|
الإثنين :
29/06/2009
بين مقالب السياسة ومطالب الوطنية
ثامر عباس (*)
(خاص للموقع)

ما معنى أن يكون المرء ديمقراطيا"
؟ . وما الغاية من تشبثه بالخيار الديمقراطي ، باعتباره أفضل الأنظمة
السياسية وأنسب الحلول الاجتماعية وأنجع الصيغ الحضارية ؟ بل ما جدوى
تمسكه بهذا الضرب من الاعتقاد الفكري والموقف السياسي ؟ هل لأنه يحبذ
أن يكون عموم الشعب هو الذي يحكم نفسه بنفسه ، وبالتالي يغدو سيدا في
عرينه وسلطانا"في مملكته ؟ أم لأنه يؤمن بضرورة أن يصبح الشعب هو
المصدر / المرجع الوحيد لإثبات شرعية ممثليه ، ومن ثم مشروعية نظامه
السياسي ؟ وهل هو ذاك الذي ينادي بالتعددية السياسية والتنوع
الإيديولوجي ، ويناصر حركات حقوق الإنسان ، ويدعو لفتح قنوات الحوار مع
الآخر / الغير ، ويعتقد بأن ظاهرة الاختلاف في الآراء والتباين في
المنطلقات ، قمينة بضمان حيوية المجتمع ودليل صحته ؟ أم هو ذاك الذي لا
يرى ضمانة للمحكومين من طغيان الحكّام أو عاصما"من جور المستبدين ،
إلاّ بوجود دستور دائم وراسخ ، وإقامة الشعائر الانتخابية في ظل دولة
القانون والمؤسسات ؟ أم هو ممن يؤرقه همّ الفصل بين السلطات ورسم
الحدود بين الصلاحيات وتفعيل الرقابة على الممارسات . وكتحصيل حاصل ،
ما الفضيلة التي ينشدها الفرد حين يهتم بنشر ثقافة المشاركة وتعميم قيم
المواطنة بين أقرانه ، لاحتواء غرائز السيطرة وإقصاء نزعات الاستحواذ
؟؟ . تلك هي باختصار بعض ما تدعوننا إليه وتحضنا عليه دروس الوعي
الديمقراطي في مضمار الممارسة السياسية ومعمعان التجربة الاجتماعية ،
إذا ما راق للمجتمع المعني أن ينعم بأجواء الأمن ويرفل برداء الرفاهية
. ولكن ما العبرة في طرح مثل هذه الأسئلة الحادة والاستقصاءات القاطعة
، طالما ان الكلّ يخطب ودّ الديمقراطية والجميع يسعى لنيل رضاها ؟ .
الحقيقة ان المؤكد في عرف السياسية
أولا" ، ان مفهوم الديمقراطية قد غادر إلى غير رجعة قوالب التصنيفات
الكلاسيكية وتخطى أطر التوصيفات التقليدية ، ولم يعد ينتظم ضمن صيغته
الحرفية السابقة التي ورثناها عن الأغارقة القدماء عندما نصت على إنها
(( حكم الشعب وللشعب وبالشعب )) . بل إنها خلعت ردائها الفضفاض وتخلصت
من زخارف التعاريف المبتسرة وتزويق التعليلات القاصرة ، وأمست تفصح –
من جملة ما تفصح عنه – عن كونها طريقة أو بالأحرى منهج إنساني يحايث
حركة الواقع ويواكب تطور المجتمع ، ليس فقط في مجال تقاليد حيازة
السلطة السياسية ومواضعات امتلاك ناصية صنع القرار السيادي وآليات بسط
الهيمنة الإقليمية فحسب ، وإنما – وهنا مكمن الأهمية – حصول التوافق
وبلوغ التراضي ونشدان التفاهم بين القوى السياسية والاجتماعية إزاء
ممارسة تلك السلطة بأسلوب التداول السلمي النابذ للعنف والتطرف ،
وشرعنة حالة الصراع عبر اللجوء لقوة الكلمة والمقارعة بمنطق الفكر ،
بما لا يحيد عن القواعد العامة ولا يتعارض مع الأسس المشتركة .
