تحديات
وآفاق بناء الدولة العراقية المعاصرة
عادل الجبوري(*)

الدولة العراقية المعاصرة
"مصطلح قد لا يكون مستخدما حتى الآن على نطاق واسع في الادبيات
السياسية والإعلامية العراقية وغير العراقية "1".
وأردنا من خلال استخدامه
في مناسبات سابقة في هذه السطور ان نعطي توصيفنا مناسبا وفق
السياقات التاريخية لمرحلة ما بعد نظام حزب البعث الديكتاتوري
الشمولي الذي حكم العراق لفترة من السابع عشر من شهر تموز
يوليو 1968 وحتى التاسع عشر من شهر نسيان ابريل 2003 ، ونميزها
عن ما عرف بـ" الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في عام 1921
من القرن الماضي .
وهذه التسمية يمكن ان تتيح
لنا اجراء مقارنات ومقاربات بين عهدين ، او حقبتين ، نراها
ضرورية وملحة للوقوف على نقاط القوة والضعف في بنية وهيكلية
النظام السياسي العراقي الجديد.
في ذات الوقت فأن مثل هذا
التوصيف او تلك التسمية ربما يساعد في عملية فرز المناهج
باطارها الفكري السياسي والاجتماعي والقيمي اذ ان عملية من هذا
القبيل تنطوي على اهمية كبرى بالنسبة لتجربة سياسة حديثة العهد
ما زالت لم تبلغ حتى الان مرحلة النضج والتكامل ، وتحتاج الى
وقت غير قصير لبلوغ هذه المرحلة بأعتبار ان الواقع الاجتماعي
ما زال غير مؤهل لصياغة اطر جيوية لنماء وحراك سياسيين فاعلين
يتجاوزان عقد التخندقات التي فرضها تداعيات الواقع السياسي
الهش ، وفتح نوافذ وهوامش توفر مجالات حقيقية لحوار فاعل يقوم
على أسس وشروط بناء الدولة الحضارية " "2".
خصائص النظام السياسي
الناجح :
لم يحدد مفكري وعلماء
السياسة والباحثين في موضوعة النظم السياسية خصائص وميزات
ومعايير واضحة ومتفق عليها تصلح لوصف نظام سياسي ما بأنه ناجح
، او نظام سياسي آخر بأنه غير ناجح ، بيد ان هناك جملة من
الخصائص والميزات التي يمكن الاخذ بها كمعايير للتقييم ولتحديد
مستوى ودرجة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأي نظام
، وبالتالي القول بأنه ناجح او غير ناجح وفي الاطار العام فأن
مفهوم الديمقراطية بإطاره العام يمثل مؤشرا ومعيار للوصف
والتقييم ومن اهم مظاهر الديمقراطية :
وجود احزاب تعددية تؤمن
بالديمقراطية شكلا ومضمونا وبالعمل السياسي الهادف .
الايمان المطلق بتداول
السلطة سلميا .
فصل السلطات الثلاثية
والتشريعية والقضائية والتنفيذية .
تفعيل قانون الانتخابات
الذي يعتبر بوابة العمل الديمقراطي السياسي "3".
وعلى ضوء مظاهر
الديمقراطية المشار اليها يمكن ان نشير الى جملة من تلك
الخصائص والميزات العامة .
أولا : وجود المؤسسات
والبنى والأطر والهياكل الدستورية من قبيل الدستور الدائم ،
والسلطات المختلفة " التنفيذية والتشريعية والقضائية " التي
تعمل بطريقة منفصلة فيما بينها وفي نفس الوقت بطريقة تكاملية
أي ان كل واحد منها تكمل الأخرى دون ان تتجاوز عليها ولعل عدد
من علماء ومفكري علم السياسة الأوربيين قد أسهبوا في شرح
وتوضيح هذا المبدأ ومن بينهم العالم الفرنسي مونتيسكو في كتبه
الذائع الصيت " روح القوانين" وكذلك جان جاك روسو في كتابه
القيم " العقد الاجتماعي " وكذالك جان لوك فضلا عن العالم
اليوناني الشهير ارسطو الذي كتب وتحدث كثيرا عن مبدأ الفصل بين
السلطات وكذالك تلميذه افلاطون في مؤلفه الشهير " الجمهورية "
ويشير الدكتور جواد
الهنداوي الى ان هناك " معايير عديدة يمكن الرجوع اليها في
تقييم الدستور وبالتالي تقييم النظام السياسي القائم على
الدستور من هذه المعايير واهمها الرجوع الى الشعب في اتخاذ
القرارات المصيرية والمهمة التي يعجز او يختلف ممثلوه في
البرلمان من حسمها الرجوع الى الشعب يتجسد من خلال عملية
الاستفتاء "4".
ثانيا : التداول السلمي
للسلطة وهذه المبدأ او تلك الخاصية تعد مكملة بصورة او بأخرى
للخاصية الانفه الذكر فمعرفة وإدراك المكونات السياسية
المختلفة بان هناك حراكا سياسيا معينا عبر آليات الانتخابات
يحول دون احتكار السلطة والاستئثار بها من قبل جهة معينة ، من
الطبيعي ان يقلص الى حد كبير مساحات التفكير الخيارات السيئة
والسلبية من قبيل الانقلاب العسكري والتأمر والاغتيال ليكون
البديل هو كيفية بناء قاعدة جماهيرية قوية ورصينة تؤمن
بالأطروحات والبرامج السياسية المطروحة من قبل مكون سياسي ما
لتمنحه الثقة عبر صناديق الاقتراع وتؤهله للوصول الى السلطة .
