الحضارية «دراسات مستقبلية»

 الأحد: 22/05/2011

 

 

 

 

 

مستقبل تقنية التعليم ودورها في إحداث التغيير النوعي / 1

 

 

د. بدر بن عبد الله الصالح(*)

 

 

 

 

 

مقدمة لمشكلة الدراسة :

يحدد البعض العام 2000 للميلاد الذكرى السنوية العاشرة لدخول عصر المعرفة (knowledge Age)  . فعلى الرغم من بزوغ الحواسيب الدقيقة (Microcomputers)  وازدهارها قبل نحو عقدين من الزمن ، إلا أن التسعينيات الميلادية من القرن العشرين شهدت قفزة هائلة في توظيف نظم تقنية المعلومات المعتمدة على الحواسيب وشبكــــات الاتصالات عن بعد . يشير ستيوارت (Stewart , 1997) إلى أن العام 1991م شهد صرف أكثر من (112) بليون دولار على تقنية المعلومات في الولايات المتحدة متجاوزاً بذلك وللمرة الأولى في التاريخ الأمريكي ما يصـرف عادة (107 بليون دولار) على منتجات العصر الصناعي ، وهو تحول تاريخي يحدد العام الأول في عصر المعرفة (نقلاً عن: Trilling & Hood , 1999, p.5 ) .

إن تقنية المعلومات في تطورها المعاصر ، تمثل كما يعتقد جيتس (Gates) (1998م،10)"حقبة غير مسبوقة في التاريخ البشري ، حقبة تتميز بالإثارة والتحديات والفرص الحقيقية لتغيير نمط الاتصال الإنساني كماً وكيفاً، حقبة أو رحلة كبرى بدأت لتوها . . . ". علي (1994م،96،97) يصف صورة القرية الإلكترونية التي رسمتها تقنية المعلومات وأحالت عالمنا إلى عالم يتميز بالشفافية الجغرافية:(( حيث فقد المكان سؤدده القديم وأصبح البعيد متاحاً في متناول أيدينا نشاهده ونحاوره ونتجسمه، نؤثر فيه ونتأثر به ، وهكذا لحقت صفة (عن بعد) بالعديد من المناشط: التسوق عن بعد ، وعقد المؤتمرات عن بعد والتعلم عن بعد، وإجراء العمليات الجراحية عن بعد . . إن تقنية المعلومات تحرر الإنسان من قيود الزمان والمكان وتوسع دائرة وجوده ، ليبدو وكأنه موجود في أكثر من مكان في الوقت نفسه.))

ويمكن للقارئ أن يضيف للصورة السابقة خطوطاً كثيرة متداخلة

ومتشابكة، فمفاهيم "العصر المعلوماتي" و "طريق المعلومات فائق السرعة" و "المجتمعات الافتراضية" و"العالم الرقمي" . . الخ لم تعد مجرد مصطلحات أو حدساً مستقبلياً، وإنما حقائق قائمة . وقد انعكس ذلك كله على التعليم والتدريب اللذين لم يعودا رهينة لنظم التربية الرسمية التقليدية، بل إن هذه النظم باتت تواجه تحدياً حقيقياً من نظم التعليم الافتراضي (جامعات، مدارس، . . الخ) الذي تقدمه مؤسسات عديدة في دول العالم حالياً.

إن الإمكانات الهائلة لتقنية المعلومات تجعل من أحلام التربويين في تحقيق مفاهيم التعليم للجميع واللامركزية في التعليم والتعلم زماناً ومكاناً قريبة المنال أو على الأقل تلوح في الأفق، إذا استثمرت هذه الإمكانات بفاعلية وكفاءة في تحويل نموذج التعليم التقليدي المغلق إلى بيئة مرنة ومفتوحة ، بيئة يتبادل فيها اللاعبون في المسرح التربوي( معلمون، طلاب، معلومات . . الخ) مواقعهم باستمرار في حلقة التعلم مدى الحياة . فشبكة الحاسوب العالمية (الإنترنت) تمثل واحدة من أكثر الأدوات الجبارة التي اخترعت في تاريخ البشرية " (Wang & Cohen , 1998, p.455 ) .كما تمثل صفحات النسيج العالمية (WWW)  "أكثر التطورات أهمية في التاريخ الحديث للاتصالات المسموعة والمكتوبة " (Maddux, 1996, p.70) ، وستقدم هذه الشبكة الحاسوبية "تغيرات هائلة في الطريقة التي نتعلم ونعمل بها ونتصل كمجتمع وأفراد" (Wilson & Ryder, 1996,p 643) .

إن العصر المعلوماتي بمعطياته الحاضرة وإمكاناته المستقبلية يمثل تحديات تمس عصب المشـروع التربوي : أهدافه واستراتيجياته ونظمه ، وبعبارة أخرى مدخلاته وعملياته ومخرجاته، وفرض هذا العصر أو يفرض حالياً – ضغوطاً متزايدة لتغيير أولويات المشروع التربوي المرتبطة بمخرجاته من المتعلمين . هذا المد المعلوماتي مصحوباً بموجة العولمة وانفتاح السوق والتنافس الاقتصادي المتنامي بين المجتمعات البشرية، بات يشكل هاجساً للقيادات السياسية والتربوية في العديد من دول العالم لإصلاح نظمها التربوية شكلاً ومضموناً ، إصلاحاً يقوم على"تقننة التربية أو حوسبتها" إذا جاز التعبير – وبعبارة أخرى إصلاحاً يقوم على دمج التقنية في التعليم ، دمجاً يهدف إلى تطوير مهارات التعلم والعمل التي تتطلبها الحياة في الألفية الثالثة : مهارات التفكير العليا ومهارات البحث والعمل الجماعي والمبادرة والاتصال والابتكارية . . الخ.

