|
الاثنين: 24/12/2007
الانسنة في الفكر الغربي والجذر الحضاري الإسلامي قراءة في مفهومها لدى
محمد أركون
د. عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)
مدخل:
1 ـ الـمعنى اللفظي أو الظاهر للموضوع: يتعلق الأمر بمضمون الموضوع
الانسنة، والواضح كما ينتج من تفسير مصطلحا ته، ويمكن أن يحيل الـمعنى
اللفظي إلى عدد من المستويات الدلالية في حالة امتلاك الموضوع لـمعاني
مختلفة أو في حالة فهم الموضوع بطرق متعددة ذلك أن من شأن الـتحديد
الدقيق لهذه الـمستويات الدلالية أن يسمح لنا بالإمساك بالـموضوع و عرض
ثرائه وسعته في نفس الوقت حيث نلاحظ المعنى اللفظي لمفهوم "الانسنة"
فالينبوع الدافق الثري للوجود الحي هو دائما الإنسان، والإنسان فحسب،حتى
وان نسي هو أو تناسى هذا الأصل، فانشق على نفسه وفرض عنصرا من عناصره
الوجودية على الآخر، حتى يجعل الصلة بينهما صلة التابع والمتبوع.
وبالتالي يشكل المفهوم العمود المحوري إلى الوجود الذاتي الأصيل، وهو ما
يسمى في التاريخ العام باسم "النزعة الإنسانية Humanism"وهناك اختلاف بين
مفهوم "الأنسنية" للدلالة على النزعة الإنسانية، والقائلة بأن الإنسان هو
أعلى قيمة في الوجود، تمييزا لها عن "الإنسانيات" باعتبارها مادة الدراسة
الجامعية التي تعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ، أو بمعنى أكثر
حصرا باعتبارها دراسة المؤلفات الكلاسيكية الإغريقية والرومانية. وكذلك
تمييزا لتلك النزعة عن "الإنسانوية" التي تستخدم للدلالة على الميل أو
النزوع إلى الإنسانية أو ادعائها..ويعود الفضل في نحت مصطلح الأنسنية (كمرادف
للمصطلح الغربي Humanism) للأستاذ فواز طرابلسي، في إطار ترجمته لآخر
مؤلفات الراحل إدوارد سعيد، وهو كتاب "الأنسنية والنقد الديمقراطي
Humanism and Democratic Criticism"، فقد اقتضت الترجمة الوافية نحت
مصطلح عربي يستوعب المضامين الفكرية التي أودعها سعيد كتابه الأخير،
والتي تبرز تطوره الفكري والأدبي وقد تأوج في التزامه النهج الأنسني)(1).
2ـ التحليل الدلالي للموضوع: نتوجه هنا إلى تحليل عميق لـمعاني مصطلحات
الـموضوع ونوع الـمفردات اللغوية المستخدمة وما يمكن تسميته ب"سجلات
الـمعاني" بالإضافة إلى بنية الـموضوع في حد ذاته.
اولا: التعريفات التي قدمها اهم الفلاسفة في هذا المجال، هي الاتية:
التعاريف الفلسفية للأنسنية:
1 ـ تعريف شيلر F.C.S.Schiller:"الأنسنية "هي أبسط وجهات النظر الفلسفية،
وقوامها إدراك الإنسان أن المشكلة الفلسفية تخص كائنات بشرية، تبذل غاية
جهدها لتفهم عالم التجربة الإنسانية، وزادها في ذلك أدوات الفكر البشري
وملكاته. وطبقا لما أورده الفيلسوف شيلر في كتابه "دراسات في المذهب
الإنساني Studies in Humanism"، لا خلاف بين الأنسنية وبين آراء الناس
فيما تواضعوا عليه من أمور الواقع، فهي لا تنكر ما اصطلح الجمهور على
وصفه بصفة "العالم الخارجي"
2 ـ تعريف أورده دي روجمون Denis de Rougemont:في كتابه "سياسة الشخصية
Politique de la Personne"، المنشور عام 1934، ما نصه: "إن المذهب
الإنساني ـ يقصد الأنسنية ـ يدل على نظرة عامة عن الحياة (السياسية،
والاقتصادية، والخلقية)، تدور على الاعتقاد بأن خلاص الإنسان يتحقق
بالجهد الإنساني وحده. وهو اعتقاد مخالف كل المخالفة للعقيدة المسيحية
التي تذهب إلى أن خلاص الإنسان يتحقق بفضل من الله وحده ومن الإيمان".
