|
الخميس:
06/12/2007
أصوليون أم إسلامويون.. على أيهما الاتفاق؟(2\2)
مارتن كرامر(*)
ترجمة: فالح حسن
البديل الإسلاموي
إن انبعاث الإسلاموية Islamism وإعادة تعريفها، كحال ولادتها، قد جرى في
فرنسا.
في أواخر سبعينيات القرن العشرين، احتار الفرنسيون مع مشكل كيفية وصف
الحركات الإسلامية الجديدة التي قفزت إلى الواجهة. فاستأنف الدارسون
الفرنسيون اصطلاح "إسلاموية Islamisme" لسببين. أولا، يتمتع هذا التعبير
بالأصل الفرنسي المبجل، الذي يرجع إلى فولتير. و“الأصولية
Fondamentalisme"، كلمة دخيلة جاءت من الإنكليزية الأميركية، ليس لديها
المقام الذي للتعبير السابق. ثانيا، كان هناك بعض النفور من نشر البديل
الفرنسي الوحيد, أي التعصب intégrisme، لأنه بقى محصورا جدا بسياقه
الكاثوليكي الأصلي، ومغرق جدا في النقاشات الدائمة حول السلطة في الكنيسة.
وفي الأحوال كلها، فان تعبير إسلاموية كان قد خرج من الاستخدام اليومي
كمرادف لـ الإسلام. فما المانع من إعطاء هذا التعبير معنى جديدا؟ وسرعان
ما نبت تعبير إسلاموية islamisme في عناوين مقالات وكتب.
إن استرجاع تعبير إسلاموية وانتشاره لوصف الحركات الجديدة، لم يمر من دون
نقد، خصوصا من جانب مكسيم رودنسون Maxime Rodinson، احد اكبر مؤرخي
الإسلام، من الفرنسيين. فقد ذكّر رودنسون زملاءه أن "المعجم يعطي كلمة "إسلاموية
islamisme" كمرادف للإسلام. "إن اختار المرء هذا التعبير، قد يتشوش
القارئ بين معنى المتطرّف المندفع، الذي يتمنّى قتل أي شخص، والشخص
المتعقل، الذي يؤمن بالله بالطريقة المسلمة، وهذا أمر له كامل
الاحترام(1) " لهذا السبب، فضّل رودنسون استخدام تعبير التعصب intégrisme،
الذي وجده نافع تماما ومعرّف بعناية. على أن اعتراضاته لم تقنع الدارسين
الفرنسيين الشباب، الذين لم يشعروا بالتقيّد بمواد المعاجم القديمة.
بمنتصف الثمانينيات, لم تعد الاسلاموية islamisme، ببساطة، أو أولاً,
ترادف دين الإسلام في الاستعمال الفرنسي المعاصر. وتزايد الفهم بان هذا
التعبير يعني شيء واحد وحسب: الإسلام بوصفه أيديولوجيا حديثة وبرنامج
سياسي.
من الممكن الآن تحديد التأريخ الدقيق تقريبا لانتقال هذا التعبير من
الفرنسية إلى الإنكليزية. ففي العام 1983، ما كان واصلا بعد. وفي تلك
السنة، نظم مركز جامعة جورج تاون للدراسات العربية المعاصرة مؤتمره
السنوي، الذي خصصه لـ"منظورات جديدة عن الإسلام والسياسة في الشرق الأوسط."
افتتح بروس لورانس، أستاذ الدراسات الدينية، المؤتمر بمسح شامل لسلبيات
وايجابيات تعبير الأصولية الإسلامية، بالإضافة إلى بدائله، لكنه لم يشر
إلى الإسلاموية(2). وكذا لم يفعل أي شخص آخر من المشاركين في المؤتمر.
بعد عام من ذلك، أي في العام 1984، السوسيولوجي الفرنسي المختص بالإسلام،
جيل كيبيل، نشر كتابا مهما حمل عنوانا ثانويا "الحركات الإسلاموية في مصر
المعاصرة"(3). في العام 1985، ظهرت الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب تحت
عنوان "التطرف المسلم في مصر". واجه المترجم الإنكليزي صعوبة مع استخدام
كيبيل الواسع لتعبير إسلاموي فترجمها "Islamicist". ووضع لهذه الترجمة
هامش الاعتذار الآتي: "إن تعبير " Islamicist" المستخدم هنا باتساع هو
مقابل التعبير الفرنسي " islamiste". ولم تكتسب هذه الكلمة الدخيلة رواجا
إلا بعد اكتمال هذه الترجمة(4). بعدها، في حوالي نهاية العام 1985، كانت
البذرة الفرنسية قد زرعت في ارض الإنكليزية (وليس قبل ذلك بوقت طويل).