فالديمقراطية على وفق هذا التوصيف ينبغي تحديدها (( لا بوصفها تغلب
الجامع والشامل على الخصوصيات – كما عبّر عن ذلك عالم السوسيولوجيا
السياسية ألان تورين – بل بوصفها مجمل الضمانات المؤسساتية التي تتيح
الجّمع بين وحدة العقل الوسائلي وبين تنوع الذاكرات ، الجّمع بين
التبادل والحرية ))(2) . هذا من ناحية ، أما من الناحية الأخرى فأن
المؤكد في عرف الاجتماع ثانيا" انه وأن كانت الديمقراطية وسيلة فاعلة
وأسلوب ناجع لتذليل معاناة الشعوب وتأمين حاجاتها المادية والمعنوية ،
بما يسهم في تحرير إرادتها المكبلة ، وإطلاق طاقاتها المعطلة ، وتثوير
وعيها الشقي . إلاّ انه – وهذا درس آخر – لا ينبغي أن تترك لسلطان
مزاجها وطوع رغباتها ، لتمارس لاحقا" طغيانها باسم حقوق الأكثريات
الجاهلة أو الإرادة العامة المفترضة أو المصلحة القومية المتخيلة أو أي
مسما"آخر ، على خلفية أميتها السياسية وتخلفها الاجتماعي وعوزها
الاقتصادي وتأخرها الثقافي وتصدعها الوطني ، فذلك يعدّ كالمستجير من
الرمضاء بالنار كما قالت لعرب قديما" . وحيث ان الديمقراطية تعتبر ذروة
الممارسة الاجتماعية في مسار وعيها التاريخي ، فهي تسلتزم ، لكي تبلغ
رسالتها وتحقيق أهدافها ، إنجاز مطالب الوعي بمضامينها ، وتكييف السلوك
على وفق قيمها . ولعل من أبرز تلك المضامين وأرفع تلك القيم تلوح
النزعة الوطنية المتطلعة صوب الأفق الكوني الرحب ، وكأنها تتويج لحكمة
الإنسان وعقلانيته لا لتعصبه وجهالته ، كما شهد العالم فواجع التجارب
النازية والفاشية . فالديمقراطية في نهاية المطاف – باعتقادي المتواضع
– هي الوطنية البالغة حدّ الإشباع العقلاني والحضاري والإنساني . بمعنى
إنها الفعل السياسي الذي استحضر قيمة الرموز الوطنية التي يبجلها ،
واستغرقه الانتماء للهوية الجمعية التي يسعى للحفاظ عليها ، للمدى الذي
يبوئها الصدارة في أجندة خياراته ، ويمنحها الأفضلية في تسلسل أولوياته
، بعد أن يشذبها من زؤان العصبيات العنصرية ، ومخلفات النزعات الطائفية
، ويجعل منها معيارا" للمفاضلة وفيصلا" للمقارنة . وهنا يستحضرني ما
قاله أمين عام حزب
الله اللبناني السيد ( حسين نصر
الله ) خلال ردّه على محاولات المعارضة اللبنانية لسحب البساط من تحت
أقدام الحكومة الوطنية المنتخبة ، عبر تجييش المظاهرات الجماهيرية
وتصعيد الاحتجاجات الشعبية لحمل الحكومة على الاستقالة ، ما معناه ((
هل تريدون أن نحتكم إلى الشارع لتسوية الأمور الوطنية ، وهو في حالة من
التعبئة الطائفية والتخندق السياسي ؟ ))(3) . بمعنى ان حلّ المشاكل
الاجتماعية ونزع فتيل الأزمات السياسية ، لا يتحقق بترك الزمام تقرره
الانفعالات العفوية للجماهير المهيجة سيكولوجيا"والمستنفرة
إيديولوجيا"، وإنما الأحرى أن تتكفل بها النخب الوطنية الحريصة على
وحدة عناصر المجتمع والضامنة لأمن مكونات الوطن ، بعد أن حصنها الوعي
السياسي الناضج ، وعقلنها المراس الديمقراطي المتراكم ، ونورها الغنى
الثقافي المتنوع ، وطورها الحسّ التاريخي العميق ، وألهمتها التجربة
الواقعية المشتركة . ذلك لأنه في (( الجمهور – كما يجادل غوستاف لوبون
– يتحرر الأبله والجاهل والحسود من الإحساس من دونيتهم وعدم كفاءتهم
وعجزهم ، ويصبحون مجيشين بقوة عنيفة وعابرة ، ولكن هائلة ))(4) .
