي يجري في بلادهم بل صعب عليهم أن يفهموا موقف الفاتحين : ( فمتى استسلم بلد من تلقاء نفسه كان المنتصرون يحترمون ممتلكات المنشآت الدينية .. وأما البلدان التي لا تستسلم إلا بالقوة فهي تتعرض لعنف الاحتلال ) (14) .

ومن المعلوم أن تعاليم الإسلام تقتضي أن يعرض الإسلام على أهل البلدان المفتوحة , فإن قبلوا غدوا جزءا من المجتمع الإسلامي , وإلا عرضت عليهم الجزية يدفعونها , وإلا سوى الحرب . لا شك في أن هذه المعلومات كانت خافية في كثير من الأحيان على أبناء الشعوب الأوروبية المفتوحة وقد كانت عقبة اللغة من الأسباب الكامنة وراء سوء الفهم . وكان القساوسة ورجال الدين النصراني لزعامة شعوبهم سياسيا وثقافيا , وقد جمع هؤلاء ـ إلى جهلهم باللغة ـ حنقهم على الإسلام والمسلمين فكان من الطبيعي أن ينقلوا إلى أقوامهم آراء المسلمين بتحريف شديد , كيف لا ... وهم لا يفهمون كلمة الإسلام إلا على أنها مرادفة للإلحاد .. ولا يفهمون كلمة مسلمين إلا على أنها مرادفة للقتلة . وقد ظل هذا الموقف مرافقا لعلاقاتهم بالمسلمين ويعطي ( سوذرن ) مثالا على ذلك الراهب الفراسيسكاني (سيمون سيميونس ) الذي زار فلسطين سنة 1323 م , فإن هذا الراهب الإيرلندي قل أن يذكر المسلمين دون أن ينعتهم بنحو ( خنازير ) و ( حيوانات ) .. وأبناء بعل وعباده .. وأبناء سدوم ... (15) .

الاتجاه العسكري في أوروبا : لا وقت لتعلم اللغة العربية :

ويبدو أن الأوروبيين , وعلى مدى أزمنة طويلة , رأوا أن الحل الأمثل للتعامل مع المسلمين هو القضاء عليهم عسكريا , فإذا كان هذا هو الحل فلا داعي , إذن , لإضاعة الوقت في تعلم لغة القوم وأفكارهم , ففي هذا مضيعة للوقت , وقد أعرب عن هذا الهدف ( رامون لول ) بعد سقوط عكا في أيدي المسلمين عام 1291 بعد أن تنامى إلى أسماع الأوربيين نبأ الانتصار الإسلامي , قال ( لول ) فيما أورده عنه (سوذرن) : ( إذا عاد المبتدعون ( السناطرة ) عن بدعتهم , واعتنق التتار المسيحية فيمكن القضاء بسهولة على السرازانيين ) (16) يعني المسلمين . وقد علق ( سوذرن) بعد أن أورد هذا النص بقوله : ( وعلى هذين الأمرين كانت أوروبا قد عقدت الآمال , بيد أننا نلاحظ أن متشدد ميورقة ( رامون لول ) يتحدث عن ( القضاء ) على المسلمين , لا عن هدايتهم ) .

الاتجاه الفكري في أوروبا والدعوة إلى حرب المسلمين ثقافيا :

ولكن هذا الرأي الذي ذهب إليه ( لول ) لم يكن ليمثل الرأي الأوروبي في عمومه , فقد ظهرت قبل ذلك وبعده آراء تحث على ضرورة التعرف عن كثب على أفكار المسلمين ولغاتهم , وقد كثر أصحاب هذا الرأي في أوروبا وبخاصة عقب الهزائم المتلاحقة التي حلت بهم وبخاصة إثر الحروب الصليبية .

وقوام الفلسفة التي يقوم عليها هذا الرأي أن تبرز أوروبا سلاحها الثقافي في وجه الشعوب الإسلامية التي لا تعدو في نظرهم أن تكون شعوبا بدائية تبحث عن الغنائم والأسلاب , وعلى هذا فقد استخف أصحاب هذا الرأي بالأسلوب العسكري , ونشطوا في الدعوة إلى تنصير المسلمين . وقد دعا إلى هذا الاتجاه وفي فترة مبكرة رئيس دير كلوني المعروف باسم بطرس المبجل الذي تبنى فكرة ترجمة القرآن للمرة الأولى ـ فترجمه الإنجليزي روبرت كتون إلى اللاتينية سنة 1143 م .. وكانت هذه الخطوة أول استثمار للغة العربية .. وقد كان ذلك جزءا من مخطط عام يدعو إلى تنصير المسلمين من خلال تشكيكهم في معتقداتهم ـ أي بالوسائل الثقافية بدلا من قوة السلاح (17) .. وقد كشف عن هذا المخطط الراهب بطرس المبجل حيث وجه خطابا للمسلمين قال فيه : ( إنني لا أهاجمكم كما يفعل كثيرون بيننا بالسلاح , إنني أوجه إليكم كلمات فقط , بغير عنف , وبتعقل وهدوء من غير كراهية وبحب كبير ..) وقال في تسويغ إقدامه على ترجمة القرآن الكريم , وهذا هو الشأن في العمل الذي أقوم به هنا , فإذا لم يكن بهذا الطريق إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة , فلا أقل من أن يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم إيمان المسيحيين السذج الذين يمكن أن تضير هذه الصغائر عقيدتهم ) .