إن الضغوط التي تواجهها العديد من الدول لإصلاح نظمها التربوية ليست نتاجاً للتغير التقني فقط كما يعتقد الكثيرون ، وإنما هي في الحقيقة نتاج لقوى متنوعة ومتفاوتة في طبيعتها وتأثيرها . هذه القوى المؤثرة تشمـــل – إلى جانب الثورة المعلوماتية – التغيير المفاهيمي حول الكيفية التي يتعلم بها الفرد ، فأساليب التعليم والتعلم الحديثة المعتمدة على هذا التغير تتناغم مرتكزاتها ومبادئها مع متطلبات الحياة والعمل في الألفية الثالثة من جهة ومع إمكانات التقنية من جهــة أخرى (Roblyer, Edwards&Harriluk , 1997, p.72, Perkins, 1991, p.19 ). وإذا أضفنا إلى هذين المتغيرين – تقنية المعلومات والتحول في نظرية التعلم – عجز النظام التربوي التقليدي عن الاستجابة لمتطلبات الحياة في الألفية الثالثة (Branson, 1997, p.14, Salisbury 1996, p.188 )، فإن التزاوج بين تقنية المعلومات والنموذج التعليمي الحديث يفتح الباب واسعاً أمام إصلاحات تربوية جديدة لم يعهدها النظام التربوي من قبل . يقول ترلنج وهود (Trilling & Hood, 1999, p.12 :) "إننا نواجه تحولاً غير مسبوق نحو نوع جديد من بيئات التعلم".

ما مستقبل تقنية التعليم ودورها في إحداث التغيير النوعي في طرق التعليم والتعلم؟ هذا هو السؤال الذي تدور حوله هذه الدراسة ، وهو سؤال كبير ومتشعب، ويمكن للقـارئ أن يستنتج من المقدمة السابقة أنه لا يمكن الحديث عن مستقبل تقنيات التعليم وتأثيرها النوعي على طرق التعليم والتعلم، دون الحديث عن تقنية المعلومات، فالأخيرة توظف في مجالات عديدة، وإذا وظفت لتحقيق أهداف تربوية، أصبحت تقنيات للتعليم والتعلم . كما لا يمكن الحديث عن هذا المستقبل، بمعزل عن التحولات في نظرية التعلم لأن الوسائل كما قال ريتشارك كلارك (Clark)  في العــام 1983م "ليســت ســـوى عربــات لنقل بضائــع التربية" )نقلاً عن: (Hackbarth, 1996, p.45 .كما أن ذلك كله ينبغي أن ينظر إليه في ضوء مشكلة التربية من جهة والمهارات التي تتطلبها الحياة في الألفية الجديدة من جهة أخرى.

إن المنطلق الأساس والجوهري في محاولة استشراف مستقبل تقنية التعليم ينبغي أن يكون من المفهوم ذاته، ذلك إن تقنية التعليم ليست الأدوات المعلوماتية فقط ، كما أنها ليست الأساليب والعمليات والطرق فقط، وبعبارة أخرى إنها تقنية العملية (Process Technology)  وتقنــية المنتـــج ( Product Technology) .

لقد شهدت السنوات الأخيرة اتجاهـــين غير مسبوقي التأثير على مجال تقنية التعليم (Roblyer, et. al. , 1997, p.55):

الأول كان الزيادة في عدد وأنواع المصادر التقنية المتوافرة (تقنية المنتج) .

والثاني كان التحول العنيف في الاعتقادات المرتبطة بالأهداف والاستراتيجيات الجوهرية للتربية ذاتها (تقنية العملية).

الاتجاه الأول إذاً يرتبط بالتحولات في تقنية المعلومات، بينما يرتبط الاتجاه الثاني بالتحولات في نظرية التعلم . "هذان الاتجاهان لم يتطورا بمعزل عن بعضهما بعضاً، وإنما نسجت جذورهما في الظروف الاجتماعية والاقتصاديــة الأوســـع التي تـــحدد عالمنا المعاصر وتشكله (Roblyer et.al, 1997, p.55).

باختصار، إن تقنية التعليم لا تعمل بمفردها ، ولكنها منظومة في نسيج النظام التربوي الكبـير والمعقد ( Super System ) ، ولذا فهي تتطور من خلال العديد من المؤثرات، مثلها مثل بقية منظومات هذا النسيج التربوي، تؤثر وتتأثر بها. لقد عانت التربية كثيراً من الحلول الجزئية لمشكلاتها، حلول ترتكز على نظرة ضيقة (أحادية ) لمشكلة التربية، وقد آن الأوان لتطبيق مبادئ التفكــير الكلي (Systems Thinking). تـــؤكد باناثي (Banathy, 1992) كما يؤكد سالزبري (Salisbury, 1996) وآخرون كثر غيرهما على الحاجــة الماســـة إلى النظـــر إلى مشكلــة التربية من منظور النظم (Systems View or Perspective)  ، كما يــؤكــد برانســون (Branson, 1997, p.20,21)  على أن التقنية علم تطبيقي، وهذا منظور مختلف عما هو سائد في المدارس التي تعتبر التقنية مجرد عتاد، ويضيف: "أن زياراتنا للمدارس خلال السنوات الأولى من مشروع مدارس فلوريدا 2000م قدمت دليلاً كيف ينظر التربويون للتقنية ، فلم نجد دليلاً واحداً لمنظور النظم في أي من المدارس التي زرناها". (p. 21) 

