الحضارية «دراسات مستقبلية»

السبت: 24/11/2007

العناية بالفقراء لتطوير الاقتصاد
Soigner les pauvres Pour developer L'economie

جون بيير لينتين
ترجمة: محمد الدنيا
مراجعة: ليلى بدر

يوصي تقرير لمنظمة الصحة العالمية بأن تستثمر البلدان الغنية أموالها في مشروع صحي واسع النطاق باتجاه البلدان الفقيرة يدرّ عليها مكاسب مالية فتنقذ بالتالي ملايين الأشخاص.
إذا أنفقت البلدان الغنية على مدى خمسة وعشرين عاما 27 مليار دولار سنويا على برنامج مساعدة طبية منهجي في البلدان الأكثر فقرا، فسيتيح ذلك إنقاذ حياة 8 ملايين شخص في العام.. وسيحقق الاقتصاد العالمي من خلاله عائدا سنويا يقدر بـ 386 مليار دولار. أهي قمة الصفاقة الرأسمالية أم أنها أكثر الأفكار عبقرية على الإطلاق لإخراج البشرية من البؤس؟ على كل حال، ذلك هو الراهن الذي يقترحه على كبار العالم تقرير بعنوان «الاقتصاد العملاق والصحة
Macro - economie et sante» الذي نشرته أخيراً منظمة الصحة العالمية.
ترجع فكرة هذه الدراسة إلى المديرة العامة الحالية لمنظمة الصحة العالمية، «غرو هارلم براندتلاند، Gro Harlem Brundtland» التي تشغل هذا المنصب منذ عام 1998م. كانت هذه المرأة النرويجية طبيبة وعالمة متخصصة في الصحة العامة، قبل أن تصبح وزيرة، ثم رئيسة وزراء عمالية في بلدها لمدة عشر سنوات. في الثمانينيات، اتسعت لجنة البيئة والتنمية المستديمة في هيئة الأمم المتحدة، التي سرعان ما أطلق عليها لجنة براندتلاند. كما كانت بعد ذلك صاحبة فكرة قمة ريو عام 1992م، وهو المؤتمر العالمي حول البيئة والتنمية في كوكبنا.
رهان عالمي
لما كانت السيدة بروندتلاند قد تعهدت ـ منذ توليها منصبها في منظمة الصحة العالمية ـ بالتصدي لمشكلة الصحة في البلاد الأكثر فقرا فقد أصبح هذا التقرير بمثابة وليدها الصغير، وأختير البروفسور «جفري ساخس J.Sach» لإدارة الأعمال: عـُرف هذا الخبير الاقتصادي من جامعة هارفارد وخبير التنمية بمواقفه الليبرالية والتقدمية في آن واحد وهي مفارقة كبيرة نجدها في كل صفحة من صفحات التقرير.
منذ السطور الأولى للمقدمة، يستند التقرير في مرجعيته إلى واحد من أكثر المصطلحات إثارة للجدل ألا وهو مصطلح «العولمة، mondialisation» يرى كاتبو التقرير أن «العولمة» (التبادل التجاري الحر الذي يشمل كل البلدان) تحمل في طياتها «فوائد ضخمة كامنة»، غير أنها حالياً موضع «محاكمة» لأسباب تعني في مجملها: أن تلك الفوائد المهمة لن تشمل قط ـ في مرحلة أولى ـ مئات ملايين الفقراء في العالم.
هنا يقول التقرير في محاولة لارتداء ثوب الفضيلة:
«إن تحسين الصحة وإطالة حياة الفقراء هما غاية بحد ذاتها وهدف أساسي للنمو الاقتصادي. إلا أنه أيضاً وسيلة لبلوغ أهداف تنموية أخرى. فالعلاقة بين الصحة وتناقض الفقر من جهة، والنمو الاقتصادي على الأمد البعيد من جهة أخرى، علاقة قوية جدا وأهم بكثير مما ندركه بشكل عام». يكفي أن نتذكر فشل إنشاء قناة بنما، بسبب الملاريا، في نهايات القرن التاسع عشر، حتى نفهم أن مثل هذه النظرية الاقتصادية لم تأت من فراغ.
