الحضارية «دراسات مستقبلية»

 الأحد: 29/05/2011

 

 

 

 

 

مستقبل تقنية التعليم ودورها في إحداث التغيير النوعي / 2

 

 

د. بدر بن عبد الله الصالح(*)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أ) التحولات في علم الإدراك :

يلخص وست وآخرون (West, et al., 1991,p.12) أهم التحولات في علم الإدراك (الشكل رقم2) على النحو التالي:

إلى

 

من

- التمثيل الداخلي للمعرفة

 

- السلوك الظاهري

- الكليات .

 

- الجزئيات

- بناء المعلومات وإعادة بنائها

 

- اكتشاف المعلومات واسترجاعها

- العقل حاسوب

 

- العقل خط تجميع (آلة طابعة)

- العمليات

 

- المخرجات

 

الشكل رقم (2) التحولات في علم الإدراك

 

•  من دراسة السلوك الظاهر إلى دراسة التمثيل الداخلي للمعرفة في العقل الإنساني مثل البنى (Schema) (بنية البيانات – Data Schemata – وبنية العملية Process Schemata ).

•  من الجزئيات إلى الكليات، أي بدلاً من التصور السابق حول الإدراك على أنه يبدأ من جـزء إلى جزء ثم من جزء إلى كل، يؤكد التحول الحالي على أن الإدراك يبدأ من كل إلى جزء ثم من جزء إلى كل.

•  من عملية اكتشاف المعلومات واسترجاعها إلى عملية بناء المعلومات وإعادة بنائها، فالفـرد يبني معرفته من خلال التفاعل الذهني مع العالم المادي والاجتماعي وليس من خلال استعادة المعرفة من ذلك العالم.

•  من العقل الإنساني كخط تجميع (Assembly Line)  ثابت وخطي يجمع الأجزاء مع بعضها (أو العقل كطابعة تنسخ الأشياء كما هي عليه في العالم)، إلى العقل كبنية مرنة أو حاسوب في معالجة المعلومات.

•  من المخرجات إلى العمليات، أي التحول من التأكيد على المخرجات في مرحلة مبكرة إلى التشديد على العملية ودور بنية العملية في العقل الإنساني وأهميتها في معالجة المعلومات وتنظيمها.

ب‌) نظرية التعلم البنيوية :

أصبح التوجّه البنيوي في العقدين الماضيين محط أنظار العديد من التربويين لإحداث تغييرات جوهرية في النموذج التقليدي للتعليم ، خصوصاً وأن الافتراضات التي يعتمد عليها هذا التوجّه تتواءم والمهارات الجديدة التي تتطلبها الحياة في الألفية الثالثة، كما يجد هذا التوجّه في تقنيات المعلومات المعاصرة والمستقبلية فرصاً كبيرة لوضع تلك الافتراضات موضع التطبيق.

تعتمد الاستراتيجيات البنيوية على مبادئ اشتقت من فروع علم الإدراك . وقد ركزت هذه الفروع على حفز الطلاب للتعلم وقدرتهم على استخدام ما تعلموه خارج البيئة المدرسية. وتحاول البنيوية معالجة مثالب النموذج التقليدي للتعليم المعتمد على التوجّه السلوكي ونظرية معالجة المعلومات (Roblyer, et al.,1997,p.65). إن الفكرة الرئيسة في التوجّه البنيوي هي أن المتعلم يبني (Constructs)  معرفته أو يكّون المعنى بناءً على خبراته الخاصة، فالبنيوية تعتقد "أن التعلم يحدث لأن المعرفة الشخصية للفرد يتم بناؤها بوساطة متعلم نشط ومنظم ذاتياً ، ويحل المشكلات من خلال اشتقاق المعنى من الخبرة والسياق الذي تحدث فيه تلك الخبرة" (سيلز وريتشي، 1418هـ، 189).

إن التعليم من وجهة النظر البنيوية ليس "رسم خارطة للعالم الحقيقي في عقل المتعلم وإنما توجيه انتباه أكبر لخبرات المتعلم السابقة ونماذجه العقلية وهي متغيرات يستخدمها المتعلم في تفسير الأشياء والأحداث. أي التركيز على التطبيق مقابل المعرفة (Jonassen,1994,p.35). باختصار شديد، يحاول البنيويون تشجيع المتعلمين على ملاحظة مدى ملاءمة ما يتعلمونه وصلته بحاجاتهم ومنع ما أسماه وايتهيد (Whithead) في عام 1929م بالمعرفة الخاملة (Inert-Knowledge) ، أي فشل الطلاب في نقل ما يتعلمونه (أو ما تعلموه) من أجل تعلم مهارات أخرى أو حل مشكلات خارج المدرسة تتطلب المعرفة السابقة (Roblyer et al.,1997,p.65).

وتزخر أدبيات المجال بتنوع نظريات التعلم التي تعتمد على التوجّه البنيوي، وهي نظريات مبنية على أفكار كل من :( Roblyer,et al.,1997,p.65-70:)

•  ديوي (Dewey) : الذي أسهم بأفكار تدعم نماذج التعليم والتعلم البنيوية خصوصاً ما يتعلق بفكرة مركزية التعليم حول النشاطات الهادفة ذات العلاقة بخبرة الطالب الخاصة.

•  فايجوتسكي (Vygotsky): الذي قدم مفهومي السقالة (Scaffolding) ومنطقة النمو الأقرب (Zone of Proximal Development) اللذين يمثلان أهمية للبنيويين، فمفهوم منطقة النمو الأقرب تمثل الفجوة بين معرفة المعلم ومعرفة المتعلم، ويمكن للمدرسة مساعدة المتعلم على تنمية مستوى الفهم من خلال ما يسميه بالسقالة التي تصل بين معرفة المعلم ومعرفة المتعلم ، وبعبارة أخرى ردم الهوة بينهما من خلال المساعدة التي يقدمها المعلم لطلابه Roblyer,et al.,1997,p.66) ).

•  بياجيه (Piaget) : الذي يعد مساهماً رئيساً في إرساء المبادئ النظرية للتفكير البنيوي من خلال نظريته للنمو المعرفي التي ينتقل الطفل خلالها من مرحلة إلى أخرى بناءً على الخبرات التي يكيِّفها لبيئته وينظم أنماط سلوكه بناءً على ما تعلمه Roblyer,et al.,1997,p.65) ).