3 ـ تعريف جاك ماريتان Jacques Maritain: في. كتابه "الأنسنية
المتكاملةIntegral Humanism"، المنشور عام 1936. فقد عرف ماريتان هذا
الموقف بأنه ذلك الذي يحاول أن يجعل الإنسان أنسنيا حقا، وأن يظهرنا نحن
البشر على عظمته الأصيلة حين يجعله مساهما في كل ما يمكن أن يوفر ثراءه
في الطبيعة وفي التاريخ. انه الموقف الذي يطلب إلى الإنسان أن ينمي
الإمكانيات المنطوية فيه، وأن يذكي قواه المبتدعة وحياة العقل، ويسعى إلى
أن يجعل من قوى العالم الفيزيقي أدوات وذرائع لحريته.
ثانيا:يمكن ايضا ان نتوصل اليها في" المنهج الأنسني "المنشود: التعريف
بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها هو التمحيص النقدي للأشياء بما هي
نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل
البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. ففي رحاب الأنسنية لا يوجد
سوء تأويل لا يمكن مراجعته وتحسينه وقلبه رأسا على عقب، ولا يوجد كذلك
تاريخ لا يمكن استعادته، إلى حد ما، وفهمه بشغف بكل ما فيه من عذابات
وإنجازات...
تنسف الأنسنية جذريا الأطروحة القائلة بان تبجيل ما هو تراثي أو إتباعي
يتعارض حتما مع التجديد المستمر للمعطيات المعاصرة. وإذا اتخذنا التاريخ
كمثال، نجد أن الأنسنيين يرونه مسارا غير محسوم، قيد التكوين، لا يزال
مفتوحا على حضور الناشئ والمتمرد وغير المستكشف وغير المقدر حق قدره وما
يطرحه من تحديات. كما أنهم يرون أن الإنسان هو صانع التاريخ، ومن ثم فهو
قادر على اكتناهه عقليا، وفق المبدأ القائل بأننا كبشر ندرك فقط ما نحن
صانعوه، أو بالأحرى، نراه من وجهة نظر الإنسان الصانع، فأن تعريف شيئا ما
يعني تعريف الكيفية التي بها صنع ذلك الشيء...
وطبقا لإدوارد سعيد، ليست الأنسنية طريقة لتدعيم وتأكيد ما قد عرفناه
وأحسسناه دوما، وإنما هي وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير مما
يقدم لنا اليوم على أنه يقينات مسلمة، معلبة، مغلقة على النقاش، ومشفرة
على نحو غير نقدي، بما فيها تلك الموجودة فيما اصطلح على كونه آراء
وأعمال خالدة يجري تغليفها برقائق المحرمات الثقافية. فثمة صعوبة في
القول بان عالمنا الفكري والثقافي كناية عن مجموعة بسيطة وبديهية من
خطابات الخبراء، فالأرجح انه تنافر مضطرب من المدونات غير المحسومة. فخصائصه العامة تكاد تكون واحدة بين جميع الحضارات:
[1] الخاصية الأولى: معيار التقويم هو الإنسان،أول ما تمتاز به الأنسنية
هي أنها تبدأ فتؤكد أن معيار التقويم هو الإنسان، عبر ما يمليه حسه
الإنساني من قوانين.
[2] الخاصية الثانية: الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة.
ذكرنا آنفا أن أول ما تمتاز به الأنسنية هي أنها تبدأ فتؤكد أن معيار
التقويم هو الإنسان، والسؤال الذي يطرح نفسه.. كيف للإنسان أن يضطلع بتلك
المهمة الشاقة والعسيرة؟! لعمري انه العقل.
[3] الخاصية الثالثة: تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها مادمنا قد
استخلصنا مكانة الإنسان في الأنسنية، بجعلها إياه معيار التقويم وإشادتها
بعقله ورد التطور إلى ثورته الدائمة، فقد بقي علينا أن نقوم بحركة مد
وعود إلى الخارج، لا لكي يفنى فيه الإنسان من جديد، بل ليؤكد نفسه فيه
ويفرضها عليه. والإنسان في هذا الاتجاه الطبيعي يخضع لعامل غزو الذات
للموضوع بفرضها قيمها عليه واستخدامه كأداة لتحقيق إمكانياتها، بوصفه
عالم أدوات.
[4] الخاصية الرابعة: القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه: رغم
وجاهة القول بأنه لا يمكن التقدم بالإنسان حتى يصل إلى درجة الكمال وحتى
تختفي الآثام والآلام من وجه الأرض، إلا أنه يناط بالأنسني الاعتقاد بأنه
يمكن للإنسان أن يتقدم كثيرا، وأن ذلك إنما يتم بالإنسان نفسه وقواه
الخاصة، لا بقوة خارجية أو عالية على الكون، ففي هذا أكبر تأكيد لجانب
العقل والنشاط والتحقيق الخارجي في الذات الإنسانية.