جراثيم الكسل
من جانب آخر، فقد أجرى عدد كبير من الباحثين دراسات عن أثر الصحة في التنمية. واليوم، أصبح من المعروف أن الانطلاقات الكبرى في تاريخ الاقتصاد كتلك التي حدثت في بريطانيا خلال الثورة الصناعية، وأيضاً في جنوب الولايات المتحدة واليابان في بداية القرن العشرين، أو في جنوب أوروبا وبعض بلدان الشرق الأقصى في الخمسينيات والستينيات، قد تزامنت مع نجاحات مهمة تحققت في مجالات الصحة العامة والسيطرة على الأمراض وفي مجال التغذية. ففي جنوب الولايات المتحدة مثلا، كان النمو الاقتصادي مشروطاً إلى حد كبير باستئصال الديدان المعوية، التي كان تأثيرها على قوى العمل من الشدة بحيث أسموها في ذلك الوقت «جراثيم الكسل germes de la paresse». كما أدى استئصال الملاريا من جنوب أوروبا، في الأربعينيات والخمسينيات، إلى إزدهار السياحة وإنطلاق الصناعة في كل من اليونان، وإيطاليا، والبرتغال، وأسبانيا.
وعلى صعيد مواز، كثرت التحليلات الاقتصادية التي تحاول تقدير «قمة الحياة» على أسس حسابية بحتة. وكانت النتيجة كالآتي: إن الوفاة المبكرة لطفل أو لراشد في سن العمل، تؤدي إلى خسارة مالية. أي أن ما يمثله عدم القدرة على الكسب يفوق بكثير ما كان يمكن أن يستخلصه الفرد لو أنه استطاع أن يعيش حياة منتجة. هناك ما هو أكثر من ذلك: إن توفي رب الأسرة، فإن تأثير ذلك يكون مدمرا، ماديا ومعنويا، على الأسرة، وبقدر أقل، على النسيج الاجتماعي ككل. من المعروف، فضلا عن ذلك، أن انخفاض معدل وفيات الأطفال تتمخض عنه سلوكيات جديدة: إذ تتجه الأسر إلى الحد من الإنجاب وتستثمر مواردها في الإنفاق على صحة وتعليم كل ابن، مما يجعل من هؤلاء الأبناء عناصر عاملة على مستوى أفضل من الكفاءة.
من هذا المنظور، فإن كل سنة تضاف إلى عمر الإنسان تساوي ما يعادل ثلاث سنوات من العائد الفردي، وفقا لغالبية التقديرات. وتشير حسابات أخرى إلى أن الموت المبكر ـ لنقل في سن العشرين ـ يؤدي إلى خسارة أربعين سنة من الحياة المنتجة، أي ما يعادل مائة وعشرين سنة من العائد الفردي. ولإدراج هذه العوامل المتعددة في الحسابات، أوجد الاقتصاديون وحدة قياس غريبة هي الـ DALY(دالي) وهي الحروف الأولى من العبارة الإنجليزية Disability- Adjusted Life Year (وتعني: السنة الحياتية بالتناسب مع حالات العجز).
عملياً يأخذ هذا المقياس في الحسبان كلا من السنوات الإضافية المتولدة عن انخفاض معدل الوفيات وتضاؤل الإنتاجية الناتج عن الأمراض. وهكذا، نرى أن تأثير الملاريا في إفريقيا جنوب الصحراء، للعام 1999م وحده، أدى إلى خسارة 36 مليون دالي (DALY)، في منطقة تعداد سكانها 616 مليون نسمة. وهو ما يمثل 17.4 في المائة من الدخل القومي للبلدان المعنية. ومع انتشار الإيدز، بلغت الخسارة 72 مليون دالي، أي 35.1 في المائة من الدخل القومي. في البلدان الفقيرة، بعض الأمراض، التي يمكن محاصرتها سريعاً، ـ إن لم يكن استئصالها ـ تتسبب، ليس فقط في وفاة 8 ملايين نسمة سنويا، بل تقضي أيضاً على 330 مليون دالي كل عام، وهو ما يمكن أن يؤدي، وفقا للتوقعات التي تشمل العقدين القادمين، إلى ضياع دخل سنوي مقداره 186 مليار دولار بالنسبة للاقتصاد العالمي. ثم يضيف التقرير أن هذه التقديرات تتسم بالحذر والتحفظ. فربما يصل الرقم الحقيقي إلى أضعاف هذا المبلغ.