بدايةً، لاقى هذا التعبير بعض الصدود المبدئي. فالانثروبولوجي الأميركي،
هنري مونسون Henry Munson, في كتاب صدر في العام 1988، ذكر سلبيات تعبير
أصولية، لكنه على كل حال ارتأى الإبقاء عليه: "ما بوسعي التفكير في تعبير
بديل ملائم لتشخيص أولئك المسلمين مريدي سياسة إسلامية متزمتة. إن تعبير
إسلاموي Islamist يفاجئني كتعبير جديد أخرق"(5). وعلى أية حال، إن كان
تعبيرا أخرقا أم لا، فقد اخذ تعبير الإسلاموية يزيح الأصوليّة في
الاستخدام المتخصّص. لاسيما انه راق للدارسين الذين استاءوا من التداعيات
الإنتقاصية المفترضة في تعبير الأصوليّة.
في وقت مبكر أبدى غراهام فولرGraham Fuller, وهو محلّل في راند ومتحمّس
للحركات الإسلامية الجديدة، إعجابه بهذا التعبير. إذ ذكر في العام 1991،
أن الأصوليّة "تعبير غير مقنعٍ، لكنه يوحي
بارتداد صارم إلى مؤسسات الدولة الإسلامية القروسطية أو في عهدها الأول.
فهذه الظاهرة الحديثة جدا تجد أفضل تعبير لها في الإسلاموية، التي تقترح
مزيجا بين الدين والايدولوجيا، تضميناته ليست عتيقة أبدا، إنما حديثة
كليا(6) ". في العام 1993، ذهب العالم السياسي لويس كانتوري Louis
Cantori إلى الرأي نفسه محاججا إنّ الأصوليّة تحمل معنى التطرّف والطرد.
فعند الإحالة إلى الإسلام، في عالم البحث والدرس، والآن داخليا ضمن
الوكالات الأميركية، يجري ترك هذا التعبير بوصفه تعبيرا ضارا وجداليا.
وعوضا عن هذا التعبير، يتزايد استخدام تعبير إسلاموية للدلالة على المظهر
السياسي في الدين الإسلامي. "الإسلاموية" تعبير يسمح للمرء أن يمايز
وبنحو أكثر هدوءا بين الإسلام المتطرف والإسلام بوضعه الطبيعي(7).
ولا يزال كانتوري يلحظ أن الإسلاموية لم تستحوذ على يومي الإعلام: "للأسف،
ما زال الصحفيون على وجه الخصوص يستخدمون تعبير الأصوليّة، وفي هذه
العملية، يخفقون في إدراك وتقدير الاعتدال في توجه الإحياء الإسلامي
الطبيعي(8) ". لكن كانتوري لا يدع مجالا للشك بان تعبير إسلاموية انتشر
في الأوساط الأكاديمية، وفي واشنطن. وفي هذه المرحلة المبكّرة، كان
استخدام الإسلاموية علامة للدارسين على التعاطف مع الحركات الإسلامية
الجديدة.
في واشنطن، راج استخدام الإسلاموية على حساب الأصوليّة. وكان لهذا
التعبير حضور قليل وراسخ في العبارات السياسة، وبعدها حصل على تعريف رسمي
على يد روبرت بيليترو Robert Pelletreau، مساعد وزير الخارجية لشؤون
الشرق الأدنى، في تعليقات أدلى بها في العام 1994. حذّر بيليترو أنّه
ينبغي استخدام تعبير "الأصولية الإسلامية بالحذر الضروري"، للإشارة فقط
إلى الإحياء الواسع للإسلام. وضمن هذا الإحياء الواسع، هناك تصنيفات
ثانوية:
في مجتمع الشؤون الخارجية، كثيرا ما نستخدم تعبير "الإسلام السياسي"
للإشارة إلى الحركات والجماعات الداخلة في إطار دائرة الإحياء الأصولي
الأوسع ولها أجندة سياسية معينة. فـ"الإسلامويون" مسلمون يسعون وراء
أهداف سياسية. إننا ننظر إلى هذه التعابير بوصفها تحليلية وليست معيارية.