[5] الخاصية الخامسة: تأكيد النزعة الحسية الجمالية: إن العقل الذي تشيده
الأنسنية به وترد التطور إلى ثورته الدائمة ليس ذلك العقل الجاف المجرد
التفكير الذي يشبه آلة تنتج تصورات شاحبة غادرتها الحياة، مثل العقل
الاسكلائي التائه في بيداء الديالكتيك الأجوف والأقيسة العقيمة، بل هو
الوعي الكامل للذات الإنسانية في مواجهتها للموضوعات الخارجية، وهو لهذا
يواكب العاطفة ولا يعاديها، ويتكئ على الحس العيني الحي(2).
الانسنة والجذر الحضاري الإسلامي
جاء فهم أركون لهذا المفهوم عبر بنائه (إسلاميات تطبيقية) وذلك بمحاولة
تطبيق المنهجيات العلمية، وقد أخضع النص لمحك النقد التاريخي المقارن
والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعني
وتوسعاته وتحولاته.فجاء توظيفه لهذا المفهوم محاولة من اجل التحديث
والانسنة التي ربطها بالجذر الحضاري الإسلامي الذي شهد فيما بعد حذف وبتر
لهذا التجربة الإسلامية، فهو القائل:هناك سببان اثنان يدعواني للحديث عن
التجربة الانسية من أجل موضعة الإسلام في التاريخ بشكل أفضل، الأول هو أن
هذه التجربة كانت قد نسيت وأهملت من قبل الفكر العربي ـ الإسلامي نفسه
منذ أن كان قد حصل رد الفعل السني في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر
الميلادي (المقصود رد الفعل ضد المعتزلة والفلاسفة وبقية الاتجاهات
الإسلامية أيام المتوكل والقاد) أنها ليست منسية فقط وإنما هي منكرة
ومرفوضة بشكل مزدوج من قبل الاستشراق الذي يرفض أن يخلع عن الإسلام اسم
التجربة الشهيرة التي شهدها الغرب في القرنين السادس عشر والسابع عشر
والتي اعتبرت خاصة به دون غيره (يس هناك نزعة إنسانية ألا إنسانية الغرب
= هيومانيزم). كما أنها مرفوضة من قبل التيار الأصولي الإسلامي المعاصر
الذي يريد تشييدها على الأصل الالهي الصرف للرسالة الإسلامية.
وأما السبب الثاني فهو فلسفي، ذلك أن الانجازات التكنولوجية للغرب قد
جعلت الخطاب الإنسي والنزعة الانسنية تبدو هامشية وباطلة، ولم يبق ألا
إرادة القوة الجماعية وإستراتيجية السيطرة عن طريق التقدم والإنتاج
الاقتصادية.(6) وفي هذا الصدد ركز علي ضرورة فهم المأساة التاريخية التي
تتخبط فيها الشعوب الإسلامية منذ أن اصطدمت بشكل مفاجئ وعنيف بالحضارة
المادية والحداثة العقلية. فلا الثورة الاشتراكية ولا الثورة الإسلامية
أتيح لهما أن تحضيا بمرحلة تحضير واستعداد كاف كما حصل للثورة الفرنسية
في القرن 18، إذ لم يمهد لهما عن طريق حركة ضخمة من النقد الفلسفي
والعلمي للتراث، ثم لنقد الممارسة السياسية لأنظمة الثقافة الموروثة.