مشكلة الدراسة :

يلاحظ المتتبع للأدبيات ذات العلاقة، خصوصاً في المحيط العربي، أن التركيز غالباً ما يكون على تناول مستقبل تقنية التعليم من منظور أحادي، هو التطور في تقنية الاتصال والمعلومات، دون معالجة متعمقة للعديد من المتغيرات التي تتفاعل معاً في تشكيل صورة هذا المستقبل وتأثيره على طرق التعليم والتعلم. لهذا، أجريت هذه الدراسة، في محاولة لتناول مستقبل تقنية التعليم من منظور أكثر شمولاً لمشكلة التربية والتقنية، وهو منظور يمكن أن يسهم في تطوير رؤية أكثر شمولاً ووضوحاً لجهود دمج التقنية في التعليم، ومساعي التحول في النموذج التربوي . وتحديداً، تمحورت مشكلة الدراسة حول سؤالين رئيسين هما:

1 – ما مستقبل تقنية التعليم ؟

2 – ما دور تقنية التعليم في إحداث التغيير النوعي في  طرق التعليم والتعلم؟

محاور الدراسة :

للإجابة عن السؤالين السابقين ، نظّمت المناقشة حول المحاور التالية:

أولاً : الأدب النظري والدراسات السابقة .

ثانياً : التحولات في نظرية التعلم :

‌أ.     التحولات في علم الإدراك.

‌ب.    نظرية التعلم البنيوية .

‌ج.    الافتراضات التي يقوم عليها التعلم البنيوي .

‌د.     نموذج التعليم المباشر مقابل نموذج التعليم البنيوي ( غير المباشر ).

ثالثاً : أزمة التربية وعصر المعرفة:

‌أ.     ملامح النموذج التقليدي للتعليم .

‌ب. ملامح أزمة التربية .

‌ج.    مهارات الحياة في الألفية الثالثة.

رابعاً : تقنية التعليم حاضراً ومستقبلاً :

‌أ.     التحولات الكبرى في تقنية المعلومات.

‌ب. الاتجاهات المعاصرة لتقنيات التعليم .

‌ج.    الاتجاهات المستقبلية لتقنيات التعليم.

خامساً : دور تقنية التعليم في إحداث التغيير النوعي في  طرق التعليم والتعلم:

‌أ.     ملامح بيئات التعلم الجديدة.

‌ب. أساليب التعليم .

‌ج.    أمثلة لدمج تقنية التعليم في النظام التربوي في المستقبل.

‌د.     التحولات في دور المعلم.

‌ه.     التحولات في دور الطالب.

‌و.     التحولات في دور الإدارة المدرسة .

‌ز.    التحولات في أساليب التقويم.

 يمثل المحور الأول مدخلاً منطقياً للدراسة ، بينما يمثل المحوران الثاني والثالث مدخلاً ضرورياً لفهم التحولات في نموذج التعليم (Instructional Paradigm ) عموماً وتقنية التعليم خصوصاً وتأثيراتها النوعية على طرق التعليم والتعلم، وبعبارة أخرى، مدخلاً للسياقات النظرية والاجتماعية والاقتصادية التي تمثل قوى حفز (أو ضغط) كبرى لانطلاقة المشروع التربوي في الألفية الثالثة . أما المحوران الرابع والخامس فإنهما يجيبان بشكل مباشر عن سؤالي الدراسة الأول والثاني على التوالي .

 

أهداف الدراسة :

هدفت هذه الدراسة إلى عرض رؤية مغايرة لمستقبل تقنية التعليم ، رؤية تنطلق من منظور النظم في تناول المتغيرات التي تؤثر بهذا المستقبل وانعكاساته النوعية على طرق التعليم والتعلم . وتحديداً تحاول الدراسة التعرف على :

-     الاتجاهات التي تؤثر على مستقبل تقنية التعليم .

-     ملامح النموذج التقليدي للتعليم وملامح أزمة التربية ومهارات الألفية الجديدة.

-     التحولات في نظرية التعلم وعلم الإدراك.

-     الاتجاهات المعاصرة والمستقبلية لتقنية التعليم .

-     التأثيرات النوعية لمستقبل تقنية التعليم على بيئات التعلم الجديدة وأساليب التعليم ودور المعلم ودور الطالب ودور الإدارة المدرسية وأساليب التقويم.

 

أهمية الدراسة :

إن أغلب الدراسات العربية (أنظر مثلاً دراسات منصور، 1421هـ ويونس، 1420هـ والهـدلق 1418هـ وعلـي 1994م)، التي تناولت مستقبل تقنية التعليم ، تنظر إلى هذا المستقبل من منظور معلوماتي فقط دون فحص الصورة الشاملة لهذا المستقبل ، فالملاحظ أن هذه الدراسات قلما تناولت التغير في نظرية التعلم وتأثيرها الموازي على التعليم إضافة إلى تقنية المعلومات ، كما أن من النادر أن تربط هذه الدراسات بين الاتجاهات النظرية والمعلوماتية من جهة وسياقات هذه الاتجاهات المتمثلة بمشكلة التربية ومهارات الحياة في الألفية الجديدة من جهة أخرى . من هذا المنظور تضع هذه الدراسة تلك المتغيرات في صورة أكثر شمولاً ، صورة تحدد القوى الرئيسة التي توجّه التحول في نموذج التعليم (أنظر الشكل رقم 1).

