|
الأربعاء: 01/08/2007
العوامل
الجديدة المحدَّدة لعلاقة الغرب بالشرق
د. صلاح
الجابري(*)
(خاص للمعهد)
إن نظرة الغرب إلى الشرق الإسلامي قد مرّت بتطورات
عديدة، ولابد للباحث أن يتوخى، أمام هذه التطورات، الدقة والحذر في تقييمه لمواقف
المستشرقين من الإسلام، عقيدةً وتأريخاً وحضارةً. في سبيل المثال، لم تعد المسيحية
والتنصير العامل المركزي الذي يوجه البحث الاستشراقي أو يوجه علاقة الغرب بالشرق.
نحو بديل اقتصادي
استبدلت أوربا الاقتصاد وعولمة اقتصاد السوق بالمسيحية؛ فقد اكتشف دهاقنة السياسة
بالاشتراك مع أصحاب رؤوس الأموال، والشركات العالمية العابرة للقارات، أن المسيحية
دعوة لا مردود مربح لها، بل هي مصدر فقر وانعزال عن العالم الثالث، الغني بالموارد
الطبيعية، والمواد الأساسية للصناعة. وفي عالم براجماتي يلهث وراء الربح، ليس من
المناسب تبني أي دعوة دينية، أو فلسفة، أو عقائدية.
ويجب إذن تبنّي سياسة اقتصادية، وتبشير اقتصادي، قائم على وعود بالتحديث، والثراء
للقوى السياسية المسيطرة على بلدان العالم الثالث، المنتج لمصادر الطاقة، والمحافظة
على ديمومة الشعور بالأزمة، وظلامية المستقبل، التي لا تستقر معه النفس إلا باللجوء
إلى حصن مكين!! وهذا الحصن هو السياسة الغربية واستراتيجياتها، والعمل وفق مصالحها،
وأهدافها البعيدة المدى.
وقد نجح الغرب في تطبيق هذه الاستراتيجية واستمال المسلمين للعمل وفق مصالحه، بل
تمكن من طرح إسلام يؤمِّن أهدافه ويعمل على تحقيقها بذريعة المصلحة المشتركة.
فشل التنصير:
كان ذلك التوجه سببا في الطلاق الرجعي بين المؤسسات الدولية الغربية، والمسيحية، أو
الكنيسة، في بدايات القرن العشرين، «فالوضع السائد اليوم يدل على أن الدول
الإمبريالية يئست من إمكان رد المسلمين عن دينهم، كما يئست من ذلك أيضا المؤسسات
المسيحية الغنية بالغرب. ولهذا انعدمت المحاولات الرامية لتبشير المسلمين أو كادت.
ولا يلقى التبشير والمبشرون من الاستعماريين الجدد أي اهتمام. انهم مهتمون منذ
ثلاثة عقود من السنين أو يزيد باستدراج مسلمين، ومسلمين محافظين للعمل معهم ولهم،
دونما تركيز على«هدايتهم» للمسيحية قبل ذلك. إذ المسيحية نفسها لم تعد الدين الذي
يؤمن به رجال الشركات المتعددة الجنسية، ولا هي الأداة الصالحة للاستخدام لتحقيق
الأهداف»(1).
لقد فقد التبشير أهميته في أذهان الغربيين منذ زمن بعيد، منذ أن شهد إخفاقا شديدا
في الوسط الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي. إذ رفض التتار قبول الديانة
المسيحية، واعتنق ملوك فارس الاسلام، واسلمت دولة المغول على يد الخان قازان
السابع(1295-1304) . وفي آسيا الوسطى أيضا برهن الإسلام على انه الأقوى، كما ساءت
أحوال المسيحيين في مصر تحت سيادة المماليك، وكان انتصار العثمانيين وفتح
القسطنطينية سنة 1453 سببا في انتشار الإسلام في وقت مبكر من القرن الخامس عشر في
ألبانيا، وصربيا، والبوسنة(2).