وهي لا تشير إلى ظواهر شرّيرة بالضرورة: إذ أن هناك جماعات إسلامية عديدة
تحظى بالشرعية، وهي مسؤولة اجتماعيا، ولديها أهداف سياسية. وعلى أية حال،
هناك أيضا الإسلامويون الذين يشتغلون خارج القانون. والجماعات أو الأفراد
الذين يشتغلون خارج القانون ـ ويقترنون بالعنف لبلوغ غاياتهم ـ يُدعَون
متطرفين، عن وجه حق(9).
وفي هذا المعنى، هناك ثلاثة مستويات: الأصوليون؛ وبعضهم كانوا إسلامويون؛
وبعضهم متطرّفون. والفئة الأخيرة هي التي تشكل تهديدا. وهذا العبارة حبلى
بتناقضاتها التحليلية. فعلى سبيل المثال، هل أن قرارا يصدر عن حكومة شرق
أوسطية يضع حركة ما خارج القانون، فيعدها متطرّفة تلقائيا؟ أو هل أن
الاقتران بالعنف وحده كاف لعدها متطرفة؟ وماذا عن الحركات التي استخدمت
كل من صناديق الرصاص وصناديق الإقتراعات في وقت واحد؟
لكن على الرغم من ثغرات العبارة المنطقية، إلا انه أرسى الإسلاموية في
المعجم الرسمي بوصفها مرادفا للإسلام المُسيّس والمؤدلج. وبحلول العام
1996، ابتكر بيليترو تعريفا مكتملا للإسلاموية،
مرسخا بذلك وضع هذا التعبير بقوة:
نستخدم تعبير "إسلاموي" للإشارة إلى المسلمين الذين يسخّرون معتقدات
الإسلام، ورموزه، ولغته، ليوحوا، ويشكلوا، ويحركوا نشاطا سياسيا. تلقائيا،
نحن لا نسعى إلى إقصاء الإسلامويين المعتدلين، المتسامحين، الذين يسعون
إلى تطبيق قيمهم الدينية على مشكلات سياسية محلية، وعلى سياستهم الخارجية.
لكننا نعترض بشدة على الإسلامويين الذين يبثون أفكار التعصب ويتوسلون
العنف في الميادين المحلية والدولية(10).
يمكن قياس المناوبة في تفضيل تعبير على آخر في انطلاق تضاد التعابير مع
بعضها البعض في محركات البحث على الانترنت. ففي بحث جرى من خلال المحرك
غوغلGoogle في وقت مبكّر من العام 2003،(11) ظهرت العبارات بالضبط "أصوليون
مسلمون "و" أصوليون إسلاميون" في 45,300 نتيجة، لكلا التعبيرين؛ وظهر "إسلامويون"
بـ82,100 نتيجة. وكانت نتائج العبارات المضبوطة "أصولية إسلامية"
و"أصوليّة مسلمة" لا تزال أكثر من "إسلاموية"،58,280 للأولى مقارنة بـ
23,900 للأخيرة. لكنّ كان من المحتمل أن الضخامة تكمن في استخدام تعبير
إسلاموية. إن التفضيل الواضح لتعبير "إسلامويون"، وبروز تعبير "إسلاموية"
بقوة، كان ملفتا خصوصا أن كبرى الصحف المطبوعة اللامعة في الولايات
المتحدة، نيويورك تايمز، لا تستخدم إسلاموية ولا إسلامويين(12).
لكن النجاح الكبير لهذه المفردات المستحدثة قوض قصدية أولئك الذين جلبوها
من فرنسا. فقد أملوا أن يبدد تعبير إسلاموي، المستخدم بديلا من أصولي،
دلالة الإجحاف. لكن المسلمين الناشطين استمروا، كما في السّابق، بارتكاب
أو تسويغ أعمال عنف مُغرقة بسياسيتها. وفيما اخذ يشيع تعبير إسلاموية،
صار يرتبط كثيرا بالتطرّف الجاهل، من طالبان إلى الجماعة الإسلامية
المسلحة الجزائرية، حتى ذروة الإرهاب المروع مع أسامة بن لادن. فوجد نقاد
الإسلاموية أن من السهل إضافة الإسلاموية إلى قائمة الـ" isms " الخطرة
في القرن العشرين، التي تحدت الغرب الليبرالي وسعت لهزيمته.