ومن الواضح جد ان الأنظمة
السياسية الديمقراطية التي تأخذ بمبدأ التداول السلمي للسلطة
قلما قلنا تشهد او توجه أزمات ومشكلات سياسية من قبيل الأزمات
والمشكلات السياسية التي تواجهها أنظمة منغلقة لا تتغير فيها
الوجوه والبرامج والأطروحات الا عبر الانقلاب الاغتيال او ربما
الوفاة الطبيعية للحاكم وفي الأولى فأن القوانين هي التي تحكم
وتوجه وتفصل في الخلافات والاختلافات بينما في الثانية شخص
الحاكم او المجموعة الصغيرة الحاكمة هي التي تقرر وتوجه وهي
التي تضع القوانين والدساتير بالشكل الذي يروق لها وينسجم مع
مصالحها ومزاجها .
ولعل الوجه الاخر لمبدأ
التداول السلمي هو مبدأ الفصل بين السلطات الذي اشرنا اليه في
النقطة الأولى اذ يعبر هذا النظام من احد الملامح الأساسية
لأنظمة الحكم ذات التقاليد الديمقراطية العريقة سواء أخذت
بالنظام البرلماني او بالنظام الرئاسي وان جمع وتركيز السلطات
التشريعية والتنفيذية في هيئة واحدة واحيانا في شخص واحد يؤدي
الى وقوع البلاد في ما لا يحمد عقباه من الكوارث والماسي لعدم
وجود أي مانع قانوني يردع تلك الهيئة او ذلك الشخص من القيام
بما يراه "5".
ثالثا : حرية التعبير عن
الرأي اذ انه كلما اتسعت مساحة هذا المبدأ في الحياة السياسية
والاجتماعية والثقافية لمجتمع ما كلما ازادات درجة استقراره
وبالتالي حراكة المحكوم بضوابط الدستور والقوانين المتفق عليها
وهنا فأن وسائل الاعلام المختلفة الى توصف بأنها السلطة
الرابعة وكذلك المؤسسات المجتمع لمدني التي باتت بحكم حضورها
الفاعل والمؤثر في مختلف المجتمعات توصف بأنها السلطة الخامسة
تمثل الادوات الحقيقية لتفعيل مفهوم حرية التعبير عن الرأي وهي
فوق تعابير ومصطلحات علم السياسة القنوات المهمة والاساسية
لمدخلات النظام السياسي INPUTS التي هي عبارة عن مطاليب
وتطلعات وهموم وطموحات المواطنين لتتحول مخرجات للنظام السياسي
OUTPUTS على شكل قرارات وقوانين وتشريعات اما تصدر من السلطة
التنفيذية او من السلطة التشريعية او حتى السلطة التشريعية على
احكام قضائية مختلفة .
وقد " سقط النظام
الديكتاوري في 9/4/2003 وانطلق الاعلام يعبر عن كل الخطابات
المخبوءة والمتطلعة لعالم حر جديد وكانت اشبه بثورة عارمة حيث
انطلقت الصحف والمجلات وبلغت نحو مئتي صحيفة ومجلة خلال السنة
الاولى من التغيير اضافة الى الكتب والمطبوعات الادبية
والسياسية والدينية التي كانت ممنوعة فما سبق وحزمة واسعة من
محطات البث الاذاعي والتلفزيونات الأرضية "6".
رابعاُ :المشاركة الواسعة
في صنع القرارات وصياغة السياسات العامة للدولة سواء كانت
الدولة بسيطة نظامها السياسي مركزي او دولة مركبة ناظمها
السياسي اتحادي فيدرالي ".ومن دون شك فأن تلك المشاركة تتم على
مستويات ومسارات متعددة وليس كما يتصور او يفترض البعض ان
عملية صنع القرارات وصياغة وتحديد التوجهات تكون محصورة في قمة
هرم الدولة السلطة فالحكومات والادارات المحلية لها دور في ذلك
والوزارات في الحكومة المركزية الاتحادية لها دور ايضا
والمؤسسات التشريعية والرقابية لها دور وكذلك الامر بالنسبة
للسلطة القضائية وحنى وسائل الاعلام ومنظمات ومؤسسات المجتمع
المدني غير الحكومية تضطلع في معظم الأحيان بأدوار محورية في
تقرير وتوجيه الكثير من القضايا الحساسة والخطيرة .
والمشاركة في النظام
السياسي الديمقراطي ليست مجرد أملاءات وأوامر وقرارات فوقية
غير قابلة للنقاش ومطلوب تنفيذها بصرف النظر عن نتائجها
وعواقبها واثارها بقدر ما هي عملية تفاعلية متواصلة ومستمرة
بين مختلف مكونات وعناصر النظام السياسي .
خامسا : الوجود الحقيقي
والملموس لمفهوم المواطنة على ارض الواقع لا على صعيد التنظير
والاستهلاك السياسي والاعلامي فقط ، والوجود الحقيقي يعني
حقوقا مدنية وسياسية مقنعة وواضحة للافراد والجماعات المكونة
للمنظومة الاجتماعية الى جانب الواجبات المترتبة عليهم والتي
تميزهم عن الرعايا الاجانب المتواجدين في تلك المنظومة
الاجتماعية لاي سبب كان .
والمواطنة بحسب التعريفات
العلمية هي عضوية كاملة تنشأ من علاقة بين فرد ودولة كما
يحددها قانون تلك الدولة وربما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات
كدفع الضرائب عن البلد ، وبما تمنحه من حقوق كحق التصويت وحق
تولي المناصب العامة في الدولة "7".