•  برونر (Bruner) : الذي تتوافق كثير من مبادئ نظريته حول النمو العقلي مع تلك التي طورها بياجيه وفايجوتسكي ، مضيفاً دعماً آخر للنظرية البنيوية Roblyer,et al.,1997,p.65) ). 

•  إسهامات منظرين آخرين : أثرت العديد من الأبحاث المبينة على مبادئ علم الإدراك تأثيراً بالغاً بالتطبيق التربوي ، خصوصاً التطبيقات التعليمية للتقنية ومنها:

- العولم المصغرة (Microworlds) لبابيرت (Papert,1980) من خلال الدور الذي يمكن أن تلعبه التقنية في توفير بدائل لما يعتبره طرق تربوية غير كافية ومؤذية.

- التمهـين الإدراكــي (Cognitive Apprenticeship)  لبراون وكولينز ودجويد (Brown , Collins,& Duguid, 1989)؛ وهو مفهوم يؤكد على أن ما يتعلمه الطلاب ينبغي أن يتم في الوقت نفسه الذي يطبقونه فيه من خلال مواقف تعلم (Situated Learning)  ، أو مواقف إدراكية ( Situated Cognition )، وهي مواقف حقيقية يتعلم الطلاب خلالها تعاونياً.

- التعليم المرتكز على مهام أصيلة (Anchored Instruction) لمجموعة فاندربلت للإدراك والتكنولوجيا ( (Vanderbilt’s Cognition&Technology Group, 1991b )، وهي مجموعة من الباحثين في مركز التعلم والتكنولوجيا في فاندربلت طورت بناءً على مفهوم التعلم من خلال مواقف والتعلم التعاوني، مفهوماً للتعليم أسموه بالتعليم المرتكز على مهام أصلية ، وهو نوع من التعليم ينهمك خلاله المتعلمون في بيئات غنية بالمشكلات تسمح بالاكتشاف المستمر من قبل الطلاب والمعلم، كما طوروا بناءً على ذلك مفهوم التعلم التوليدي (Generative Learning)، على أساس أن التوليد الذاتي للمعلومات يمكِّن المتعلم من تذكرها على نحو أفضل من المعلومات التي يستقبلها سلبياً من المعلم.

- المرونة الإدراكية (Cognitive Flexibility)  التي وضعها سبيرو وفيلتوفيتش وجاكوبسون وكولسون (Spiro , Feltovich, jacobson, & Coulson, 1991 )، وهي نظرية بنيوية طورها هؤلاء في رد فعل على فشل العديد من أساليب التعليم الحالية بما فيها بعض أساليب البنيوية ذاتها. ويعتقد هؤلاء أن طرق التدريس الصفي الحالية مناسبة للتعليم في مجالات المعرفة المبنية بناءً محكماً (Well-Structured Domains)، بينما أكثر ما ينبغي أن يتعلمه الطلاب يقع في مجالات المعرفة غير المحددة تحديداً محكماً (Ill-structured Domains) ، ولذا ليس مطلوباً من المتعلمين توليد حلول لمشكلات جديدة فقط، وإنما توليد المعرفة السابقة المطلوبة لحل المشكلات، وهو ما يصفه بيركنـز(Perkins, 1991 ) بالفرق بين "ما وراء المعلومات المعطاة" (Beyond the information given ) و"بـــدون المعلومات المعطاة" (Without the information given).

ج)  الافتراضات التي يقوم عليها التعلم البنيوي : يقوم التعلم النبيوي على عدد من الافتراضات الرئيسة (Honebein,1996,p.11,12) :

•  المعرفة عملية بنائية (Knowledge Constructed ) : الفكرة الرئيسة للبنيوية هي أن المعرفة تبنى اعتماداً على خبرات الفرد السابقة وبنيته الذهنية واعتقاداته التي يستخدمها في تفسير الأشياء والأحداث. التعلم إذاً عملية بنائية يقوم المتعلم أثناءها بتكوين معرفته الخاصة (التمثيل الداخلي للبنى المعرفية) في ضوء إدراكه لخبراته الماضية، فالمتعلم لا يستقبل المثيرات فقط وإنما يفسر الخبرات ويختبر الفرضيات.

•  التعددية في وجهات النظر (Multiple Perspectives) : تعطي البنيوية قيمة كبيرة لتكوين المعنى في سياق اجتماعي تفاوضي. أي أن المتعلم يكّون وجهة نظر متكاملة عن الأشياء من خلال دمج وجهات نظر متعددة من مصادر المعلومات التي يتفاعل معها. الفكرة هي أن المشكلات في العالم الواقعي نادراً ما يكون لها حل واحد صحيح ، وإنما هناك طرق متعددة للتفكير بالمشكلات وتقديم حلول لها.

•  تعليم حقيقي (أصيل) معتمد على السياق (Authentic, Context Based Instruction): إن أغلب التعلم يحدث في سياق المدرسة حيث يزيل التربويون جميع الخصائص المميزة للعالم الواقعي من أنشطة التعلم. هذا التعلم إذاً لا يمت للواقع بصلة، وهو تعلم مبسط ومجرد. النتيجة هي ضعف قدرة الطلاب على نقل ما تعلموه في المدرسة إلى الحياة اليومية (مشكـلـة نقل التعلم) . لذا تؤكد البنيوية على تقديم خبرات التعلم في سياقات واقعية هادفة ومحاولة المحافظة على السياق الواقعي لمهام التعلم.

•  تحكم المتعلم (Learner Control & Autonomy)  : يؤكد هذا الافتراض على محورية الطلاب في التعلم البنيوي. فبدلاً من أن يقرر المعلم ما سوف يتعلمه الطلاب، يعطي البنيويون للمتعلم دوراً في تحديد قضايا التعلم وأهدافه.

•  التعلم تعاوني (Collaborative Learning) : تؤكد البنيوية على أن النمو العقلي يتأثر كثيراً بالتفاعلات الاجتماعية بين الأفراد. كما أن المشاركة في وجهات النظر تنطوي ضمنياً على التعاون ، حيث يشارك المتعلم أقرانه وجهات النظر ويتحاور معهم حول تعلم كل منهم. وتساعد عملية التعاون هذه المتعلم على تحويل التمثيل الداخلي للمعرفة الذي يتسم بالتشويش إلى تعبيرات وكلمات إجرائية، مما يدعم تكوين المعنى وبناء المعرفة.