بعض المؤشرات تعطينا فكرة أدق عن حجم التفاوت السائد بين مختلف مناطق العالم. وبصفة عامة نجد أن السبب الأول للوفيات في مختلف الشعوب هو الأمراض المعدية Maladies Infectueuses ومن بين الـ 54 مليون فرد الذين يتوفون كل عام، هنالك 13.3 مليون شخص هم ضحايا الجراثيم والفيروسات والطفيليات. وتزداد هذه النسبة عندما نأخذ في بالحسبان الوفيات المسماة «مبكرة»، أي تلك التي تحدث قبل سن الـ 45. في هذه الحالة، تكون الأمراض المعدية سببا في 48 في المائة من الوفيات. إلا أن جل أضرار العدوى تقع في إفريقيا، وجنوب شرق آسيا، والريف في جنوب الصين وكذلك في بعض مناطق أمريكا اللاتينية. على سبيل المثال فإن الحصبة(1)، التي لا تمثل أي خطر في بلادنا تؤدي إلى وفاة 800 ألف طفل كل عام في البلدان الفقيرة.
الفجوة القاسية
ثمة نتيجة أخرى يمكن رصدها من معدلات الأعمار المرتقبة: فقد استقر المعدل حاليا عند حدود 78 سنة في البلدان الأكثر تقدما.. وعند 51 سنة في البلدان الأفقر. وفيات الأطفال هي أيضاً مصدر لإحصاءات لها دلالتها. ففي البلدان الأقل تقدما تمثل هذه الوفيات 10 في المائة من الأطفال دون سن السنة، مقابل 0.6 في المائة في البلدان الأغنى. وبالنسبة للأطفال دون سن 5 سنوات، نصل إلى النسبة المأساوية 15.9 في المائة في البلدان الأكثر فقرا، مقابل 0.6 في المائة أيضاً في البلدان الأغنى. ضف إلى هذه الأرقام التباين السائد بين الطبقات الاجتماعية في قلب المنطقة المعنية الواحدة. ووفقا لدراسات أنجزت حديثا في بوليفيا وتركيا، بين 40 في المائة من السكان الواقعين في قمة السلم الاجتماعي و40 في المائة من أولئك الواقعين في الطرف الآخر، فإن معدل وفيات الأطفال يتضاعف 4 مرات. ويبقى أن الأثر الاقتصادي للأمراض يتخذ أشكالاً متعددة تبدو أصعب من أن تخضع للحصر الدقيق. غير أن ذلك لا يعوق الباحثين عن متابعة حساباتهم. فقد تمكنوا رغم كل شيء من التوصل إلى إثبات العلاقة الوثيقة بين معدل وفيات الأطفال من ناحية والذي يعتبر مؤشرا عاما عن الأوضاع الصحية، ومعدل النمو الاقتصادي من ناحية أخرى.
وزن التعليم
في البلدان الفقيرة، حيث يتراوح معدل وفيات الأطفال بين 5 إلى 10 في المائة، تصل نسبة النمو في المتوسط إلى 3.7 في المائة، يهبط النمو إلى 0.1 في المائة؟ هناك دراسات أخرى تقدم نتائج كان يمكن أن تكون مضحكة لو لم تكن دلالتها على قدر كبير من الخطورة. على سبيل المثال، كشفت دراسة برازيلية أخيراً عن وجود علاقة بين طول قامة الشباب وعائداتهم. فمن المعروف أن قامة الفتى أو الفتاة تحددها إلى حد كبير سنوات الطفولة بمعنى أن سوء التغذية والمرض يؤديان إلى ظهور شباب أقصر قامة. فطول القامة أو قصرها هو إذن دلالة وليس مسببا ولكن، إذا تعمقنا أكثر في هذه الفرضية، نجد أن الخسارة الاجتماعية الناتجة عن أمراض الطفولة إنما مرجعها إلى عدم قدرة الأطفال المرضى على التعلم. فغالبا ما تترك هذه الأمراض آثارها السلبية على الحياة بأكملها، على شكل إعاقة إما بدنية أو ذهنية، والأهم من ذلك أنها تؤدي إلى الانقطاع عن المدرسة وبالتالي إلى تضاؤل مجمل الحصيلة الفكرية. وخلال دراسة تجريبية أجريت في تنزانيا، تبين أن حملة مكافحة الطفيليات المعوية كانت كافية لإحداث زيادة لافتة للنظر في المواظبة على المدرسة. ومن المفارقات الغريبة أن هذه النتيجة كانت واضحة أيضاً بين التلاميذ الأصحاء، وهو ما يبين لنا إلى أي مدى تنتج العوامل الصحية تشعبات مركبة في النسيج الاجتماعي.
