|
الغرب
في عيون الشرق(2)
الغرب
كما رآه خير الدين التونسي (نصوص مختارة)
الدكتور علي عبد الهادي المرهج(*)
(خاص
للمعهد)
عبر رحلاته المتعددة إلى البلدان الأوربية وبدعم من
"ولي النعم" الباي محمد الصادق (ت 1882 ) سجل لنا خير الدين التونسي هذه الرحلات
وانطباعاته عن حضارة الشعوب الأوربية في كتابه (أقوم المسالك في معرفة أحوال
الممالك) الذي نشره في عام 1867 وكان هذا الكتاب صورة من صور التثاقف التي دعا
إليها الإصلاحيون في بلاد العرب والإسلام، كان أولهم الطهطاوي في كتابه (تخليص
الأبريز في تلخيص باريز)، لذلك حاولنا أن نظهر طبيعة هذا التثاقف الذي يدعو له
التونسي عبر اختيار مجموعة من النصوص التي نعتقد بأنها جديرة بأن تقرأ اليوم والتي
تبين لنا كيف نظر الشرق للغرب لاسيما في بدايات ما يسمى بعصر النهضة الحديث في
الفكر العربي.
خير الدين التونسي وحوار الحضارات
يقول التونسي
"التجأت إلى الجزم بما لا أظن عاقلاً من رجال الإسلام يناقضه أو ينهض له دليل
يعارضه من أننا إذا اعتبرنا تسابق الأمم في ميادين التمدن وتحزب عزائمهم هو أعود
نفعا وأعون، لا يتهيأ لنا ما يليق بنا على قاعدة محكمة البناء إلا بمعرفة أحوال من
ليس من حزبنا"وعلينا" أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة تسكنها أمم متعددة، حاجة
بعضهم لبعض متأكدة، وكل منهم وإن كان في مساعيه الخصوصية فهو بالنظر إلى ما ينجز
بها من الفوائد العمومية مطلوب لسائر بني جنسه"
لذلك علينا أن ننظر الى "الوسائل التي أوصلت الممالك الأورباوية إلى ما هي عليه من
المنعة والسلطة الدنيوية، وأن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقا ولنصوص شريعتنا
مساعداً وموافقا، عسى أن نسترجع منه ما أخذ من أيدينا"
سبل التثاقف:
يطرح التونسي سبيلين لتحقيق التثاقف ومعرفة علوم الاخر:
الأول: اغراء ذوي الغيرة والحزم من رجال السياسة والعلم بالتماس ما يمكنهم من
الوسائل الموصلة إلى حسن حال الأمة الإسلامية وتنمية أسباب تمدنها بمثل توسع دوائر
العلوم والعرفان، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة و التجارة،وترويج سائر الصناعات،
ونفي أسباب البطالة. وأساس جميع ذلك حسن الامارة المتولد منه الامن،المتولد منه
الامل، المتولد منه إتقان العمل المشاهد في الممالك الأورباوية بالعيان، وليس بعده
بيان.
الثاني: تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الاعراض عما يحمد من
سيرة الغير الموافقة لشرعنا...
فان الامر اذا كان صادراً من غيرنا وكان صوابا موافقا للأدلة، لا سيما إذا كنا عليه
وأخذ من أيدينا، فلا وجه لانكاره وإهماله، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله،
وكل متمسك بديانة وان كان يرى غيره ضالاً في ديانته فذلك لا يمنعه من الاقتداء به
فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلقة بالمصالح الدنيوية، كما تفعله الامة
الافرنجية فانهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كل ما يرونه حسنا من أعماله، حتى بلغوا
في استقامة نظام دنياهم ما هو مشاهد. وشأن الناقد البصير تمييز الحق بمسبار النظر
في الشيء المعروض عليه، قولاً كان أو فعلا، فان وجده صوابا قبله واتبعه، سواء كان
صاحبه من اهل الحق أو من غيرهم. فليس بالرجال، يعرف الحق، بل بالحق تعرف الرجال
والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.
وما الانكار أو التنكر لما وصل إليه الغرب إلا نوع من أنواع المعاندة، لأننا نجد
أغلب المسلمين لا يمتنعون عما يضرهم في الاخذ من الغرب بقدر امتناعهم عما ينفعهم.
و«خلل العمران» كما يرى التونسي هو «بعدم انتفاع صناع البلاد في اصطناع نتائجها
الذي هو اصل مهم من اصول المكاسب، ومصداق ذلك ما نشاهده من أن صاحب الغنم منا
ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة ويبيع ما ينتجه عمله
للأفرنجي بثمن يسير ثم يشتريه منه بعد اصطناعه في مدة يسيرة بأضعاف ما باعه به».