•  التعقيب (Reflection)  : تمثل "معرفة كيف نعرف" أحد المخرجات الرئيسة للتعليم البنيوي. ويقصد بالتعقيب أو التفكير التأملي، مقدرة الطالب على شرح لماذا وكيف حل مشكلة معينة بطريقة معينة وتحليل عملية بناءه للمعرفة.

•  التعلم عملية نشطة (Active learning) : التعلم عملية نشطة يتم خلالها تكوين المعنى على أساس الخبرة، فالمتعلم يفسر بنشاط المعلومات والخبرات الجديدة في بنيته المعرفية.

•  بيئات تعلم غنية (Rich Learning Environment) : في التعليم المدرسي التقليدي ، يمثل الاتصال الشفهي والمكتوب أكثر أنماط المعرفة شيوعا،ً وهو ما يحد من الكيفية التي يرى بها الطلاب العالم من حولهم. البنيوية ومن خلال الافتراضات السابقة تؤكد على أهمية التعلم المعتمد على مصادر متعددة (Perkins 1991,p.19).

إن التحدي الجوهري للبنيوية هي التحول في التحكم في عملية التعلم من المعلم إلى الطالب، فبدلاً من مطالبـة المتعلمين بتحقيق أهداف محددة مسبقاً – كما هو الحال في النموذج التقليدي للتعليم – يجادل البنيويون بأن ذلك يتعارض مع ما نعرفه حالياً حول طبيعة التعلم (تفاعلي ويحدث في سياقات) وما نعرفه حول طبيعة المعرفة، (خاضعة لوجهات نظر متعددة واصطلاحية ومؤقتة وتطورية)، ولذا ينبغي أن تكون الأهداف تفاوضية مع الطلاب وبناءً على حاجاتهم، كما ينبغي أن تنبثق النشاطات التعليمية من خلال سياقات عالمهم الذي يعيشونه، وأن يتعاون الطلاب في البناء الاجتماعي للمعنى (Hackbarth, 1996,p.11). وهذا لا يعني عدم تحديد أهداف مسبقة يوجّه المعلم نشاطات التعلم في ضوئها، وإنما تتسم الأهداف بمرونة كبيرة، ويتقبل المعلم أهداف الطلاب المرتبطة بمهام التعلم في مجال الدراسة.

د  -  نموذج التعليم التقليدي (المباشر) مقابل نموذج التعليم البنيوي (غير المباشر):

يجمع العديد من التربويين على أن مشكلة التربية والتعليم لا يمكن معالجتها بنموذج معين، وأنه لا يوجد النموذج الأفضل، وأن كثيراً مما ينبغي على الطلاب تحقيقه في المدرسة ينطوي على كثير من التعقيد بحيث لا يمكن لأي نظرية تعلم أن تفي بالتوجيهات المطلوبة للكيفية التي ينبغـي أن يتعلم بها الطلاب" (Roblyer et al.,1997,p.56) . وكمــا يــلاحظ مولندا (Molenda,1991) أنه ينبغي على كلا المعسكرين إيجاد طريقة لدمج الأسلوبين السلوكي والبنيوي بطريقة تفيد المعلمين والطلاب.

روبلير وآخـرون (Roblyer et al.,1997,pp.57,58) يعتقدون بأن كلا النموذجين يقابلان حاجات مهمة. فنموذج التعليم المباشر يفيد في التعليم والعلاج الفردي خصوصاً عندما يكون وقت المعلم محدوداً، كما يفيد في جعل مسار التعلم أكثر كفاءة (أسرع) خصوصاً في تعليم مهارات المتطلبات السابقة للمهارات العليا، كذلك فإن النموذج المباشر مفيد لتعليم المهارات المعتمدة على الجهد البشري وتحرير وقت المعلم لحاجات الطلاب الأخرى، وأخيراً، يساعد هذا النموذج على توفير مواد التعليم الذاتي خصوصاً في حالات عدم توافر المعلمين. أما الحاجات التي يمكن مقابلتها بوساطة النموذج البنيوي (غير المباشر)، فإنه يجعل المهارات هادفة ومرتبطة بخبرات المتعلمين من خلال تقديم مهام التعلم في مواقف حقيقية،كما يعالج هذا النموذج مشكلات الحافز من خلال النشاطات التفاعلية التي يجب على الطلاب أن يلعبوا فيها دوراً نشطاً، كذلك يدرب هذا النموذج الطلاب على كيفية العمل تعاونياً، ويؤكد على النشاطات التي تتطلب مهارات عليا ومهارات متطلبات سابقة في الوقت نفســـه، ويمكــن مما تقـدم تبين أهم الخصائــص للنموذجين المــذكوريــن (الشكل رقم3)(Roblyer et al.,1997,p.56) :


 

نموذج التعليم غير المباشر (البنيوي)

 

نموذج التعليم المباشر (السلوكي)

- التركيز على التعلم من خلال طرح المشكلات واستكشاف الإجابات المحتملة وتطوير المنتجات.

 

-  التركيز على تدريس سلسلة من المهارات التي تبدأ بالمهارات ذات المستوى الأدنى وتتقدم إلى المهارات العليا.

- التركيز على أهداف أكثر عمومية تحدد القدرات العامة مثل حل المشكلة ومهارات البحث.

 

- تحديد الأهداف تحديداً إجرائياً وبناء الاختبارات التي تقيسها تماماً.

- يؤكد على العمل الجماعي أكثر من العمل الفردي.

 

- يؤكد على العمل الفردي أكثر من العمل الجماعي.

- التأكيد على طرق بديلة للتعليم والتقويم (مثل: الحقائب الوثائقية Portfolios).

 

- التأكيد على طرق التعليم والتقويم التقليدية.