 

 

 

 

ا

منهج الدراسة :

وظفّت الدراسة منهج الاستقصاء (Deliberative Inquiry Approach  ) لأدبيات المجال بغرض تحليلها ودمج نتائجها ومضامينها للخروج بتوصيات الدراسة .

مصطلحات الدراسة :

تقنية التعليم: النظرية والتطبيق في تصميم المصادر والعمليات وتطويرها واستخدامها وإدارتها وتقويمها من أجل التعلــــم (سيلز وريتشي ، 1418هـ،29 ).

تقنيات التعليم ( التقنية في التعليم )  : الوسائل التقنية المستخدمة في التعليم خصوصاً التقنيات التفاعلية المعتمدة على الحاسوب والاتصــــالات عن بعد . . . الخ.

 النموذج التقليدي للتعليم : أسلوب التعليم الموجّه بوساطة المعلم أو المدرسة، وهو أسلوب التعليم المباشر الذي يكون فيه المتعلم متلقياً سلبياً تقريباً لتعليم سبق تصميمه، والمعلم في دور مصدر وناقل لهذا التعليم بوساطة الوسائل المختلفة خصوصاً التقليدية المعتمدة على الاتصال اللفظي.

النموذج البنيوي للتعليم : أسلوب التعليم الموجّه بوساطة المتعلم ، وهو أسلوب التعليم غير المباشر ، الذي يكون فيه المتعلم متحكماً في تعلمه من خلال الأساليب المعتمدة على حل المشكلة ، والمعلم موجهاً ومدرباً وميسراً للتعلم .

التغيير النوعي في طرق التعليم والتعلم : التحولات الجارية والمستقبلية في بيئات التعلم وأساليب التعليم ودور المعلم ودور الطالب ودور الإدارة المدرسية وأساليب التقويم .

أولاً : الأدب النظري والدراسات السابقة

تعد دراسات استشراف المستقبل شائعة في العديد من المجالات العلمية والتطبيقية. وقد حظيت هذه الدراسات في السنوات الأخيرة باهتمام أكبر نظراً للتغيرات العديدة والمتسارعة التي تمر بها المجتمعات في مرحلة التحول من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي، وهي تغييرات فرضت وتفــرض تغييرات جوهرية في نظم الإدارة والاقتصاد والطب والاتصال والتعليم والتدريب وغيرها من مرتكزات الحياة الحديثة. نتناول في هذا الجزء بعض الدراسات ذات العلاقة بتقنية المعلومات والتعليم.

جيتس (Gates , 1998) ناقش في كتابه "طريق المستقبل" العديد من المتغيرات التي يتوقعها في النظام التربوي . فهو يرى أن القوى التقنية سوف تجعل التعليم مهماً وعملياً وممتعاً (ص299)، وأن تقنية المعلومات سوف تلبي حاجات المتعلمين على المستوى الجماهيري والفردي (Customization). يقول جيتس :((سوف تمكّن الوثائق متعددة الوسائط وأدوات التأليف سهلة الاستخدام المدرسين من  إنتاج المنهج الدراسي الجماعي وفقاً للمواصفات الفردية للمتعلمين، لأن الحواسيب سوف تدخل تعديلات دقيقة على المادة التعليمية لكي تتيح للطلاب اتباع مسارات متباينة نوعاً والتعليم وفقاً لمعدلات أدائهم الخاصة . . أن أي طالب سيكون بإمكانه أن يحظى بتعليم مفصل وفقاً لمقاييس قدراته وطبيعتها وبأسعار "إنتاج الجملة ")) (ص: 300).

كما يتنبأ جيتس بدور رئيس للمعلم في العصر المعلوماتي، وأن طريق المعلومات السريع لن يحجم أهمية الكفاءات التعليمية التي نحتاجها لمدارس الغد: المدرسين الملتزمين والإداريين المبدعين . . والطلاب المجتهدين (ص: 301) . على أن جيتس لا يتوقع أن تختفي حجرة الدراسة، ولكن التقنية ستغير كثيراً من تفاصيلها، فالتعليم داخلها سيتضمن عروضاً بالوسائط المتعددة، كما سيتضمن الواجب المنـزلي استكشاف وثائق إلكترونية ونصوصاً دراسية . . . وسيشجع الطلاب على متابعة اهتمامات خاصة، وسيتمكن كل منهم الحصول على إجابات تلقائية للأسئلة التي يطرحونها ، وسيمضي الطلاب جزءً من اليوم المدرسي على حاسوب شخصي في استكشاف المعلومات فرديــاً أو في مجموعات ثم يعود الطلاب بأفكارهم وأسئلتهم حول المعلومات التي اكتشفوها إلى مدرسهم الذي سيلفت انتباه الفصل إلى أكثرها أهمية وفائدة. وخلال عمل الطلاب على حواسيبهم سيكون للمدرس فرصة العمل مع أفراد أو مع مجموعة صغيرة ، وسيركز بدرجة أقل على إلقاء المحاضرات وبدرجة أكبر على حل المشكلات (ص: 303- 304) ، هذه التوقعات –يشير جيتس – "ستجعل مستقبل التدريس (خلافاً لبعض المهن ) مشرقاً للغاية " (ص:304).