فهل يعني ذلك أن عقبات اللغة بدأت تزول ؟ يعقب (سوذرن) بعد أن أورد الخطاب السابق لبطرس قائلا : ( أما آمال بطرس المبجل في ( هداية ) المسلمين إلى محاسن المسيحية الكاثوليكية فقد خابت أيضا , إذ بقيت نداءاته إلى المسلمين حبيسة كلمات اللغة اللاتينية ) (18) .

فاللغة إذن : كانت جدارا سميكا يحول دون أن يسمع أي من الطرفين صوت الآخر , وقد ساد بين المستشرقين إحساس مفاده أن العرب لا يهتمون باللغات الأجنبية , وقد عبر عن هذا ( جوزيف رينو ) بقوله : ( من المعروف أن العرب عموما لا يهتمون باللغات الأجنبية في القديم ) (19) . وقد شعر المبعوث البابوي بحرج شديد حين أتيحت له الفرصة ليناظر المسلمين والبوذيين سنة 1254 م في منغوليا في حضرة الخان المنغولي الأكبر . فقد أحس ( فلهلم) بحسرة شديدة لأنه سيناظر المسلمين والبوذيين وهو لا يحسن أي لغة شرقية . وقد كان الموقف خطيرا فريدا , فلعلها المناظرة الأولى من نوعها بين أصحاب هذه المفاهيم , وسيترتب عليها في نظر ( فلهلم ) دخول المغول في النصرانية , وهو حلم الأوروبيين الأكبر الذي إذا تحقق أصبح المغول ـ وهم أصحاب الكفة الراجحة على المسلمين عسكريا ـ قوة نصرانية جديدة تضاف إلى قوة أوروبا النصرانية في حرب المسلمين وإبادتهم (20)

النوايا التنصيرية وجهل أوروبا بالإسلام :

     إن محاولة الاتجاه الداعي إلى عقم المحاولة العسكرية في مواجهة المسلمين , والاستعاضة عن ذلك بفهمهم ثقافيا لم يكن بطبيعة الحال سوى اتجاه ضارب في أعماق الخلفيات التاريخية (21) لأساليب التنصير التي نراها اليوم , وهذا يعني أن هذا المحاولات تستجكم خلف مواقف مقررة ثابتة مفادها أن المسلمين وباء وشر ينبغي أن يقاوم (22) . وقد كان موقف المسلمين يتسم بالتسامح النسبي (23) , بيد أن أوربا لم تعرف شيئا عن الإسلام فكانت في هذا ضحية رجال الدين من جهة , والشعراء والمؤرخين من جهة أخرى , ومن جهة ثالثة تقصير المسلمين في الجانب الدعوى الذي يتطلب أول ما يتطلب معرفة بلغات القوم ودراسة علمية للأساليب المناسبة في التعامل معهم .

وقد ظل موقف أوربا يتذبذب بين الدعوة إلى القضاء عسكريا على المسلمين وعدم إضاعة الوقت في أي أمر يمكن أن يعرقل هذا الهدف والدعوة إلى حربهم حربا ثقافية , وقد امتد هذا الأمر من بعد الحروب الصليبية إلى بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة الأوروبية , ويرى (سوذرن) أن النصف الثاني للقرن الثاني عشر كان بداية لمرحلة التعقل , ومن الداعين لهذا الاتجاه ( أوتو فون فرايزنغ ) الذي صحح بعض المعلومات الخاطئة في أذهان الأوروبيين عن الإسلام فقرر خطأ المزاعم اللاهوتية التي تدعي أن رئيس أساقفة (سالزبروغ ) قتلة المسلمون في القاهرة عام 1001 م لأنه أقدم على تدمير الأصنام التي يعبدها المسلمون في زعمهم فقال : ( إن المسلمين يعبدون إلها واحدا ولا يذمون المسيح .. وأما عيبهم ـ في نظره ـ فهو أنهم ينكرون أولهية المسيح ويؤمنون بأن محمدا رسول من الله ...

وقد أشرنا من قبل إلى أن ( فلهلم ) قد أفاد من اتصاله بالمسلمين ومناظرتهم في عام 1954 فعرف أن المسلمين لا يعبدون محمدا (ص) , بل يعبدون إلها واحدا , وأن وجه الشبه بينهم وبين النصارى قائم من وجه كثيرة (24) .