«خلل العمران» هذا يؤدي الى الخلل السياسي «فان احتياج المملكة لغيرها مانع
لاستقلالها وموهن لقوتها، لاسيما لو كان متعلق الاحتياج الضروريات الحربية التي لو
تيسر شراؤها زمن الصلح لايتيسر ذلك وقت الحرب ولو بأضعاف القيمة، ولا سبب لما ذكرنا
إلا تقدم الافرنج في المعارف الناتجة عن التنظيمات المؤسسة على العدل والحرية، فكيف
يسوغ للعاقل حرمان نفسه مما هو مستحسن في ذاته فيستسهل امتناع ما به قوام نفعه
بمجرد أوهام خيالية واحتياط في غير محله»؟!
ما تجدر الإشارة إليه إن مصطلح التنظيمات يحمل معنيين أساسيين عند خير الدين
التونسي؛ الأول: يقصد به التنظيمات العثمانية، وهو مجموعة القوانين والإصلاحات التي
قامت بها الدولة العثمانية لتحسين أدائها.
والثاني: هو إصلاح الدولة وفق التجربة الاوربية في محاولة لنقل ما ينفع منها
ويتوافق مع طبيعة البلدان الاسلامية، وبذلك تكون هناك إمكانية لتحقيق التقدم الذي
يتمناه التونسي.
هذا التقدم يتحقق عبر «إجراء تنظيمات سياسية تناسب التنظيمات التي نشاهدها عند
غيرنا في التأسيس عل دعامتي العدل والحرية الذين هما أصلان في شريعتنا».
موقفه من الاستبداد ونظام الحكم:
يرى التونسي أن «الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان. وبما جبلت عليه النفوس
البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه» ومن مشاكل الحكام
المسلمين انهم لا يأخذون بنصائح الساسة والمثقفين ولا يعلمون «أن ولي الامر يحتاج
الى الف خصلة وكلها مجموعة في خصلتين إذا عمل بهما كان عادلاً، وهما: عمران البلاد،
وأمن العباد» وهذا لا يتحقق الا بالمشورة، لأن «المشاورة أصل في الدين، وسنة الله
في العالمين، وهي حق على عامة الخليقة من الرسول إلى أقل الخلق، ومن كلام علي (رض)
لا صواب مع ترك المشاورة».
المستبد عند خير الدين التونسي متأثراً بـ(مونتيسيكيو) هو «من يتوصل لأجتناء الثمرة
بقطع الشجرة من أصلها».
والاستبداد يكون ضروريا عند الاوربيين وبرأي التونسي في حالة واحدة تعطى فيها إدارة
المملكة لشخص واحد «إذا اشتد الخطر عليها(المملكة)، أما بكثرة الافساد الداخلي أو
بظهور مخاتل التغلب عليها من الخارج، وصعب حسم مواد ذلك بالاعمال القانونية، لمكان
تعدد الأنظار المتساوية (أي لوجود أراء متساوية يصعب الترجيح فيما بينها) وما عسى
ما يقتضي الترجيح بينها من طول المفاوضة المفضي الى عدم قمع المفسدين ومدافعة
المتسلط الاجنبي، أو الى تأخير ذلك عن وقت الحاجة، فعند ذلك يطلب مجلس السيناتو (البرلمان)
من أحد رأيسي الدولة الجمهورية أن يختار من أعيان رجال المملكة من يسميه باسم (دكتاتور)
أي مطلق التصرف، تفوض إليه أدارة المملكة بما يظهر له بمقتضى اجتهاده، كعمل الحرب
والصلح ونفي أو قتل من يراه من أهل الفساد والخيانة أو عقابه لأخذ المال أو غير ذلك
مما يقتضيه الحال».
لفظ الدكتاتور صار فيما بعد يطلق على كل حاكم مطلق التصرف سواء كان محدودا بمدة أم
لا.
يطرح لنا التونسي مفهوم «الاحتساب» على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة، وهذا الاحتساب
يتحقق إما بـ «شرع سماوي أو سياسة معقولة».
والمشاورة في الإسلام هي نوع من أنواع إشراك الامة في بناء قرارات الدولة، وقد وضع
الاوربيون المجالس النيابية وحرروا المطابع والتي بدورها تقوي آراء العامة، وهذا
ضروري لصلاح الأمة ومهم للتخلص من الاستبداد الذي من عواقبه العمل بالرأي الواحد فـ
«العمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف... (و) لا
يسوغ أبداً أن يسلم أمر الممكلكة لانسان واحد، بحيث تكون سعادتها وشقاوتها بيده ولو
كان أكمل الناس وأرجحهم عقلاً».