علي (1994م ) في كتابه "العرب و عصر المعلومات " ناقش أزمة التربية من منظور معلوماتي، كما ناقش التوجهات الرئيسة للتعليم في عصر المعلومات . يقول علي (ص:381) :(( إن مصير الأمم رهن  بإبداع بشرها ، ومدى تحديه واستجابته لمشاكل التغير ومطالبه. إن وعينا بدروس الماضي ، والدور الخطير الذي ستلعبه التربية في عصر المعلومات يزيد من قناعتنا بأن التربية هي المشكلة وهي الحل ، فإن عجزت أن تصنع بشراً قادراً على مواجهة التحديات المتوقعة ، فمآل كل جهود التنمية إلى الفشل المحتوم مهما توافرت الموارد الطبيعية والمادية.))

كما حدد علي (ص: 393-406) التوجهات الرئيسة للتعليم في العصر المعلوماتي، التي تشمل:

- أسساً تربوية مغايرة : لم يعد هدف التربية هو تحصيل المعرفة وإنما القدرة على الوصول إلى مصادرها الأصلية ، وأن تربية إنسان الغد ينبغي أن تؤكد على إكساب الفرد أقصى درجات المرونة وسرعة التفكير، كما أن وظيفة التعليم لم تعد مقصورة على تلبية الحاجات الاجتماعية للفرد وإنما إكسابه القدرة على تحقيق ذاته، مع ضرورة تأكيد التربية الجديدة على تنمية التفكير الإيجابي، وتعميق مفهوم المشاركة وتنمية النـزعة الابستمولوجية لدى إنسان الغد، ومحاولة التجريب ومناقشة القضايا الخلافية والتعامل مع المحتمل والمجهول، واستئناس التعقد وعدم الاستسلام لوهم البساطة الظاهرة، وتعزيز الخصائص المميزة للأفراد، والمقدرة على التواصل مع الغير وتقبل الواقع المختلف عن واقعه والرأي المغاير له ، وتهيئة الفرد لعالم سيصبح العمل فيه سلعة نادرة.

- تحول دور المعلم من الملقن الناقل إلى الموجّه المشارك.

- تحول المعلوماتية نظم التربية من "تطفيل" الكبار عندما جعلتهم أكثر سلبية وأقل ثقة بالنفس وأكثر اعتماداً على الغير إلى سرعة إنضاج الصغار من خلال تقليل فترة التعليم الأساسي وتنمية قدراتهم الابتكارية والإبداعية وتعزيز استقلاليتهم .

- التحول من التعليم الموجّه إلى التعلم الذاتي .

- التحول من التخصص الضيق إلى تنوع المعارف والمهارات .

وفي دراسته "استشراف مستقبل تقنية المعلومات في مجال التعليم"، استعرض الهدلق (1420هـ) مستقبل الحاسوب مشيراً إلى التوقعات بالتحسن النوعي في مهارات الحواسيب وإمكاناتها (ص: 7،8)، كما استعرض مستقبل برمجيات الحاسوب التي ستصبح أكثر ذكاء وتنوعاً في الاستخدامات (ص: 8) ، وأخيراً استعرض مستقبل تقنية الاتصالات مبيناً التوقعات بزيادة عرض النطاق الترددي (Bandwidth) لتصبح أكثر قدرة على نقل المعلومات (ص: 9) . كذلك ناقش الهدلق (1420هـ ، 10، 11) مستقبل التعليم وأساليبه من منظور معلوماتي مستقبلي مشيراً إلى التوقعات بزيادة طاقة الحاسوب الشخصي وفرص الوصول إلى الشبكات المحلية (LAN) والواسعة (WAN) ، وسيصبح لكل طالب حاسوب محمول يستخدمه في المنـزل والمدرسة ، وستتوافر  شبكات لاسلكية محلية وواسعة في كل فصل دراسي.

وفي دراسة منصور (1420هـ ) حول "تكنولوجيا التعليم وجودة التعليم والتعلم للقرن الحادي والعشرين" ، تناول الباحث عدداً من المفاهيم أهمها العولمة والجودة الشاملة وتحديات القرن الحادي والعشرين وتحديات التعليم العالي، وتحديات التقنية والمشكلات المرتبطة بالإقبال المتزايد على التعليم وتعليم المرأة، وغياب التقويم الشامل لنظم التعليم، مؤكداً على بعض الحلول المقترحة لبعض المشكلات ، وأهم هذه الحلول الاستفادة من تطبيقات الأقمار الصناعية وشبكات المعلومات وتوظيف التعليم عن بعد، وتوظيف الحاسوب لمعالجة مشكلة الترجمة.

كذلك ناقش يونس (1420هـ) في دراسته "التكنولوجيا والتعليم واتجاهاتها المستقبلية " عدداً من المفاهيم والمصطلحات في المجال ، مؤكداً على أهمية تقنية التعليم في مجال الإعداد والتدريب، وأن الدول النامية هي أكثر حاجة إلى استخدام التقنيات الحديثة وإدخالها في مناهجـها التعليمية(ص:9) .