ومثلما يرى الدكتور قيس
العزاوي فأن المواطنة مفهوم اغنته التجارب السياسية التأريخية
والعمل وفقه يتطلب اقرار مبادئ والالتزام بمؤسسات وتوظيف ادوات
واليات تضمن حسن ممارسته على ارض الواقع بنحو ناجح وفي هذه
الحالة لابد من توفير الحقوق القانونية والدستورية وضمانات
المشاركة السياسية الفعالة وتوفير الحد الادنى من الحقوق
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من
التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية "8".
النظام السياسي في العراق
.... غياب الاستقرار
وعلى ضوء المعايير او
الخصائص المشار اليها انفا يمكن نحدد فيما اذا كان النظام
السياسي الذي حكم العراق للفترة من 1968 وحتى 2003 ناجحا ام لا
، او بعبارة اخرى هل كان يتمتع بدرجة معقولة من الاستقرار وفق
حسابات علم السياسة من الاستقرار .
في الاطار العام فأن هناك
رأي اجمالي يتبناه عدد من الساسة والباحثين والمؤرخين مفاده ان
الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها في عام 1921 وخلال عهديها
الملكي والجمهوري افتقدت الى عنصر الاستقرار السياسي المطلوب
ففي العهد الملكي فأن العدد الكبير من الوزارات التي تشكلت
خلال سبعة وعشرين عاما والتي تجاوزت الخمسين تشكيلة وزارية
يشير بما لا يقبل الشك الى تلك الحقيقة اذ ان معدا عمر الوزارة
كان ربما لا يتجاوز الستة شهور وهذا يعني ان الصراعات
التجاذبات والخلافات والتقاطعات السياسية مثلث المحور الاساسي
لبرامج معظم او كل التشكيلات الوزارية وليس تقديم الخدمات
وانجاز المشاريع الاستراتيجية لبناء دولة المجتمع.
وما تغير خلال العهد
الجمهوري بع الرابع عشر من شهر يونيو 1985هو ان الانقلابات
ومجمل الحراك السياسي أي ان الانقلابات اصبحت ذات صبغة عسكرية
صرفة وغاب عنها الطابع المدني بالكامل وهذا ما بدا واضحا في
حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في محافظة الموصل عام 1959
وحركة 8/شباط 1963 وحركة تشرين الثاني من نفس العام وجملة
الانقلابات التي قان بها عارف عبد الرزاق ومقتل الزعيم عبد
السلام محمد عارف في عام 1966 اثر احتراق طائرته الخاصة وهي في
الجو في ظروف غامضة ومن ثم الاطاحة بشقيقه عبد الرحمن عارف في
السابع عشر من تموز من عام 1968 بواسطة البعثيين الذين لم تمر
خمسة عشر يوما حتى صفى قسم منهم القسم الاخر بانقلاب داخلي
وعلى امتداد خمسة وثلاثين عاما وهي الفترة الممتدة من 1968
وحتى 2003 كانت ظاهرة المؤامرات والانقلابات سواء الوهمية منها
او الحقيقية قد طغت على الحياة السياسية في العراق وكانت تتسع
وتمتد بصورة طردية مع مستويات القمع والاستبداد وعكسيا مع تقلص
دائرة السلطة والحكم من الحزب الى الطائفة الى العشيرة وانتهاء
بالعائلة .
اذ انه " كان لغياب
الديمقراطية عن الحياة السياسية والاجتماعية في العراق العثرى
الكبرى امام بناء الدولة الحديثة والثغرة الاساسية في عدم تقدم
البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ولعل مسألة
الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا
الامر ، فقد أدى الى اضعاف دور المواطنين وتقليص المشاركة
الحقيقة في العملية الانمائية وضعف الانجازات التنموية
الحقيقية اذ ان التقدم الشامل لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل
الاصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي والاستناد الى قاعدة
الديمقراطية اوسع وتمتع فعال بالحريات السياسية والفكرية "9".
ولعل جملة الظواهر
السياسية والاجتماعية المختلفة التي سادت وبرزت بدرجة اكبر
خلال الحقبة البعثية اجتمعت مع بعضها البعض لتشكيل الظاهرة
الاكبر المتمثلة بغياب عامل الاستقرار في عموم المنظومة
السياسية وما ينطوي تحتها من عناوين ومفردات اجتماعية وثقافية
وامنية وحياتية .
فلم تتبلور علاقات خارجية
مع المحيط العربي والاقليمي والدولي تعبر عن رؤى استراتيجية
صائبة وسليمة تتمحور حول المصالح والحسابات الوطنية والحروب
والنزاعات المستمرة والخطاب السياسي والاعلامي المتشنج
والمنفعل في معظم الاحيان مثلت جميعها مؤشرات ودلائل واضحة على
ذلك ؟
لذلك بقيت ظاهرة انعدام
الثقة السياسية POLITICAL MISTUST بين حزب السلطة والمكونات
السياسية الاخرى بمختلف توجهاتها وانتماءاتها الايديولوجية "
قومية ، كردية ، عربية ، اسلامية ، وماركسية ، وليبرالية "
مهيمنة على كل الاجواء والمناخات لان حزب السلطة البعث كان
يتحرك ويتبنى باستمرار استراتيجية تشكيل جبهات وتحالفات "
وطنية لا لتعزيز الحياة الديمقراطية وتوسيع دائرة المشاركة
السياسية وانما لاجل استدراج تلك المكونات والكشف عن كل
أوراقها كخطوة اولى تهيدا لتصفيتها وانهائها وهذا ما حصل اكثر
من مرة بل الأكثر من ذلك ان عملية الاستدراج وصلت الى داخل
صفوف الحزب الحاكم وباتت علنية دون حرج او تردد وقد استهل بها
صدام حسين حكمه في السابع عشر من تموز يوليو 1979 بعد اقصائه
احمد حسن البكر بأسلوب المؤامرة .
