رجوع للصفحة الرئيسية اتصل بنا

الحضارية « دراسات شرقية غربية»

 

 الخميس: 17/01/2008

 

نقد التمركز الغربي في قراءة ما بعد الكونيالية

د- عامر عبد زيد(*)

(خاص للمعهد)

المدخل: يقوم النقد ما بعد الكونيالية على نقد المخيال الغربي الذي تشكل في ظل الحقبة الكونيالية / الاستعمارية التي أقامت تصورا عن الذات مبنيا على افتراض التفوق الثقافي،والحضاري، وأكد هذا الزعم سلسلة من الادعاءات العلموية والسردية التي هي في ظل نقد ما بعد الكونيالية مجرد سرد تخييلي، اي بمعنى انتفاء إمكانية تحديد الواقع خارج إطار التخييل، و التأريخ خارج إطار السرد(أنما هو «تشكل رمزي» له القيمة الثقافية ذاتها التي كانت اللب، تلك الرواية التي أنتجت غربا متمركزا يوافق الرؤية الرغبوية للذات والعالم خارج مجال الغرب ..هناك تتكشف الطريقة البارعة للسرود التي تنتظم حول حبكة دينية أو ثقافية أو عرقية مخصوصة،فتخضع كل عناصر السرد لخدمة تلك الحبكة التي تظل يقظة في إثراء تمجيدي للذات،وإثراء تبخيسي للآخر.. فالحداثة  التي لا تعدو أن تكون رواية من نوع خاص للتاريخ أنتجها المخيال الغربي المتخفي تحت غطاء العقلانية في ظل ظروف خاصة)(1). ما يجعله مجرد خطاب تخيلي ليس له دعامة تؤكده في الخارج عبر المشاكلة مع الواقع الخارجي،  يمكن القول إن النقد ما بعد الكونيالى يمثل شهادة على قوى التمثيل الثقافي المتفاوتة واللامتكافئة المنخرطة في نزاع على السلطة السياسية والاجتماعية ضمن النظام العالمى الحديث والمنظور ما بعد الكونيالية تنبثق من الشهادة الكونيالية التى تقدمها بلدان العالم الثالث وخطابات الأقليات ضمن التقسيمات الجغرافية السياسية إلى شرق وغرب، شمال وجنوب وهى منظورات تتدخل فى تلك الخطابات الإيديولوجية التى طلعت بها الحداثة وحاولت أن تضفى معيارية هيمنية على ما بين الأمم والأعراق والجماعات والشعوب من تطور متفاوت وتواريخ متباينة، غالباً ما تكون فى وضع غير موات. وهى منظورات تصوغ ما تقوم به من ضروب إعادة النظر النقدية فى قضايا الاختلاف الثقافى، والسلطة الاجتماعية، والتمييز السياسى كيما تكشف عن لحظات التناحر والتجاذب ضمن عقلنات الحداثة.

الفضاء  الثقافي الكونيالي

لكن لابد أولا من كشف النظام الثقافي إلذي ظهر فيه ذلك السرد، أي خطاب الحداثة في ظل الحقبة الكونيالية يشير جورج لارين: كان عقل الحداثة عقلا وإيديولوجيا معا. فظهرت الايدولوجيا بوصفها «علم الأفكار» وعلم الأفكار يستلزم الثقة العميقة بالعقل، كما ظهرت بوصفها «سلاحا نقديا» يستخدم في الصراع ضد النظام القديم، أي ضد الإقطاع وضد المجتمع الارستقراطي وضد الأفكار اللاهوتية والميتافيزيقية واللاعقلانية، وبالتالي عقل الحداثة ليس عقلا ارستقراطيا ولا عقلا لاهوتيا.(2)

فالاسس الفلسفية للحداثة في المعرفة تجعل الحداثة تتميز بتطوير طرائق وأساليب جديدة في المعرفة قوامها الانتقال التدريجي من المعرفة التأملية إلى المعرفة التقنية، أي المعرفة القائمة على إعمال العقل بمعناه الحسابي .