 

       الشكل رقم (3) خصائص النموذجين السلوكي والبنيوي في التعليم

 

بقي أن نشير بإيجاز إلى أن النموذج البنيوي ليس فوق النقد، فكيف يمكن أن نتأكد من تعلم الطالب المهارات المطلوبة، وكم يحتاج المتعلم من المعرفة السابقة لكي ينجح في حل مشكلة معينة؟ وهل يستطيع الطلاب اختيار التعليم الأكثر كفاءة؟ وأي الموضوعات تناسب طرق التعليم البنيوية؟ وهل يدعم البحث قدرة الطلاب في النموذج البنيوي على نقل التعلم إلى المواقف العملية؟ وما الدليل الموضوعي الذي يدعم فاعلية التعليم البنيوي؟ (Roblyer, et al.,1997P.12,13) .

ثالثاً : أزمة التربية وعصر المعرفة

لا يمكن فصل تقنية التعليم عن سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية، ولعل من أبرز هذه السياقات ما يتعلق بمشكلة التربية المرتبطة بمثالب النموذج التقليدي للتعليم من جهة، والمهارات التي تتطلبها الحياة في الألفية الثالثة نتيجة التغييرات التي أحدثتها الثورة المعلوماتية من جهة أخرى. ينبغي أن تتناغم تقنية التعليم إذاً مع هذه المتغيرات إذا أردنا أن يحدث التغيير المطلوب في النظام التربوي . نلخص بإيجاز شديد هذه القضايا:

أ – ملامح النموذج التقليدي للتعليم:

تسعى العديد من دول العالم إلى إصلاح نظمها التربوية، يدفعها إلى ذلك التغييرات التقنية وضعف كفاءة النظام التربوي الحالي في الاستجابة لمتطلبات العصر المعلوماتي. وتشير العديد من الدراسات (Branson,1997) (فوستر، 1990م)، إلى أن النظم التربوية الحالية قد وصلت طاقتها القصوى في الأداء، ولم يعد بالإمكان تحقيق تحسن في أدائها ما لم يجري إصلاح تربوي شامل. أزمة التربية ومشكلاتها ترتبط بالنموذج التقليدي للتعليم، فما أبرز ملامح هذا النموذج؟ يلخص مينـز وآخرون (Means et al.,1993, p.3,14) هذه الملامح: -

•  التعليم يحدث في أوقات محددة (حصص دراسية 40-45دقيقة).

•  التعليم موجّه بوساطة المعلم (Teacher Centered Approach).

•  المعرفة عبارة عن إتقان معلومات صغيرة (Bits) ومهارات مجزأة وغير مترابطة.

•  ضعف أو انعدام الترابط بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يوجد خارجها.

•  الطلاب يقسمون إلى مجموعات متجانسة من حيث القدرات والعمر.

•  المعلم هو مصدر المعلومات.

•  أسلوب التقويم يعتمد على تقويم ما يتعلمه الطالب من حقائق معرفية ومهارات مجزأة.

ب – ملامح أزمة التربية :

نتج عن النموذج التقليدي للتعليم العديد من المشكلات التربوية. ناقش علي (1994م ، 386-393) مشكلة التربية في العالم العربي من منظور معلوماتي، نلخصها فيما يلي: -

•  اتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

•  عدم تكافؤ الفرص التعليمية.

•  الهدر التعليمي الضخم.

•  عزوف الطلاب عن التعليم نتيجة الأساليب القائمة على التلقين والحفظ.

•  سلبية المعلمين وعدم مشاركتهم في مشروعات الإصلاح التربوي.

•  عدم فاعلية البحث العلمي بسبب انفصاله عن مشكلات المجتمع وعدم توجيهه لإنتاج المعرفة الجديدة .

•  تدني مستوى الخريجين بالنسبة لمهارات التعلم الأساسية.

•  تخلف المناهج وأساليب التعليم.

•  ضعف الإدارة التعليمية في استثمار الموارد المتاحة لها.

كذلك حدد المؤتمر العربي الإقليمي حول التعليم للجميع (مجلة المعرفة،130) بعض أبرز ملامح مشكلة التربية في ضعف جودة التعليم وضعف مؤهلات المعلمين، كما حدد أولويتين للدول العربية جمعاء هما: مشكلة جودة التعليم التي تتطلب توفير تعليم متميز من أجل تعلم متميز، وتطوير الإدارة المدرسية من أجل حسن تدبير وحسن تسيير.

ج – مهارات الحياة في الألفية الثالثة:

إن عمليات التربية والتعليــــم تجري فـــي نظام أكبر(Super System) ، ولذا فالتغير الذي يحدث في النظام الأكبر ينعكس على النظام التربوي، فما التحولات التي تمر بها المجتمعات في مرحلة تحولها من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي ؟ رايجيلويث (Reigletuth, 1998,p.17) حلل هذه التحولات (أنظر الشكل رقم 4) . في العصر الزراعي نظمت الأعمال حول العائلة (مزرعة العائلة، معمل العائلة ، الخ). في العصر الصناعي اسبدلت العائلة بالبيروقراطية والإدارات والأقسام التي أصبحت الصيغة المسيطرة على منظمات الأعمال. الآن والعالم يتقدم بعمق في العصر المعلوماتي ، تحاول المؤسسات التخلص من المستويات الوسطى للبيروقراطية وإعادة تنظيم نفسها على هيئة فرق تعطى صلاحيات أكثر لإدارة نفسها بدلاً من توجيهها من أعلـى، مما يسمح للمؤسسات بالاستجابة بشكل أسرع وأكثر ملاءمة لحاجات المستفيدين.

العصر المعلوماتي

 

العصر الصناعي

إلى

 

من

- المقاييس بناءً على احتياجات المستفيد (Customization)

 

- المقاييس الموحدة (Standardization)

- منظمات معتمدة على الفريق

 

- منظمات بيروقراطية

- صلاحيات مشروطة بالمسئولية

 

- تحكم مركزي

- علاقات تعاونية

 

- علاقات تنافسية (خصومة )

- الشراكة في اتخاذ القرار.

 

- أوتوقراطية (مركزية ) سلطة اتخاذ القرار

- المبادرة

 

- الطاعة والإذعان

- التنوع والاختلاف

 

- التماثل والانسجام

- شبكات اتصال

 

- اتصال باتجاه واحد

- الكلية والإندماجية (Wholism)

 

- الفئوية والتجزئة

- التركيز على العملية

 

- التركيز على الأجزاء

- الجودة الكلية

 

- تخطيط آيل للزوال

- المستفيد هو الملك.