السلطان والفنتوخ ( 1420هـ ) درسا استخدامات "الإنترنت في التعليم" وناقشا الانتقال في أساليب التعليم من التعليم التقليدي إلى التعليم باستخدام الحاسوب إلى التعليم باستخدام "الإنترنت" (ص: 80،81) وأوضحا بأن إدخال "الإنترنت" إلى قاعات الدراسة يمثل "نقلة نوعية قد لا يكون المجتمع التعليمي مهيأ لها الآن "، واقترحا بدلاً من ذلك إنشاء شبكة تعليمية أسمياها "المدرسة الإلكترونية " لتكون الخطوة الأولى للإفادة من "الإنترنت" لاحقاً، متوقعين نجاحاً كبيراً لهذه المدرسة(ص: 103،112).

وفي دراستين مهمتين في عامي 1991م ، 1995م ناقش إيلي وآخرون (Ely, Foley, Freeman,& Scheel, 1991) ، الاتجاهات المعاصرة في مجال تقنية التعليم وانعكاساتها على مستقبل المجال في جوانبه النظرية والتطبيقية . أهم الاتجاهات التي توصلوا إليها هي :

- تمثل نظرية  التعلم الادراكية – البنيوية المصدر الرئيس حالياً للمبادئ النظرية في مجال التصميم التعليمي ، وأن عملية تصميم وإنتاج نظم التعليم والتعلم المعتمدة على الحاسوب أصبحت ترتكز بدرجة أكبر على مبادئ التصميم التعليمي المشتقة من علم الإدراك والفلسفة البنيوية.

- انتشـــار التعليم (أو التعلم ) عن بعد مثل البريد الإلكتــروني والتحاور عن بعد ومؤتمرات الفيديو … الخ.

- انتشار الحواسيب في جميع مدارس الولايات المتحدة ، وتبين أن 99%من المدارس الابتدائية لديها حواسيب ، وبلغت نسبة الحاسوب إلى الطلاب في العام1995م،12:1.

-  أدرج أكبر اتحاد للمعلمين في الولايات المتحدة (NEA) في العام 1991م –1992م إعداد المعلمين وتدريبهم في تقنية التعليم ضمن برامج الكليات قبل الخدمة.

- يمر دور المعلم في مرحلة تغيير - بسبب التوظيف المتزايد للتقنية في قاعات الدراسة- من مقدمي المعلومات إلى منسقي مصادر التعلم.

-  ازدياد تطبيقات شبكات الحاسوب في التعليم خصوصاً الشبكة الحاسوبية العالمية (الإنترنت) .

- ازدياد دعم وتأييد استخدام تقنية التعليم من قبل صانعي السياسة التربوية في الولايات المتحدة .

- اعتبار تقنية التعليم أداة رئيسة في حركة الإصلاح التربوي ، فقد تضمنت كل خطة للإصلاح التربوي تقريباً تقنية التعليم كواحدة من الأدوات الرئيسة لتنفيذ التغيير.

- ازدياد المطالبة بتمكين المعلمين من المهارات التقنية.

كذلك ناقش مولندا وآخرون(Molenda, Russell,& Smaldino, 1998 ) القضايا المعاصرة للتقنية في التعليم والتدريب ، حيث أكدا على كثير مما جاء في دراستي إيلي وآخرون (Ely et al., 1991, 1995 ) المشار إليهما سابقاً، فقد اتضح تزايد الاهتمام بدمج الوسائل التعليمية المعتمدة على الحاسوب في التعليم، وتوظيف وسائل التعليم عن بعد في التعليم، واستخدام التقنيات التفاعلية المتقدمة مثل الوسائط المتعددة والواقع الافتراضي ، كما أكدت الدراسة على الاتجاهات الخاصة بتحديث نماذج وإجراءات تصميم النظم التعليمية بتأثير من الحركة البنيوية في التسعينيات الميلادية مما أدى إلى ازدياد الاهتمام ببيئات التعلم البنيوية المتمحورة حول المتعلم وأسلوب حل المشكلة، ويتوقعون لهذه الأفكار انتشاراً أكثر كلما اضطلعت المدرسة بمسئولية أكبر نحـو نقل مهارات التعلـم إلى مواقع العمل.

فوستر (Foster) (1990م،127)تناول "مشكلة التكنولوجيا والتربية " متسائلاً : "هل دخلت التكنولوجيا فعلاً في مجال التربية؟" وهل "أحدثت تأثيراً على التعليم في الوقت الحاضر؟" "وما مدى هذا التأثير؟" "وهل نجحت في الوفاء بوعودها؟" "وما العراقيل التي تواجه تطبيقها في المدارس؟" مضيفاً: "ما مشكلة التكنولوجيا والتربية؟" ويجيب عن هذه التساؤلات بالقول : "إن التكنولوجيا التربوية تقاسي للآن من بعض التراجع وخيبة الأمل من قبل المسؤولين التربويين لا سيما عند التطبيق . . بمعـنى آخر .. إن التكنولوجيا لم تدخل مجال التعليم فعلاً للآن ".

ومع ذلك كله فإن الآمال معقودة على التقنية لتغيير التعليم . ينقل فوستر (Foster)  (1990م،126) عن السناتور روبرت كيندي وهو أحد المشرعين لقوانين التربية في الولايات المتحدة قوله: "إن المعارك الاقتصادية في الغد ، يجري حسمها الآن في الفصول الدراسية " ، كما يشير إلى سرعة تطور هذه التكنولوجيا في الأقطار الأوروبية الأمر الذي دعا قـادة التعليـم في الولايـات المتحدة إلى القول : "إن نظام التعليم عندنا قد أصبح لا يساوي شيئاً " (ص:126) ، في إشارة إلى انبهارهم بالقدرات الهائلة التي يمكن أن تقدمها تقنية التعليم . أما بيرلمان (Perelman) فيقول في أحد مؤلفاته عن التعليم في المستقبل - كما يشير فوستر ( 1990م،126)- إن المدرسة الحالية بشكلها التقليدي سوف تتلاشى في القرن الحادي والعشرين وسوف يكون مقدار أهميتها في النظام التعليمي في ذلك القرن ، لا تزيد عن أهمية الحصان والعربة بالنسبة لنظام المواصلات في العصر الحاضر، وأن عالم الغد سوف يشهد اندماجاً بين أنواع التكنولوجيا المختلفة .. وأن ذلك سوف يؤدي إلى جعل مقعد الطالب في المدرسة بيئة لا تصدق.