الاهتمام الأوروبي بالعربية بعد مؤتمر (فينا ) 1312 م :  

ولما جاء القرن الثالث عشر أدرك ( روجر باكون ) ضرورة الاتصال ثقافيا بالحضارة الإسلامية وضرورة تعلم اللغة العربية بل التسامح بأفكار المسلمين وطرائقهم في المحاججة للرد عليهم وقد ظل هذا الاتجاه يتنامى إلى أن عقد مجمع فينا عام 1312 م الذي أوصى أن تدرس العربية في كبرى المراكز العلمية الأوروبية : باريس وأكسفورد وبولونيا وأفينون وسلامنكا وتعد هذه الخطوة بداية المحاولات الأوروبية رسميا للاهتمام بالعربية وفضلا عن ذلك فيمكن أن يعد هذا المجمع نقطة تحول أو انتصارا للاتجاه الأوروبي الداعي إلى حرب المسلمين ثقافيا . ولكن هذه المحاولات بدأت متعثرة , إذ بين الحين والآخر كان بعضهم يقرع طبول الحرب والدعوة إلى إبادة المسلمين , ومن هؤلاء لول ويعقوب الفيروني والفلورنسي ريكولدو دا مونتي كروتشي في أواخر القرن الخامس عشر زاد الجهل بالمسلمين ولغاتهم وفكرهم حتى أن يوحنا السيغوفي , بحث هو بنفسه في أوروبا طولا وعرضا لكنه لم يعثر على أحد يعرف لغة القرآن ليراجع ترجمته له , وهكذا بقيت دون مراجعة أخيرة ) (25) . وعلى أي حال فإن تفكير السيغوفي في ترجمة القرآن كان جزءا من مخطط يراد من خلاله أن تتجاوز الحرب الثقافية ضد المسلمين صورتها التقليدية القائمة على الانفعال الخيالي , والاستعاضة عن ذلك بالاتصال بالأصول الإسلامية .

دواعي الاهتمام بالعربية في عصر النهضة الأوربية :

    ولكن حاجة الأوربيين إلى الخروج من دائرة وسائلهم الثقافية التي لم تخرج بهم كثيرا من قبل عن اللغة اللاتينية وبعض لهجاتها قد ازدادت بل أملتها عليهم ثقافتهم النصرانية ذاتها , فقد تصدعت الوحدة الأوروبية التي كانت الكنيسة الكاثوليكية رمزا لها .. وكان من أسباب تصدعها في القرن السادس عشر اختلافهم في صحة النصوص التي تتشبث بها الكنيسة الكاثوليكية .. وكان البروتستانت بزعامة مارتن لوثر الألماني , في منتصف القرن السادس عشر , من أهم الثائرين على الكنيسة , وقد رأى هؤلاء أنه لا بد لهم من العناية باللغات السامية التي وردت فيها النصوص النصرانية المقدسة كالعبرية والسريانية والحبشية .. ولما كانت هذه اللغات مندثرة غامضة في كثير من مفرداتها وتراكيبها فقد بات لزاما عليهم أن يستعينوا على معرفة ألغازها وغوامضها بالاستئناس بالعربية , وهكذا أصبحت العربية ـ لغة عدوهم الإسلامي ـ معينا لهم في معرفة نصوص كتبهم المقدسة , وقد كانت إلى ذلك الوقت لغة مهمة علميا ـ فقد كانت وعاء لعلوم مختلفة كالطب والكيمياء ... وأهم من ذلك بالنسبة للأوروبيين أنها حفظت لهم الفلسفة اليونانية التي ترجمت إلى العربية , وفي هذا يقول ( آربري ) : كان من فخارها ( أي : العربية ) أنها صارت الواسطة التي نقل بها أرسطو وجالينوس اللذان كانا قد آلا إلى النسيان (26) .

   وقد خبا الصوت العسكري الداعي إلى إبادة المسلمين بالقوة في عنفوان قوة المسلمين إبان الحكم العثماني , فأقصى ما يمكن أن يطمح فيه بلد أوروبي كالنمسا أن تفكر في الدفاع عن عاصمتها ( فينا ) التي حاصرها الجيش العثماني مرتين سنة 1529 وسنة 1683 م . وقد كان سبيل النمساويين في تعاملهم مع الأتراك أن يلتمسوا سبل المواجهة الثقافية , وفي هذا المعنى تقول المستشرقة الألمانية أني ماري شمل ولذا وجب على النمساويين الاهتمام بعادات جيرانهم الأقوياء ( تعني الأتراك ) وبطرق حياتهم وكذلك بلغتهم , فحفرت حروف عربية في خشب لأجل الطبع ــ لأول مرة ــ في سنة 1554 في فينا ) (27) وقد أكد ( ألبرت ديتريش ) الظروف التي أملت على الأوروبيين ضرورة المواجهة الثقافية التي استلزمت معرفة اللغة بوصفها سلاحا مهما في هذا المجال , حيث قال : ( وعندما توغل الأتراك حاملو لواء الإسلام وقتذاك , في قلب أوروبا , شعرت أوروبا بضرورة دراسة لغات العالم الإسلامي , لتلك الأسباب السياسية ) (28) , كيف لا وقد أحكم المسلمون قبضتهم على البلقان وبلاد الصرب , وقد وصلوا في 1460 م إلى تخوم أوروبا الغربية .