وإذا ما استعرضنا مأساة العراق بكل
أبعادها ومضامينها المؤلمة ، لاستيعاب الدروس واستخلاص العبرّ ، في ضوء
ما جرى وما هو جار الآن وما يحتمل أن يجري في المستقبل ، لتبدت لنا
الحصيلة مثبطة للهمم وباعثة على اليأس. فقد تحولت الديمقراطية ، التي
هي – ظاهريا"- معبودة كلّ الأحزاب السياسية والتيارات الاجتماعية بدون
استثناء ، إلى شعار انتخابي مؤدلج تم زجه في أتون المقالب السياسية
والمساومات الحزبية ، لاستقطاب تأييد الجماعات الأولية واستدرار مؤآزرة
العصبيات المذهبية ، وذلك من أجل ضمان الفوز ببعض المكاسب الشخصية
والامتيازات الفئوية ، بدلا" من اتخاذها كوسيلة عقلانية مشروعة لتحقيق
المطالب الوطنية المؤجلة في الاستقلال السياسي والاستقرار الاجتماعي
والأعمار الاقتصادي والتبلور الثقافي . والانكى من ذلك ان تلك الأحزاب
والتيارات عمدت لتوظيفها كأداة م، أدوات المقالب المذكورة لتعظيم تلك
المكاسب ومضاعفة تلك الامتيازات ، بعيدا"عن أصول العمل السياسي الواقعي
وخلافا"لأعرافه وقواعده . وعلى هذا فقد تنبّه أحد الكتاب العراقيين -
ممن عوّلوا على نجاح التجربة الديمقراطية في العراق - إلى هذه المسألة
، إلاّ انه تجنب الإشارة إليها بصورة مباشرة وصريحة حين أبدى أسفه
قائلا" (( ان البرامج المطروحة تمثل خيارات بناء سلطة وليست خيارات
بناء دولة . ويبدو إننا سنبقى نعاني من غياب التمييز بين السلطة
والدولة ، وعدم وضوح الفرق بينهما لدى النخب ستجد نفسها وجها" لوجه
أمام معركة دستورية لا يبدو إنها أعدت نفسها لها بعناية ، حتى
التحالفات الانتخابية لم تقم على استعداد القوائم الانتخابية للمعركة
يفتح الباب أمام خلافات جديدة ، واصطفافات جديدة ، وتحالفات جديدة تحت
قبة الجمعية الوطنية الانتقالية المقبلة ))(5) . وحقيقة الأمر ان
القضية لا تتعلق بانعدام التمييز أو قلة إدراك الفارق بين الدولة كسلطة
مؤسسة ( بكسر السين ) ، وبين السلطة كمؤسسات حكومية تمارس وظائف
الهيمنة والسيطرة معا" بأسم الدولة وتحت غطائها – باعتبار ان هذه
الأخيرة ، وان يكن حضورها ماثل في وعي الإنسان / المواطن من خلال
تحديدها لأنماط سلوكه وتقنين حدود علاقاته على صعيد الحقوق والواجبات ،
فهي كيان اعتباري / معنوي غير ملموس ، لايمكن تعيين أبعاده وتأطير
ملامحه والاستدلال عليه ماديا" . فهي على حدّ تعبير الفقيه الفرنسي
(جورج بوردو) (( ليست إقليما" أو شعبا" ولا مجموعة من القواعد الملزمة
. كل هذه العوامل ليست بالتأكيد غريبة عنها ولكنها تضعها فوق المعرفة
المباشرة . فوجودها لا يتعلق بالظاهرية الملموسة ، انه شيء ذهني .