  أصبح الإنسان مع مقولة الانسنة مركز العالم(مع الحداثة أصبح الوجود الإنساني مركز العالم ومعيارا لجميع الأشياء وأساسا لكل معرفة)(3). وقد تعاضدت تلك المعرفة والإيديولوجية الكونيالية المتمركزة حول ذاتها .وبالتالي ظهرت النزعة الكليانية التي أنتجت صورة عنصرية عرقية. كانت مركزية الثقافة الكولونيالية تتمحور حول فكرة تفوق الجنس الأبيض البيولوجي والتاريخي وتفوق البناء المؤسساتي والسياسي الأوروبي. ومع الإفقار الثقافي للثقافة المحلية كانت المفاهيم الغربية حول الديمقراطية والعقلانية والتنوير تطرح كأفكار من موقع متعال ثقافيا وماديا وتاريخيا(4) لهذا تحولت كتابات فلاسفة التنوير الفرنسي ورجوعا إلى جون لوك(1632-1704) وانتهائها إلى ديفيد هيوم(1711-1776) و وليم غدوين(1756- 1838) الداعية إلى إقامة مجتمع جديد ينبذ التمايز الطبقي ويحترم الحرية الفردية ويقوم على أساس عقد اجتماعي ذي نزعة عقلية وإنسانية شمولية. غير أن هذا العقل الأوروبي الجديد وقع في تناقضات حادة وهو يواجه إشكاليات تتعلق بالممارسات الاستعمارية لحكوماته الجديدة  والموقف من تجارة الرقيق. وهكذا فقد أصبحت للحرية والليبرالية حدود جغرافية لا يجب أن تتجاوزها، وكانت تلك هي حدود القارة الأوروبية التي يسكنها الإنسان الأبيض المتحضر والمتمدن. أما خارج هذه القارة البيضاء فان الخطاب الذي يجب أن يسود هو خطاب العبودية والتمييز العنصري والاستعلاء الثقافي والحضاري والعنف الذي وجد في بعض اتجاهات فلسفة التاريخ ما يسوغه. لكن على الرغم من تراجع النفوذ الأوربي في القرن الثامن عشر  إلا أنه في القرن التاسع عشر بدأ الاستعمار الجديد . ويعلل «صموئيل هنتنغتون» هذا التطوّر الذي أصاب الغرب بالآتي: إختراع وسائل الملاحة في المحيطات للوصول إلى شعوب بعيدة، وتطوّر القدرات العسكرية لغزو تلك الشعوب، وسهّل توسّع الغرب تفوّقه في التنظيم والانضباط وتدريب القوات، ثم في النهاية الأسلحة المتفوقة، وسائل الانتقال والإمداد والتموين والخدمات الطبية، وكان ذلك كله من نتائج قيادته للثورة الصناعية، تطبيق العنف المنظّم..(5).هذا العنف الذي عكس مبدأ القوة كان يتجسد في تلك السياسة العرقية و العسكرية الدموية و المؤلمة التي مرت بها الإنسانية في القرنين التاسع عشر والعشرين، وكل جرائم الإبادة الجماعية و التهجير و الاضطهاد الجسدي والفكري، إنما تمت باسم أحدى المرويات الكبرى الثقافية(6).كانت تلك السياسة لابد أن تجد منتقدين لها من داخلها أو من خارجها كمقاومة .

من هنا جاء انتقاد(نتشه) لهذه الوثوقية للحداثة، وهو البعد المعرفي الذي تقوم علية القوة ومنه تكتسب مصداقيتها  المنتقدة من قبل نتشه إذ انه وحده من طرح معيار العقلانية الحديثة الجديدة باعتبارها تنتمي إلى إرادة القوة، أو إلى ما يعيقها ويحرفها ويشوها(7). وهذا القول له ما يعاضده من قبل(باريتو) مؤسس مبدأ أن الأفعال اللامنطقية لها الأولوية في المجتمع، وهو مبدأ يقتضي فصل الحقيقة عن المنفعة الاجتماعية؛ لان ما هو صحيح ليس مفيدا بشكل اجتماعي،وما هو مفيد للبعض مضر بالبعض الأخر، فالحقيقة والعقل والتقدم مثل كل الأشياء الأخرى طبقية وأفعال لا منطقية(8).