وفي أسبانيا لم ينجح التبشير الذي بدأ بعد إيقاف زحف المسلمين في غرناطة في 2 يناير
1492، في حمل المسلمين على تغيير عقيدتهم واعتناق المسيحية بالرغم من مطالبة كل من
فرناندو دي تالافيرا رئيس أساقفة إشبيلية، وكسيمنس، بحمل المسلمين على التنصر
بالقوة… وقد أدت محاولات التنصير إلى رد فعل عكسي إذ فجرت غضب المسلمين، فنظموا
تظاهرات انطلاقا من غرناطة وطافت كل أرجاء المملكة القديمة، ولم يتم قمعها إلا بجهد
فائق. وبسبب ذلك لجأ كسيمنس وتالافيرا إلى اتباع الشدة، حيث عُمِّم إعلان يخيّر
المسلمين بين التعميد(اعتناق المسيحية) والهجرة. وعلى ذلك هاجر كثير من المسلمين
إلى أقطار إسلامية لاسيما إلى المغرب المجاورة. أما الآخرون الذين امتنعوا أو تعذّر
عليهم ذلك، فقد قبلوا بالتعميد مكرهين وظلوا على ولائهم النفسي لدينهم الأول. وقد
برّر المسلمون هذا الرياء تحت شعار(التقية)…استناداً إلى رأي السنة في أن الميزان
الصحيح لكل تصرف إنما يخضع لنية الفاعل، وفي القرآن الكريم ما يؤيد ذلك. وبتحفظ
روحي شاركوا المسيحيين شعائرهم. ثم ما لبثوا أن عادوا إلى الإسلام تارة أخرى(3).
«لكن الكنيسة عادت فحاولت التخلص من ظاهرة الاعتناق الشكلي للمسيحية بالاستعانة
بمحاكم التفتيش التي تأسست في أسبانيا في سنة 1481، ولكن دون أن يكلل ذلك بالنجاح.
ومع ذلك فقد استطاع المسلمون تأكيد أنفسهم طوال القرن السادس عشر، بل راودهم الأمل،
مع صعود الإمبراطورية العثمانية، في استعادة السيادة الإسلامية في الغرب. ووقعت في
جبال الأطلس بالذات عدة محاولات تمرد قمعت ولكن بصعوبة بالغة، كما حدث في سنة
1570م. كما ظهر بما لا يقبل الشك أن سياسة تنصير المسلمين ومحاكم التفتيش لم يؤديا
إلى النتائج المرجوة. وهكذا فقد وجدت الدولة نفسها مضطرة إلى اتباع أقسى الوسائل،
فأجلت سنة 1609 المسلمين كافة عن البلاد. ولذلك بات لزاماً على كل الموريسكيين
المتبقين مغادرة أسبانيا، فهاجرت غالبيتهم العظمى إلى شمال أفريقيا، وتلك كانت
نهاية الإسلام على شبه الجزيرة الإيبيرية»(4). تلك هي قصة فشل التبشير في الوسط
الإسلامي كما رواها شاهد من أهلها.
العلمانية كدين جديد
وفضلا عن ذلك شهد الفكر الأوربي ثورة ضد المسيحية والفكر الديني عموما، فجهد
الأوربيون منذ مطلع القرن السابع عشر من أجل تخليص الفكر من تأثير الكنيسة، وعزل
الدين عن الدولة والحياة الاجتماعية عموما. لذلك من الخطأ تقييم البحث الاستشراقي،
وعلاقة الغرب بالشرق في ضوء الدافع الديني المسيحي. إذ لم يعد للمسيحية بريقها
القديم في أذهان الغربيين. فعلى المستوى العملي أصبحت المنافع والمصالح هي العوامل
الموجّهة لعلاقة الغرب بالشرق، وإذا تقاطع الدين مع تلك المصالح فسوف يُحارب بشدّة.
ولذلك طرح الغرب وسائل تعامل جديدة لإخضاع العالم الإسلامي وتوجيهه لخدمة مصالحه
الكبرى، وهذه الوسائل هي الشركات العملاقة المتعددة الجنسية التي لا تلتزم بأية
معايير دينية (مسيحية أو إسلامية).
لذلك فان العدوانية الغربية تجاه الشرق الإسلامي نابعة من حرص على الربح، ومنافسة
قاتلة من أجل ذلك، فليس مهما بالنسبة للقائمين عليها أديان الشعوب التي يستغلونها.
