|
السبت :
14/08/2010
مستقبل التنمية الاقتصادية في العراق
د. مظهر محمد صالح

1- مدخل
تؤشر أوضاع العراق الإنمائية، أن
الولوج في انماط مجتزأة للاستثمار لا تقوي نتائج النمو ما لم تُعتمد
دفعة قوية big push للتنمية تمثل الحد الادنى من كمية الاستثمار لا تقل
نسبتها عن 15 -20 % من الناتج المحلي الاجمالي اللازم لضمان نمو ذاتي
مستدام، وهو أمر يسهل تحقيقه في اقتصاد يتمتع بفائض مالي نسبي
كالاقتصاد العراقي، مبتعدين قليلا عن ميكانيكيات الاسعار والتخبط في
نظام سوق غير مكتمل في ادواته ومؤسساته، ليتمكن البرنامج الاقتصادي من
تحقيق مستوى من التوازن الامثل ويبعد البلاد عن شبح الركود المستمر
والذي تؤشره المعدلات المنخفضة في نمو الناتج الحقيقي غير النفطي الذي
لم يغادر في معدلاته مستوى مماثل لمعدلات نمو سكان العراق منذ اكثر من
عقدين ونيف من الزمن، وعلى هذا الأساس فإن التغلب على عوائق النمو في
العراق بما يمكنها من الانطلاق السريع في طريق التنمية،فإن هذه الدراسة
تتناول الأسس النظرية وأطروحات البرنامج الشامل الواسع الذي جاء به
الاقتصاديRosenstein-Rodan منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي والذي ربط
تطور الاقتصادات وتحقيق النمو الذاتي المستدام بتوافر مقدار من
الاستثمار اسماه بـــــــ:- (أعلى كمية استثمار بأقل قدر ممكن منهHigh
minimum quantum of investment ) وتنصرف هذه النظرية أي نظرية الدفعة
الكبيرة على مبدأ إن أطلاق حركة الاقتصاد على أساس الدفعات القليلة لا
يحقق في جوهره أي نجاح في مسار التنمية.
وبهذا فإن توافر الحد الأدنى من
الاستثمار بالشكل الواسع يعد شرط الضرورة لتحقيق النمو الذاتي المستدام
المحدد بتوافر قدر من الوفورات الاقتصادية الخارجية
External economics التي تسهم في
خفض التكاليف. وان هذه المساهمة لاتتم إلا بتنوع الاستثمارات وترابطها
واعتماد بعضها على بعض. ومن هذا المنطلق يرى الكاتب في مبـــدأ
اللاتجزيئـــــية للاستثمـــــار آو التكــامليــة Indivisibility
مضافا إليه الوفورات الاقتصادية الخارجية التي تحققها الكميات
الواســـــعة للاستثمار بحدها الادنى هي اللازمة السابقة لانطلاق
التنمية الاقتصادية في البلاد ونجاحها.
وعلى هذا الأساس فإن ثلاثة أنواع
من حالات اللا تجزيئية او (التكاملية) في الاستثمارمع الوفورات
الخارجية، ينبغي توافرها جميعا في الوقت نفسه والتي يأتي في مقدمتها ما
يسمى باللاتجزيئية في دالة الإنتاج، حيث ينصب جوهرها على تطوير بنية
تحتية متكاملة تستــــغرق عادة 30-40% مـــــــن الاستثمارات السنوية
الإجمالية للبلاد وعلى نحو يؤدي إلى خفض معامل رأس المال ويعظم كفاية
النشاطات الإنتاجية المباشرة المعتمدة عليها.