يرى «هابر ماس» أن مشكلة الحداثة ليس الإفراط في العقلانية بل هي تعاني عجز العقلانية التواصلية أو قصور التطور المتناغم للعقل التواصلي في أبعاده  الثلاثة: معرفة آلية، وأخلاق عملية، واستيطيقا عملية فإشكالية عقل الحداثة في تعدي المعرفة الآلية على البعدين الآخرين للعقلانية التواصلية(9).إلا أن الأمر لم يستمر إذ حدث تحول مهم أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي( الثورة اللغوية والثورة الابستمولوجية، والثورة البنيوية، والثورة التاريخية إلى فصل المعنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثيل، مبينة أن المعاني لا تصدر عن ذات سيكولوجية، أو ترسندنتالية،، وإنما تتولد في اللغة، ومنظومات القرابة، ومختلف المنظومات الرمزية،وان الذات ليس فاعلا بقدر ما هي حصيلة مفاعيل)(10).

وبهذا حصلت قطيعة مع «الحداثة الكونيالية» هذه القطيعة كانت وليدة تلك الثورات التي جاءت بمنطق جديد وليد تصور معرفي( لا تكون المعرفة تطابق الفكرة مع الموضوع،ولا دوران الموضوع حول الذات،بل علاقات فاعلة بين الذات  والموضوع تسهم في تكوينهما المتبادل، وحدة هذا المفهوم العلائقي يتيح تجاوز المأزق)(11).

 تطور هذا النقد لدى اثنين من المفكرين لحقبة ما بعد الحداثة، هما: دريدا، و مشيل فوكو، اللذان كان لهما اثر كبير على نقاد ما بعد الكونيالية أمثال هومى بابا، إدوارد سعيد،و جايا ترى سبيفاك،وهم أعمدة نظرية ما بعد الكونيالية.  ينطلق دريدا في تقديم أطروحته في كون الحضارة الغربية(هي حضارة التمركز حول العقل «اللوكوس» والتمركز على الصوت والكلام الذي هو نتاج الميتافيزيقا)(12). فيما جاء نقد مشيل فوكو ينفي في أطار مفهوم القوة إمكانية التاريخ الكلي ويقول بالتاريخ العام، حيث عدم التواصل والاختلاف،وما يحملها الينا التاريخ هو علاقات القوة وليس علاقات المعنى، انه يحمل الينا صورة الحرب وليس صورة اللغة، والقوة شاملة داخل الجسم الاجتماعي، والقوة لا تدرك منفصلة عن المعرفة، فممارسة القوة تخلق موضوعات جديدة للمعرفة، والمعرفة بدورها تنتج بشكل ثابت قوة مؤثرة ... وليس الخطابات بالنسبة ل(فوكو) صحيحة أو زائفة وليس علمية  أو ايديواوجية، فكل مجتمع له نظامه او حكمه الخاص على الحقيقة فالحقيقة ليست خارج القوة(13).

أما ادوارد سعيد بوصفه أنموذجا لنقد ما بعد الكونيالية: فيؤكد على تأثره بفوكو  إلا إن ادوارد سعيد له تصور نقدي لمفهوم «السلطة»عند فوكو( لقد تزامن مع وجهة نظر(فوكو) المتشائمة المكفهرة هذه عدم ملاحظة لعامل هام ألا وهو القوة المقاومة الوثابة لطغيان السلطة، والتي تقوم باختيار موقع على درجة عالية من التأثير والتركيز كأدلة دامغة على تواجدها وعلى جميع الأصعدة وتؤكد حضورها الدائم، وكثيرا ما تفلح في عرقلة،هذا إذا لم توقف تماما،اندفاع طوفان واستبداد السلطة)(14).