فالدولة بالمعنى الكامل هي فكرة . وبما إنها ليس لها غير حقيقة ادراكية
فهي ليست موجودة إلاّ لأنها تدرك بالفكر ))(6) . هذا في حين تشكل
السلطة امتدادا" لقدراتها (= الدولة) وتجسيدا" لهيبتها في إطار علاقات
القوى الفاعلة في المجتمع السياسي ، كما وتعدّ ذراعها المادي لإحلال
النظام وفرض القانون على مستوى المجتمع المدني . بيد أن هذا يدفع
باتجاه تبني خيار الاستحواذ على مقاليد السلطة وتفضيله على خيار ترصين
كيان الدولة وتعزيز سلطانها ، هو ما قد يترتب على الأطراف المعنية من
مواقف سياسية والتزامات وطنية ، تتعدى نطاق التوقعات الآنية والحسابات
العاجلة لهذا الحزب السياسي أو ذاك ، لهذه الحركة الاجتماعية أو تلك ،
مما يجعل البعض يؤثر الطارئ والآني على الثابت والدائم . بمعنى ان
التيارات السياسية التي تضع المطالب الوطنية في المقدمة من أجندة
خياراتها الاستراتيجية ، كما وتتخذ منها معيارا" لمنهاج تحركها ودليل
علاقاتها ، لا يمكن أن تغويها شهوة السلطة ومغرياتها للحد الذي يسوقها
للتفريط بتلك المواقف والتنكر لها ، والعكس بالعكس . فالسلطة ، وفقا"
لذلك ، وسيلة سياسية مشروعة – لا حاجة بنا للتذكير بأننا نناقش الموضوع
هنا من حيث المبدأ لا من حيث الواقع ، إذ أظهرت الوقائع ان الكثير من
السلطات تفتقر لأبسط معايير الشرعية – ترتكز إلى قاعدة القوة / المصلحة
، والتي غالبا" ما تعني مصلحة الجماعات السياسية المتنافسة حول مقدار
الحصص وكمية المغانم التي يمكن الظفر بها قبل أي اعتبار آخر . وعلى
العموم (( يشتد الصراع على السلطة في جميع أنواع الجماعات ، الكبيرة
والصغيرة ، الطبيعية والاصطناعية ، بقدر ما يضاف على العوامل الموضوعية
من معنى متولد من ذاتية الطامحين إلى السلطة ))(7) . وإذا ما وضعنا
الدولة في كفة المقارنة فإنها ستبدو ، بالإضافة إلى كونها صمام أمان
لضمان الصراعات الاجتماعية
وإدارة عمليات التوازن السياسي بين
الكتل والتيارات ، فهي علاوة على ذلك رمز وطني ومظهر سيادي لا يمكن
لأي كان تجاهل أهميتها وازدراء
دورها والاستغناء عن ضرورتها ، ما لم يكون مستعدا" للتفريط بمقومات
وجوده الاجتماعي وشروط أمنه السياسي وشواخص تراثه الحضاري ، فضلا"عن
ترك مصيره نهبا" للمشاكل والاضطرابات ، حيث تقرره الصدفة وتتحكم به
الاحتمالات .
وبناء على ما تقدم فان ظاهرة
انهيار ( السلطة ) السياسية – بصرف النظر عن الأسباب والدوافع – لا
يترتب عليها بالضرورة تآكل أركان ( الدولة ) والإفضاء بها إلى السقوط ،
والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة . أما لو حدث العكس – كما في حالة
العراق ومن قبله أمثلة أفغانستان والصومال – فان آثار سقوط الدولة
سرعان ما تنسحب على مجمل عناصر المجتمع وفعالياته كافة ، بما في ذلك
مكونات السلطة السياسية وأشكالها التشريعية والتنفيذية والقضائية ،
فضلا" عن مختلف الأجهزة والمؤسسات الرسمية والشعبية الأخرى . الأمر
الذي يستلزم أن تضطلع قواه السياسية ونخبه الثقافية بالمسؤولية
التاريخية من خلال تأكيدها المضاعف على ثوابته الوطنية ، وحثها
المتواصل على التمسك برموزه الاجتماعية ، ومثابرتها المستمرة على صيانة
مقومات وحدته الجغرافية ، وتثقيفها اليومي على الاعتزاز بأصوله
الحضارية . ومن هذا المنطلق فإذا ما كانت النخب السياسية والثقافية
العراقية قد اعتمدت ، لإحراز قصب السبق في مضمار الماراثون
الانتخابي(8) ، على رهانات الاستقطاب الطائفي والاصطفاف العنصري
والتمحور العشائري ، دون مراعاة الاستحقاقات الوطنية الملحة والمصيرية
، كالأمن الاجتماعي والاستقلال السياسي والسيادة الوطنية والعمار
الاقتصادي ، لاسيما البنى التحتية المدمرة ، ومعالجة قضايا الديون
الخارجية ، والقضاء على مظاهر الجريمة المنظمة ، والفساد المالي
والإداري ، وإعادة تشكيل دولة القانون وتأهيل مؤسساتها وتعزيز قيم