إن الدين يصبح مزعجا بالنسبة للإمبرياليين إذا شكل عائقاً في سبيلهم أو كان الدافع
لمقاومة سيطرتهم. عندها يقاتلونه لكن ليس باسم المسيحية(5).
فإذا تمكن الغربيون باستخدام شركاتهم العملاقة من استمالة المسلمين لصالحهم،
وتوجيههم للعمل من اجل مصالحهم الكبرى، ودفعهم إلى حماية تلك المصالح بكل وسيلة
ممكنة ولو تطلب ذلك قمع الشعوب، فإن ذلك يجعلهم في غنى عن أية دعوة دينية. ولقد
أدرك الغربيون بوضوح بأن الدعوة الدينية (التنصير) عامل منفّر لا يخدم مصالحهم في
الشرق، لذلك فمن غير المعقول استخدامه كعامل تحريض. والحقيقة أن الموقف العدواني
تجاه العالم الإسلامي لازال باقيا سواء كانت الدوافع الغربية دينية مسيحية أو كانت
براجماتية تستهدف جني الأرباح، وهو العنوان المزيف لنهب ثروات الشعوب الفقيرة.
لكن الحقيقة أن الغربيين يسعون بجد إلى تغيير فهم المسلمين لدينهم، واستبداله بفهم
الغربيين للمسيحية، بوصفها دعوة ذوقية لمحبة الله تستند إلى رؤية صوفية حلولية
فردية، مستقلة عن الواقع الاجتماعي وعن الدولة ومؤسساتها. وعند هذه النقطة ندخل
المستوى النظري لعلاقة الغرب بالشرق الإسلامي.
رأينا أن المستوى العملي يستبعد من السلوك القيم الدينية المسيحية وغير المسيحية،
ويرسخ قيم المنافسة الاقتصادية والمصالح المادية. أما على المستوى النظري فيتخذ من
العلمانية الصورة المثلى في التفكير. والتي من أهدافها المثلى تحرير الفكر الإنساني
من القيم والضوابط الدينية والأبعاد الروحية، وحصره في حدود المصالح المادية
ومتعلقاتها، فالثروة هي مفتاح السعادة الأبدية ووسيلة الثروة هي العمل وهذا يتوقف
بدوره على الاستثمارات للمواد الخام التي يكتنزها الشرق عموما، والمنطقة الإسلامية
على الخصوص، والعائق الشرس أمام هذه الاستثمارات هي العقيدة التي تتشبع فيها النفوس
والتي تأبى استبدال قيمها بأرباح النفط. ولذلك فان الفكر السياسي والاجتماعي يجب أن
يبتعد عن أية مؤثرات دينية، وهذا يستدعي مبدئيا فصل الدين عن الدولة والحياة
الاجتماعية، وحصره ضمن حرية الفرد في طقوس خاصة مغلقة، بمعنى آخر تحقيق سياسة
التماثل بتبني العالم الإسلامي للمكوِّن العقلي الغربي ـ الأمريكي. وقد تحقق هذا
إلى حد كبير؛ فالمسلمون علمانيون اقتصاديا وسياسيا، ومتدينون في بيوتهم ومساجدهم؛
فالغربيون لا يريدون من المسلمين الاعتراف بألوهية المسيح، وإنما يريدون أن يكفوا
عن تبني أيديولوجية إسلامية شاملة. ومن الحق الاعتراف بأن هذا لا يمثل روحية الشعوب
الإسلامية، ويتناقض مع إرادتها، لكن مع ذلك يجب أن نعترف بأن هذا هو الواقع الرسمي
الذي يرسم صورة الواقع بدمه ولحمه.
والحقيقة أن العلمانية بوصفها النموذج الفكري للغرب اليوم، لا تعبر عن رؤية فلسفية
يراد تطبيقها على واقع معين وتوجيهه وفق قيم محددة، وإنما هي محاولة ترجمة الواقع
الغربي الذي تسوده الحرية الفردية المطلقة والمؤسسات الاقتصادية غير الموجّهة
بواسطة نظام محدد. بمعنى آخر هي تعبير عن حركة واقع مفرّغ من القيم القبْلية
الروحية ـ الدينية، ومحددات الأنظمة الفلسفية بكل أشكالها. ومع ذلك فإن استقراء ذلك
الواقع لا يعفي العلمانية من الوقوع أسيرة لأيديولوجية محددة تطلق أحكاما مسبقة،
تحدد الواقع العالمي بمتطلبات الحياة المادية ومنافعها بعيدا عن القيم المعنوية..