ويأتي المبدأ الثاني في
اللاتجزيئية أو التكاملية بالتركيز عن أهمية الإقلاع عن فكرة الاستثمار
في المشاريـــــع الفردية التي تنطوي على مخاطر عالية ومستوى كبير من
اللايقين فضلا عن ضعف كفاية وسيطرة المشروع على قراراته والتحول بدلا
من ذلك نحو الاستثمار في المجمعات والنشاطات الصناعية، وعلى هذا
النحــــو يرى الكاتب ان منتجات المشروع الواحد قد لاتجد موقعا كفءاً
لها في السوق مالم تكن قرارات الاستثمار معتمدة بعضها على بعض أو
متكاملة الاعتماد وهو ماتوفره عادة الترابطات الأمامية والخلفية فيما
بـــين المشاريع المجمعة، أي إن تنوع المنتجات يولد طلبا متنوعا بنفسه
مما يؤدي إلى خفض حـــــالة اللايقين وخفض درجة المخاطر في إيجاد
الأسواق مما يزيد من حافز الاستثمار ويعظم التمنية في البلاد وبصورة
أقوى وأوسع. ويكمن المبدأ الثالث في اللاتجزيئية في موضوع عرض
الادخارات، إذ إن أعلى استثمار بأقــــل مايمكن يتطلب قدرة عالية من
الادخار وان هذه المرونات قد يصعب تحقيقها في البلدان النامية بسبب
مستويات الدخل المنخفضة. لذا تؤكد نظرية الدفعة القوية على أهمية إن
يكون الميل الحدي للادخار هو أعلى من متوسط الادخار. وان النظرية في
جوهرها باتت تبحث في بلوغ نقطة التوازن الاقتصادي بدلا من التحري عن
شروط نقطة التوازن الاقتصادي بسبب الطبيعة الملحة التي تقتضيها توافر
متطلبات تمويل التنمية من دفعات كبيرة في البلــــــدان السائرة في
طريق التطور والنمو الاقتصادي المتسارع بعيدا عن ميكانيكية جهاز الثمن.
2- آلية عمل
أنموذج الدفعة القوية في تنمية الاقتصاد العراقي.
ان ضمان روافع مالية مهمة للنشاط
الاستثماري الخاص، يتعاظم فيها عنصر المنحة Grant Element وهو امر
ينبغي ان لاينفصل في الاحوال كافة عن متطلبات تحقيق الدفعة القوية في
النمو المستدام والتي تستند على مبدأ اللاتجزيئية indivisibility الذي
يٌُعد مبدءاً اساسياً في تقرير مقومات النمو الذاتي المستدام بما توفره
من اطار ايجابي لنطاق الاقتصاديات الخارجية External Economies الذي
يقود الى تعظيم عوائد الانتاج في النشاطات الانتاجية المباشرة، موضحين
بهذا الشأن مايأتـي:
أ- النشاط التنظيمي
ان الرافعة المالية التي تكفل نجاح
مشاريع النشاط الخاص ومبادراته والتي يُُعد وجودها مبدءاً مهماً من
مبادئ اللاتجزيئية، ينبغي لها ان تتزامن مع اسس ومتطلبات هيكلة بعض
الاوجه المهمة للنشاط الحقيقي الخاص وبأتجاهين:
الاول: اعادة تحديث المناطق
والمجمعات الصناعية القائمة حالياً التي يمتلكها القطاع الخاص عن طريق
توفير تكنولوجيا واساليب عمل وانتاج وتسويق تغادر العصر التكنولوجي
الماضي، مع انشاء (5 – 7) مجمعات صناعية جديدة في عموم البلاد موجهة
لتوليد قدر عال من الترابطات الامامية والخلفية فيما بينها وبين فروع
النشاط الاقتصادي القائم، وهو امر يلبي مبدأ من مبادئ اللاتجزيئية
المتمثل بتحقيق طلب مستمر على الانتاج الصناعي المحلي سواء لاغراض
احلال الاستيرادات او للتصدير.
الثاني: ويتمثل بجانب العرض ضمن
مبادئ اللاتجزيئية ويتمثل بتوافر قدر مهم من رأس المال الاجتماعي
supply of social overhead capital او البنية التحتية تهيأ للمناطق
الصناعية موضوع البحث والتي يعد وجودها مكملاً ملزماً من مكملات النمو
الذاتي المستدام لاغراض برنامج الدفعة القوية. اذ لوحظ في العالم
اليوم، ان نمواً قدره 1% في البنية التحتية يؤدي لامحال الى نمو يساوي
1% او اكثر في الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي، فضلا عن اسهامه في خفض
معامل رأس المال للنشاطات الانتاجيـــة المباشرة.
وعلى صعيد النشاط الزراعي الخاص
فلابد من اعتماد مناطق استراتيجية زراعية تضمن امن الحبوب في العراق
باقتراح انشاء (7) مناطق زراعية بواقع (1) مليون دونم لكل منطقة
بمقدورها توفير (1) مليون طن حبوب ضمن كل رقعة زراعية من الرقع السبع
في اطار زراعة حديثة كثيفة يتولاها النشاط الزراعي الخاص بمعونة الدولة
لضمان الامن الغذائي للعراق.