"الإسلاموية فاشية" هذا هو العنوان الرئيس لمقابلة مع المحلّل دانيال
بايبسDaniel Pipes "(13) "الإسلاموية هي البلشفية الجديدة" ـ هذا هو
عنوان عمود صحافي كتبته رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارغريت
تاتشر(14). كما أن دخول الإسلاموية إلى الاستخدام الإنكليزي الشائع، لم
يحسّن صورة هذه الحركات، بل المفارقة انه سهل تصنيفها كتهديدات من الدرجة
الأولى. ولو نظر إليهم بوصفهم أصوليين، فلربما استحق هؤلاء المسلمين بعض
التشبيه بالأصوليين المسيحيين واليهود، الذين جرى التعامل معهم عموما
بتسامح. لكن مقابلة المسلم بالفاشيين أو البلاشفة، فهذا يدل بوضوح أنهم
وصموا كأعداء للديمقراطية والحرية.
في نهاية المطاف، إن مشكل هذه الحركات، لم يكن، بالطبع، يتعلق بأي نعت
يطلق عليهم. بل ما عَملوا. وطالما واصلت هذه الحركات تفريخ، واحتضان، أو
الرضا بأفعال اشد القوى عنفا في الإسلام المعاصر، فلعلهم يصمون بالسوء أي
تعبير يُلحق بهم.
الردود المسلمة
إجمالا، إن النقاش بصدد الاستخدام في الغرب له علاقة ضئيلة بالنقاش
الموازي في العالم المسلم بخصوص تسمية الحركات الإسلامية الجديدة. لكن
الحجج في التعابير المتنوعة العربية، والفارسية، والأوردو، التي هي موضوع
يستوجب معالجته الخاصة، فتستند إلى مصادر أخرى. لكن من وقت لآخر، أبدى
مسلمون آرائهم في ما يتعيّن على الغربيين أن يستخدموا من تعابير.
تابع زعماء الحركات الجديدة عموما مسار الذين تعاطفوا معهم من الغربيين
في رفض تعبير "أصولية". فهذا رشيد الغنوشي، الزعيم السابق لحزب النهضة
التونسي، ألقى خطابا في لندن في العام 1992، حيث رفض فيه رفضا "قاطعا"
تعبير "أصولية" ما دام يعكس التضمين الدلالي السلبي في الاستخدام الغربي"(15).
في السنة نفسها، ذكر رئيس الجبهة الإسلامية الوطنية في السودان، حسن
الترابي، للجنة تابعة للكونغرس الأميركي إن الأصولية "تعبير مضلل بالمعنى
الذي يصف ظاهرة ليبرالية جدا، وتقدمّية جدا، ومتطلعة إلى الأمام، على
أنها حركة دوغمائية، ومحافظة، هذا إن لم تكن رجعية"(16).
إذا كانت الأصوليّة غير مقبولة، إذن فما التعبير الذي يوصي به هؤلاء
المسلمون للغربيين؟ في العام 1988، نشر الأكاديمي الفرنسي فرانسوا بورغا
François Burgat، كتاب "الإسلاموية في المغرب L'Islamisme au Maghreb "،
وهو كتاب مهم متعاطف جدا مع الحركات الجديدة. فأنبه عباسي مدني، زعيم
جبهة الإنقاذ الإسلامية الجزائرية (إف آي إسFIS)، قائلا: "في كتابك هذا،
عليك أولاً تغيير العنوان! لماذا تقول "إسلاموية"؟ فالإسلام هو العمل
الآن في الجزائر، ولا شيء غير الإسلام. ونحن مسلمون"(17). من وجهة نظر
مدني، أيّ نعت غير نعت مسلم يحمل تعريفا انتقاصيا.
آية الله محمد حسين فضل الله، المرشد الروحي لحزب الله، سألته مجلة دورية
ناطقة بالإنكليزية، في العام 1992، عن أيهما أكثر ملائمة باعتقاده، أصولي
أو إسلاموي. مثل موقف الغنوشي والترابي، رفض فضل الله تعبير أصولي بسبب
ما يحمله من تداعيات "عنيفة". لكنه مثل مدني، رأى أن تعبير إسلاموي غير
مقبول أيضا. إذ انه "تعبير استخدمه الأجانب للدلالة على جملة من الأنشطة
يظنون أنها تسوغ فكرتهم الخاطئة عن الإسلام بوصفه شيئا قاسيا وجامدا,
مجرد أرومة قبلية."
وكان استنتاجه مماثلا لاستنتاج مدني: "بعد تفكير مليّ في هذه المسألة،
رضيتُ باستخدام كلمة "مسلم"، التي تنطوي على النشاطات كلها التي تتصل
بهذا المجال وبحظيرة الإسلام"(18).