وبذلك تراكم اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي والعربي. في حين أن الغرب
كان قد انخرط منذ زمن طويل في عملية البحث عن أشكال جديدة للحداثة وقد
فعل العالم الإسلامي العكس، اذ أدار ظهره للحداثة، وانه استفاق من نومه
التاريخي علي الأمجاد الغابرة وراح يعاين تخلفه عن الركب بعد اكتشافه أو
إعادة اكتشافه لحجم الهوة التي تفصله عن الغرب علي صعيد التقدم المادي
والصناعي والتكنولوجي وعلي صعيد الفكر والعلم وقيم المجتمع والحريات
وحقوق الإنسان. واستعار النموذج القومي من اوروبا وامكن إقامة دول مستقلة
أصبح عليها تحمل مسؤولية مواجهة المشاكل الموروثة والتصدي للتحديات
التاريخية سياسيا واقتصاديا وثقافيا)(7) أننا هنا نحاول أن نقف عند موقف
متميز من مفكر مسلم يفكر داخل الخطاب الإسلامي عبر اللغة الفرنسية وفضاء
الحداثة الغربي الذي يريد أن يكون في داخله عامل على الاشتغال على
الإسلام، أي أنه ليس مستهلكاً لثقافة الآخر بوصفها مركزا يحاول نقل
الآليات إلى ثقافة أخرى تمثل هامشاً, بل أنه يعمل داخل الفضاء الفكري
الغربي وعبر اللغة الفرنسية، هذا معناه أنه يشكل ندا داخل ثقافة الآخر
التي تغدو عبر هذه المشاركة ثقافة حوارية عالمية
فيغدو مرتبطا بها، وهذا أنتج أمرين:
الأول: أنه يريد أن يتواءم معها، أي مع الفكر الحد اثوي فيقول أركون: (الفكر
الإسلامي الذي يهيمن اليوم هو وليد تلك الفترة ـ أي عصر الانحطاط ـ) ولا
علاقة له بفترة الإنتاج والإبداع, أي بالعصر الكلاسيكي. والدليل على ذلك
أن الخطابات الإسلامية (أو السلفية) التي أخذت أهمية اجتماعية وسياسية
كبيرة منذ عام 1970 تعكس كل أنواع النسيان والحذف والبعثرة والتبعثر والقطيعات التي طرأت على الفكر الإسلامي في الزمان والمكان منذ القرن
الخامس عشر, بمعنى أن الإسلام هو استمرار مباشر لإسلام عصر الانحطاط (8).
وهذا الكلام متلازم مع ما سبق أي موضوع الانسنة وجذورها في الثقافة
العربية الإسلامية عبر التأصيل الذي يجعل من العلاقة مع الغرب علاقة
اتصال حضاري فهو بهذا ينتقد مقولة الصراع ويؤكد بدلها على التواصل
الحضاري مع الغرب (.. كل تاريخ الفكر الذي ساد في الفضاء المتوسطي. وهذا
الفضاء الفكري يتطلب معالجة جديدة: اقصد يتطلب إعادة لملمة ما تفرق منه
وإعادة كتابة تاريخه من جديد وبشكل مختلف عما سبق، وهذه هي الطريقة
الوحيدة للقضاء على الحزازات العتيقة أو على الأقل التخفيف منها. ففي
الماضي كان يكتب من وجهة نظر هذه الجهة دون تلك, واليوم ينبغي أن يكتب
بكل عدل وإنصاف من كل الجهات ودون استبعاد أو نبذ أي جهة(9). وفي الوقت
نفسه فأنه أيضا يفترض أن على الغرب واجبا اتجاه العرب والمسلمين (أعتقد
أنه يمكن لأوروبا أن تساعد الدول العربية والإسلامية على الاندماج في
مناخ المعنى والقيم التي أدت إلى انبثاق الهوية الفكرية الأوربية)(10).
أما الأمر الثاني: فهو يفترض أنه على العرب والمسلمين أن يمروا بذات
المراحل الأبيستمولوجية التي مر بها الغرب. وهذا أمر غير مبرر في ظل ثورة
المعلومات التي اختزلت كل شيء وجعلت الكثير من الأمم التي لا يعرف لها
ماض كماضينا تغدو ذات شأن في عالم اليوم. ليس بالإمكان عزل الثقافة
الإسلامية والتاريخ والدين عن الحداثة بوساطة جدار رقابة علمية. وجدار
الرقابة هذا لا يمكن أن يكون في مصلحة المسلمين، بل بالعكس فإن ذلك يعني
ضمناً أنهم غير قادرين على المضي مع حقائق العصر (Moderne) وأن لا قدرة
لديهم في مماشاة حقيقة الواقع الحاضر. فقد تصوره البعض انه يعكس موقفا
استشراقيا سلبيا في الأساس كما حلله إدوارد سعيد في كتابه الإستشراق. و
كما اسماه المفكر صادق جلال العظم بـ ظاهرة الإستشراق المعكوسة
Spiegelbild-Orientalism أي أنها صورة للموقف الاستشراقي. إنّ النظرية
الاستشراقية كانت تنظر إلى المسلمين على أنهم مختلفون عن الأوروبيين
اختلافاّ تاماً، لذلك لا يمكن إدراك طبيعتهم بالشكل المنطقي. وهكذا يمكن
أن تُعكس الصورة. وليس القليل من المفكرين العرب يعتقد أن الأوروبيين لا
يمكنهم إدراك ما يدور في فكرهم، وهذه هي تماماً الصورة المعكوسة
للاستشراق)(11) .