فضـــلا عن توسيع فكرة المجمعات
السكنية وفق المبادئ نفسها، مما يقتضي دعم نشاط شركات القطاع الخاص
والابتعاد عن النشاط الفردي في تنفيذ مثل هذه المشاريع الكبرى.
ب- النشاط التمويلي
ينصرف الرأي في هذا الجانب الى
اهمية تفعيل مصارف التنمية الحكومية (الاختصاصية) في العراق وتحويل
مهامها من مصارف شاملة الى مصارف اختصاصية حقاً وعلى وفق الاهداف
الاساسية التي أنشأت من أجلها تلك المصارف في بادئ الامر، ونوصي بما
يأتــي:
اولا - يتولى برنامج اعادة هيكلة
المصارف الحكومية مهمة تكييف اوضاع المصارف الاختصاصية (الصناعي،
الزراعي، العقاري) لتأخذ على عاتقها مهام منح القروض الميسرة الى
القطاع الخاص وهي القروض التي يرتفع فيها عنصر المنحة من حيث السماحات
ومدد التسديد والفائدة وغيرها.. وفي اطار مبدأ اللاتجزيئية في التمويل
لانجاح برنامج الدفعة القوية في التنمية.
ثانيا - اعادة هيكل الدعم في
الموازنة العامة للدولة واعتماد سلم اولويات لايغفل النشاط الانتاجي
للقطاع الخاص عن طريق اسناد رؤوس اموال المصارف الحكومية الاختصاصية
الثلاثة، شريطة ان لاتتحمل الميزانيات العمومية للمصارف المنوه عنها
اية نفقات دعم، وانما تقتصر مهامها على ممارسة الوساطة المالية
وتطويرها بما يخدم اهداف التنمية وضمان العمق المالي للبلاد.
ثالثاً: ينبغي ان يتلقى النشاط
الاستثماري الخاص في العراق قدراً من المزايا المالية والاقتصادية
والحصانات بما يكفل النهوض بـه عن طريق تفعيل القوانين والانظمة
والتعليمات السائدة وما يمكن ان يضاف اليها من تحسينات تخدم مناخ
الاستثمار الخاص في العراق.
3- نحو توصيف
الاقتصاد العراقي في استيعاب أنموذج الدفعة القوية.
يعرف النظام System على انه وحدة
معقدة تتكون من العديد من الاجزاء المختلفة تخضع جميعها الى خطة عامة
او كونها تخدم هدفاً عمومياً، وعلى هذا السياق تأتي المدرسة السلوكية
الامريكية على سبيل المثال لتطرح مفهوماً للنظام لايتعدى نطاقهُ اكثر
من الاحاطة في أن ثمة مقاطع segments مكونة لهيكل النظام ومقاطع هي
خارج النظام. وان المقاطع المكونة لهيكل النظام والتي تسمى احيانا
بالحدود boundaries او المتغيرات هي التي تكون في مستوى من التفاعلات
تعد اكثر كثافة في تصرفها وسلوكياتها مقارنة بغيرها. فأذا كانت تلك
الكثافات او الحدود او المتغيرات سياسية فإنها تكون نظاماً سياسياً او
ذات كثافات اجتماعية فتكون نظاماً اجتماعياً او ذات كثافات اقتصادية
فتكون نظاماً اقتصادياً و هكذا. وعلى الرغم من ذلك فإن توصيف النظام
الاقتصادي يٌعد من المسائل التي لايمكن تجريدها من إطارها المدرسي
وتياراتها الايديولوجية المصاحبة لها، وعلى هذا الاساس تعرف الكاتبة
الاقتصادية العريقة جوان روبنسون Robinson في كتابها الشهير الفلسفة
الاقتصادية، النظام الاقتصادي بأنهُ: وحدة تتطلب مجموعة من الاحكام مع
توافر ايديولوجية تسوغ تلك (الاحكام) ومستوى من الوعي يتمتع به اي فرد
على نحو يجعله يثابر من اجل تحقيق تلك الاحكام، وعلى هذا الاساس فلابد
من توافر وسائل Devices يتكون بموجبها النظام الاقتصادي وتعمل على
تأدية وظائف ثلاثة هي:
الأولى: التي تساعد في تعيين من
(هو) اكثر فاعلية في اتخاذ قرار تحريك الموارد وتعبئتها من بين مختلف
الاشخاص من متخذي قرارات الخيار الاقتصادي.