المواطنة ، واتخاذ الإجراءات الضرورية لإحياء الواقعية السياسية بما
يعيد للعراق مركزه الإقليمي واعتباره الدولي ، يغدو من باب الضرورة
المنطقية التساؤل عن ماهية الضمانات التي يمكن اعتمادها لتأكيد نجاح
عملية الانتخابات التشريعية التي أنجزت في الثلاثين من كانون الأول
(يناير) أو أية نشاطات أخرى قادمة ، سواء تعلق الأمر بصياغة وثيقة
الدستور أو اختيار شكل النظام السياسي ، وفقا" للمقاييس الوطنية
الثابتة والمعايير الديمقراطية المعروفة . فهل يا ترى لأنها بلغت
مستويات عالية من المشاركة الشعبية لم تكن متوقعة ، قياسا" بحراجة
الظروف الأمنية وتدهور الأوضاع السياسية القائمة حاليا"، أم لأنها حظيت
بمظاهر القبول والرضى من لدن الأكثرية التي يحق لها الإدلاء بأصواتها
في صناديق الاقتراع ، بحيث نبيح لأنفسنا الحق بإضفاء الشرعية على
نتائجها ؟ . ولعل من المفيد في هذا المنعطف الخطير والمعقد ، التذكير
بما قاله الباحث العراقي (فاضل الربيعي) للوقوف على ما ستؤول إليه هذه
التجربة الملتبسة من نتائج وما سيتمخض عنها من حصائل مربكة إذ : (( ان
التاريخ الاجتماعي والسياسي في العراق ، يقدّم نموذجا"دراسيا"ممتازا"عن
الطريقة التي تقوم فيها الجماهير بالاستيلاء على الحزب وإخضاعه ، بحيث
تغدو السياسة مع الوقت ، نوعا"من هياج جماعي يفضي في كل مرة ومع كل حدث
، إلى تفاقم الصراعات والى دورات من العنف غير القابلة تقريبا"على
السيطرة ؛ بينما تتراجع أدوار النخب السياسية والفكرية ))(9) .
والواقع انه في مثل ظروف العراق
الحبلى بالنذر والمفاجآت ، حيث تتراوح ما بين الانفلات الأمني والتصدع
النفسي والانقسام الاجتماعي والتشنج في العلاقات البينية ، وتوزع
الولاءات بحسب التكوينات الاثنية والدينية والطائفية والعشائرية ، لا
يمكن الركون إلى اتجاهات رأي الجمهور المعبأ بالعواطف والمشحون
بالانفعالات ، طالما ان غالبيته العظمى تفتقر لأبجديات الوعي
الديمقراطي ، فضلا"عن تدني مستويات ولائه الوطني وجهلة بطبيعة هويته
السياسية . إذ من شأن ذلك أن يؤزم المواقف ويفاقم المشاكل ويصعب
الأوضاع ويخل بموازين القوى والتكتلات ، ليس الآن فقط وإنما في
المستقبل أيضا" . وعلى أية حال فان ما تمخض من نتائج وما تكشف من حصائل
، لا يفصح عن جهل العامة وقلة حيلتها ، بقدر ما دلل على عجز الخاصة
وتقاعسهم عن الارتقاء بمستوى أنصارها ومريديها من حيث النضج السياسي
والوعي الوطني ، بحيث انساقوا خلف رموزهم العصبوية ، واستحضروا موروث
ثقافاتهم الفرعية ، واستدعوا نعرة ترابطاتهم العضوية .
وعودة على بدء ، فان معطيات الوعي
الديمقراطي ، لا تعني – بحصر المعنى – الممارسة الانتخابية ولا تدخل في
شروطها عدد الذين انخرطوا فيها ، بقدر ما تؤكد على حقيقة إنها أولا"
وقبل كل شئ ؛ قيم حضارية وثقافة عقلانية وموقف إنساني وانتماء وطني ،
يردفها بناء مؤسسات دستورية فاعلة وإنماء ممارسات اجتماعية ناضجة
فالديمقراطية تتلاشى – كما يعتقد جوليان فروند – (( عندما تكون السلطة
الوحيدة المعترف بها للمواطن هي أن يضع ورقة انتخابية في صندوق
الاقتراع مرة واحدة كل أربع سنوات أو خمس ))(10) . وعلى ذلك فليس من
الحكمة السياسية ولا الأنصاف الأخلاقي ألاّ توضع المطالب الوطنية بمنأى
عن مقالب السياسة وألاعيبها ، بزعم ان وسائل الثانية تخدم مآرب الأولى
عبرانتهاج الممارسات اللاديمقراطية ، لاسيما في التعامل مع القضايا
الوطنية الحساسة التي تتطلب قدرا" نسبيا" من التضحية ، وتستلزم مستوى
عال من نكران الذات . فالذي لديه الاستعداد لأن يخسر ثوابت وطنه
ويتخلى عن مصالح شعبه ، لأجل أن يربح رهان السياسة بوسائل لا وطنية
ملتوية ، سوف لن يخسر نفسه نهائيا" ويفرط باعتباره كليا" ، ليس لأنه
قدم رهانات العاجل على حساب ضمانات الآجل فحسب ، وإنما فضل خيار معارضة
حركة التاريخ ، ومناهضة منطق الجغرافيا ، ومخالفة قوانين الاجتماع .