ثانيا: مصطلح Ungedachten اللامفكر فيه الذي يلعب دورا هاما في مؤلفات
أركون. و الذي ينطلق فيه من أنه و بحكم اللغة فإن أي نظام فكري توجد فيه
انقطاعات ونواقص. أركون هنا استعار المصطلح من جاك ديريدا ليبحث من خلاله
في محدودية مركزية العقل في البحث العلمي لأسباب لغوية، وذلك يعني أن كل
معرفة علمية لا يمكن أن تتوافر إلا بوساطة وسيط أي لغة، لذلك فإنها إلى
حدٍ ما معتمدة على تلك اللغة. ومن هنا تأتي إمكانية التلاعب السياسي
طالما أن هناك أمرا لا مفكر فيه وغير مذكور. وهو ما يؤسس للفكرة الأكثر
خطورة هنا وهي أن كل فكرة أو عقيدة يمكن أن تتحول إلى ايدولوجيا.و هو ما
شرحه أركون بوضوح في كتابه اللامفكر فيه(12). (قد دعا أركون إلى التفكير
في اللامفكر فيه لدراسة ما امكن أو يمكن إغفاله أو تغييبه لأسباب سياسية
بالأساس، ويلح هنا علي استخدام الأنثروبولوجيا كعلم يعطي المفاتيح
اللازمة والمناسبة لاكتشاف الثقافات الأخرى والمذاهب المختلفة. إلا أن
هذا العلم لا يطبق عند المسلمين. وما دام الأمر كذلك سيبقي التفكير
يصاحبه دوما ما لا يمكن التفكير فيه ويتم تجاهله وعزله والانقطاع عن
الاهتمام به)(13). ويرى أن هناك مناطق عديدة في الفكر الإسلامي لا تمس
ولا يفكر فيها مثل مسألة عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقضايا جمع القرآن،
والتسلـيـم بصحة أحاديث البخاري والموافقة على الأصول التي بناها
الشافعي، ويرى أنه يضع أساساً للاجتهاد وعقلانية جديدة (14).
إبعاد القراءة عند أركون:
لهذا يحدد حدود قراءته ضمن تحديده للمقاربات الآتية بقوله (إننا نجد
أنفسنا أمام أربع مقاربات أو طرائق ممكنة تتجلى في أربعة خطابات متنافسة
هي:
1- الخطاب الإسلامي الحالي الذي يميل للسيطرة على الخطابات الأخرى بوساطة
التجييش السياسي التي يتمتع بها وبسبب انتشاره بواسطة سوسيولوجيا
وبسيكولوجيا،ينغرس هذا الخطاب ضمن البعد الأسطوري للتراث في الوقت الذي
يعلمن فيه على غير وعي منه المضامين الدينية لهذا التراث بالذات.
2- الخطاب الإسلامي الكلاسيكي الذي يفصح عن التراث (أو يوضح التراث
ويبينه) في مرحلة تشكيله وترسيخه داخل مجموعات نصية موثوقة أو صحيحة.
3- الخطاب الاستشراقي الذي يطبق على مرحلة التشكيل أو التأسيس أو التثبيت
منهجية النقد الفللوجي والتاريخي الذي تغلب عليه النزعة التاريخوية
والوضعية الخاصة بالقرن التاسع عشر.
4- الخطاب الذي تستخدمه علوم الإنسان والمجتمع والذي يهدف إلى إعادة
النظر في الخطابات الثلاثة السابقة من اجل الكشف عن الأسئلة المطموسة
فيها والمرمية في دائرة المستحيل التفكير فيه)(15).
فعلق هاشم صالح مترجم أركون إلى العربية في آخـر كـتاب "الفكر الإسلامي
نقد واجتهاد" يقول هاشم (ان محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين؛ جبهة
الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين:
وسوى الروم خلف ظهرك... روم فعلى أي جانبيْك تميل ؟)(16).
لهذا يؤكد في منهجه على آليات النقد الابستمولوجي التي تقوم على الرصد
والتحقيق التاريخي والعلاقات التي ظهرت لدى المتلقي للنص مع مراعاة
التباينات والمهيمنات السياسية التي تركت اثر غير محمود على النص "ينبغي
القيام بنقد تاريخي لتحديد أنواع الخلط والحذف والإضافة والمغالطات
التاريخية التي أحدثتها الروايات القرآنية بالقياس إلى معطيات التاريخ
الواقعي المحسوس" (17).