الثانية: تقوم بتنسيق نشاطات
الوحدات الاقتصادية الفردية. بمعنى انها تساعد في تحديد (كيف) تصنع
القرارات.
والثالثة: تعمل على جعل متخذي خيار
القرار الاقتصادي اكثر سعياً في ترتيب اولوياتهم. اي بمعنى المساعدة في
تحديد (ماذا) يمكن الاخذ به من قرارات.
وفي هذا المضمار يمكن ملاحظة ان
النظم الاقتصادية كافة تشترك في اهداف رئيسة ثلاثة هي:
الاستخدام الكفء والشامل للموارد
النادرة، والتوزيع العادل للدخل (مع التحفظ بكونها حاله نسبية جدا
تعتمد الزمان والمكان في تحقيق تلك العدالة) واخيرا النمو في الناتج
المحلي الاجمالي عبر الزمن.ويصبح بالامكان من الناحية المفاهيمية تقسيم
الوسائل المشار اليها انفاً Devices التي تكون النظام الاقتصادي الى:
ادوات tools و طرق methods . وان الادوات والطرق جميعها تجيب على اسئلة
(من) و (ماذا) لكي تعبر عن تكوين النظام الاقتصادي.
فعلى صعيد النظرية الاقتصادية يمكن
لنا ان نستخلص ان هناك ثمة (طريقتين) و (اداتين) متطرفتين في تخصيص
الموارد الاقتصادية يمثلان نموذجين مختلفين للنظام الاقتصادي وهما
اسواق شديدة التنافس تستخدم الاسعار النسبية في تخصيص الموارد ونقيضها
اقتصادات موجهة مركزياً في استخدام الموارد المادية وتخصيصها. اما
(الاداتان المتطرفتان) في تخصيص الموارد فهما: الملكية الفردية لجميع
وسائل الانتاج ونقيضها الملكية العامة لوسائل الانتاج كافة. وعند إعادة
تركيب الطريقة الاولى مع الاداة الاولى فإننا نحصل على نموذج لسوق
المنافسة التامة، وهو نموذج غير موجود على ارض الواقع. وكذلك عندما يتم
تركيب (الطريقة الثانية مع الاداة الثانية) نحصل على انموذج موجه او
مايسمى بالموديل الدكتاتوري الاقتصادي اصطلاحاً، وهذا النموذج غير
متحقق في الوقت الحاضر.
وعلى أساس ماتقدم عُد توصيف النظام
الاقتصادي للعراق ضرورياً لتشخيص مستوى التحول في السياسة الاقتصادية
الراهنة بعد تجربة عاشتها البلاد عبر اكثر من نصف عقد من الزمن في خضم
اطار دولة ريعية مركزية تتجه اديولوجياً نحو ديمقراطية السوق ولكنها
تمسك برصيد الثروة والناتج المحلي الاجمالي بعد ان تأطرت الى حد بعيد
بنموذج اقتصادي نيوكلاسيكي او ليبرالي الى حد ما،وهو الانموذج الذي يرى
بحماس أهمية فصل اقتصاد السوق الحر وقطاع الاعمال عن نشاط الحكومة. إذ
ساد الاعتقاد بأن دور الحكومة الاقتصادي بأستثناء القطاع النفطي الريعي
يقتصر على تأدية ممارسة وظيفة الرقابة والاشراف على النشاط الاقتصادي
العام مع تقديم بعض السلع العامة الاساسية وترك النشاط الخاص ليسبح او
يغرق بنفسهِ للنهوض بأعباء التنمية. مما جعل فكرة سيادة المستهلك تطغى
على فكرة سيادة المنتج سواء على مستوى الموازنة العامة للدولة او على
مستوى الميزانية العمومية في سلوك الوحدة العائلية. وهذا ما يؤكدهُ
سلوك الموازنة العامة في طغيان نفقاتها التشغيلية وسيادة الطابع
الاستهلاكي الحكومي الممول من موارد النفط الريعية، مما جعل النشاط
الخاص شديد الصلة بالنشاط الاستهلاكي للحكومة والتحصيل السريع للربح
ومبتعدا عن ولوج مجالات تنمية الاستثمار الحقيقي مالم تقدمه الحكومة
بصورة منحة،اذ يعبر عن ذلك بحلول ظاهرة التطورالسريع لتجارة السلع