ولعل عدم وجود دستور دائم
للبلاد والافتقار الى وسائل اعلام حرة وغياب الحراك السياسي
الذي يعبر عن وجود مظاهر للديمقراطية وتداول سلمي وسلس للسلطة
واحتكار كامل او شبه كامل قبل فئة قليلة لمقاليد الامور
السياسية والاقتصادية والامنية للمجتمع وسيادة مبدأ ان الحاكم
هو فوق القانون وفوق كل شيء وليس العكس كل ذلك وربما غيره يعد
من معالم ومؤشرات غياب الاستقرار السياسي والاستقرار بأطاره
العام في المجتمع وكل الانظمة الديكتاتورية الشمولية تشترك في
ذلك .
وهذا ما يفسر ظاهرة عدم
زوال مثل تلك الانظمة الا بطريقة عنيفة تترتب عليها في معظم
الاحيان تبعات ونتائج واثأر سياسية واجتماعية سلبية عديدة تمثل
في واقع الأمر استحقاقات طبيعية ومتوقعية للمناهج والاساليب
والسياقات الخاطئة والمنحرفة .
ويقع البعض في خطأ كبير
حينما يعتبرون ان ما يبدوا من هدوء يطبع المجتمعات التي تحكمها
نظم استبدادية شمولية بأنه استقرار حقيقي بل انه من الناحية
الواقعية عكس ذلك لان هناك عوامل وقتية هي التي في الغالب توجد
مثل هذا الهدوء او ما يمكن ان نطلق عليه الاستقرار الوهمي ومن
بين تلك العوامل الثروة او بعبارة اخرى الاوضاع الاقتصادية
والحياتية الجيدة ومنظومة الخوف والرعب السلطوية وقلة الثقة
والوعي السياسيين بالقدر الذي من شأنه ان يحفز الافراد على
التحرك والعمل نحو احداث تغيرات معينة في الواقع السياسي
والاجتماعي والثقافي الذي يعيشون فيه .
وذلك " الاستقرار الوهمي"
هو استقرار تقتصر حدوده على دوائر السلطة وما يرتبط بها من
دوائر فرعية والهدف من الحؤول دون حدوث متغيرات وتحولات غير
محسوبة وغي مرغوب فيها من قبل الفئة الحاكمة ، انه في حقيقة
الامر نوع من انواع الكبت والغيب والتهميش ومصادر حرية التعبير
والتحرك والتفكير الا باتجاه احادي يتمثل بالسلطة والحزب الذي
يمثلها .
وهذه هي صورة الواقع التي
كانت سائدة طيلة ثلاثة عقود ونصف من حكم حزب البعث في العراق
وهي تقريبا ذاتها الصورة السائدة في مجتمعات اخرى خاضعة لهيمنة
وسطوة نظم شمولية استبدادية ليس لمفرد التغيير والتحول وجود
قاموسها .
ويرى الباحث الدكتور صلاح
عبد الرزاق في قراءته لطبيعة الدولة العراقية الحديث بأنه فشلت
الحكومات المتعاقبة والنظام السياسي العراقي في خلق روح
الوطنية المصرية والسورية والتركية والايرانية وبقيت الانانية
والاثرة مهيمنة على سلوك ومواقف النخبة السياسية والدينية التي
وفضت التنازل عن امتيازها الموروثة من العهد العثماني كما فشلت
الاحزاب السياسية والشخصيات الحكومية التي يصفها البعض
بالوطنية في بناء شعور وطني مترسخ لدى جميع مكونات المجتمع
العراقي "10.
وطبيعي ان هناك عوامل
واسباب مختلفة تفضي في استفحال نزعة الاستئثار والهيمنة
والاستبداد ومن ثم اللجوء الى خيار الانقلاب العسكرية ومن بين
تلك الاسباب والعوامل النزعة الاستئثارية بالحكم وشل نظام
الحكم وارتماء انظمة الحكم في احضان السياسة الاستعمارية
الكبرى والفساد الاداري والمالي والفقر وعدن تكافؤ الفرص بين
ابناء الشعب الواحد والغاء دور لمواطنة في المساهمة بالعملية
السياسية "11.
خيارات التغيير
هناك تساؤل طرح ومازال
يطرح نفسه باستمرار في داخل اورقة السياسة والفكر والثقافة
وكذلك الشارع العراقي وهو انه لو لم تتم الاطاحة بنظام صدام
التي اطيح في ربيع عام 2003 أي قبل ستة اعوام كيف كان له ان
يتنهي ويختفي من المشهد ؟
وهناك لابد ان نشير الى
جملة امور من شانها ان توصلنا الى صياغة الجواب المقنع
والواقعي والموضوعي على التساؤل الانف الذكر ومن تلم الامور :
أولا : ان نظام حزب البعث
كمؤسسة وصدام حسين كشخص كانا الاطول عمرا في الامساك بزمام
السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة قبل حوالي ثمانية
وثمانين عاما .
ثانيا : ان تركيبة السلطة
الحاكمة والهيكلية المتداخلة والمتشابكة التي أنشأها نظام صدام
اثبتت التجارب العديدة انها كانت عصية عن الاختراق لا من
داخلها ولا من خارجها لان ذلك النظام جعل من مختلف مؤسسات
الدولة ومنظوماتها وانساقها الاجتماعية والثقافية والفكرية
عبارة عن منظومة امنية غير رسمية والتوصيف الذي استخدمه الباحث
والكاتب العراقي حسن العلوي للعراق بأنه " دولة المنظمة السرية
كان دقيقا الى حد كبير ومعبرا عن الواقع بكل تفاصيله وتجلياته
.