 

- المدير هو الملك

 

الشكل رقم (4) التحولات من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي

 

هذه التغييرات الجوهرية في النظام الأكبر الذي يجري فيه التعليم لها مضامين مهمة للتعليم، فالعاملون بحاجة للتفكير بالمشكلات وحلها والانخراط في عمليات اتصال وحوار حول المهام التي يؤدونها واتخاذ المبادرات وتقديم وجهات نظر متعددة حول هذه المهام. يتساءل رايجيلويث (Reigeluth , et  ( al.,1998, p.17:هل تستطيع نظرية التربية والتدريب الحالية مقابلة هذه الحاجات من خلال تغيير المحتوى؟ أم هل نحن بحاجة إلى تغييرات جوهرية؟ يجيب رايجيلويث بأن النموذج التقليدي للتعليم والتدريب مبني على مقاييس موحدة، وهو في هذا يشبه الإنتاج الجماهيري للعمل الصناعي الذي بدأ يتلاشى الآن ويتجه نحو الإنتاج لمقابلة حاجات محددة (Customized Products )  في العصر المعلوماتي ، ويضيف (p.17) : "نحن نعرف أن متعلمين مختلفين يتعلمون بسرعات مختلفة ولهم حاجات مختلفة ، ومع ذلك، يتضمن نظامنا التعليمي التدريس لمجموعة كبيرة من المتعلمين المحتوى نفسه وبفترة زمنية واحدة ، لماذا؟" أحد الأسباب كما يقول كامبل ومونسون (Campel&Monson) المشار إليه في رايجيلويث (Reigeluth, 1998,p.18) : "نجادل الافتراض الرئيس  للتعليم التقليدي الذي يؤكد على أن نقل جميع المتعلمين خلال المحتوى بالطريقة نفسها، هو أسلوب فعّال، بأن هذا النموذج يمكن أن يتميز بالكفاءة ، ولكنه بالتأكيد لا يمكن أن يكون فعالاً.  " سبب آخر للمقاييس الموحدة هو الحاجة إلى مقارنة الطلاب بعضهم ببعض بغرض فصل العاملين عن المديرين الذي كان حاجة مهمة في العصر الصناعي . كذلك يشير الشكل رقم (4) إلى أن النموذج الحالي للتعليم والتدريب مبني على الطاعة ، فالمطلوب من جميع المتعلمين  والمتدربين أن يجلسوا وينصتوا بهدوء وأن ينفذوا ما يطلب منهم (تعلم موجّه بوساطة المعلم أو المدرب) ، ولكن قطاع الأعمال الآن يريد أفراداً يتخذون المبادرات ويأتون بوجهات نظر متنوعة إلى موقع العمل مما يحسن قدرة الفريق على حل المشكلات. باختصار ، يوضح الشكل المذكور أن الخصائص الرئيسة للنظام التربوي التقليدي مضادة للإنتاجية لمقابلة الحاجات الجديدة للعصر المعلوماتي. الرسالة واضحة: "النظام التربوي ذاته بحاجة إلى تغيير : من التعليم المتمركز على تصنيف الطلاب وتقسيمهم إلى تعليم متمركز على المتعلم، ومن القولبة إلى مراعاة حاجات المتعلمين ومقابلتها ، ومن التركيز على وضع الأشياء في عقول المتعلمين إلى التركيز على مساعدتهم على فهم ما في عقولهم ، ومن التعلم السلبي إلى التعلم الإيجابي النشط ، والتحول من مبادرات المعلم وتحكمه إلى الشراكة في المبادرات والتحكم والمسئولية ، والأكثر أهمية التحول من جعل الوقت ثابتاً والتحصيل متغيراً إلى جعل الوقت متغيراً والتحصيل ثابتاً، لإعطاء كل متعلم ما يحتاجه من وقت لتحقيق التحصيل المرغوب.

لقد تطلب تحول المجتمعات من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي ، إعادة النظر في المهارات التي تحاول النظم التربوية تسليح أفرادها بها. وصف ترلنج وهود (Trilling&Hood,1999,p.7,8)  سبعة أنواع من المهارات يعتبرانها "مهارات البقاء في عصر المعرفة":

•  التفكير والعمل الناقدين : يحتاج العاملون في عصر المعرفة أن يكونوا قادرين على تعريف المشكلة في مجالات معقدة ومتداخلة وغير محددة (Ill-defined)، واستخدام الأدوات والخبرات (بشرية وإلكترونية) في البحث والتحليل وتصميم الحلول وإدارتها وتقويم النتائج وتحسين الحلول باستمرار تبعاً لتغير الظروف.

•  الابتكارية : ستكون مهارات ابتكار حلول جديدة لمشكلات قديمة، واكتشاف مبادئ جديدة ، واختراع منتجات جديدة لنقل أفكار جديدة، وتوظيف طرق مبتكرة لإدارة العمليات والأفراد مهاراتٍ مهمةً لعصر المعرفة.

•  التعاون : سيكون العمل من خلال الفريق الاختيار الوحيد لحل المشكلات المعقدة أو لابتكار الأدوات والخدمات والمنتجات المعقدة.

•  فهم الثقافات الأخرى : يحتاج العاملون في عصر المعرفة إلى ردم الهوة الاجتماعية والسياسية والمنظماتية والثقافية لكي يؤدوا أعمالهم بنجاح، حيث تزداد أهمية فهم الثقافات الأخرى (Cross-Cultural Understanding) في مجتمع متعدد الثقافات.

•  الاتصال : يحتاج الأفراد في عصر المعرفة إلى توظيف اتصالات فعّالة بوسائل متنوعة ولجمهور متنوع. اختيار الوسيلة المناسبة للرسالة المناسبة ولجمهور مناسب وإنجاز ذلك بفاعلية وكفاءة يمثل مهارات لا غنى عنها.

• الحوسبة : سوف يحتاج كل فرد في عصر المعرفة إلى أن يصبح متمكناً من تقنية الحاسوب مما يفوق مهارات الثقافة المعلوماتية إلى مستوى أعلى من الإتقان الرقمي. فالذين يتقنون أدوات المعرفة في عصر المعرفة سيكونون أكثر نجاحاً في المدرسة والعمل مقارنة بالذين لا يتقنونها.