هذا التصور النقدي الذي يمكن أن ننظر من خلاله  إلى قراءة ادوارد سعيد بوصفه ينطلق من خطاب المقاومة للخطاب الغربي المهيمن، لهذا نراه يسير في هذا النقد باتجاهين؛ الأول منهما نقد الخطاب الاستشراقي والخطاب الإمبريالي ويبين نقده للتمثيل الذي يضفي على هذه السلطة الشرعية. والثاني يقوم على توصيف موقف المثقف العضوي الذي يختلف عن المثقف الذي يبرر الهيمنة بوصفه إداريا ومستشارا في مراكز البحوث التي تشرف على المشاريع التوسعية.وهذا نجده في  النقد الثقافي، فادوارد سعيد لا يقوم على أساس أيديولوجي بل على أساس نقد الخطاب الفكري والحاضنة السياسية والثقافية التي تشكل داخلها. وهذا يظهر في كتابيه(الاستشراق) و(الثقافة والإمبريالية) عبر التحليل للنصوص السردية .فكان يمثل تيارا نقديا تحديثيا يعنى بكشف الظواهر وتحليلها وتفكيكها واستنطاقها، وهو تيار أفرزته الكشوف المنهجية النقدية الحديثة، ولعل ما يتفّرد به ادوارد سعيد عن المجموعة الطليعية في هذا التيار مثل  هابر ماس ودريدا وتودر وفوكو وآلان تورين وبورديو ..الخ كونه يتوقف عن الاتصال العقائدي بمنهج معين ينغلق عليه ولا  يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته، ومع أن اتجاهاته العامة في تحليل الخطاب تستند إلى ركائز عامة مدعومة بوجهة نظر فلسفية إلا انه يوظف نتائج التحليلات اللسانية والسيميولوجية من جهة والاجتماعية والتاريخية من جهة ثانية،ويمارس نقدا متواصلا يهدف إلى تنقية المفاهيم الشائعة والتصورات الثابتة(15).

أراد ادوارد سعيد تعريف الاستشراق إذ ميز بين وجهتي نظر غربيتين،أولاهما تعود إلى الفكر والعمل الأوربي، والثانية إلى الفكر والعمل الأمريكي في حقل الدراسات المشرقية .فينظر الفرنسي إلى الشرق بوصفه المنطقة الجغرافية التي وصفها «شاتوبريان»و«نوفال»في رواياتها . نجد إن الأمريكي إنما ينظر إلى ذات المنطقة ولكن بوصفها المنطقة الجغرافية الواقعية شرقي شبه القارة الهندية. أما الشرق على حقيقته فهو عالم يتألف من حضارات وأمم تقطن المناطق الشرقية(من الكرة الأرضية) لهم من طرق المعيشة والعادات والتأريخ واقع هو أعظم بكثير من كل ما يمكن إن يوصفوا به في الغرب ...وبالتالي لا يمكن إن يدرس إلا بالرجوع إلى القوى الكامنة فيها،والتعرف على حدود القوى، فالعلاقة القائمة  بين الغرب والشرق كانت ولا تزال علاقة قوى، أي علاقة تحكم الغرب بالشرق على مستوى درجات مختلفة(16).

إن قراءة ادوارد سعيد  في(الثقافة الامبريالية) هي حفر في المتن الروائي سعيا وراء كشف المسكوت عنه والهاجع اللاشعوري الذي يؤثر في تصور الذات وعلاقتها بالأخر إذ إننا هنا إزاء كشف للفضاء الفكري الكونيالي وبالتالي إعادة ألتشكيله إعادة نظر جذرية في الزمنية الاجتماعية التي يمكن أن تكتب فيها التواريخ العارضة أو الطارئة، وإعادة إلا فصاح عن الذي يمكن أن تنقش فيه الهويات الثقافية(أن تفكيك الاستعمار decolonization ومناهضة الإمبريالية تظلان إلى حد مأساوي غير منجزتين حين تصبح رموز الاستقلال القومي أهدافا قائمة بذاتها . إن جماع التاريخ الحديث للعالم الذي كان خاضعا في الماضي للاستعمار – من شبه القارة الهندية، واندونيسيا، والعالم العربي، إلى معظم أفريقيا – هو التاريخ المؤسس لهذا التقديس الأعمى الضال للدولة – الأمة، بديكتاتورييها المتغطرسين، ومجتمعاتها المعسكرة المعادية للديمقراطية، وبمشهدياتها الطبيعية التي يسودها القحط الثقافي)(17).

وجد ادوارد سعيد أن الثقافات جميعا جزئيا منشبكة احداها في الأخرى وليس بينها ثقافة منفردة ونقية محض، إن كل منهجنة  مولدة ومتخالطة متمايزة إلى درجة فائقة وغير واحدية وان هذا ليصدق على الولايات المتحدة المعاصرة بقدر ما يصدق على العالم العربي(18).