لاحقا، راجع فضل الله موقفه، لمّا علم، على ما يبدو، بأن الغربيين
المتعاطفين مع حركات من مثل حزب الله، يرجحون تعبير إسلاموي. إذ قال
للمجلة نفسها الناطقة بالإنكليزية بعد ستة شهور عن لقاءه الأول: "أعترضُ
على كلمة أصوليّة، فهو تعبير يحمل دلالات إقصائية. وأفضّل بدله تعبير "حركة
إسلاموية"، الذي يشير إلى الرغبة في التفاعل والعيش بانسجام مع اتّجاهات
رأي أخرى، بدلا من إقصائها. ففي المنظور الغربي، يحمل تعبير "أصوليّة"
تضمينات عنف، في حين لم يختر الإسلامويون سبيل العنف أبدا. بل بالأحرى،
فُرض عليهم العنف عليهم فرضا"(19).
اتخذ فضل الله مفهومه هذا من الأصدقاء الأجانب. لكن كحال كبار
الإسلامويين، كان غير واضح بخصوص أن يحسب واحدا منهم ـ ولسبب معقول. فإذا
قُدّمت الإسلاموية من جانب نقّادها كانحراف عن الإسلام نفسه، فيمكن أيضا
أن تبدو تعبيرا انتقاصيا.
تبديلات جديدة
في المقاصد والأغراض كلها، صارت الأصولية الإسلامية والإسلاموية
مترادفتيْن في الاستخدام الأميركي المعاصر. ولم يعد بالإمكان آليا عدُّ
اختيار مؤلف ما كعبارة جوهرية في الموضوع بنفسه. بل أن اختيار هذا
التعبير أو ذلك تحول إلى مسألة أسلوبية. (ولطالما سمحت هذه المجلة
استخدامهما كليهما)
على ان المسلمين الذين ادعت هذه التعابير وصفهم هم في حراك مستمر،
متيقنين من أن لأفعالهم أثر على التصوّرات الغربية والمقولات التي وجدت
في الغرب لتفسير وضعهم. وستأتي الضغوط من اتجاهين.
سيتمثل الاتجاه الأول بفرنسا مصنع النظرية، التي أوجدت الإسلاموية مرّتين،
في القرنين الثامن عشر والعشرين. وتدور العجلة مرة أخرى. الدارسون
الفرنسيون أنفسهم الذين عرّفوا تعبير الإسلاموية islamisme قبل عشرين سنة،
ارتأوا الآن بطلانه، منذ أن أخفق تماما في استيعاب القوّة. ففي ما مضى
كان هناك تعبير إسلاموية، واليوم هناك ما بعد إسلاموية postislamisme
وحسب، بل أحيانا يشار إليها بالأصولية الجديدة néofondamentalisme. إذ
تفترض أن أنصارها أكثر اهتماما بأسلمة المجتمع من السعي وراء القوة.
هذا الاكتشاف المزعوم قد حث النقاش في فرنسا في ما إذا كان للإسلاموية من
وجود في المقام الأول(20). ألان روسيون Alain Roussillon، وهو مرجع في
شؤون مصر، يدّعي بان لا وجود لها. ويحتج بأنّ مفهوميْ الإسلاموية
islamisme وما بعد الإسلاموية postislamisme، من ألاعيب سوسيولوجيا
المركزية العرقية ethnocentric الغربية. ولأنهم في الواقع مستشرقون، فهم
يوزّعون المسلمين إلى استثناءات ويفترضون مسبقا "حقيقة إسلام" واحدة
تفترض تعريفا للمسلمين كلهم من أقصى العالم إلى أقصاه. واللبس الحتمي بين
الإسلام والإسلاموية "يختزل تحليل المجتمعات المسلمة المعاصرة إلى خطاب
وممارسات أشدها راديكالية ومكوناتها الهامشية"(21). ليس الأمر كذلك، يردّ
أوليفيه روا Oliver Roy، أحد كبار دارسي الحركات الجديدة (وواضع تعبير ما
بعد الإسلاموية). بيد أن روا يسلّم بأنه قد يكون تعبيرا موضوعا، لكن
المسلمين أنفسهم وضعوه. فإن بدا غربي الأصل، فذلك لان مفكرين مثل آية
الله الخميني قد تأثروا بعمق بالفكر الراديكالي الغربي(22).