ثالثا : شبكة العلاقات
والمصالح الخارجية التي بدأت وكأنها مكلمة لصور الداخل مع
اختلاف غير جوهري ففي الداخل كان الترهيب العنصر الاساس ويتممه
الترهيب بينما على صعيد التعاطي الخارجي كان الترغيب هو العنصر
الأساس ويتممه الترهيب ففي الداخل كان من المتاح واليسر جدا
ملاحقه والوصول اليه والقائه في السجن او تعليقه في المشنقة او
افراغ بضع طلقات في جسده ، لذلك لم تكن هناك حاجة ماسة لانفاق
الكثير من الاموال لضمان وكسب الولاء بيد انه على صعيد الخارج
لم يكن ذلك ممكنا ومتاحا الا في حدود ضيقة لذلك تمثل انفاق
الاموال وبعثرتها هنا وهناك هو الخيار لكسب الولاء او قتل
بعبارة اخرى شراء الذمم والتوريط ولعل قضية الكوبونات النفطية
التي كانت توزع على نخب سياسة واعلامية وفنية وثقافية في
العالم العربي وخارجه خلال فترة الحصار الاقتصاي والعقوبات
الدولية بعد احداث غزو الكويت وحرب الخليج الثانية عام 1991
تعد مثالا حيا ودليلا دامغا على انتهاج ذلك المبدأ .
وبم يكن وربما حتى الان
الدفاع عن نظام صدام عبر منابر اعلامية وسياسية وثقافية مختلفة
منطقا من قناعات حقيقية به بقدر ماكان مرتبطا في قوته وزخمه
بمقدار العطاء المادي.
رابعا : الاختراق الامني
والمخابراتي من قبل نظام صدام لمختلف العناوين السياسية التي
كانت تتبنى نهج المعارضة له سواء من داخل العراق او خارجه
ووجود دعم واسناد وتنسيق امني ومخابراتي مع اجهزة المخابرات
دول بعضها كانت تتقاطع معه سياسيا بالكامل ولاسيما بعد احداث
غزوة الكويت في صيف عام 1990 .
وهذه كانت واحدة من
المفارقات التي عكست القدر الكبير من الازدواجية والنفاق
السياسي في التعامل من نظام ديكتاتوري شمولي مستبد وفي التعامل
مع مجتمع مضطهد ومظلوم الى اقصى الحدود .
وكل هذا المسائل عند
اجتماعها مع بعضها البعض كان من الطبيعي ان تشكل مصدات توفر
حصانة وحماية للنظام الحاكم وتقلص من خيارات تغييره وتقلل من
هامش التحرك المجدي والمثمرة لانجاز عملية التغيير بصورتها
النهائية وهذا هو الاستنتاج الذي توصلت اليه مختلف قوى
المعارضة العراقية بعد سنوات طويلة من العمل السياسي والعسكري
المتواصل من اماكن مختلفة ضد نظام صدام لذا لم تبرز مواقف
معارضة يعتد بها لخيار التغيير عبر او بواسطة الولايات المتحدة
الأمريكية ، حتى مع معرفة وادراك الاستحقاقات الباهضة التي من
الممكن ان يترتب عليها مثل ذلك الأمر وهو ما ظهر جليا وواضحا
يما بعد .
استحقاقات التغيير
وبصرف النظر عن توجهات
وحسابات وخيارات هذا الطرف السياسي او ذاك عراقيا كان ام غير
عراقي بعد عملية التغيير المنتظرة وفق الاجندة الامريكية فأن
ما كان واضحا من الصورة الكلية هو فقط ما يمكن ان يخلفه نظام
قمعي استبدادي شمولي من مشاكل وازمات متعددة الاوجه والجوانب
بعد رحيله او بتعبير آخر بعد الاطاحه به بشق الانفس بل ان ما
حصل بعد التاسع من نيسان ابريل 2003 من فوضى واضطراب على كل
المستويات فأن الكثير من التوقعات والقراءات والتحليلات
الاستشرافية المسبقة حتى بدا للبعض ان الماسي والكوارث التي
سيجلبها اسقاط نظام صدام لم تكون اقل من الماسي والكوارث التي
اوجدها وهو متربعا على عرش السلطة في العراق.
ومن ان رؤية استشرافية من
هذا القبيل انطوت أو تنطوي على قدر من التشاؤم ، الا انها بأي
حال من الاحوال لم تكن بعيدة عن الواقع وتدعيات وارهاصات
الامور بعد التاسع من نيسان ابريل 2003 اشرت في جوانب منها الى
صحة وموضوعية تلك الرؤية من بعض زواياها .
وهذه كان في الواقع واحدا
من ابرز واخطر استحقاقات التحول والانتقال من الدكتاتورية
والشمولية والاستبداد الى الحرية والانفتاح مرة واحدة ومن دون
تهئية المقدمات الضرورية التي من شأنها تتحول الحرية الانفتاح
الى فوضى وغياب كامل للقوانين والضوابط وتلاشي مريع لمؤسسات
الدولة وبناها وهياكلها المختلفة .
والاستحقاق الاخر للتحول
والانتقال والذي لم يكن اقل خطورة عن الاول هو الوجود الاجنبي
الذي ترتبت عليها الكثير من الحقائق والمعطيات على الصعيد
السياسي والامني والاقتصادي والحياتي والاجتماعي .