وأجمل وصف للدولة والحكم كما يرى التونسي مستعيناً بأرسطو هو حينما يكون «العالم
بستان، سياجه الدولة، والدولة سلطان تحيا به السنة (القانون) والسنة سياسة يسوسها
الملك، والملك نظام يعضده الجند، والجند أعوان يكنفهم المال، والمال رزق تجمعه
الرعية، والرعية عبيد يكنفهم العدل، والعدل مألوف و به قوام العالم».
أما الحقوق الانسانية فيقسمها التونسي الى ثلاثة أقسام متأثراً بـمونتيسيكيو في
كتابه (القوانين). أولها: «الحقوق المعتبرة بين الأمم في خلطتها السياسية والمتجرية
وثانيها حقوق الدول على رعاياها وبالعكس، وثالثها حقوق الأهالي فيما بينهم».
موقفه من الحرية:
إن موقف التونسي من مفهوم الحرية ومن الحرية نفسها مبني على أساس آرائه السابقة
المبنية على إعجابه بالغرب، فيقسم الحرية الى ثلاثة أقسام:
الأول: الحرية الشخصية، وتعني «إطلاق تصرف الانسان في ذاته وكسبه مع أمنه على نفسه
وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه لدى الحكم، بحيث إن الانسان لا يخشى هضيمة في
ذاته ولا في سائر حقوقه، ولا يحكم عليه بشيء لا تقتضيه قوانين البلاد المتقررة لدى
المجالس. وبالجملة فالقوانين تقيد الرعاة كما تقيد الرعية.. والحرية بهذا المعنى
موجودة في جميع الدول الاورباوية إلا في الدولة الباباوية والدولة المسكوبية لانهما
مستبدتان وهما وإن كانتا ذوات أحكام مقررة إلا أنها غير كافية لحفظ حقوق الامة لأن
نفوذها موقوف على إرادة الملك».
البعد الثاني للحرية هو الحرية السياسية «وهي تطلّب الرعايا التداخل في السياسات
الملكية والمباحثة فيما هو الاصلح للملكة» بمعنى مشاركة الامة في سياسة الدولة
وإدارتها «كون الاهالي ينتخبون طائفة من أهل المعرفة والمرؤة تسمى عند الأورباويين
بمجلس النواب، وعندنا بأهل الحل والعقد، وان لم يكونوا منتخبين من الأهالي. وذلك أن
تغيير المنكر في شريعتنا من فروض الكفاية وفرض الكفاية، إذا قام به البعض سقط الطلب
به عن الباقين، وإذا تعينت للقيام به جماعة صار فرض عين عليهم بالخصوص».
أما المعنى الثالث فيسميه التونسي «حرية المطبعة» وهو «إلا يمنع أحد منهم (الأوربيون)
أن يكتب ما يظهر له من المصالح في الكتب والجرنالات التي تطّلع عليها العامة، أو
يعرض ذلك على الدولة والمجالس ولو تضمن [طبعاً] على سيرتها. وفي هذا المقدار افترقت
الممالك الاورباوية، فمنهم من ناله مع الاول فتمت له الحرية المطلقة، ومنهم من ناله
بشروط معتبرة عند الملوك التي لم ترخص لرعاياها ما تيسر لغيرها إعطاءه من الحقوق».
أما أهم ما جناه الاوربيون من الحرية فهو كما يقول التونسي «تسهيل المواصلة بالطرق
الحديدية، وتعاضد الجمعيات المتجرية (المؤسسات الإقتصادية) والاقبال على تعلم الحرف
والصنائع ويقول أن البلدان التي ارتقت إلى أعلى درجات العمران هي التي تأسست بها
عروق الحرية والكونيستيتوسيون المرادف للتنظيمات السياسية، فاجتنى أهلها ثمارها
بصرف الهمم إلى مصالح دنياهم المشار إلى بعضها. ومن ثمرات الحرية تمام القدرة على
الادارة المتجرية، فان الناس إذا فقدوا الأمان على أموالهم يضطرون إلى إخفائها
فيتعذر عليهم تحريكها. وبالجملة، فالحرية إذا فقدت من المملكة تنعدم منها الراحة
والغنى ويستولي على أهلها الفقر والغلاء ويضعف إدراكهم كما يشهد بذلك العقل
والتجربة».