لعل هكذا نقاش يبدو ملغزا، فهو في تماس مع السؤال عما إذا كان من حق
الدارسين الغربيين تمثيل "الآخر" في مقولات هم يصوغونها ويعرّفونها. في
مستوى ما، من المؤكد أن النقاش يعبر الأطلسي، وليس محالا أن الدارسين
الذين قبلوا في ما مضى تعبير إسلاموية على انه لا ينتقص من احد، لعلهم
ينكرونه الآن.
المصدر الثاني للضغط سيجيء من صعود التعابير الأخرى التي كسبت شعبية منذ
11 من سبتمبر/أيلول. "في البداية كانوا يسمونها "الأصولية المسلمة". أما
الآن فتعبير الجهادية Jihadism هو الرائج". هذا ما كتبه معلق صحفي في
العام 2000 في صحيفة باكستانية بارزة ناطقة بالإنكليزية(23). في ذلك
الوقت، كان استعمال تعبير الجهادية jihadism مقتصرا بشدة على الإعلام
الهندي والباكستاني. لكن الهجمات الإرهابية على الولايات المتّحدة،
والحرب في أفغانستان، والمعركة ضدّ القاعدة، سهّلت هجرة هذا التعبير إلى
الغرب. وفي الوقت الحاضر, يستخدم تعبير الجهادية للإشارة إلى الأشخاص
والحركات الأكثر عنفا في الإسلام المعاصر، بضمن ذلك القاعدة(24). لكن
التشديد المسلم واسع الانتشار على وجوب الجهاد، المقترن بعبارات التعاطف
المسلم مع القاعدة وعمليات التفجير الانتحارية، استطاع أن يحوّل تعبير
الجهادية إلى كلمة منزلية في الغرب. ومنذ 11 من سبتمبر/أيلول، راحت تظهر
في عناوين عدد من أفضل مبيعات المطبعة الجامعية التي تعالج الإسلاموية أو
الأصولية الإسلامية إجمالا، وربما بهذا النحو يجرى التحول الآن(25).
تبنّت بعض وسائل الإعلام عبارات الإسلام الناشط والمسلمين الناشطين. إنّ
التعريف المعجمي للناشط هو انه شخص ما مستعدّ للكفاح؛ وفي الإنكليزية
الأميركية، أوضح ارتباطاتها بالجبهات العنيفة المناوئة للحرب وحركات
الحقوق المدنية في أعوام الستينيات. إنّ تضمين الإسلام الناشط هو أن
الحركات المسلمة الجديدة لديها نزوع نحو العنف. (وقد استخدم دانيال بايبس
هذا التعبير في عنوان كتاب له أخير)(26). على النقيض من ذلك، أظهر
المتعاطفون مع هذه الحركات بعض التفضيل لعبارة لإسلام السياسي. هذا
الاختيار يقترح أنّ الخاصية الأساسية للحركات الجديدة ليست ميلها للدخول
في حرب، بل رغبتها في التعاطي مع السياسة. (استخدم فواز جرجس وفرانسوا
بورغا تعبير الإسلام السياسي في عناوين كتب أخيرة)(27). لربما سيكون
تعبير الإسلام السياسي إرداف خُلفي oxymoron(*)، ما دام ليس هناك بقعة في
العالم المسلم انفصلت فيها السياسة عن الدين. لكن الإسلام السياسي، مثل
حال الإسلام الناشط، واضح للقارئ الإنكليزي وضوحا مباشرا، ولعل أحدى
العبارتين أو كليهما ستتخطى تعبير الإسلاموية في المستقبل.
رغبات غربية
ستؤثر أعمال المسلمين في الاختيار الغربي للتعابير. لكن التصوّرات
الغربية، والآمال، والإجحاف ستلعب دورا مساويا لتلك الأعمال، أو أعظم.
ولطالما أحاط النقاش في المصطلحات علاقات الغرب مع الإسلام، وكانت
محصلتها باروميتر حاجات الغرب بقدر ما كانت وصفا للوضع الفعلي للإسلام.
في منعطف القرن السابع عشر، أناح الرحالة السّير توماس شيرلي Sir Thomas
Shirley باللائمة على الزملاء الإنكليز الذي كانوا يدعون "التركي العظيم"
(السلطان العثماني) "ملك المسلمين" (مسلماني Musselmanni). لماذا؟
فـ"المسلمانMusselman" كانت تعني المؤمن، وأيّ مسيحي يعترف بان " الشخص
المحمدي Mahometan مؤمن ملتزم فهو يقدم اعترافا على انه شخصيا كافر"(28).