وطبيعي ان عملية الانتقال
والتحول من منظومة الحكم الدكتاتوري الى الديمقراطية تفرض جملة
استحقاقات على كل مفاصل ومكونات المجتمع ويزداد مستوى هذه
الاستحقاقات كما ونوعا كما حدث عملية الانتقال والتحول بطريقة
مفاجئة وليست تدريجية تراكمية بحيث انها تفضي الى بروز ظواهر
سلبية سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية مختلفة هي التي ترسم
الصور الكلية للواقع الاجتماعي او بتعبير اخر تصيغ معالمها
وملامحها العامة "12.
وايا كانت النتائج فأنه
كان لابد من التكيف من هذين الاستحقاقين والاستحقاقات المرتبطة
بهما بمقدار معين وبمقدار اخر تكييفهما بما يساهم في تجاوز
المرحلة الحرجة والصعبة والشروع ببناء الدولة العراقية
المعاصرة .
وطبيعي ان البناء على اسس
صحيحة وسليمة يتطلب وقتا طويلا وهو عبارة عن عمليات تراكمية من
غير الممكن ان تتم بين ليله وضحاها ، او من دون عقبات وعراقيل
ومنغصات وتحديات من جهات مختلفة خارجية وداخلية بعضها ذاتية
وبعضها الاخر موضوعية .
وحينما يقال ان عملية
البناء بدأت بعد التاسع من نيسان ابريل 2003 من نقطة الصفر
فهذا القول صحيح الى حد كبير ويعبر اصدق تعبير ما انتهت ليلة
وافرزته السياسات والمنهجيات الخاطئة بل والكارثية طيلة عقود
من الزمن .
وكما تشير النائبة في مجلس
النواب العراقي شذى العبوسي الى انه بعد تغيير النظام السابق
عام 2003 كانت هناك دولة شبه معطلة بسبب السياسات الخاطئة
للنظام السابق وهي سياسات الحزب الواحد وكانت هناك شمولية في
النظام وبسبب الاحتلال وما تلاه وما تبعه من السياسات الحاطئة
للحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في حل قوات الجيش والشرطة
والاجهزة الامنية وحل مؤسسات الدولة وكل هذا الاسباب ادت الى
انهيار ودمار الدولة العراقية وكأنما بدأنا من الصفر او من تحت
الصفر "13".
ولم تكن المهمة سهلة
ويسيرة ولم تكن الطرق سالكة امام النخب السياسية والفكرية
والثقافية والاجتماعية ولا حتى امام المواطن العادي الذي وجد
نفسه في خضم عملية الحراك المجتمعي العام بعد ما كان مهمشا
ومغيبا .
وبدا واضحا منذ وقت مبكر
ان عملية التغيير الشاملة لم تحقق بالكامل وان الاطاحة بالنظام
السياسي في التاسع من نيسان ابريل 2003 انما مثل جزءا اساسيا
ومدخلا رئيسيا للشروع بتلك العملية التي هي في واقعها تشمل
مجمل البنى والهياكل السلطوية والمنظومة الثقافية احادية
الجانب والسطحية والمشوهة ، ومجمل السلوكيات والمظاهر
الاجتماعية ومنظومة العلاقات بين السلطة والمجتمع وكذلك فيما
بين المكونات الاجتماعية المؤلفة للنسيج الاجتماعي العام .
طبيعة وجوهر التحولات
ربما تشكل ما يمكن ان
نصطلح عليها بـ " الدستورية " مثل قانون ادارة الدولة العراقية
للمرحلة الانتقالية " الدستور المؤقت " الصادر في الثامن من
اذار مارس 2004 والدستور العراقي الدائم الصادر في الخامس عشر
من شهر تشرين الاول اكتوبر 2005 العناصر التي يمكن من خلالها
فهم طبيعة وجوهر واهمية وسياقات التحولات في عناوينها المتعددة
واذ كانت فيها مكامن ضعف وهفوات وثغرات فأنها من الطبيعي ان
تنسحب على بنية وهيكلية النظام السياسي الجديد في المراحل
اللاحقة.
وقد لا يختلف اثنان في ان
ظروف واجواء ومناخات التأسيس للدولة العراقية المعاصرة ونظامها
السياسي الجديد شابها الكثير من الاشكاليات والمصاعب والتحديات
التي لم يكن ممكنا ولا متاحا معالجتها بيسر وسهولة وقد بدت
واضحة وجلية الى حد كبير خلال الاعوام الستة الماضية وبعضها
اشكاليات ومصاعب وتحديات داخلية ذاتية وبعضها الاخر خارجية
موضوعية .
ويمكننا هنا ان نشير على
وجه الاجمال الى بعض منها .
اولا : عدم استكمال عملية
الهدم والتقويض لبنى وهياكل ومنظومات ومناهج النظام السابق لم
يتم استكمال الاطر النظرية لهاتين العمليتين ناهيك عن الخطوات
العلمية فالدستور الدائم لازال موضع جدل بشأن العديد من فقراته
واتفق معظم ان لم يكن كل القوى والمكونات السياسية على ضرورة
واجراء تعديلات عليه مع اختلافات وجهات نظرها ورؤاها حول ما
ينبغي تعديله .
ولا زال هناك قدر غير قليل
في مخلفات وتركة النظام السابق موجودة في مؤسسات الدولة
المختلفة وبشتى مفاصل البناء والنسيج الاجتماعي العام ،
ومصداقيتها كثيرة وشاخصة الى حد كبير في بعض المواضع
والمنعطفات فعلى سبيل المثال ما زلنا حتى الان نلاحظ عبارات
وشعارات وسياقات تعود الى الحقبة السابقة في سياقات العمل
الحكومي الرسمي ** ناهيك عن الاسماء والمسميات القديمة لكثير
من الشواخص والرموز الى جانب الثقافة المترسخة في عقيات واذهان
شرائح وفئات اجتماعية عديدة .