ضمن هذا التوصيف نحاول هنا التوقف من اجل تحديد ابعاد القراءة لديه من
خلال تحديد موقفه النقدي من القراءات الآتية:
أ- نقد القراءة الاستشراقية: (ويصف نفسه بشجاعة التطرق إلي اللامفكر فيه
في دراساته ومواقفه من الاستشراق منذ شبابه عندما كان طالبا في الجامعة
الجزائرية يدرس اللغة العربية وآدابها في وضع قاس مطبوع بسيادة الثقافة
الغربية الآتية إلي الجزائر لتحضيرها وإدخالها الحضارة حسب ادعاء
المستعمر الغازي. وآنذاك سيطرت علي ذهنه الرغبة في الفهم والمزيد من
معرفة الواقع وتمحيص الوضع، ولكنه آثر عدم الانخراط في النضال السياسي،
إذ يعتبر نفسه أنه اختار الطريق الفكري للتحرير والتمرد الفكري عوض
السياسي لأنه رغب في التحرير الفكري والعقلي للجزائر ولعموم العرب
والمسلمين. ومنذ الستينيات أيضا عندما أصبح مدرسا بجامعة السور بون اتبع
منهجا يختلف جذريا عن منهج المستشرقين وشرع في محاولاته التحليلية
المعتمدة علي المقارنة الواسعة سعيا للخروج من الإطارات الضيقة وهذا ما
فعله مع الفكر الإسلامي)(18).
أننا عندما نعرض لهذه القراءة نعي أن هذا الخطاب الاستشراقي مثلما شكل
معنى هو وليد علاقة قوى حمل اسم الخطاب الاستشراقي كذلك هناك قراءة عربية
صوبه هي الأخرى تعاضد فيها المعرفة مع القوة والانتماء آذ تتعدد بتعدد
المقاصد وكل منها ينطلق من ثاوي أيديولوجي يحرك القراءة وهذا يتجسد
بالصراع بين سلطات الخطاب الموجود وسلطة الخطاب المنشود، وكما يقول ميشيل
فوكو: (نعلم جيدا أنه ليس لنا الحق في قول كل شيء, ولا الحديث عن أي شيء).
وقد يكون هذا أيضا مرتبطا بالثقافة اذ(كل مجتمع يشكل سلطة رمزية لها
محرماتها وآلياتها في ممارسة المنع والنفي, والحجب مع تفاوت مجتمع وآخر
في الدرجة والأتساع) والمعنى الذي نسعى إليه أن المؤسسة تؤثر على ما
ينتمي اليها انطلاقا من ثوابت ثقافية تشكل سرد ما يمنح تلك الثوابت شرعية
ما. ومن هنا أيضا يختلف المثقفون في نظرتهم إلى الاستشراق ومآل الأمة
بحسب ما سبق ومحمد آركون يقدم تصورا يقوم على النظر إلى الأسباب ومحاولة
معالجتها عبر الطرق المعرفية فهو يقول عن رهانات المعنى وإيرادات الهيمنة
(أن مفهوم المعنى يطرح مشكلة بالفعل. فالتنافس عليه عام وشامل.. واقصد ((رهانات))
هنا انخراط كل متكلم عن طريق خطابه في لعبة الصيرورة الكبرى للعالم… أما
في حال المعنى فإن اللعبة ترتد او تقفز من جديد وبشكل مستمر ثم تتعقد
داخل الزمان والمكان. ويدعي المساهمون في اللعبة أنهم يؤدون أدوارهم كما
يؤدي الممثل دوره(19)
فأننا أيضا نلمس في موقفه هذا وصفا لموقفه من الأستشراق بوصفه خطابا
معرفيا وأيديولوجيا عبر ثنائية المعرفة/ القوة وتنقل موقفه من الأستشراق
عبر حوار معه في مجلة الفكر العربي المعاصر البيروتية أنه أنطلق من توصيف
للواقع على أنه يعاني من عائقين يريد نقدهما معا:
الأول / اتجاه في المجتمع العربي الإسلامي ذو سيطرة وتوسع, وهو الاتجاه
الذي يريد إعطاء الأولوية للحل الأيديولوجي لمشاكلنا بدل حل قائم على
البحث العلمي.
الثاني / نوع من الاستشراق على الرغم من المراكمة المعرفية ؛ والمعلومات
والتقنية عن هذه المرحلة من التاريخ, حول تلك المسألة الخ... دون
الاهتمام بربط النشاط الباحث بالمتطلبات القائمة والملحة لمجتمعاتنا.
ولهذا فهو يرفض هذا النوع من الاستشراق لأنه يقول: (أنني أتحدث عن هذه
الاسلامولوجيا التطبيقية مثل الانتروبولوجيين الفرنسيين, ومنهم ـ روجيه
باسفيد ـ اذ يلاحظ أن هؤلاء الباحثين الفرنسيين اتخذوا موقفا من
الانتولوجيا والاتتروبولوجيا التي تقتصر على أن تكون وصفية, وتكتفي
بالنظر عن بعد إلى المجتمعات الغربية, دون النظر إلى آثار هذه الأوصاف
على المجتمعات المدروسة وقد حاول أن يبين أركون أن باستيد يبين أن البحث
الانتروبولوجي حول المجتمعات, مثلا التي بدون كتابة مثل المجتمع الأفريقي
له أن يبين العلاقات التي يمكن أن تقوم بين الأبحاث المنجزة على الصعيد
وتطلعات وتوق المجتمعات.