في أوقات مختلفة، احتاج الغربيون إلى المسلمين ليكونوا كفّارا أو مؤمنين،
مهددين أو مسالمين، غرباء أو مألوفين. ومن المحال التكهن أي تعابير ستسود
في كفاح الغرب للاتفاق على تعابير تتمشى مع التغير الحاصل في الإسلام
المعاصر. وهذا الأمر يعتمد على ما يفعله المسلمون ـ وما يرغب به الغرب.
الهوامش
ــــ
(*)مارتن كرامر Martin Kramer محرر في فصلية الشرق الاوسط Middle East
Quarterly. وظهرت هذه الدراسة في المجلة نفسها في عددها الصادر في ربيع
2003. (المترجم)
(1) أورده فرانسوا بورغا، الاسلاموية في المغرب (باريس: كارتالا، 1988)،
ص14.
(2) بروس بي. لورانس، "الحركات الأصولية المسلمة: تأملات في مقاربة جديدة"،
في؛ باربارا فرير ستواسر(تحرير)، الاندفاع الإسلامي (واشنطن: مركز
الدراسات العربية المعاصرة، 1987)، ص ص 15-36.
(3) جيل كيبيل، النبي والفرعون: الحركات الإسلاموية في مصر المعاصرة (باريس:
لا ديكوفيرت، 1984). طبقا لرودنسون، إن كيبيل هو الذي بسّط هذا التعبير:
"انتقدت مؤخرا جيل كيبيل، الذي كان باختصار من طلابي، لأنه دفع إلى
التداول تعبير إسلاموية 'islamisme' ليشير إلى التعصب المسلم السياسي في
يومنا هذا"، لقاء أجراه جيرار دي. خوري (1996 أو 1997)، في: ماكسيم
رودنسون؛ بين الإسلام والغرب (باريس: بيل ليتر، 1998), ص 249.
(4) جيل كيبيل، التطرف المسلم في مصر: النبي والفرعون (بيريكلي: مطبعة
جامعة كاليفورنيا، 1985)، ص 22. و “Islamicist”هو التعبير الذي غالبا ما
يستخدم لوصف الطلاب الغربيين الذين يدرسون الإسلام (على غرار فيزيائي
physicist).
(5) هنري مانسون، الإسلام والثورة في الشرق الأوسط (نيو هافن: مطبعة
جامعة ييل، 1988)، ص 4.
(6) غراهام أي. فولر، الأصولية الإسلامية في بلدان الطبقة الشمالية: نظرة
تكاملية (سانتا مونيكا: راند، 1991)، ص 2. ومع ذلك يستخدم تعبير "الأصولية"
في عنوان ورقته، معللا أن إحجامه عن استخدام تعبير إسلاموية، سببه أن
معنى هذا الاصطلاح لم يحظ آنئذ بفهم واسع.
(7) لقاء مع لويس جي. كانتوري، مجلة شؤون الشرق الأوسط، ربيع-صيف 1993، ص
57.
(8) المصدر السابق نفسه.
(9) تعليقات روبرت اتش. بيليترو، مجلس سياسة الشرق الأوسط، 26 مايو/أيار
1994، "ندوة: إحياء الإسلام في الشرق الأوسط"، سياسة الشرق الأوسط، خريف
1994، ص 2.
(10) في حديث لروبرت اتش. بيليترو، مجلس العلاقات الخارجية، 8 من مايو/أيار
1996، في الموقع الالكتروني:
http://dosfan.lib.uic.edu/ERC/bureaus/nea/960508PelletreauMuslim.html
(11) 26 من كانون الثاني 2003.
(12) في بحث في الأرشيف الالكتروني للصحيفة في 25 من كانون الثاني 2003،
ظهر أن تعبيري "أصولية" و"أصوليون" مرتبطين بالإسلام في ما يربو على 9000
مقال منشور منذ العام 1996. أما "إسلاموية" و "إسلامويون" فقد ظهرا في
اقل من 300 مقال.
(13) اريك بويلهيرت، "الإسلاموية فاشية: لقاء مع دانيال بايبس"، موقع
Salon.com، 9 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2001. بايبس: "الإسلاموية
إيديولوجيا تسلطية. وخطر الإسلاموي مثل خطر الفاشي".