وهذه اشارات ومصاديق عابرة
وبسيطة الى حقيقة عدم استكمال عملية الهدم اما قوانين وهيئات
حكومية مثل اجتثاث البعث والعدالة والمساءلة ونزاعات الملكية
وحقوق المهجرين والمفصولين السياسيين والشهداء والتي تشير في
جانب سياقات وايقاع عملها الى ان عملية البناء مازالت في
اشواطها ومراحلها الاولى.
ثانيا : طغيان واستفحال
ظاهرة انعدام الثقة السياسية POLITICAL MISTRUST بين مكونات
والقوى المتحركة والناشطة في المشهد السياسي العراقي بسبب
عوامل وظروف بعضها انية وبعضها مرتبطة بتراكماتتأريخية وبعضها
الاخر مرتبط بأجندات خارجية لسنا هنا بصدد الخوض في تفاصيلها
وجزيئاتها .
ويلعب " تشابك وتقاطع
واختلاف وتنوع البرامج والرؤى السياسية والاسس الايديولوجية
للقوى والحركات والاحزاب المكونة للخارطة السياسية سيما
الرئيسية منها "14".
دور لا يستهان به في ايجاد
وترسيخ ظاهرة انعدام الثقة السياسية .
وتلك الظاهرة غالبا ما
تبرز للعيان بشكل واضح وكبير في المنعطفات الحادة التي تتطلب
اتخاذ قرارات ومواقف يمكن وصفها بالمصيرية وكذلك عندما يراد
وضع لبنة جديدة على بناء الدولة العراقية المعاصرة فالظروف
والملابسات والتجاذبات التي رافقت تشكيل مجلس الحكم الانتقالي
آب 2003 تموز 2004" والتي رافقت تشكيل المجلس الوطني العام في
صيف 2003 والتي ايضا رافقت تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور اياد
علاوي صيف عام 2004 وكتابة قانون ادراة الدولة العراقية
للمرحلة الانتقالية وتشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية ومن ثم
كتابة الدستور الدائم وتشكيل الحكومة الثانية برئاسة الدكتور
ابراهيم الجعفري والحكومة الثالثة برئاسة نوري المالكي تلك
الظروف والملابسات والتجاذبات عبرت عن واقع سياسي معقد لا يمكن
بأي حال من الأحوال الاستهانة بتأثيراته على حاضر ومستقبل
البلاد ولعلنا نجد اشارات واضحة فيما كتبه وقاله عددا من كبار
السياسة ، ومن بينهم السفير بول بريمر في كتابه "عام قضية في
العراق " وابراهيم الجعفري في مذكراته "تجربة الحكم" وغيرهما
من الذين كانوا مساهمين رئيسيين في اتخاذ القرارات وتوجيه
مسارات الامور ولعل المستقبل سيكشف لنا كثيرا من الحقائق
والملابسات المعقدة في هذا الجانب.
* ولعل خيار التصويت على
ثلاثة مشاريع قوانين مرة واحدة ONE PACKAGEكما حصل بعد سجال
مضمن وطويل أواخر العام 2007 وطلع العام 2008 حينما بدا ان
الكتل البرلمانية وصلت الى طريق موصد بشأن مشروع الموازنة
المالية لعام 2008 وقانون المساءلة والعدالة وقانون العفو
العام عن سجناء والمعتقلين كان التصويت على حزمة القوانين
بمثابة المخرج المناسب من الطريق الموصد لأم كل طرف من الاطراف
لم يكن مستعدا للتصويت على مشروع قانون فيه مصلحة بدرجة اكبر
من الناحية السياسية للطرف الآخر لأنه لم يكن واثقا من تصويت
الآخر في مرحلة لاحقة على مشروع القانون المتبنى من قبله وهكذا
الامر بالنسبة الى التعيينات في الواقع العليا والدرجات الخاصة
كالوزراء ووكلاء الوزارات والمستشارين والمدراء العامين ورؤساء
المؤسسات المهمة التي توازي من الناحية الادارية والسياسية
والوزارات "15".
ثالثا : تقاطع مضامين
واليات وسياقات ومعطيات التجربة السياسية العراقية الجديدة مع
مضامين واليات وسياقات ومعطيات وقوالب منظومات الحكم العربية
التقليدية القائمة في تداولها للسلطة على مبدأ التوارث العائلي
بالاطار العام سواء كان نظام الحكم ملكيا او اميريا او سلطانيا
ا جمهوريا الا استثناءات قليلة يفرض فيها خيار الانقلاب
والتامر نفسه وحتى في هذه الحالة فأن السلطة قد لاتخرج عن نطاق
العائلة الحاكمة كما هو الحال مع الانقلاب الذي حصل في دولة
قطر عام 1996 حينما استحوذ امير قطر الحالي الشيخ حمد بن جاسم
خليفة ال ثاني على السلطة بعد ان نحى ابيه .