أي أن أركون حاول أن يتجاوز القراءة الاستشراقية معرفيا عبر مقارنتها،
صوب الدراسات الحديثة، إلا أنه يرفض بالمقابل تلك المطالبات ذات الدوافع
السياسية والداعية إلى التشكل في كل ما يأتي من الغرب, يصف هذا الموقف (نه
موقف أصفه بالظلامية) وبالمقابل يعلل ظهور الاستشراق وتلك المواقف
الرافضة له بالتجذير لحدث الاستشراقي بالقول: أن الفكر الغربي, ابتداءا
من القرن (التاسع) أصبح أكثر إشعاعا وتوسعا وبنجاح ثقافي معلوم على
النقيض من هذا كان الفكر العربي قد بدأ يتراجع ليصبح فكرا تابعا. ثم أنه
ينتقد من يحمل هذا التراجع إلى الاعتقاد: بأن المستشرقين هم أفراد غير
مهيئين لفهم الإسلام وأنهم يحيكون حوله, أن هذا غير صحيح البتة. ولكنه يعلل رفضه للاستشراق بأمرين:
الأول / تغير ميزان القوى لصالح الغرب وليس لصالح
الشرق.
الثاني / بدءاً من القرن التاسع عشر, الظاهرة الاستعمارية التي ضاعفت
إحساس التفوق لدى الغرب إزاء مجتمعاتنا, وضاعفت بالنتيجة نظرة مباعدة,
ومحتقرة لدى البعض منهم. ثم أنه يشير إلى هيمنة الثقافة على من ينتمي
إليها وهي التي يصفها بقوله: أن المستشرقين الذين يكتبون لا يستطيعون
الإفلات من التضامن مع الثقافة التي يكتبون فيها, التي كبروا في ظلها وهي
الثقافة الغربية.
بيد أنه يرفض النقد الذي قدمه (ادوارد سعيد): فأن ادوارد سعيد أستاذ
للأدب الإنجليزي, وهو ليس على إحاطة كما أنه ليس مختصا بالإسلاميات، وقد
قرأ نوعا من الأدب الاستشراقي, لأنه بلاشك كان يريد الإطلاع على مشاكل
تقنية, مشاكل الأمة العربية والعالم الإسلامي, ثم أن أركون يضيف أنـه
فلسطينـي(20).
أي أن أركون يتفق مع منهج مابعد الحداثة والقائل أن الحقائق لايمكن فصلها
عن المراقب الذي يزعم إدراكها وتمييزها عن حقائق الثقافة التي تزوده
بالتصنيفات المعيارية التي توصف بتعاليها وربما أن الحال كذلك من الأفضل
له أن يخبرنا عن نفسه(21).
وأركون يريد هنا توجيه النقد إلى الاستشراق (النقد الذي يوجه الغربيين
أنفسهم اليوم لثقافتهم, والقائم على فضح ما يسمونه بالإنسانية الشكلية,
المنهج الفقه لغوي, التاريخية الوضعية الخ... وقد أخطأ المستشرقون
أبيستمولوجيا, في الحدود التي كانوا منها سجناء للمؤاخذات المنهجية
السابقة الإنسانية الوضعية).
بناء رؤية جديدة وفي هذا يقول: لحل المشكل ينبغي أن تتوفرلدي الثقافية
للدفاع عن نفسي حين قراءة عمل لمستشرق, ولمناقشته بأسلحة خاصة به, وليس
بإثارة جدال سياسي أو أيديولوجي لاتقود الى مسائل من الطراز العلمي,(22)
إن الغرب نفسه وبخاصة أبحاث ما بعد الحداثة وعلى وجه الخصوص ميشيل فوكو
ربطت بين القوة والمعرفة.
إن هدف أركون هو محاولة تجاوز التابوت في التراث الإسلامي، وهو أمر مهد
له المستشرقون، إلا أنهم لم يواصلوا هذا الهدف من أجل بناء ثقافة علمانية
اسلامية، لهذا يحاول أركون العناية بهذا العمل، وهذا ما يظهر في قوله: (بأن
المنهجية الفيلوجية والتاريخانية للمستشرقين هي أكثر تفوقا وعلمية بكثير
من ((المنهجية)) العقائدية أو الإيمانية الاستسلاميةالسائدة في الحجة
الإسلامية).