.................
(*) باحث وكاتب عراقي في الدراسات الاجتماعية .
الهوامش
والمصادر :
..............................
(1) لقد
سبق نشر موضوع هذا الدرس ، فضلا"عن الدرسين الثاني والثالث على صفحات
جريدة السيادة في أعداد سابقة . وقد تم إعادة نشرها مجتمعة ضمن مجلة (
فكر حر ) العدد الأول بتاريخ كانون الثاني (يناير) / 2005 ، ص 21 .
(2) ألان
تورين ؛ ما هي الديمقراطية ؟ حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية ، ترجمة
الدكتور حسن قبيسي (بيروت ، دار الساقي ، 2001 ) ، ط /2 ، ص8 . هذا وقد
أشار الدكتور محمد عابد الجابري إلى أن (( مفهوم الديمقراطية قد تغير
وتبدل ، وأنه في تطور دائم ، يستمد حركته التطورية من حركة التطور
التاريخي التي لا تني ولا تقف . ففي كل عصر ، بل ربما أثناء العصر
الواحد نفسه ، كان هناك مفهوم للديمقراطية ، ان لم يكن مخالفا" للمفهوم
الذي ساد قبله ، فهو على الأقل نغاير له إلى حدّ كبير )) . أنظر كتابه
: الديمقراطية وحقوق الإنسان ، سلسلة الثقافة القومية (26) ، قضايا
الفكر العربي (2) ، ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997 ) ط/2
، ص14 .
(3) لقد
قيل هذا الكلام خلال الأزمة السياسية التي عصفت بالمجتمع اللبناني عقب
حادثة اغتيال رئيس الوزراء ( رفيق الحريري ) ، والتي يبدو ان العدوان
الإسرائيلي الأخير قد أزاح تداعياتها مؤقتا" عن واجهة الأحداث الدامية
.
(4) غوستاف لوبون ؛ سيكولوجية الجماهير ، ترجمة وتقديم هاشم صالح (
بيروت ، دار الساقي ، 1997 ) ط/2 ، ص74 .
(5) نشير
هنا إلى ما أفصح عنه رئيس تحرير مجلة الإسلام والديمقراطية الأستاذ
محمد عبد الجبار شبوط من هواجس مشروعة حيال مخاضات إعداد مسودة الدستور
الدائم ، والذي فاته ان طبيعة الخيارات التي كانت – ولا تزال – مطروحة
على الساحة السياسية العراقية ، لا تكمن فقط في سعي التيارات السياسية
المسؤولة نحو ( بناء السلطة ) على أنقاض ( بناء الدولة ) – ولكن سلطة
من- ، بل في الإصرار على ( بناء المليشيات الطائفية ) فوق وضد كل من
السلطة والدولة معا"كما دللت التجارب الدامية وأثبتت الوقائع المروعة
لاحقا. أنظر ؛ مجلة الإسلام والديمقراطية ، العدد/8 ، 15 كانون الأول
(ديسمبر) 2004 ، ص5 .
(6) جورج بوردو ؛ الدولة ، ترجمة الدكتور سليم حداد ، ( بيروت ،
المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ، 1985 ) ، ص10 .
(7) الدكتور ناصيف نصّار ؛ منطق السلطة : مدخل إلى فلسفة الأمر ، (
بيروت ، دار أمواج ، 2001 ) ط/2 ، ص346 .
(8) الجدير بالملاحظة ان موضوع هذا الدرس كتب خلال حمى عملية
الانتخابات النيابية (التشريعية) التي سبقت وضع مسودة الدستور العتيد
فترة وجيزة ، وقد ارتأينا إبقاء المضمون على حاله مع إجراء بعض التعديل
هنا والإضافة هناك ، لكي يتاح للقارئ فرصة التقييم والمقارنة على وفق
ما آلت إليه الأوضاع من تردي سياسي ونكوص اجتماعي .
(9)
فاضل الربيعي ؛ الجماهيرات العنيفة ونهاية الدولة الكارزمية في العراق
، ( دمشق ، الأهالي للطباعة والنشر ، 2005 ) ، ص24 .
(10)
كلود جوليان ؛ انتحار الديمقراطيات ، ترجمة عيسى عصفور ، ( دمشق ،
منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، 1975 ) ، ص172 .
|