وفي الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يستعدون استعدادا متناميا للمواجهة الثقافية مع المسلمين ظل المسلمون يمعنون في الاعتزاز بقوتهم العسكرية دون أن يستعدوا الاستعداد الكافي من الناحية الثقافية , لا لنشر دعوتهم , ولا لتلقي الخطر الذي يحيق بهم . وقد حققت اللغات الأوروبية في العصر الحديث مكاسب كبيرة إذ أخذت تستوعب الحضارة العلمية المادية المتفجرة في أوروبا وتنتشر حيث امتدت الكشوفات الجغرافية (29) ، والشركات الاستعمارية في أمريكا وأفريقيا وآسيا واستراليا , وأخذت الأسباب المختلفة تتسابق في خدمة اللغات حتى خرجت عن أطرها المحلية لتصبح حية عالميا . ومما ترتب على هذا أن بدأ يتقلص نفوذ اللغة العربية , بعد أن كانت كما قال عنها المستشرق الإنجليزي ( وليام بدويل ) (1561 ــ 1632 م ) ( إنها لغة الدين الوحيدة , وأهم لغة للسياسة والعلم من الجزائر السعيدة إلى بلاد الصين ) (30) .

    وقد ازدادت حاجة أوروبا في القرن السابع عشر إلى أن تعرف العربية معرفة أوثق , تتناسب ومصالحها في الشرق , فقد آن الأوان للاتجاهين السابقين أن يمارسا نشاطهما بطلاقة . الاتجاه الذي كان يدعو إلى استخدام القوة العسكرية في التعامل مع الشرق , وقد تمثل هذا في الاستعمار .. والاتجاه الذي يدعو إلى الحرب الثقافية ويتمثل هذا في التنصير , وقد واكب الاتجاهين رغبات في تحقيق المكاسب التجارية التي تصارع عليها في هذا القرن كل من البرتغال والروس ثم الإنجليز والفرنسيين وغيرهم من الدول الأوروبية , وقد أصبح الاستشراق في هذا القرن مدعوما بالمصالح السياسية  الاستعمارية , بل إن ( بعض رواده كانوا من الدبلوماسيين الذين استفادوا من إقامتهم في الشرق الأدنى , ليعمقوا معرفتهم بالعربية والتركية ) (31) وأضف إلى ذلك المنصرين ورجال الاقتصاد , يقول (آربري) : ( فبينما التاجر يسعى في تحصيل النفع المادي من علاقاته بالشعوب الشرقية إذ بالمبشر الإنجيلي يسبقه تارة أو يتبعه حثيثا تارة أخرى , وقد امتلأ حماسة شريفة لأن يحقق أمر معلمه المسيح .. وقد وجد أن مما يساعده على تحقيق ما يرمي إليه في الخلاص الروحي أن يتعلم ما للجماعة التي سيلقاها من لغة وطرق تفكير ) (32) .

حاجة أوروبا للعربية في العصر الحديث لاقتحام الشرق عسكريا وثقافيا :

    وهذا يعني أن تصالحت وجهات النظر الغربية ــ رغم مابينها من خلاف ـ على اقتحام الشرق عسكريا وثقافيا ـ بل أصبح من كانوا يختصمون عبر القرون الطوال الخوالي على أسلوب التعامل مع المسلمين يعضد بعضهم بعضا . وأما الخلاف بينهم فلا يتجاوز أن يكون خلافا على المصالح الذاتية لكل قطر أوروبي وبخاصة بعد أن تقطعت عرى الوحدة الأوروبية القائمة على الدين , وحلت محلها الوحدة القائمة على أساس قومي , سياسيا , ديني , عقيدة . وهذا يعني أن التنافس بين دولة أوروبية وأخرى يمكن أن يفسر سياسيا , ولكن من وراء هذا التنافس تعاونا في مجال آخر , وهو الشعور الديني والحضاري الذي يفسر لنا مثلا كيف انتشى رئيس وزراء بريطانيا سنة 1799 م طربا لانتصار ألد خصومه نابليون بونابرت , فإن نابليون استطاع أن يغزو مصر وبلاد الشام , تلك المعاقل الإسلامية التي استعصت على أوروبا قرونا طويلة , وقد ربط المؤرخ الإنجليزي (هربرت فيشر) إعجاب بريطانيا بما حققه نابليون في الشرق بأهداف الحروب الصليبية , قال ( فيشر) بعد أن وصف العداء المستحكم بين فرنسا وبريطانيا بسبب انتصارات فرنسا في أوروبا : ( ولقد أتاحت له (لنابليون) الحرب التركية فرصة نادرة غير مرتقبة كانت ذات أثر في مجرى حياته , ذلك أنه إذا عد غزو مصر عملا فروسيا أخاذا فإن السحر الذي صحب الحملة السورية كان أعظم وقعا وأكثر خيالا وروعة , فإن الفرنسيين في أرض الوطن ــ مهما كان مبلغ سخريتهم بالبابا واستهزائهم بالقساوسة كانوا يطالعون في نشوة وفخار بلاغات القائد الفرنسي الشاب الذي استولى على فلسطين واتخذ مركزا له دير الناصرة وقرأ على ضباطه التوراة تحت سماء سوريا , في تلك المواطن التي قدسها المسيح وحواريوه .. ومجدتها في عيون الفرنسيين فعال الحروب الصليبية الأولى ومغامراته , فإن استرجاع فلسطين من الأتراك ــ هذا الحادث الذي طرب له حتى رئيس وزارء بريطانيا قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى استقبل استقبالا حافلا من مواطني القديس لويس الخاضعين لنير حكومة الإدارة الصارم الخسيس ) (33) .