المثقف والسياسي:
يرى التونسي أن الامة التي تريد التقدم لا يمكن أن تحققه في حالة وجود عزلة بين
المثقف والسياسي ، وكلمة المثقف هنا تحمل كل تمظهراتها وتنوعاتها، أما السياسي فهو
من يمتلك القرار في إدارة الدولة، والدولة تدار بانتظام بـ «طائفة من الامة ملتئمة
من حملة الشريعة ورجال عارفين بالسياسات ومصالح الأمة ... (و) ومخالطة العلماء
لرجال السياسة بقصد التعاضد من أهم الواجبات شرعاً لعموم المصلحة وشدة مدخلية
الخلطة المذكورة في إطلاع العلماء على الحوادث التي تتوقف إدارة الشريعة على
معرفتها، ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب... فالعالم إذا اختار العزلة
والبعد عن أرباب السياسة فقد سد عن نفسه أبواب معرفة الاحوال المشار إليها وفتح
أبواب الجور للولاة لأنهم إذا استعانوا به فامتنع صاروا يتصرفون بلا قيد».
ومن الضروريات في بناء الدولة عند التونسي هو أن يمتلك رجل الدولة الخبرة والدراية
والاستعداد والمعرفة والتدرب على الأمور السياسية وكيفية إدارة أمور الدولة، ومن
ضمن هذا «معرفة أهل الخبرة والنجدة من رجال المملكة لينتخبهم للخطط المعتبرة... فان
سعادة الممالك وشقاوتها بقدر ما تيسر لملوكها من ذلك وبقدر ما لها من التنظيمات
السياسية المؤسسة على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها».
فضل العرب والمسلمين على الغرب:
يرى التونسي أن فضل العرب والمسلمين بين على باقي أمم العالم، وهم كانوا أهل التمدن
والتحضر، وأن تمدنهم كان أسبق في زمنهم من تمدن أوربا اليوم وهذا بشهادتهم (الأوربيون)
وليس بشهادة العرب، والتمدن العربي كان سبباً في القرون الوسطى من أسباب انقشاع سحب
البربرية في أوربا حينما «اختل نظامها بفتوحات المتوحشين ورجعوا الى الفحص عن
ينابيع الحكمة القديمة... (و)العرب خلقهم الله ليكونوا واسطة بين الامم المنتشرة من
شواطئ نهر الفرات إلى الوادي الكبير في إسبانيا وبين العلوم وأسباب التمدن،
فتناولتها الأمم على أيديهم لأن لهم بمقتضى طبيعتهم حركة تخصهم أثرت في الدنيا
تأثيرا لا يشبه بغيره» «ومخالطة الاورباويين للأمة الإسلامية المتقدمة عليهم في
التمدن والحضارة، كان ابتداء التمدن عندهم».
ولكن الدولة العربية الاسلامية أخذت بالتراجع حينما «انقسمت الى دول ثلاث؛ الدولة
العباسية ببغداد والمشرق، ودولة الفاطميين في مصر وأفريقيا، ودولة الأمويين في
الاندلس، ثم تكاثر الحروب الداخلية وانقسمت تلك الدول».
موقفه من الدين:
يحاول التونسي أن يبني موقفا متوازنا من الدين، وهو في طيات كتابه هذا يريد أن يبين
موافقة الشريعة للعلم، وأين ما كان العلم فالواجب الاطلاع عليه وأخذ ما يستحسن
منه،ولكنه في موضوعة الربط بين السياسة والدين نجده أكثر ميلا للقول بفصل الدين عن
السياسية، ويضرب لنا مثلا يستحسن به هذا الموقف من الديانه المسيحية، إذ يقول «الديانة
النصرانية ولو كانت تحث على إجراء العدل والمساواة لدى الحكم، لكنها لا تتداخل في
التصرفات السياسية... والخلل الواقع في ممالك البابا ــ كبير الديانة النصرانية ــ
لامتناعهم من الاقتداء بالتراتيب السياسية المعتبرة في بقية الممالك الاورباوية...
وانما بلغوا تلك الغايات (الأوربيون) والتقدم في العلوم والصناعات في التنظيمات
المؤسسة على العدل السياسي».
(*) استاذ الفلسفة،
الجامعة المستنصرية، بغداد.
المصدر:خير الدين التونسي: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق معن
زيادة،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2، 1985 من ص 145 الى ص 263 ،
وهذه الصفحات هي أصل كتاب أقوم المسالك،أما الصفحات التي قبلها فهي دراسة وتحقيق عن
الكتاب للدكتور معن زيادة.
|