• الوظيفة والاعتماد على النفس : في عصر يزداد فيه العمل بصفة مؤقتة وتبعاً لعقود مبرمة ، يحتاج الأفراد إلى إدارة مسارات وظائفهم وتعلمهم المستمر للمهارات الجديدة.

رابعاً: تقنية التعليم حاضراً ومستقبلاً 

إن استشراف المستقبل يحمل قدراً كبيراً من المجازفة ، فالظروف تتغير وتطورات جديدة تحدث ، وتفشل الأنماط القديمة في البقاء. يقول توماس واتسون (Thomas Watson)  رئيس أي بي أم (IBM) في عام 1943م "أعتقد أن هناك عالماً لخمسة حواسيب فقط" ، كما يقول كيـن أولسن (Ken Olsen) رئيس ومؤسس مؤسسة الأجهزة الرقمية في عام 1977م: "لا يوجد سبب لأي فرد لاقتناء حاسوب في منـزله " (Newby, Stepich, Lehman,&Russell., 2000,p261 )

في ضوء ما يحدث حالياً ، وما يتوقعه العالم مستقبلاً من مخرجات المد المعلوماتي، تبدو التصورات السابقـة ساذجة إلى حد بعيد. نلخص فيما يلي التحولات الكبرى في تقنية المعلومات والاتجاهات المعاصرة والمستقبلية لتقنيات التعليم :

أ – التحولات الكبرى في تقنية المعلومات :

حدد علي (1994م ، 102-104) أهم التحولات في تقنية المعلومات (الشكل رقم 5).

تقنية المعلومات الحديثة

 

تقنية المعلومات التقليدية

إلى

 

من

- رقمية (Digital)

 

- صوتية (تناظرية Analogue )

- عامة ومتكاملة (ISDN)

 

-  خاصة ومتنوعة

- إيجابية (تفاعلية / ثنائية الاتجاه)

 

-  سلبية (أحادية الاتجاه)

- متنقلة

 

- ثابتة

- فوتون

 

- إلكترون

- شفرة بلغات متعددة

 

- شفرة بلغة واحدة

- رخيصة /متاحة/سهلة الاستخدام

 

- غالية /غير متاحة/صعبة الاستخدام

 

الشكل رقم (5) التحولات الكبرى في تقنية المعلومات

• من الصوتي إلى الرقمي : أدى نقل البيانات رقمياً إلى تحسين واضح في مستوى الخدمات الاتصالية، فالإشارة الرقمية أقل عرضة للتشويش والتداخل من الإشارة التناظرية ، مما أدى إلى تحقيق معدلات عالية من تدفق البيانات عبر شبكات الاتصال إضافة إلى تقليص حجم معدات الاتصال وخفة وزنها. 

• من الخاص المتنوع إلى العام المتكامل: تحقق ذلك بفضل التحول من فكرة السنترالات التي تعتمد على تحويل الدوائر (من هاتف إلى هاتف) (Circuit Switching ) مما يشغل خط الربط بينهما ولا يشاركهما أحد – إلى أسلوب تحويل حزم الرسائل (Packet Switching)، وأدى ذلك إلى زيادة كفاءة شبكة الاتصالات ودمج خدماتها من خلال نظام خدمات الاتصال الرقمية المدمجة (ISDN) ، وهو نظام اتصالات عن بعد ينقل جميع أنواع البيانات (صوت ، صورة ، نصوص، رسوم) على الخطوط نفسها وبسرعات عالية جداً. هذا النظام لا يفرق بين المكالمات الهاتفية والفاكس وبيانات الحاسوب، فكلها بالنسبة للشبكة المدمجة سلسلة من البيانات الرقمية توجّه عبر مسارات الشبكة على هيئة إشارات إلى أن تصل غايتها، حيث يعاد تجميعها وتفصل الإشارات المدمجة عن بعضها البعض.

• من أحادية الاتجاه إلى ثنائية الاتجاه : إن أهم ما يميز وسائل الاتصالات عن بعد الحديثة هو التفاعلية التي تتيحها هذه الوسائل لمستخدميها، التفاعلية مع المعلومات وبين المستخدمين أنفسهم. لقد أصبحت التفاعلية خاصية مميزة  لتقنيات المعلومات بفضل تقنية الألياف البصرية والأقمار الصناعية والميكروويف .

• من الثابت إلى النقال : "لم يعد كافياً " أن يحمل الإنسان عقله حيث يذهب ، بل أصبح بحاجة إلى أن تنتقل معه وثائقه ومصادر معلوماته، ولم تعد قدرة الإنسان تعتمد على ذاكرته المحدودة وإنما على قدرته على النفاذ إلى مصادر المعلومات عندما يحتاجها".

• من الإلكترون إلى الفوتون : تعتبر الأسلاك النحاسية المستخدمة في نقل الإشارة الهاتفية إلكترونات ذات تيار كهربي ضعيف . وقد حدثت النقلة النوعية باختراع الألياف البصرية التي يسري  بداخلها شعاع الليزر حاملاً الرسائل المراد نقلها، أي حل الفوتون (جسميات الضوء) الواهن والخافت والنقي بدلاً من تيار الإلكترون المعرض للتشويش مما جعل شبكات الاتصالات ذات سعة هائلة تصل إلى (10.000) ضعف الشبكات التقليدية.

• من شفرة بلغة واحدة إلى شفرة متعددة اللغات :

من المعروف أن النصوص تنتقل عبر شبكات الاتصالات بعد تحويل حروف الألف باء إلى شفرة رقمية، وهي شفرة صممت أساساً لتناسب اللغة الإنجليزية، مما فرض قيوداً على تطبيقات المعلوماتية التي تستخدم لغات بحروف مختلفة . ولذا ظهرت الحاجة إلى شفرة متعددة اللغات يمكن أن تستوعب جميع لغات العالم.

• من تقنية غالية ، غير متاحة وصعبة الاستخدام إلى تقنية رخيصة ومتاحة  وسهلة الاستخدام:

إن كل شيء تقريباً في شبكات المعلومات متجه نحو الأرخص سواءً كانت دوائر أم معدات اتصال أم أدوات استقبال أم محطات أقمار صناعية ، وذلك يعود لاستخدام الاتصال الرقمي الذي أدى إلى صغر حجم الأجهزة ورخصها وزيادة سعة النطاق، وجعلها ذلك أيضاً متاحة وسهلة الاستخدام.