بمعنى آخر هي تعبير عن أيديولوجية مادية مناوئة لأية أيديولوجيا ترتكز على أسس
عقائدية.
وقد عمل مفكرو الغرب على المزاوجة بين هذه الرؤية الأيديولوجية والمنهج العلمي،
سواء السائد في القرن التاسع عشر (الميكانيكية المادية) أو السائد في القرن العشرين.
ولذلك أصبح المنهج العلمي وتطوراته المتلاحقة، الموجه الرئيسي للذهنية الغربية في
علاقتها بتراث الشرق. وقد خضع المنهج العلمي في مراحل تطوره إلى تدجين وموالفة
لينسجم مع القيم العلمانية ودعواتها. والحقيقة أن الرؤية العلمانية لم تخرج عن حدود
إضفاء الصبغة المادية على العالم، وضبط المناهج العلمية في حدود متطلبات العالم
المادي. ولذلك نستطيع الحديث عن انحسار الرؤية الدينية المسيحية التي وجهت الفكر
الغربي إبان العصور الوسطى وما بعدها. ومع ذلك لا نستطيع الجزم بتنحي العامل الديني
كلياً من الذهنية الغربية في حدود علاقتها بالحضارة الإسلامية، كما لا يمكن الجزم
بموضوعية المنهج العلمي المطبّق؛ فالمنهج العلمي يختلف في جانبه النظري عن جانبه
التطبيقي. فعند التطبيق (لاسيما على التراث الإسلامي) غالبا ما يبرز التحيّز
والغرضية والأحكام المسبقة التي تربك المنهج وتسيء للموضوع المدروس.
العناصر الرئيسة للاستشراق الحديث
ومن أجل أن تتضح لدينا العناصر الفكرية الجديدة التي طرحها الفكر الغربي في إطاره
العلماني ومدى استقلالها عن المؤثرات الدينية القديمة، يجدر أن نعرض تلك العناصر
بوصفها المقدمات الرئيسة لظهور الاستشراق الحديث، والتي يرى فيها المفكر إدوارد
سعيد العناصر التي لولاها لما ظهر الاستشراق الحديث(6). وهذه العناصر هي: اتساع
معنى الشرق جغرافيا، المجابهة التاريخية، التعاطف الوجداني مع الموضع المدروس،
والتنميط أو التصنيف.
1 ـ في القرن الثامن عشر تغير اهتمام أوربا بالشرق، فقد ساهمت الاستكشافات
الجغرافية والرحلات والتقارير العلمية والأساطير في توسيع مجال الشرق ليشمل العالم
غير الإسلامي. ولذلك تغيرت بؤرة التركيز وعومل الشرق الإسلامي كجزء من الشرق عموما.
لكن جميع هذه الآفاق المتزايدة اتساعا كانت تضع أوربا في مركز الامتياز، بصفتها
المراقب والفاعل الرئيسي الذي يمتلك القدرة ليس على الكشف بل على إعادة تشكيل
الأشياء وفقا لرغباته.
2 ـ اندفع المؤرخون الأوربيون نحو مقارنة الحضارة الأوربية بحضارات أقدم من الحضارة
الإسلامية، مثل الحضارات العراقية القديمة، والحضارة الفارسية، والصينية، والهندية.
وقد تمثلت هذه المهمة ببروز الأنثروبولوجيا التاريخية كحاضنة للتيار القومي الأوربي
في القرن الثامن عشر. ذلك التيار الذي وصف مواجهته للشرق بأنها مواجهة مع الآلهة.