الاستهلاكية والتمويل الاستهلاكي في اقصى صوره وتدني النشاط الانتاجي
الخاص الى اخفض نقطة في تاريخ البلاد الانتاجي. وعلى هذا الاساس طبع
النظام الاقتصادي بظاهرة شيوع تحصيل الريع او السعي وراء الريع كما
يسمى اصطلاحاً rent seeking ليكون اليوم محور مايفكر به النشاط الخاص
في تعاطي نشاطهِ الاقتصادي وتشابكه مع النشاط الاقتصادي للحكومة، او
ربما يمكن القول انه نشاط يتطفلparasitize بالغالب على النشاط الريعي
الحكومي. إذ ينصرف مفهوم تحصيل الريع او السعي وراء الريع: على الطريقة
التي تستخدم فيها موارد البلاد الحقيقية من أجل الاستيلاء على الفائض
الاقتصادي الذي يتم تحصيلهُ غالباً بصورة ريع مكتسب. فالنشاط الخاص
كثيراً مايسعى الى دفع السياسة الاقتصادية بأتجاهات تؤدي الى نجاحات
اسمية لاتولد نطاق مستدام من القيمة المضافة ولا توفرفي الغالب
مقاديرانتاجية او استثمارية مؤثرة تمتلك القابلية والشروط الموضوعية
على استدامة التنمية،باستثناء تعظيم تحصيل الريع، كالتمتع بأعفاءات
ضريبية كبيرة او الاستفادة من سياسات حمائية واسعة او الانغماس بمسائل
تدهور اسعار صرف العملات لتوليد نشاط اقتصادي مرتفع التكاليف لايساير
الاستقرار ولايساند التنمية وهي الظاهرة التي اطلق عليها بحق
الكتابRowley, Tollison and Tullock (1988 ) في كتابهم
الموسوم:الاقتصاد السياسي في تحصيل الريع او السعي عن الريع، بأنها
نجاحات تؤدي الى تحصيل الربح عبر نشاطات مباشرة غير منتجة.
إن الاقتصاد العراقي في ظروفهِ
الريعية الراهنة هو احوج ما يكون الى دوراقتصادي للدولة يسهل الشراكة
والأندماج مع النشاط الخاص،عبر تركيبه فكرية ومنهجية اقتصادية تمثل
عودة الى الماركنتالية الاقتصادية الجديدة و الترويج لاديولوجيا
النشاطات الخالقة للسوق او مايسمى بحركة مناصري نشاط الشركات المشتركة
–المؤلفة من ملكية الدولة وملكية الفرد معاً corporatists او بالأحرى
مايمكن تسميته بالماركنتالين الجدد neo-mercantilists وهي النظرة التي
ترى في التحالف الاقتصادي بين نشاط الدولة وقطاع الاعمال هو بمثابة
تحول حاسم نحو اداء اقتصادي واجتماعي امثل وعال الانسجام والتوافق في
توليد نمط راسخ من التنمية المستدامة.
وتعود بنا هذه الخطوة الى التقليد
القديم والتطبيقات الماركنتالية او التجارية للقرن السابع عشر، إذ
يعتقد الماركنتاليون بالدور الاقتصادي النشيط للدولة بغية تحفيز تجارة
الصادرات وعدم تشجيع استيراد السلع النهائية وتشييد احتكارات تجارية ان
صح التعبير يمكن ان تساعد على تقوية قطاع الاعمال وقوة الحكومة في آن
واحد(ولكن كان تحت مبدأ اينما تصل الرايات تصل التجارة وان الراية
والتجارة تتحركان معا). و يلحظ ان هذه الفكرة مازالت باقية الى يومنا
الحاضر وتعتمدها القوة التصديرية العظمى الصاعدة او الجيوبولتك
الجديد،وبشكل خاص الصين الشعبية التي اقرنت قوة الدولة بالثروة للوصول
الى ميزان تجاري فائض، فضلا عن تعزيزها المستمر للقوة السياسية
والعسكرية لها من خلال ابراز دور الدولة- الامةnation state في الحياة
الاقتصادية او مايصطلح عليه اليوم باقتصاد القوة لأعادة توزيع التراكم
الرأسمالي المركزي واستعادة الفائض الاقتصادي التاريخي على الصيد
العالمي.