وانتقالاً من هذه الصورة الكبيرة لتقنية المعلومات إلى صورة أكثر تحديداً ، لخص نيوباي وآخرون (Newby et al., 2000, p.265) أهم الاتجاهات المعاصرة والمستقبلية لتقنيات التعليم:

ب - الاتجاهات المعاصرة لتقنيات التعليم :

• اندماج الوسائل (Media Convergence)  : بدأت العديد من وسائل الاتصال تصبح رقمية شيئاً فشيئاً ، ونتيجة لذلك بدأ دور الحواسيب كأدوات رئيسة في العمل والتربية والحياة في الازدياد ، ولم تعد هذه الحواسيب أدوات نشر مكتبية معزولة، فقد مهدت شبكة الحاسوب (الإنترنت) طريق المعلومات فائق  السرعة الذي يصل بين الناس ويوفر مصادر من جميع أنحاء العالم. وسوف يدعم تطور الحواسيب استمرار عملية الإندماج هذه، فالوظائف التي تدار الآن بأدوات منفصلة (تلفاز، فيديو، فاكس . . الخ) ربما تندمج في آلة معلوماتية متعددة الأهداف ، هذه الآلة هي الحاسوب أو أدوات المعلوماتية في المستقبل.

• عالم الأدوات الذكية : إن عمليات الحاسوب في تكاثر وازدياد ، فكما هو الحال بالنسبة لرقائق الحاسوب التي تقطن كل شيء من المطبخ (الميكروويف ) إلى السيارات حالياً ، مما يعني احتمالية أن يتوافر لنا مستقبلاً عالماً مليئاً بالأدوات الذكية المزودة بالرقائق الدقيقة (Micro chips ).

• المستقبل للحواسيب : يبدو من المحتمل أن تتعاظم أهمية الحواسيب ، ويصبح لها الدور البارز في المستقبل فالتطورات التي أدت إلى الحاسوب الشخصي وإلى الزيادة في طاقة الحاسوب التي حدثت في العقدين الماضيين يبدو أنها ستستمر في التطور لتصبح أكثر طاقة وأسرع أداءً وأصغر حجماً وأرخــص ثمناً ، وأن قدرة التخزين في ذاكرة التوصل العشوائي (RAM) والقرص الصلب(Hard disk) سوف تستمر في التحليق.

• حواسيب بمزايا أكثر : مع تنازل الحجم والثمن ، سوف تصبح الحواسيب أكثر قابلية للحمل وأكثر مرونةً وشيوعاً . فالعديد من الخبراء يستشرفون مستقبلاً تكون فيه الحواسيب صغيرة الحجم ولكنها أكثر طاقة، وستصبح نتيجة لذلك أجهزة قياسية (Standards)  متوافرة لكل متعلم في المدرسة ، وقد نرى حواسيب لا يتجاوز حجمها حجم الكتاب المدرسي.

• الحاسوب بدلاً من الكتاب المدرسي : تتيح عملية ربط المدرسة أو المنـزل بشبكات الحاسوب أن يبقى الحاسوب مرتبطاً بصفة دائمة بالشبكة المعلوماتية الكونية. مثل هذه الأدوات ربما تحل محل الكتب الدراسية والأوراق والأقلام تماماً. وفي هذا السياق تزداد التوقعات ، فقد وضع مورساند (Moursand, 1997)، (نقلاً عن : الهدلق، 1420هـ ص:10) تقديراً متحفظاً للزيادة المتوقعة في إمكانات تقنية المعلومات وسرعة نقلها خلال العشرين سنة القادمة مما سينتج  عنه تزويد كل طالب بحاسوب شخصي تعادل قدرته (10) أضعاف قدرة الحواسيب متوسطة السعر حالياً، كما ستوفر فرص الوصول للشبكات المحلية (LAN) والواسعة (WAN) (بما فيها الإنترنت) لكل طالب ما يجعله قادراً على التفاعل التام مع أفلام فيديو عالية الجودة، وسيترتب على ذلك ما يأتي :

- سيكون لدى كل طالب حاسوب محمول لاستعماله في البيت والمدرسة.

- ستتوافر شبكات لاسلكية محلية واسعة في كل فصل دراسي.

- سيتوافر كم كبير من البرمجيات الإنتاجية لكل طالب (قواعد بيانات ، برامج معالجة نصوص ، برامج رسوم ، . . الخ).

• التطورات في شبكة الحاسوب ( الإنترنت ): ستستمر التطورات في هذه الشبكة بسرعة كبيرة ، فالعديد من تقنيات الصفحات النسيجية يجري تطويرها حالياً بحيث يُتوقع منها عدد أكبر في المستقبل. فالطرق الجديدة لتحديد الصفحات النسيجية (الويب) بوساطة العناوين مثل أسلوب الأوراق الطبقية (Cascade Style sheets) ، ولغة النص الفائق الدينامية (Dynamic HTML) . يتم تطويرها حالياً، هذا التطور يعد بجعل الصفحات النسيجية أكثر فاعلية ومرونة. وكذلك تستمر التطورات في جافا (Java) وهي لغة حاسوب مصممة لكي تجعل من السهولة بمكان تصميم برامج يمكن للفرد أن ينشرها في الشبكة النسيجية بحيث يمكن أن تعمل على أي نظام حاســوبي . عندما تنضج هذه التقنيات فإن الصفحات النسيجية ستصبح مكاناً أكثر إثارة مما هي عليه اليوم.

• تكاثر المواقع النسيجية التفاعلية : سوف تستمر التطورات في شبكة الحاسوب (الإنترنت) وطريق المعلومات فائق السرعة ، وفي المستقبل القريب سوف نشاهد تطوير مواقع نسيجية (Web Sites)  تفاعلية بشكل متزايد. كما ستتحسن عملية دمج الصورة والصوت اللذين يرسلان حسب الطلب، وفي النهاية يتوقع الحصول عند الطلب على صوت وصورة تلفازية عالية الجودة والنقاوة (High Fidelity)  .