(14) مارغريت تاتشر؛ "الإسلاموية هي البلشفية الجديدة"، الغارديان (لندن)،
12 من فبراير/شباط 2002. وفي متن المقال، لا تستخدم تاتشر تعبير "إسلاموية".
إذ كتبت: "التطرف الإسلامي اليوم، كحال بلشفية الأمس، عقيدة مسلحة". "هي
أيديولوجيا صاغها متطرفون متعصبون مدججون بالسلاح. وعلى منوال الشيوعية،
يستدعي أمر إيقاع الهزيمة بها، وضع استراتيجية مكينة على المدى الطويل".
(15) رشيد الغنوشي: الإسلام والغرب: حقائق واحتمالات"، في "احمد بن يوسف
واحمد أبو الجُبين، سياسة الانبعاث الإسلامي: بعيون غربية" (سبرنغفيلد:
المنظمة المتحدة للدراسات والبحوث، 1992)، ص 48. وهذا خطاب ألقاه في لندن
في 6 من أكتوبر/ تشرين الأول 1992.
(16) شهادة سماعية أدلى بها حسن الترابي، 20 من مايو/أيار 1992، لجنة
الشؤون الخارجية، غرفة النواب، الأصولية الإسلامية في أفريقيا ومضامينها
بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة (واشنطن: دائرة الطباعة الحكومية،
1993)، ص 8.
(17) ذكره فرانسوا بورغا ووليم دويل، الحركة الإسلامية في شمال أفريقيا (اوستن:
مركز دراسات الشرق الأوسط، 1993) ص ص 9-10، 3.
(18) لقاء مع فضل الله، صباح الأحد (بيروت)، 10 من أغسطس/آب 1992.
(19) المصدر السابق نفسه، 1 من فبراير/شباط 1993.
(20) مجلة العقل (أغسطس/آب-سبتمبر/أيلول 2001) المشاركات في النقاش
المنشورة، لخّصت أيضا في لوموند، 8 من أكتوبر/تشرين الأول 2001.
(21) ألان روسيون؛ "دارسو الإسلام في طريق مسدود"، عقل، أغسطس/آب سبتمبر/أيلول
2001، ص ص 93-115.
(22) اوليفييه روا، "هل الإسلاموية من ابتداع دارسي الإسلام؟"؛ عقل،
أغسطس/آب سبتمبر/أيلول 2001، ص ص 116-38.
(23) جعفر وفا، "استذكار الألفية الإسلامية"، داون (كراتشي)، 4 من فبراير/شباط
2004.
(24) أشاعه الأكاديميون الفرنسيون في الأوساط الأكاديمية كما "السلفية ـ
الجهادية". ووصف السلفية ـ وهو إحالة تاريخية إلى سلف هذه الحركات ـ حتما
ستخرج عن دائرة الاستعمال الشعبي. و"السلفية ـ الجهادية" عرفها جيل كيبيل
Gilles Kepel، في كتابه؛ "الجهاد: خبو الإسلام السياسي" (هارفارد: مطبعة
جامعة هارفارد، 2002), ص ص 219-22؛ وغيلين دونو Guilain Deneoux، "المستنقع
المنسي: إبحار الإسلام السياسي، "سياسة الشرق الأوسط، يونيو/حزيران 2002,
ص ص 69-71.
(25) ثمة مثالان بارزان عن ذلك: كيبيل، الجهاد؛ واحمد رشيد، الجهاد: طلوع
الإسلام الناشط في آسيا الوسطى (نيو هافن: مطبعة جامعة ييل، 2002).
(26) دانيال بايبس، الإسلام الناشط يبلغ أميركا، (نيو يورك: نورتون،
2002).
(27) فواز جرجيس، أميركا والإسلام السياسي (كامبرج: مطبعة جامعة كامبرج،
1999)؛ فرانسوا بورغا، وجها لوجه مع الإسلام السياسي (لندن: تورس، 2002).
كتاب بورغا هو ترجمة عن الأصل الفرنسي، الذي يحمل عنوان "في مواجهة
الإسلاموية"، قرر المؤلف أو الناشر مخالفة استخدام "إسلاموية" في عنوان
الكتاب الإنكليزي، لربما هذا برهان على الشك في مقام هذا التعبير في
الإنكليزية.
(*)أي اجتماع معنيين متضادين في عبارة واحدة، كقولنا:
(28) أورده نبيل مطر، الإسلام في بريطانيا، 1585-1685(كامبرج: مطبعة
جامعة كامبرج 1998)، ص 30.
|