وبهذا فهو ينتقد الانكفاء على الأنا والاحتفاء بفذاذة التراث،والفكر المفرغ من العمق الذي يدور، حول وفي إيديولوجية قومية بطريقة بغيضة على حساب تراثيات الآخرين،مع مرور الزمن، تغدو الثقافة مقترنة بالتمثيل والقتل والسلب، فلقد سلك الرأسماليون(الأجانب) لقرون عديدة في العالم المتنامي سلوكا لا يختلف في شئ عن سلوك القتلة المجرمين(19). تقتضى الخطابات النقدية ما بعد الكونيالية أشكالا من التفكير الديالكتيكى لا تنكر أو تلغى الاخرية(المغايرة) التي تشكل الميدان الرمزي لكل من التعيين النفسي والاجتماعي للهوية.  وهذا ما يظهر في تعريف ادوارد سعيد للهوية «إن فكرة التعددية الثقافية، أو(الهجنة) – التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم- لا تؤدي بالضرورة دائما إلى السيطرة والعداوة، بل تؤدي إلى المشاركة، وتجاوز الحدود،، والى التواريخ المشتركة والمتقاطعة . وانه لعلى قدر كبير من الأهمية أن نتذكر ذلك في وقت يحاول فيه متطرفون مثل صمويل هنتنغتن أن يقنعوا العالم بأن صدام الحضارات أمر محتوم لا مفر منه(20). التفكير الديالكتيكى لدى ادوارد سعيد يجعله قادرا على تعرية  المخيال العرقي الذي يقدم نفسه عبر الصور المجازية مثل «الشرق السري» إضافة الى التنميطات التي تخلقها ل«العقل» الإفريقي أو الهندي ... والمفاهيم التي تدور حول «إيصال الحضارة الى شعوب بدائية»(21).

وهو بهذا جزء من مشروع عالمي هو مشروع ما بعد الكونيالى يسعى على المستوى النظرى العام بحسب هابر ماس- لأن يستكشف تلك الحالات المرضية الاجتماعية - ضياع المعنى - وحالات الشذوذ والخروج على القياس التي لم تعد تكتفى بأن تتجمع حول التناحر الطبقي، بل راحت تتفرق متحولة إلى طوارئ وعوارض تاريخية مبعثرة على نطاق واسع.وينكشف عند «ادوارد سعيد» في تحليله لروايات كبلنغ وأوستن وكونراد وكامو وديكنز إلى ضبط كل المصادرات السرية التي يقوم بها السرد الأدبي وهو يركب صورة شديدة التشوية ل«الأخر» والرواية لم تنج من الضغوط التي تمارسها المؤثرات السياسية والاجتماعية،إنما هي أسهمت في إضفاء شرعية غير مباشرة على الوجود الإمبريالي ـوذلك من خلال اختزالها الإفريقي أو الآسيوي أو الأمريكي اللاتيني أو العربي إلى نموذج للخمول،فيما صور تلك الأراضي على أنها خالية،وبحاجة إلى من يقوم بأعمارها .وداخل العالم الفني – التخيلي ينجز السرد وظيفة إقصاء لـ«الأخر» فالشخصيات غير الأوربية لا تظهر إلا على خلفية الاحداث السياسية، ولا يمكن اعتبارها محفزات سردية يتطور في ضوء وجودها مسار الاحداث الى نهاية معينه، اما الشخصيات الأوربية «تحديدا الإنجليزية والفرنسية» فهي التي تهيمن داخل العالم غير الأوربي ويبدو وجود الأخر جزءا تكميليا يمثل دورا هامشيا(22).