• طاقة أوسع لحمل المعلومات : سوف يتسع عرض النطاق الترددي (Band width) وهي الطاقة التي تحمل المعلومات ، مما يتيح تبادل صيغ معلوماتية أكثر تعقيداً على الشبكة الحاسوبية  "إن عرض النطاق الترددي هو مقياس لعدد البتات (Bits) التي يمكن نقلها عبر دائرة في الثانية الواحدة". الذي يشبه فعلياً الطريق السريع، فكلما زاد عرض النطاق الترددي ، زاد عدد المسارات المتاحة ومن ثم يمكن أن يمر عدد أكبر من بتات المعلومات في الثانية الواحدة. ويقــرر جيتس (Gates) (1998م) أنه في غضون السنوات الخمس القادمة لا غير سوف ينمو عرض النطاق الترددي للاتصالات . . بمعامل مقداره 100 ، وذلك لتنافس موردي الشبكات . . " (الهدلق، 1420هـ، ص:9)، وكل ذلك بفضل تقنية الألياف البصريـة (Fiber Optics) . وكما يتصور جيتس (1998م )،فإن بإمكان الفرد في وقت ليست ببعيد أن يحصل على كل البيانات الرقمية من خلال سلك مفرد من الألياف البصرية أو من الكابل (الهدلق، 1420هـ ، ص:9) . وفي الوقت الحالي يجري العمل على تطوير إنترنت 2 وهي عبارة عن جيل ثان من شبكات العمود الفقري (Network Backbone)، ومن شأن ذلك دعم نقــل المعلومات بين المؤسسـات التربوية ومراكز الأبحاث بسرعـات عالــية جداً(Newby et al., 2000, p.262) .

• المساعدات الرقمية الشخصية : (Personal Digital Assistants)

تعد هذه التقنية الأحدث فقد دخلت السوق خلال التسعينيات فقط ولها تطبيقات تربوية عديدة. هذه التقنية عبارة عن حاسوب محمول ومزود ببرمجيات تطبيقات تشمل كتاب عناوين وكتاب مواعيد ودفتر ملاحظات وغيرها من برمجيات الاستخدامات العامة . وهذه أجهزة مدمجة ومحمولة وتشغل بوساطة البطارية وأدوات سهلة الاستخدام عادة من خلال القلم كأداة إدخال، وهي بدون أسلاك أو لوحة مفاتيح أو فأرة. إن أهم استخدامات هذه التقنية هي إدارة المعلومات بوساطة المعلم وأداة لتقويم تحصيل الطالب بشكل مستمر ومعالجة النصوص بوساطة الطلاب (Roblyer et al., 1997, P.249) .

ج – الاتجاهات المستقبلية لتقنيات التعليم (تقنيات الأفق ) :

تقنيات التعليــم في المستقبل هي تقنيات الأفق. بهذه العبارة يصــف نيوباي وآخرون (Newby et al.,2000,p.262) الاتجاهات المستقبلية لتقنيات التعليم. فالاتجاهات السابقة للتقنيات تبدو مرئية وملموسة إلى حد معقول، لأنها تحدث حالياً ، ويبدو أنها ستستمر في المستقبل. تقنيات أخرى بدأت أهميتها في البروز ولكنها ليست في حالة تشغيل كاملة أو منفذة على نطاق واسع حالياً – "وهذه التقنــيات التي بــدأت أهميتها في التعليم والتعلم في الإزدياد، نسميها تقنيات الأفقHorizon Technology))  لأننا نراها من بعد ولكننا لسنا متأكدين ما سوف تكون عليه عندما نقترب منها".

•  الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) :

الذكاء الاصطناعي هو نوع من علم الحاسوب يهتم بتصميم حواسيب وبرمجيات قادرة علـى الاستجابة بطرق تحاكي التفكير البشري. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي كمجال دراسة ليس جديداً ، إلا أن الوعود المبكرة بتطوير آلات ذكية تفكر مثل الإنسان لم تتحقق. الذكاء الاصطناعي يمثل تقنيات أفق لأن بعض فروع البحث في المجال حققت نجاحاً ، ولذا يتوقع تحقيق تطورات أكثر في المستقبل.

•  نظم الخبرة (Expert Systems) :

أحد النتائج الناجحة لأبحاث الذكاء الاصطناعي كانت تطوير نظم الخبرة ، وهي برامج تحتوي على معرفة مهارات خبير ما في مجال معين . وقد نجحت هذه النظم في بعض المجالات مثل استشكاف النفط والتشخيص الطبي، أما في التربية فقد استخدمت هذه النظم في تطوير "نظم تدريس خصوصية ذكية " (Intelligent Tutoring Systems)، التي تسمى أحياناً "التعليم المعان بالحاسوب الذكي" (ICAI)، وهي عبارة عن برامج في الرياضيات وعلم الحاسوب وغيرهما. وتحتوي هذه البرامج على خبرة مدرس خصوصي (خبير) في مجال معين وقاعدة بيانات خاصة بالأخطاء الشائعة للطالب مع نموذج لتشخيص أدائه وتوفير تعليم مصمم لمقابلة حاجاته، وهي برامج يمكن أن نشاهدها مستقبـلاً على نطاق أوسع مع تكييف تصميمها لتصبح برمجيات تعليمية أكثر شيوعاً.

•  التعرف على الصوت البشري (Voice Recognition) :

لقد أثر الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى من بينها الأبحاث الهادفة إلى تحسين نظم التعرف على الحديث البشري ، وهي نظم تترجم الحديث البشري إلى نص على شاشة الحاسوب. بعض هذه النظم مصممة لتنفيذ أوامر الحاسوب الأساسية مثل فتح وإغلاق التطبيقات بوساطة المخاطبة بالصوت. بعض هذه النظم موجودة في الأسواق حالياً مثل (IBM via voice) . ومن هنا ، فإن اليوم الذي نستطيع فيه الحديث مع الحاسوب ليس بعيداً.

 

 

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

(*) أستاذ مشارك تقنية التعليم-قسم وسائل تكنولوجيا التعليم-كلية التربية / جامعة الملك سعود

 

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

هذا البحث هو (بحث رقم205) في مركز البحوث التربوية/ كلية التربية ، 1424هـ / 2003م