وهنا حدثت نقلة نوعية من رؤية مؤرخي عصر النهضة الذين وصفوا الشرق بأنه عدو، إلى
رؤية مؤرخي القرن الثامن عشر الذين كانوا أكثر حيادية وتجردا، وقد حاولوا، فضلا عن
ذلك، التعامل المباشر (ولو جزئيا) مع المصادر الشرقية. وتجسد هذا التغير بترجمة
جورج سَيْل للقرآن. ويلاحظ أدوارد سعيد بأن سيل حاول التعامل مع التاريخ العربي ضمن
معطيات المصادر العربية وترك المعلِّقين المسلمين على النص القرآني يتحدثون بأنفسهم
وينطقون بوجهات نظرهم. وكان أسلوب المقارنة الذي مارسه سيل يعد المرحلة الأولية
لفروع المعرفة المقارنة؛ مثل فقه اللغة، والتشريع، والفقه، والدين، والتي كانت
المعلم البارز لثقافة القرن التاسع عشر.
3 ـ برز في هذه المرحلة (القرن الثامن عشر) التعاطف الوجداني مع الشرق، الذي تجاوز
أسلوب الدراسات المقارنة المسحية للجنس البشري. وتمثل هذا التعاطف في النظر إلى
الثقافات جميعا على أنها متناسقة ومترابطة عضويا وداخليا بروح أو عبقرية أو كلمة أو
فكرة قومية، لا يستطيع الإنسان الخارج عنها أن ينفذ إليها إلا حينما يعيش حالة من
التعاطف التاريخي معها. فكان كتاب هردر في هذه المرحلة بعنوان: (أفكار حول فلسفة
تاريخ الإنسانية) (1778-1791) استعراضا شاسعا لثقافات متنوعة، كل منها تتخلله وتسري
فيه روح خلاقة فذة، وكل منها ليس في متناول إنسان سوى المراقب الذي يضحي بتحيزه في
سبيل التعاطف المتفهِّم. وكان بمقدور العقل في القرن الثامن عشر، وقد امتلأ بحس
التاريخ الجمهوري والتعددي الذي بشر به هردر وغيره، أن يخترق الجدران المذهبية بين
الغرب والإسلام ويبصر عناصر النسب المتواشج بينه وبين الشرق. ونابليون مثل مشهور من
أمثلة هذا التوحد الهويّ «الانتقائي عادة عبر التعاطف».
4 ـ بروز أسلوب التنميط، وإحالة الكثرة إلى وحدات نمطية يسهل التعامل معها. فقد نزع
الفكر الأوربي إلى تصنيف الطبيعة والإنسان في أنماط. ولا يقتصر هذا الأسلوب على
الطبيعة المادية والجسدية وإنما تعدى ذلك إلى الأبعاد الأخلاقية، والفكرية والروحية.
ويعد تصنيف الفيلسوف كانت للمقولات جزء من هذا التوجه الفكري الذي ساد القرن الثامن
عشر، وكذلك فعل جونسن وديدرو، إذ يوجد في أعمال هؤلاء ولع شديد نحو تحديد الملامح
العامة، ونحو تقليص أعداد هائلة من الأشياء إلى عدد أصغر من الأنماط قابل للترتيب
والوصف. في التاريخ الطبيعي، وعلم الإنسان، والتعميم لثقافي، كان لكل نمط شخصية
خاصة تمنح المراقب تحديدا له كما تمنحه، بعبارة فوكو «اشتقاقا مضبوطا». وتنتمي هذه
الأنماط والشخصيات إلى نظام، إلى شبكة من التعميمات المترابطة...
تجسَّد هذا التنميط في كتابات الفلاسفة، والمؤرخين، والموسوعيين، وكتّاب المقالة،
التي أبرزت الشخصية في شكل تصنيف فيزيولوجي ـ أخلاقي: فثمة، مثلا، الرجال المتوحشون،
والأوربيون، والآسيويون، الخ.... ويظهر هؤلاء، طبعا، عند لينييس، لكنهم يظهرون كذلك
عند مونتسكيو، وجونسن، وبلومنباخ، وسويمرينغ، وكانت، وتوزَّع الخصائص الفيزيولوجية
والأخلاقية بنسب متساوية تقريبا، فالأمريكي أحمر سريع الغضب، منتصب.. والآسيوي أصفر،
سوداوي، متصلب، والأفريقي أسود، لا مبال، خامل. لكن تحديدات كهذه تكتسب قوة أكبر
حين ترفق، فيما بعد أثناء القرن التاسع عشر، بالشخصية بوصفها اشتقاقا، وبوصفها نمطا
وراثيا. ففي أعمال فيكو وروسو، مثلا، تتدعم قوة التعميم الأخلاقي بالدقة التي يظهر
بها أن شخصيات احتدامية، تكاد تكون نمطية ـ مثل الإنسان البدائي، والعمالقة،
والأبطال ـ هي الأصول التكوينية للقضايا الأخلاقية ، والفلسفية، بل اللغوية أيضا.