وعلى الرغم من ان آدم سمث واتباعهِ
في تفسير ثروة الامم حتى قد ربحوا المعركة الفكرية حتى الوقت الحاضر
بين نموذجين للرأسمالية واقصد بهِ نموذج السوق الحر إزاء النموذج
الماركنتالي الجديد، لكن الحقائق على ارض الواقع قد اظهرت كثير من
الغموض في اطروحة ثروة الامم. فالنمو الريادي لليابان في العقود
الماضية ولاسيما عقدي الخمسينيات والستينيات وكوريا الجنوبية في عقدي
الستينيات والثمانينيات والصين منذ مطلع الثمانينيات قد اظهرت
اقتصاداتها جميعاً أن هناك دور نشيط للحكومة يؤدى جنبا الى جنب مع
النشاطات الواسعة التي يؤديها قطاع الاعمال الخاص. فجميع تلك النشاطات
قد حفزت الاستثمار والتصدير بشكل واسع وقللت من فرص الاستيراد. إذ تعد
الصين اليوم عند اعلى مستوى من الادخار واعلى مستوى من الفائض
الاقتصادي في السنوات الاخيرة بأستخدامها التعاليم الماركنتالية على
أوسع نطاق. وان فكرة آدم سمث في كتابه الشهير ثروة الامم (1776)
واتهامه للماركنتالين على انهم قوم لم يميزوا بين (الثروة) وبين مايمكن
تسميتهِ (بالمذخورات او الكنوز) مشيرا الى ان تراكم المذخورات من الذهب
والفضة وتحقيق ميزان تجاري فائض كما كان يريده الماركنتاليون هي مجرد
وسائل للحصول على الثروة من السلع القابلة للأستهلاك او الاستعمال قد
وجدت ما يناقضها حقا من النماذج الراسمالية.اذ برهنت المدارس
الماركنتالية الجديدة على ان النموذج الرأسمالي الراهن- المتمثل في
تظافرنشاط الدولة والسوق-هو النموذج الاكثر نجاحا في التنمية و الذي
تعتمده الاسواق الناشئة في الصين والبرازيل وروسيا والهند هو خلاف
المذهب الليبرالي المطلق لثروة الامم.
إن بلادنا التي تهيمن فيها الدولة
على نسبه بلغت ربما قرابة 80% من الناتج المحلي الاجمالي في الوقت
الحضر لتترك نسبة قدرها 20% او اكثر بقليل الى النشاط الخاص، هي اليوم
بامس الحاجة الى نظام اقتصادي ماركنتالي جديد يُمكن من اكتشاف العلاقة
الوطيدة بين نشاط الدولة الاقتصادي وقطاع الاعمال الخاص للنهوض
بالتنمية ويعيد توصيف العلاقة ويعيد هيكلتها بعيداً عن الغموض الذي
تقوده المدارس الليبرالية اوالكلاسكية الجديدة في دورة الحياة
الاقتصادية لامم العالم الثالث،ولاسيما ان الازمة المالية والاقتصادية
الدولية الراهنة قد برهنت الدور البالغ للامم الماركنتالية الجديدة
والفكر الماركنتالي في استعادة الاستقرار والنمو الى الاقتصاد العالمي.