وهذا عائد إلى أنه أدرك ذلك الأفق التاريخي الذي ظهر في الثقافة الغربية
الذي تجذر منذ ديكارت واسبنينوزا في دراسة الكتاب المقدس، لهذا فهو يرى
المسلميـن (أي الباحثين) رفضوا تاريخية العقائد (أي رفض ارتباطها بجميع
العوامل المحركة للمجتمع ككل من اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية)(24).
أي أن أركون يهمل النقد الأيديولوجي للاستشراق ويتعامل معه على أنه حدث
قديم تجاوز الأطر الغيبية أو التقديسية رغم أن الاستشراق تم تجاوزه
معرفيا لكنه أيضا أحدث أضافة في بداية المبحث التاريخي الذي يسعى أركون
إلى المضي فيه. أي ان عمل أركون يكمن في نقد الذات وليس في نقد الآخر
بقدر ما يتم التحاور معه والإفادة من تجربته وإغناء الذات في تجاوز
التابوت الذي يمثله اللاتاريخي الذي يصفه في التيارات الحديثة أيضا(لم
يكتف الفكر الإسلامي ـ وبالتالي العربي ـ بإهمال معرفة سبب خروجه من
التاريخ الخاص بالروح والاكتشاف المعرفي والتأمل الطويل في هذه الأسباب
ونتائجها, وإنما راح أيضا منذ القرن التاسع عشر يشتغل كليا بالدفاع
التبريري والافتخاري عن تراثه وبالجدال والمماحكة ضد الغرب الاستعماري
والإمبريالي.
الهوامش
ــــــــــ
(*) استاذ الفلسفة، جامعة الكوفة.
1- انظر: الفصل الأول من كتاب الدكتور حازم خيري، الصادر في القاهرة
مؤخرا (يوليو 2007)، عن دار سطور للنشر. وقد تم حذف هوامش الفصل الواردة
في الكتاب المذكور حرصا على عدم شغل مساحة كبيرة عند النشر
الإليكتروني.بواسطة: معهد الابحاث والتنمية.
2- المرجع نفسه.
3- همايون همتي،العلمانية والفكر الديني في العالم المعاصر م المنهاج،ع26
بيروت،1423-2002،ص
4- سيد مجيد ألظهيري ملاحظات منهجية،حول التعريفين الإسلام والليبرالية
والحرية،م/ المنهاج ع/26بيروت،1423-2002،ص62.
5- الان تورين،نقد الحداثة،ولادة الذات القسم الثاني،ت: صباح
الجهيم،منشورات وزارة الثقافة،دمشق،1998،ص74-75.
6- محمد أركون الفكر الإسلامي قراءة علمية، ت: هاشم صالح، مركز الإنماء
القومي،بيروت 1987،ص76.
7- محمد أركون - مفهوم (الأنسنة) ومشروع (الاسلاميات التطبيقية): وقفة
نقدية - د. سيّار الجميل، جريدة (الزمان) --- العدد 1669 --- التاريخ 22-
11 – 2003.
8- محمد أركون،الإسلام،أوروبا، الغرب،ت: هاشم الح،الساقية،بيروت،ط1،
1995.
9- المرجع نفس،ص14.
10- منيرة الفاصل، ادوار سعيد والتخيل الثقافي وسياسيات الهوية، م/
البحرين ع 28- ص64.
11- أشواق عباس،قراءة في فكر عالم محمد أركون، موقع دروب
الاكتروني،7يوليو،2005.
12- المرجع نفسه.
13- محمد أركون - مفهوم (الأنسنة) ومشروع (الاسلاميات التطبيقية): وقفة
نقدية - سيّار الجميل،ص 11 – 22.
14- عيسى بلاطة، توجهات وقضايا في الفكر العربي المعاصر، ص89-9.
15- محمد أركون الفكر الإسلامي قراءة علمية، ت: هاشم صالح، مركز الإنماء
القومي،بيروت 1987، ص27-28.
16- الفكر الإسلامي فكر واجتهاد ص335.
17- أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص23.
18- المرجع نفسه،ص 11 – 22 .
19- محمد أركون،الإسلام،أوروبا، الغرب،ص.
20- محور عن الاستشراق حوار مع محمد اركون، م/ الفكر العربي المعاصر،
مركز الانماء القومي بيروت.
21- علي محمد علي عبدا لمعطي، السياسة بين النظرية والتطبيق، دار
الجامعات المصرية، القاهرة 1986 ص139
22- إحسان محمد الحسن، علم الاجتماع السياسي، جامعة الموصل، مديرية
الجامعة ص339 (د.ن).
23- عبدالمنعم، المصدر السابق، ص352-353.
24- برتران بادي، الدولتان، المركز الثقافي العربي ط1 1996 بيروت ص125.
|