إن التربويين – كما يشير فوستر (Foster) (1990م ، 127) يجمعون على أن التقنية في عالم الغد سوف يكون لها دور مهم ومثمر في مجال التربية ، وأن التقنية سوف تفي بوعودها وهي قادرة على ذلك ، وأنه سوف يكون لدينا القدرة على حل مشكلات التربية إذا ما استخدمنا التقنية من خلال تخطيط واع للمستقبل؛ وأخيراً يؤكد فوستر (Foster) (1990م ، 134، 135) على ضرورة تغيير النظام التعليمي التقليدي لأنه بقي أكثر من (50) عاماً ولن تعتمد التقنية الحديثة عليه ، فالحاسوب سيصبح "الدكتور الذي يقدم العلم للمتعلم " ،  " وسوف تجلب الأقمار الصناعية كبار العلماء والتربويين إلى قاعة الدراسة" وسوف تعزز الألياف البصرية والمايكروويف التعليم عن بعد .

فياتر (Fiater) (1997م ، 6،7) وزير التعليم الوطني في جمهورية بولندا حدد ما يعتبره "توجهات التجديد في العملية التعليمية ذات الأهمية الكبرى":

- يجب أن يركز التعليم على بناء الشخصية أكثر من استيعاب المعلومات الفعلية لاسيما أن غزارة المعلومات التي توفرها شبكات الحاسوب "تجعل ما نتذكره أقل أهمية مما نفهمه"، وتكوين الشخصية يعني من وجهة نظره "القدرة على التعامل مع المشاكل الأخلاقية والفلسفية المعقدة في العالم المعاصر".

- سيكون على التعليم أن يرتد مرة أخرى إلى العمومية أكثر من التخصص ، فإذا كان القرن العشرون قد تميز بالتركيز على التخصص، فإن أهم سمات القرن الواحد والعشرين ستتمثل في الجمع بين القدرة على التفكير الشامل وبين الإحاطة بما وراء حدود التخصصات الرئيسة. وبعبارة أخرى، إضافة إلى التخصص الدقيق للفرد، أن يكون لديه نظره شاملة تتجاوز التخصص الضيق.

- حتى يصبح التعليم دولياً بمعنى الكلمة ، ينبغي التركيز على إعطاء الحرية للطلاب والمعلمين، وعلى الانتقال السريع للمعارف وعلى المشروعات التعاونية، وعلى التحاور الأكاديمي بين الأمم حيث أصبح الاعتماد المتبادل سمة العصر. ويضيف فياتر (Fiater) (1997م ، 7): "يجب أن يكون الشاغل الأول للتعليم في القرن الحادي والعشرين هو المستقبل".

كذلك استشرف "المؤتمر العربي الإقليمي حول التعليم للجميــــع" (مجلة المعرفة، 1421هـ،125) تحديات القرن الحادي والعشرين آفاق 2010م، بأنها تشمل تحديات العولمة التي تفرض سوقاً للعمالة تتجاوز حدود الدول وتنافساً حاداً تبعاً للكفاءات المكتسبة، وهذه الكفاءات هي حصيلة التعليم بالدرجة الأولى. كما تفرض العولمة استخداماً متزايداً للتقنية، أكثر الوسائل فاعلية في الإنتاج والاتصال، وأن هذا الاستخدام وما يتطلبه من مهارات هي حصيلة التعليم أيضاً، وتحدث التقنية تحولاً عميقاً لدى الناس في كيفية التعلم وفي كيفية استخدام ما تعلموه، وفي كيفية تقويم أهمية وملاءمة ما تعلموه، "نحن نعيش فترة التقدم الاقتصادي المبني على المعرفة، وبالتالي فإن التعليم يصبح أكثر من أي وقت مضى محدداً للازدهار". 

ترلنج وهود Trilling & Hood, 1999,p13) ( يحددان ثلاثة قوى لعصر المعرفة:

- الطلب الجديد والمتزايد لمهارات جديدة للعمل في عصر المعرفة.

- الإمكانات الجديدة التي تقدمها أدوات تقنية المعلومات.

- دعم نظرية التعلم وما نعرفه حالياً حول التعلم لطرق التعليم والتعلم الجديدة الضرورية للنجاح في عصر المعرفة. ويضيفان (p.13) "هذه القوى الثلاث تتجه نحو الاندماج في نموذج بديل للتعلم والتربية".

ويؤكد رايجلويث (Reigelath, 1998) في عمله الموسوعي "نظريات ونماذج التصميم التعليمي – المجلد الثاني" على أن التغييرات التي يشهدها العالم في مرحلة التحول من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي تطلبت تغيراً موازياً في نظريات التعليم التي برزت في نموذج جديد يصنفها في سبع فئات هي: نظريات الفهم ونظريات التعلم المعتمد على المشكلة، ونظريات مجتمعات التعلم، ونظريات مهارات التفكير العليا، ونظرية التعلم الحركي ونظريات التعلم الوجداني ونظريات أخرى، ويصل مجموع هذه النظريات إلى (16) نظرية.