ويعكس الواقع التحليلي، بعد
استبعاد القطاع النفطي من مكونات الناتج المحلي الاجمالي،هيمنة القطاع
الخاص على نسبة تقرب من 65% من اجمالي النشاط الكلي للبلاد، ولكن من
المؤسف حقاً نجد ان 65% من هذا النشاط يعبرعن سيادة نشاطات خدمية ضعيفة
الارتباط بالنشاط الانتاجي اوالاستثماري الحقيقي مما اصبح السوق حاضنة
للبطالة الفعلية. وعليه فإن الاقتراب الراهن بشكل مكثف من الفكر
الليبرالي اوالنزعات الكلاسيكية الجديدة، التي ترى في نموذج الدولة
بأنه مجرد وسيلة يتوسل بها حُماة افلاطونيون لسيادة المستهلك كما يقال
ذلك في الادب الاقتصادي Platonic guardians of consumer sovereignty
لابد من مغادرتهِ حالاً والتحول نحو الاستثمار والشراكة بين القطاعين
العام والخاص وعد هذه الشراكة بديلاً ممكناً عبر توافر عوامل مركزية
رئيسة هي الاطار القانوني الذي يحكم شراكات القطاعين العام والخاص
واجراءات اختيار وتنفيذ الشراكات ودو المالية العامة في هذا السياق
والالتزامات التعاقدية التي تستند اليها الشراكة، فضلا عن توخي
الشفافية والافصاح التام عن جميع المخاطر التي يتعرض اليها المال
العام، اي ان لايكون المال العام وسيلة ميسرة للبحثين عن الريع او
تحصيل الريع rent seekers علىغرار ماهو سائد في الوقت الحاضر. وبهذا
يمكن ان تنشأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال عقود
الامتيازاوعقود تأجير التشغيل و مشاريع البنية التحتية في مواقع محددة.
4- الخاتمة
ان الشراكة في الدولة الريعية هو
الاسلوب الواقعي للتحول من المركزية الاقتصادية الى ديموقراطية السوق
ووضع ريع النفط والايرادات العامة في عجلة الاستثمار الحقيقي للاقتصاد
الحر وإعادة هيكلة القطاع الخاص وتغيير واقعهِ الهش عن طريق توليد زخم
من الشركات الاستثمارية وشركات الانتاج المساهمة الخالقة للسوق
والمعظمة للرفاهية الاقتصادية والاجتماعية وتقوية فرص الانتاج
والاستخدام في سوق العمل المنظمة وكفالة الفرد بقوة المجتمع التعاوني
القائم عليها و بمشتركاته كافة. وبهذا لابد من استبدل النمط الرأسمالي
للدولة الريعية من نمط المرحلة النيو كلاسيكية الراهن الذي افقد التطور
الاقتصادي مكانتهُ المرغوبة إلى النمط الرأسمالي الماركنتالي الجديد،
وعلى نحو يقوي فرص التنمية بموارد الامة وثرواتها القائمة ويحول البلاد
من المركزية الاقتصادية وفراغات الفكر الكلاسيكي الجديد في توصيف حركتي
السوق والدولة (وهو النمط الاقتصادي السياسي الراهن الذي افقد البلاد
الكثير من شروطها الموضوعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية) الى
نمط معمق من ديمقراطية السوق وعلى وفق رؤية ماركنتالية جديدة، قوامها
توليد شراكة استراتيجية بين السوق والدولة الريعية، تتظافر فيهما القوة
والثروة في جيوبولتك عراقي حديث.
المصادر
.................
: حول
نظرية الدفعة القوية:راجع
"Note on
the theory of big push" in Economic
Development of Latin America" ch.3
(Ed.)
H.S. Ellis and W.W Wallich 1961
كذلك
راجع: مظهر محمد صالح / مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق
الدولة
الريعية من المركزية الاقتصادية الى ديمقراطية السوق /بيت الحكمة بغداد
(في طور
النشر)
Akitoby.B,Hemming.R and Schwartz.G(2007 )
“Public
Investment and Public-Private Partnerships ”
Economic
Issues ,
IMF.No.40
Rowely,C.K ,Tolliuson,R.D and Tullock,G.(1988 )
“The
Political Economy of Rent Seeking ”
Kluwer
Academic Publishers,Boston .
Rodric,Dani(2009)”Mercantilism Reconsidered ”
Annual
Meeting Daily
IMF/WORLD BANK MEETINGS
Monday,October 5,p.25
Robinson,J(1963)”Economic Philosophy ”
Aldine
Publisher Co.,P.13
مظهر
محمد صالح، توصيف النظام الاقتصادي: بين الاكاديمية الكلاسيكية
والماركسية
الجديدة
ورؤية اكاديمية عراقية معاصرة.
دراسات
اقتصادية
، بيت
الحكمة – بغداد/ العدد الاول- السنة الثالثة 2001م
....................
المصدر:
من الموقع:
http://www.aliraqiah.com/ArticleShow.aspx?ID=639
|