   إن في هذا النص معاني كثيرة , منها : الإشارة إلى الخلاف الحاد بين السلطة الحاكمة في فرنسا ( حكومة الإدارة ) في باريس ــ ورجال الدين في فرنسا وروما , ولكن هذا الصراع يذوب أمام نشوة الانتصار على المسلمين , ومنها الإشارة إلى الروح النصرانية التي تقبع في صدور أصحاب الاتجاه العلماني القومي , وهذا يتمثل في سلوك نابليون الذي قرأ التوراة استشعارا بالبهجة لأنه (استرد) فلسطين , ومن المعلوم أن نابليون هذا هو الذي كان يصطحب معه فريقا ضخما من المستشرقين الذي كان لهم الأثر الأكبر في إنجاح مقاصد الحملة (34) .

إن في وسع الحديث أن يفسر كثيرا من خصائص المدارس الاستشراقية في العصر الحديث في ضوء وقوفه على مسيرة الخطين المتباينين اللذين واكبا مسيرة الظاهرة الاستشراقية عبر تاريخها الطويل : الخط الذي يدعو إلى الحرب العسكرية , والخط الذي يدعو إلى الحرب الثقافية , ونقاط الافتراق والالتقاء بينهما , فالجامع بين جوهري الخطين أنهما يتجهان نحو ( الحرب ) والانتصار للروح النصرانية , ويتمثل هذا أكثر ما يتمثل في الاستشراق الألماني الذي سعى منذ عصور سحيقة إلى التركيز على الجوانب العقدية والأصول النصية , دراسة ونقدا , أكثر من سواها .

وأما الخط الثاني فيمثله الاستشراق الأسباني والاستشراق الإيطالي أكثر من سواهما , وإن كان المرء لا يعدم وجود شواهد لكل نوع من أنواع الاستشراق مبثوثة فيما اختص به النوع الآخر , فليست الخطوط هنا خطوطا هندسية بل هي خطوط تمثل مسيرة تصرفات بشرية , والاتجاهات البشرية يصعب أن تحد حدودا لا تترك مجالا للتداخل.

ولعل ممارسات المدارس الاستشراقية السابقة على سبيل المثال : الألمانية , والاسبانية , والإيطالية , تعكس لنا بوضوح ما بينها من فوارق تبدو آثارها في نوع اهتماماتها , وفي طبيعة ممارساتها في البلاد الإسلامية , وأما الاستشراق البريطاني , والفرنسي فقد تمثل فيهما أكثر من غيرهما خصائص الخطين العريضين , ولذا فإنك ترى أن الاستعمار البريطاني ـ وهو في هذا أكثر من الفرنسي وضوحا ـ يعمل سيفي الحرب الثقافية والعسكرية معا , وقد كانت الظاهرة الاستشراقية على أي حال تمثل الجذور الأيديولوجية للاستعمار الحديث بكل دوافعه النفسية كالسيطرة الاستعلائية , والرغبة التنصيرية , والمصالح الاقتصادية ..وغيرها .

فالمدارس الاستشراقية قد تفترق افتراقا توضح حدوده المصالح السياسية لكل بلد أوروبي . ولكن هذه الحدود تكاد تلغى حين نجد أن الروح النصرانية تجمع القدر الأكبر من المستشرقين الغربيين , وقد فسر لنا هذا من قبل كيف ابتهج البريطانيون بانتصارات خصمهم نابليون , وهو يفسر أيضا هذا التكامل بين المدارس الاستشراقية رغم ما بينها من اختلافات سياسية أو قومية أو سوى ذلك , وقد أشار إلى هذا المفهوم المستشرق الأمريكي ( بيتر غران ) حيث أكد أن وراء التنسيق القطري أو الوطني الذي ينظم أعمال المستشرقين أهدافا تجعل الاستشراق عالميا , بل تجعل المستشرقين جبهة واحدة متلاحمة تلاحما يفوق تلاحم من انصبت جهودهم في البلد الواحد على دراسة تاريخ ذلك البلد , قال : ( بيتر غران ) : ( ويظهر لأول وهلة أن مدارس البحث الاستشراقي تنتظم وفقا للقطر أو المنطقة التي يقع فيها القطر وأنه تربط هذه المدارس ـ على نحو سائب ـ العديد من المجالات المغمورة والمؤتمرات السنوية . وترينا نظرة أدق على كل حال أنه ليس ما يوحد أو يفرق الأفراد أو المجموعات الصغيرة هو الخطوط الوطنية على وجه التخصيص . وبالمقارنة بباحثي العديد من فروع التاريخ الأخرى فإن المستشرقين أكثر عالمية منهم . وفضلا عن ذلك .. يعرف الكثير من الباحثين ( يعني المستشرقين ) بعضهم البعض عن طريق التدريب اللغوي أو عن طريق المدرسين والطلبة المشتركين وتستمر هذه العلاقات مدى العمر وهي أكثر أهمية من الروابط المشابهة التي تنشأ بين الأساتذة والطلبة الذين يتخصصون في تاريخ الولايات المتحدة وأوربا ) (35) . وربما لا تكون الروح النصرانية وراء كل هذا التنسيق الذي يجمع المستشرقين , فقد تعددت مدارسهم الفكرية وأوطانهم ومناهجهم وأساليبهم , بيد أنهم في حاجة ـ مهما بلغ هذا التعدد والتسابق ـ إلى التنسيق الذي يرمي إلى إرغام الشرق الإسلامي على التغيير فكريا , والتبعية الاقتصادية التي تخدم الغرب بالدرجة الأولى .