أما في حالة الإنسان البالغ فإن الإصابة بالأمراض تؤدي إلى انخفاض إنتاجيته في إفريقيا الجنوبية، وفي المشروعات المنجمية، على وجه التحديد ضاعف الإيدز ثلاث مرات تكلفة تأهيل الموظفين الجدد، لأن الوفيات وحالات العجز عن العمل أدت إلى سرعة تغيير العمالة المدربة. والنتيجة: تدهور الأرباح وهروب المستثمرين: ناهيك عن الأراضي التي لم تعد تزرع أو عن انهيار السياحة. مثال آخر على تأثير الإجراءات الطبية في الإنتاج: في إندونيسيا، أمكن تقدير نسبة انخفاض إنتاجية العمال الذين يعانون من فقر الدم وحده بـ 20 في المائة. وكانت إضافة الحديد إلى التغذية كافية لإعادتهم إلى مستوى الناس الأصحاء. ولا يجب أن نغفل من حساباتنا الكارثة المترتبة على ظهور مرض خطير في الأسرة وما يتطلب ذلك من نفقات العلاج.
أغلب الأحيان ومن أجل توفير ثمن العلاج تضطر الأسرة إلى بيع وسائل إنتاجها، وهي عادة ما تكون الماشية أو الأرض. ويعني ذلك بالنسبة للأسرة الانتقال من الفقر إلى البؤس. وحتى بعد الشفاء، تجد الأسرة نفسها أمام استحالة «استعادة رأسمالها» واسترجاع مستوى إنتاجيتها السابق.
ووفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية، فإن غالبية المشكلات الصحية في البلدان الفقيرة ممكنة الحل.. في غضون عشرين سنة! وللتواصل إلى ذلك، حددت المنظمة أولوياتها: التطعيم والسيطرة على الأمراض المعدية، والتدابير المتعلقة بصحة الأمهات والأطفال وكذلك نشر المعلومات وتعليم سبل الوقاية. ترتكز الوسائل أساساً إلى تعدد المراكز الطبية الصغيرة القريبة من التجمعات السكنية، وأيضاً إلى الإصلاح الواسع لأنظمة التغطية الاجتماعية كي تتولى الدولة تكلفة العلاج.
قمتان في سنة
لهذه الغاية، يوصي الخبراء بـ «الشراكة» بين البلدان الغنية والفقيرة. وتحت رعاية منظمة الصحة العالمية، من المتوقع أن تصل المبالغ التي ستقدمها البلدان المانحة تدريجيا لتنفيذ برنامج صحي مـُعدّ إعداداً عمليا، مع الإشراف والمتابعة الحسابية، إلى 27 مليار دولار عام 2007م، وإلى 31 مليار دولار عام 2015م. من جانبها، ستخصص البلدان الأفقر، التي يقدر عدد سكانها اليوم بنحو 2.5 مليار نسمة، 1 في المائة من دخلها القومي للصحة من الآن وحتى العام 2007م، ثم 2 في المائة حتى العام 2015م. وبالنسبة للبلدان الغنية، فإن مجموع ما ستقدمه لن يتعدى في النهاية 0.1 في المائة من دخلها القومي. إذن، ليس في هذا الرقم ما هو خيالي. يبقى أن نعرف رد فعل السياسيين. ووفقا لمسؤولي منظمة الصحة العالمية، فإنه منذ نشر التقرير، لم يكن هناك أي التزام جدي، حتى الآن.
ولا غرابة في ألا يتم اتخاذ هذا النوع من القرارات في غضون أسابيع. لتعجيل الأمور، وقد تولت قمتان عالميتان إخضاع هذه المقترحات للاختبار الحاسم الذي يفرضه الواقع الاقتصادي: أولا المؤتمر العالمي لوزراء المال حول التنمية، مارس 2002م في المكسيك، وثانيا المؤتمر الدولي الجديد حول التنمية المستديمة للكوكب، بعد مؤتمر ريو دي جانيرو بعشر سنوات، في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، في سبتمبر 2002م.


الهوامش
ـــــ
(1) الحصبة rougeole : مرض معد بشدة، فيروسي المنشأ، يظهر في الطفولة عادة، يصيب المجاري التنفسية العليا، يتسم باندفاعات حطاطية حمراء منفصلة، قد تصبح متصلة وقد تتوسف ـ المترجم.
المصدر: مجلة الثقافة العالمية ـ العدد: 120