تقدم هذه النظريات – طبقاً لرايجلويث (Reigeluth) إطاراً مستقبلياً لنظرية التعليم ، ذلك أن كل واحدة منها تقريباً تشدد على الفهم العميق بدلاً من التذكر والأداء المنفصل عن السياق، كما أن كلاً منها تقريباً تؤيد استخدام مهام حقيقية تتصف بالتحدي وتتطلب من المتعلمين التفكير وتوظيف المعلومات كأساس للتعلم ، وأخيراً ، تقدم هذه النظريات ككل ملامح صورة النموذج الجديد للتعليم.

 يتضح من مراجعة الدراسات السابقة – خصوصاً الأدبيات العربية – تركيزها على العامل التقني في محاولة رسم صورة مستقبل التعليم بمعزل عن العوامل العديدة التي تتفاعل معاً في تشكيل هذا المستقبل. هذه العوامل التي تتضمن إلى جانب تقنية المعلومات، التحول في النظرية التربوية، وضعف النظام التربوي التقليدي عن مواجهة عالم متغير، والمهارات المطلوبة للألفية الثالثة، وانعكاس ذلك كله على التحول في النموذج التربوي، هو ما تحاول هذه الدراسة تناوله. هذا المنظور لمشكلة التربية والتقنية، يمكن أن يسهم في تطوير رؤية أشمل لجهود الإصلاح التربوي الهادفة لدمج التقنية في التعليم، والتحول في النموذج التربوي انطلاقاً من فكر تربوي وفلسفة تربوية، فالتقنية لا تعمل في فراغ.

ثانياً : التحولات في نظرية التعلم

إن المتتبع لنظرية التعلم يمكن أن يلحظ بوضوح هيمنة المدرسة السلوكية على الممارسات التربوية حتى الستينيات الميلادية. هذه النظرية التي شددت على فكرة أن الظاهرة الإدراكية التي تستحق الانتباه هي النشاط البشري (السلوك) الذي يمكن ملاحظته، مما يعني أن وظيفة التربوي هي تعزيز السلوكات المرغوبة ومعاقبة أو تجاهل السلوكات غير المرغوبة.

وبرغم الجهود المبكرة في النظرية الإدراكية التي جاءت كرد فعل لأفكار المدرسة السلوكية، إلا أنها لم تقدم تحولاً كافياً في نموذج التعليم بما في ذلك نظرية معالجة المعلومات (Jonassen,1994,p34). وقد شهد علم الإدراك في السنوات الأخيرة تحولات عدة غيرت النظرة إلى الإدراك (الإدراك الحسي والاستيعاب والتعلم والتذكر) التي سادت بتأثير من النظرية السلوكية ونظرية معالجة المعلومات، وهي تحولات جاءت نتيجة مؤثرات عدة، أهمها التطور في علم الحاسوب الذي أثر بشكل خاص على المعرفة المتعلقة بطبيعة وظائف البنى العقلية (أو الإدراكية) في العقل البشري، إضافة إلى تأثيرات الفلسفة البنيوية (Constructivism) ، ولهذا يطلق على هذا الفرع من نظرية التعلم  الاتجاه الإدراكي-البنيوي (West , Farmer,& wolff, 1991,p.12).

لقد أدى بزوغ الحاسوب إلى تغيير علم النفس إلى الأبد وإنتاج علم الإدراك، ذلك أنه للمـرة الأولى في التاريخ الذي تتمكن فيه الآلة من تمثيل المعلومات وتخزينها ومعالجتها وحل المشكلات وتحويل المدخلات وغيرها من العمليات، ومن غير المنطقي أن نقر بقدرة الآلة على القيام بكل ذلك، بينما تحجب هذه القدرات عن الإنسان الذي صنع هذه الحواسيب وبرمجها. لقد أدى ذلك إلى بروز وجهة نظر مختلفة جداً حول العقل الإنساني، وجهة نظر بنيوية ترى أن العقل الإنساني يتميز بالنشاط ويستقبل المدخلات ويعالجها ، كما أنه يبحث عن هذه المدخلات ويطرح الأسئلة ويعقب على العمليات التي يقوم بها، كما يقوم بتحديد الأهداف ويناضل من أجل تحقيقها أو أحياناً تغييرها (Gardner,2000,p.10).

لقد ركز النموذج التقليدي للتعليم على أنواع تعلم قليلة نسبياً في الوقت الذي اتسعت فيه حاجات التعلم الإنساني ، مما يستدعي تحولاً كبيراً في هذا النموذج، تحولاً يقدم المساعدة الكافية لرعاية النمو العاطفي والاتجاهي والاجتماعي والأخلاقي وحتى الروحي في المجال الوجداني، ورعاية الفهم العميق والمهام الإدراكية المعقدة ومهارات التفكير العليا والاستراتيجيات الإدراكية العليا في المجال المعرفي (Reigeluth,1998,p.41).

 

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

(*) أستاذ مشارك تقنية التعليم-قسم وسائل تكنولوجيا التعليم-كلية التربية / جامعة الملك سعود

 

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

هذا البحث هو (بحث رقم205) في مركز البحوث التربوية/ كلية التربية ، 1424هـ / 2003م