ولا يتنافى هذا التحليل في عمومه مع وجود حالات فردية تبدو غير واعية على هذه الأهداف والمرامي , أو قد تبدو ـ ولو أما نفسها على الأقل ـ محايدة متجردة ولكنها قد لا تسلم ـ ولو في بعض مصادرها ـ من تأثير التيار الاستشراقي العام الذي يحاول هو بدوره أن يفيد حتى من هذه الفئة بطرقه الخاصة .

وعلى العموم بات الاستشراق بجميع تياراته واتجاهاته الفكرية النفعية والحيادية في حاجة ماسة إلى تعلم اللغة , فالذي اتصل منهم بالدوائر الاستعمارية بشكل مباشر أو غير مباشر .. احتاج إلى العربية ليتمكن بها من التفاهم مع أهل المنطقة ولقراءة عاداتها وتقاليدها .. ورسم خططها .. وإعادة صياغاتها في ضوء المصالح الاستعمارية .. وكذلك من كانت لهم أغراض ثقافية دون أن تكون لدولهم طموحات عسكرية بارزة بروز الأهداف التنصيرية , فقد احتاجوا إلى معرفة العربية للوقوف على معاني القرآن , والحديث النبوي , والسيرة والتاريخ الإسلامي , ثم لمعرفة واقع المجتمع الإسلامي نفسيا واجتماعيا , وأفضل السبل لإدخال الثقافة البديلة إليه . ولذا فقد بات لزاما أن تنفق الأموال الحكومية والكنسية في سبيل إجراء الدراسات العربية الصارمة الجادة في جميع المجالات , وقد غدت العربية سلاحا أساسيا لجل المتخصصين في الدراسات الإسلامية , هذه هي السمات العامة للاستشراق التقليدي الجاد . وقد عرفت بعض الدول التي لا تعد عريقة في مجال الاستشراق ـ كأمريكا ـ نوعا من المراكز التي تهتم بتجميع المعلومات وبخاصة ما يتعلق منها بتزويد وزارة الخارجية بتقارير عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والحركات الفكرية في البلدان الإسلامية . ولذا كان المجال مفتوحا أمام جيش من الموظفين الذين يستعان بهم في سبيل توفير هذه المعلومات دون أن يكونوا على معرفة بالعربية أو بغيرها من اللغات الشرقية (36) , وقد انتشرت هذه الظاهرة في روسيا وكثير من الدول الغربية , وهي شكل من مستلزمات التطور الذي أسفر عنه التاريخ الظاهرة الاستشراقية وإن كان كثير من المستشرقين ينكرون أن يكون هذا التطور وليعد الحركة الاستشراقية .

وأحسب أن المستشرقين سيظلون في حاجة إلى العربية ما دامت لهم أهداف ومصالح من أي نوع : تنصيريا كان أو اقتصاديا ... أو سوى ذلك , وإنك لتلمس مظاهر هذه الحاجة في المشاريع اللغوية ( كتأليف المعاجم العربية الأوروبية وبخاصة ما يخدم مجال الإعلان والتجارة ) التي تدعمها الشركات الأوروبية .. في المعاهد اللغوية التي تمولها الحكومات .. وفي الكتب والنشرات والمجلات التنصيرية التي تغذيها الكنائس الأوروبية.

وبعد , فأحسب أن القارىء قد أخذ فكرة كافية عن تاريخ الصلة بين المستشرقين والعربية منذ أقدم العصور .. وأحسب أنه قد أدرك أهمية أن تبحث الظاهرة الاستشراقية من جذورها التاريخية والثقافية حتى يتسنى لنا أن نتفهم واقعا ومستقبلها . وقد كان من مرامي هذا البحث أن يبين كيف أن بحث هذه الظاهرة ينبغي أن يتم في سياق الإطار التاريخي لعلاقة الإسلام بأوروبا منذ كان هذا الاتصال إلى يومنا هذا .. كل هذا في سياق التوصل إلى أسباب سوء التفاهم سعيا وراء صيغة أفضل للكشف عن الحقيقة التي تمثل الهدف المنشود الذي تسعى إليه البشرية شرقا وغربا وفي كل اتجاه .

 

.....................................
(*) أستاذ في قسم اللغة العربية – الجامعة الأردنية

                                 

الهوامش
.....................................

(1) نشرت هاتان الدراستان ضمن سلسلة ( دراسات لغوية ) التي يصدرها المؤلف, الدراسة الأولى منهما بعنوان : ( المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية , وهي تحمل الرقم (2) من السلسلة , والثانية بعنوان : ( المستشرقون ومناهجهم اللغوية ـ المنهج التاريخي , المنهج المقارن , والمنهج الوصفي , رقم (4) , منشورات دار الملاحي للنشر , إربد , الأردن .

(2) انظر , رينو ص 42 .