وهكذا، فحين أُشير إلى شرقي ، فقد أشير إليه ضمن معطيات (خصائص) وراثية كونية مثل
حالته البدائية، وخصائصه الأولية، وخلفيته الروحية الخاصة.
شكلت تلك العناصر الفكرية انعطافة حادة في موقف الفكر الغربي من الشرق، والإسلام
على وجه الخصوص، إذ تحرر الفكر الغربي من الأسلوب الديني ـ الكنسي وآلياته المدمرة
للموضوع المدروس، لا سيما إذا كان هذا الموضوع هو الإسلام. ومن هنا فإن الاستشراق
لا يفهم فقط في ضوء الفكر الديني الكنسي المناهض للإسلام، وإنما يفهم بوصفه مشتقا
من تلك العناصر المُعَلمَنَة في الثقافة الأوروبية في القرن الثامن عشر.
وكان لتلك العناصر الفكرية المعلمنة نتائج كبيرة على علاقة الشرق بالغرب يجب
الالتفات إليها لكي لا يبقى الباحث أسيرا لتصويرية وحيدة الجانب تلك التي تفهم
الطرح الأوروبي الاستشراقي على أنه مجرد انعكاس لتوتر موقفين دينيين متخاصمين
تاريخيا. وأهم تلك النتائج هي: تغير المرجعيات المعتمدة لدى الباحث الأوروبي في
دراسته للشرق، فلم تعد هذه المرجعيات هي المسيحية واليهودية بتقويميهما الزمنيين
وخرائطهما الموضعة نسبيا، بل أصبحت هذه المرجعيات هي الهند، والصين، واليابان،
وسومر، والبوذية، والسانسكريتية، والزرادشتية، والمانوية(7).
ويستدرك إدوارد سعيد بعد ذكر مزيد من نتائج هذا التحول المنهجي، قائلا: «ولكن ، لئن
كانت هذه العناصر المتداخلة المترابطة تمثل اتجاها معلمنا، إن ذلك لا يعني القول
بأن الأنساق الدينية القديمة للتاريخ والمصير الإنساني والمناسق الوجودية أزيلت،
هيهات: بل إنها قد أعيد تركيبها، وأعيدت موضعتها، وأعيد توزيعها ضمن الأطر
العلمانية. وكان كل من درس الشرق بحاجة إلى مفردات لغة علمانية تنسجم مع هذه الأطر.
ومع ذلك ، فلئن كان الاستشراق قد وفر المفردات، والمخزون التصوري، والتقنيات ـ ذلك
أن هذا هو ما فعله الاستشراق وما كانه الاستشراق، منذ نهاية القرن الثامن العشر ـ
لقد احتفظ بنزوع ديني مُسْتبنى، بخارق للطبيعة مُطَبْعَن، من حيث هو تيار صامد لم
يتزحزح ضمن إنشائه. وما سأحاول أن أظهره هو أن هذا النزوع في الاستشراق استقر في
تصور المستشرق نفسه، للشرق، ولحقل تخصصه»(8).
الهوامش
ـــــــــــــ
(*) استاذ الفلسفة المساعد في جامعة ذي قار، العراق.
(1) دي بلو، فرانسوا، في نقد الاستشراق، مصدر سابق، ص149.
(2) فوك، يوهان، تاريخ حركة الاستشراق، الدراسات العربية والإسلامية في أوربا حتى
بداية القرن العشرين، تعريب د.عمر لطفي العالم، دار قتيبة، دمشق، ط1، 1996، ص36.
(3) المصدر نفسه، ص38.
(4) المصدر نفسه، ص38-39.
(5) دي بلو، فرانسوا، في نقد الاستشراق، مصدر سابق، ص149.
(6) انظر: سعيد، إدوارد، الاستشراق، ص141-142.
(7) المصدر نفسه، ص143.
(8) المصدر نفسه، ص143-144.
|