رهان المثقف: ثم انه يصل إلى إقرار الرؤية التي يؤكدها دائما في أعماله، ومفادها: إن عالمنا هو عالم المشاركة والثقافات المتقاطعة التي يمتلكها التاريخ الإنساني عينه.لهذا أوجد مصطلح «القراءة الطباقية». والتي يؤكد فيها على أن لكل نص عبقريته الخاصة، فهو بهذا مع التعددية الحوارية بين كل هذه النصوص .(هيهات أن تكون الثقافات وحدانية موحدة،بل أنها بحق لتكتسب عناصر أجنبية،أخريات،وفروق تفوق ما تقوم واعية بإقصائه)(23) لكن لا ينبغي لأية قراءة أن تعمم إلى درجة إلغاء هوية نص ما أو كاتب ما .قد أكد «ادوارد سعيد» على هذا بقوله إن السياسة في كل مكان، ولا يمكن أن يكون ثمة مهرب منها إلى عوالم الفن الصرف أو الفكر الصرف أو إلى عالم الموضوعية النزيهة، والنظريات المتسامية أن المثقفين أبناء زمنهم تسوقهم وسائل (التمثيل) المتجسدة في المعلوماتية أو صناعة الاعلام الجماهيري، إن المثقفين قادرون على مقاومة هذه فقط خلال تفنيد الصور والسرود الرسمية والتبريرات التي تعممها وسائل الاعلام متزايدة القوة والنفوذ(24).

 لهذا يؤكد سعيد أن مهمة المثقف الأمريكي أن يزيح التراب عن المنسي والمغيب ويفضح الارتباطات غير المعترف بها ... وان يديم حالة اليقظة المتواصلة... لعدم السماح بأنصاف الحقائق، من خلال: المبالغة بالهوية الوطنية فهي تؤدي إلى التعصب عبر اختزالها، وهذا يظهر في موقف الغرب من الإسلام، وهذه تنفي عن المثقف صفة التفرد وإثارة الشكوك بالمسلمات(25). 

 

الهوامش

ـــــ

(*) أستاذ الفكر الوسيط في جامعة الكوفة.

(1) عبد الله إبراهيم، المركزية الإسلامية، المركز الثقافي العربي،بيروت، 2001:10.

(2) جورج لارين،الايديواوجيا والهوية الثقافية،ت: فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولي،ط2000،1،:13-14.

(3) جورج لارين، الايدولوجيا والهوية والثقافة : 25.

(4) المرجع نفسه.

(5) المرجع نفسه : 82-89.

(6) معن الطائي،المرويات الكبرى وجماليات تزييف الواقع في الثقافة الكولونيالية.

(7) مطاع صفدي، نقد العقل الغربي، مركز الإنماء القومي،بيروت : 115.

(8) جورج لارين،الايديواوجيا والهوية الثقافية ،المرجع السابق: 15.

(9) جورج لارين،الايديواوجيا والهوية الثقافية: 16.

(10) محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة: 32 .

(11) علي حرب الماهية والعلاقة المركز الثقافي العربي: 32  .

(12) باسم علي خريسان، ما بعد الحداثة،دمشق دار الفكر،2006:  156.

(13) جورج لارين،الايديواوجيا والهوية الثقافية: 20 .

(14) ادوارد سعيد،تصور فوكو للسلطة،ت:علاء الدين حسين،م/ البحرين الثقافية –العدد 28-2001 : 85،عبد الله إبراهيم،التمثيل والسرد،م /البحرين الثقافية –ع28-ابريل 2001: 107.

(15) حوار مع ادوارد سعيد،القلم والسيف : الثقافة والإمبريالية،حاورة :ديفد بارسميان،ت: الناجي حسونه،م /البحرين الثقافية،ع28، 2001: 90.

(16) بشرى صالح،قراءة نقدية في كتاب «الثقافة والإمبريالية» ادوارد سعيد،م /عمان ع،39: 75

(17) ادوارد سعيد،الثقافة والإمبريالية :10 .

(18) المرجع نفسه: 83.

(19) المرجع السابق: 57.

(20) المرجع السابق : 10.

(21) ادوارد سعيد،الثقافة والإمبريالية المرجع السابق: 58.

(22) معن الطائي،المرويات الكبرى وجماليات تزييف الواقع في الثقافة الكولونيالية

(23) ادوارد سعيد،و«مثيلات المثقف»،ترجمة وعرض:سلمان داود الو اسطي،م /الثقافي، ع 1-2،بغدار الشؤون الثقافية بغداد 996: 89-100.

(24) ادوارد سعيد،الثقافة والإمبريالية المرجع السابق: 93-94.

(25) ادوارد سعيد،و«تمثيلات المثقف».