(3) وممن يعودون بالقبائل الوندالية إلى أصول آسيوية طورانية ومنغولية , ويقارنون بينهم وبين القبائل العربية , وبالتالي بينهم وبين المسلمين في فتوحاتهم لأوربا , المؤرخ الألماني : فرويند , ص 7 , 31 وأما المستشرق الفرنسي ( رينو ) ص 28 فيشير إلى رأي بعض المؤرخين الذين يربطون بين الونداليين والشعوب المجرية , وعلى أية حال فإن كلمة ( وندال ) تعني تلك الشعوب البدائية الوثنية التي كانت تجتاح أوروبا بحثا عن الغنائم والمراعي .

(4) جاءت كلمة : مسلم مرادفة في تاريخ أوروبا لكلمات كثيرة يدل معظمها على الأخطاء التاريخية التي رافقت سوء الفهم الأوروبي للحضارة الإسلامية , وقد أطلق على المسلمين اسم : عرب , وإسماعليين ( نسبة إلى اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ) . كما عرفوا بالسرازاليين ( ويقال إن أصل هذه التسمية مشتق من اسم سارة مع أن سارة لم تكن أم إسماعيل عليه السلام , وأطلق عليهم اسم البدو ... والترك والبربر .. والأفارقة والوثنيين .. وفي مراحل سابقة دعوا بالرومان والإغريق ثم بالهراطقة , ومن هذه التسميات الوندال , والمجر , هذا غير الصفحات البذيئة كأبناء الشيطان والحيوانات .

(5) ومما يؤكد ذلك الخلط ما ذكره (رينو) , قال : ص 221 : ( وقد زعم كاتب التاريخ المنسوب إلى رئيس أساقفة (نورين) أنه ( يوجد في الأندلس على شاطىء البحر فوق عمود شديد الارتفاع صنم من البرونز صنعه محمد بنفسه ويعبده المسلمون ) , وكذلك ادعى ( فيلومين ) في تاريخه القصصي حول غزو شارلمان لمقاطعة لانجدوك أنه كان يوجد تمثال لمحمد مصنوع من فضة مذهبة في مدينة      ( أربونة )وضع في معبد أثناء احتلال المسلمين لهذه المدينة , ومن جهة أخرى جاء في مسرحية بعنوان ( ألعاب سانيكولا ) التي كانت تلقى كثيرا من النجاح في العصور الوسطى .. أن أميرا مسلما في أفريقيا كان يعبد صنما اسمه تيرفاجانت .. وأنه كان يغطي خديه بأوراق من الذهب حينما يحصل على حاجته .. وأخيرا فقد جاء في القصيدة الفرنسية التي تروي أعمال البطولة التي قام بها ( رولان ) أن سكان (سرقسطة) المسلمين وقع اختيارهم على مغارة لتكون معبد آلهتهم وأنهم نصبوا في هذه المغارة تمثالا من الذهب في يده صولجان وعلى رأسه تاج .. واسم ( تيرفاجنت ) الذي يحرف ( تيرماجنت ) يتردد كثيرا مع اسم (أبو لين ) في الروايات الخيالية الفرنسية القديمة وفي غيرها من كتب الأدب . وهذه الأسماء يدعى أنها آلهة إسلامية ) .

فانظر مدى الجهل الذي شكل عناصر الخلفية التاريخية الأرية عن الإسلام في يوم من الأيام وما تزال آثاره !

(6) (رينو) ص 28 .

(7) يقول (رينو) ص 26 : ومادام وصف ( الوثنيين ) يشمل المسلمين والرومان معا فلا عجب أن يعزو أكثر من كاتب واحد من كتاب العصور الوسطى الآثار الرومانية الموجودة في (دوفيني) , و(ليون) و (فيان) , و(أورانج) إلى المسلمين ـ وأكثر من ذلك : فلا غرابة في أن تختفي أسماء الغزاة الآخرين وتتستر كلها وراء اسم المسلمين .)

(8) (دانيل) , ص 1 .

(9) (رينو) ص 223 .

(10) (رينو) , ص 55 .

(11) المصدر نفسه ص 57 .

(12) (رينو) , ص 246

(13) (بلاشير) , ص 13 .

(14) (رينو) , ص 42 .

(15) (سوذرن) ص 117 .

(16) (سوذرن) , ص 116 وانظر حول (رامون لول ) ما كتبه , ( فوك ) في الدراسات العربية , ص 100 ـ 106 .

(17 ) مر بنا أن ( رامون لول ) كان يمثل اتجاها داعيا إلى التخلص من المسلمين بالقضاء عليهم , وأما ( بطرس المبجل ) فيمثل الرأي الداعي إلى القضاء على خطر المسلمين بتنصيرهم , وقد أشار ( بلاشير ) ص 15 إلى جوهر الروح العدائية بين (لول) و (بطرس) حيث أشار إلى أ، مبادرة بطرس إلى الترجمة , انتقلت عن ذهنية الحروب الصليبية .. والدليل على ذلك في الحماسة التبشيرية عند ريمون لول .

(18) (سوذرن) , ص 80 .

(19) (رينو) ص 246 . وأود أن ألفت الانتباه إلى أن هذا ليس سياسة إسلامية . فمن المعلوم أن الرسول (ص) أقر زيدا على تعلمه اللغة العبرية ولم ينكر الإسلام عموما على أحد تعلم لغة أجنبية , فالأمر متروك في تعلم هذه اللغات إلى ماتقتضيه مصلحة الأمة , وقد يكون تعلم لغة أجنبية واجبا أو فرض كفاية لا يسقط عن الأمة إلا أن تقوم فئة منها بمستلزمات هذا الفرض , وثمة أمر آخر ينبغي أن يشار إليه , وهو أن ثمة فرقا بين أن يكون هذا هو موقف الإسلام , والممارسات التاريخية التي قد يعتريها النقص والقصور .

(20) انظر (فوك) (الدراسات العربية ) ص 120 ـ 128 , و ( سوذرن ) ص 90 ـ 94 .

(21 ) انظر (باريت) ص 9 , و(فوك) ( الدراسات العربية ) 87 ـ 93 .

(22) انظر (دانيل) ص 68 .

(23) وفي هذا المقام يقارن (لويس) (الغرب والشرق الأوسط ) ص 38 بين الموقف الإسلامي والموقف الأوروبي , قال : ( وفي نظرة المسلمين هذه إلى الحضارة المسيحية , والمسيحية نفسها تسامح وتساهل أكثر مما في نظرة أوروبا المسيحية المعاصرة التي تنظر إلى الإسلام على أنه كله باطل وشر ) .

(24) انظر (فوك) ( الدراسات العربية ) ص 120 ــ 128 .

(25) (سوذرن) , ص 134 , وانظر (دانيل) ص 278 .

(26 ) (آربري ) , ص 12 .

(27 ) (شمل ) , ص 27 .

(28) (ديتريش) , ص 8

(29) (آربري) , ص 10 .

(30) (لويس) (تاريخ اهتمام الإنجليز) ص 9 .

(31) (بلاشير) , ص 17 .

(32) (آربري) , ص 14 .

(33) (هربرت فيشر) , ص 55 .

(34) انظر في هذا ما كتبه (رئيف خوري) في كتابه : ( الفكر العربي الحديث ) حول الحملة الفرنسية وما أعد لها ودورها الخطير في الشرق .

(35) (بيتر غران ) , ص 64 .

(36) انظر ( بيتر غران ) , ص 63 ـ 70 .

..........................................

المراجع

1 ـ آربري :

أ . ج . آربري , المستشرقون البريطانيون , تعريب محمد الدسوقي النويهي , لندن 1946 م .

 2 ـ باريت :

رودي باريت , الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية , ترجمة مصطفى ماهر , دار الكتاب العربي , القاهرة ( بدون تاريخ ) .

3 ـ بلاشير :

ريجي بلاشير , القرآن , ترجمة رضا سعادة , بيروت 1974 م .

 4 ـ بيتر غران :

بيتر غران , الاستشراق المعاصر في الولايات المتحدة , مقالة منشورة في عدد الاستشراق (2) من سلسلة الثقافة المقارنة , بغداد 1987 م ( ص 63 ـ 70 ) .

5 ـ دانيل :

Norman Daniel, Islam and the westm Edinburgh _ England 1980.

 6 ـ ديتريش :

ألبرت ديتريش , الدراسات العربية في ألمانيا : تطورها التاريخي ووضعها الحالي , فرانز شتاينز , فيسبادن 1962 م ـ 1382 هـ

7 ـ رئيف خوري :

رئيف خوري . الفكر العربي الحديث , دار المكشوف , بيروت 1943 م .

 8 ـ رينو :

جوزيف رينو , الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا في القرون : الثامن والتاسع والعاشر الميلادي , تعريب إسماعيل العربي , الجزائر 1984 م .

 9 ـ سوذرن :

ريتشارد سوذرن , صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى , ترجمة رضوان السيد , معهد الإنماء العربي , بيروت 1984 م .

 10 ـ شمل :

انظر الترجمة التي قامت بها ( أني ماري شمل ) لحياة ( يوسف فون هامر) , وهي منشورة في كتاب ( المستشرقون الألمان ) , جمع صلاح الدين المنجد , دار الكتاب الجديد , بيروت 1982 م ( ص 27 ـ 38 ) .

فرويند :

Michael Fruund, Deutsche Geschichie Von den Anfagen bis Zur Gegenwart, Munchen 1979.

 12 ـ فوك .

Johann fuck, Die Arabischen Studien in Europa Von 12. Bis in den Anfag des 19. jahrhundrets in :

Beitrage Zur Arabistik Semitistik und Islamwissenschaft. Leipzig 1944.

 13 ـ فيشر :

(هربرت فيشر ) , تاريخ أوروبا في العصر الحديث ( 1789 ـ 1950 م ) تعريب أحمد نجيب هاشم , ووديع الضبع , دار المعارف بمصر , الطبعة السابعة .

 14 ـ لويس ( تاريخ اهتمام الإنجليز ) :

برنارد لويس , تاريخ اهتمام الإنجليز بالعلوم العربية , ست مقالات نشرت في ( المجتمع العربي ) الطبعة الثانية .

 15 ـ لويس ( الغرب والشرق الأوسط ) :

برنارد لويس , الغرب والشرق الأوسط ، تعريب نبيل صبحي ( لم يذكر الناشر ولا تاريخ النشر ) .