ان الممارسة الديمقراطية
من قبيل الانتخابات وتداول السلطة مازالت محدودة وشكلية ويغلب
فيها لجانب الدعائي على الجوهر والمضمون وهذا ما يفسر بقاء
الحكام العرب في السلطة لعدة عقود فالرئيس الليبي العقيد معمر
القذافي ما زال يمسك بزمام الامور منذ حوالي اربعين عاما
والرئيس اليمني علي عبد الله صالح منذ اكثر من ثلاثين عامل
والرئيس المصري حسني مبارك منذ ما يقارب ثلاثين عاما والرئيس
السوري بشار الاسد خلف ابيه بعد وفاته مطلع عام 2000 والملك
الاردني عبه الله الثاني والملك المغربي محمد السادس ورثا
ابويهما وفق دستور البلدين بينما السلطات السياسية في الدول
الخليجية لا تخرج عن هيمنة العوائل الحاكمة منذ فترات طويلة من
الزمن وفي تونس والجزائر تم تعديل الدستور اكثر من مرة ليتيح
كل من الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والجزائري عبد
العزيز بوتفليقه الاستمرار في حكم بلديهما فترات زمنية اطول
وفي موريتانيا فأن خيار الانقلاب العسكري هو الخيار القائم
لتداول السلطة .
هذه هي صورة الواقع
السياسي العربي بشكل عام ، وفي مجملها اذا كانت تلتقي وتنسجم
كثيرا مع صورة الواقع السياسي العراقي قبل التاسع من نيسان
2003 فأنها تكاد تتقاطع بالكامل مع صورة واقع ما بعد التأريخ
ليس لأن البلد خضع للاحتلال هذه حجة تبدوا واهية سيما اذا
عرفنا ان الولايات المتحدة الأمريكية التي اطاحت بنظام صدام
وفرضت تواجدا عسكريا وسياسيا كبيرا لها في العراق تمتلك تواجد
عسكري واستخباراتي واضح في كثير من الدول العربية ناهيك عن ان
الجزء الاكبر من قواتها واساطيلها العسكرية انطلقت للاطاحة
بنظام صدام من دول عربية قريبة ومجاورة للعراق مثل المملكة
العربية السعودية وقطر والبحرين والكويت بل السبب الرئيسي هو
لان مبدأ التداول السلمي للسلطة والانتخابات الحقيقية وكل
مظاهر الديمقراطية الحرية تشكل تهديدا وقلقا كبيرين لانظمة
الحكم العربية رابعا : اشكالية التوفيق بين متطلبات واستحقاقات
واليات النظام الاتحادي الفدرالي الذي اقرع قانون ادارة الدولة
العراقية للمرحلة الانتقالية الذي جاء مادته الرابعة ان نظام
الحكم في العراق جمهوري اتحادي فدرالي ديمقراطي تعددي ويجري
تقاسم السلطة بين الحكومة الاتاحدية والحكومة الاقليمية
والمحافظات والبلديات والادارات المحلية ويقوم النظام الاتحادي
على اساس الحقائق الجغرافية التأريخية والفصل بين السلطات وليس
على اساس الاصل او العراق الاثنية او القومية او المذاهب "16.
وكذلك اقره الدستور العراقي الدائم الصادر في الخامس عشر من
شهر تشرين الأول اكتوبر من عام 2005 في مادته الاولى التي نصت
على ان جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة نظام الحكم فيها
جمهوري تباني برلماني ديمقراطي اتحادي 17" اشكالية التوفيق بين
متطلبات ذلك النظام وبين المحافظات على وحدة البلاد وتجنبيها
خيارات التقسيم والتشخيصي والتشرذم الذي تتوفر بعض ارضياته
ومقوماته من قبيل وجود نزعات وطموحات قومية انفصالية معلنة
بطريقة او بأخرى لثاني اكبر مكون اجتماعي المتمثل بالاكراد
ووجود مناطق عديدة متنازع عليها يمكن ان تشكل قنابل موقوته مثل
كركوك يجعل بعض الاطراف تلوح باستمرار بخيار الانفصال والبحث
عن اوضاع تتمتع فيها بقدر من الاستقلال ، إضافة الى ضعف السلطة
لاتحادية المركزية وفقدانها زمام السيطرة على الكثير من الامور
الحساسة والمهمة في بلد كانت السلطة المركزية فيه طوال الوقت
تمتلك كل ادوات القوة والسطوة لبسطها هيمنتها ونفوذها على كل
انحاء البلاد وحتى مطلق الصلاحيات بها وترك هامش صغير للادارات
المحلية في المحافظة ناهيك عن عده فهم واستيعاب حقيقة وطبيعة
وضرورة النظام الاتحادي لبلد مثل العراق من قبل جزء غير قليل
من الفئات والشرائح الاجتماعية المختلفة .
وبشير استاذ الجغرافية
السياسية والدراسات السكانية في جامعة الكوفة الدكتور عبد علي
الخفاف الى ان العراقيين غير السياسيين وهم الكثرة العددية
الصامتة لم يتفهموا اطروحة الفدرالية وما ورائها وما بعدها كما
يجب لأنها لم تطرح اعلاميا و حتى اكاديميا طرحا متوسعا في حدود
الندوات المحدودة مما يعطي انطباعا سلبيا لدى ذهنية العامة عن
مدى صدق الاطروحة ومدى أردتها "18.
وهنا فأن الفشل والاخفاق
في ترجمة النظام الاتحادي الفيدرالي على ارض الواقع لا يعني
زوال او انتفاء الخيارات السيئة والسلبية بل انه قد يعني يما
يعنيه من بعض الجوانب فتح باب واسعا لاضطرابات وارتباكات
سياسية كبيرة وتراجعا خطير الى الوراء لا ينعكس على العراق
فحسب وانما حتى عللا الاطراف الاقليمية التي تتوجس وتتطير
كثيرا من الفدرالية في العراق وكما يقال ان النتائج المتحملة
للفشل في اقامة نظام فيدرالي مناسب في العراق وانشاء نظام
ديمقراطي مستقر قد يكون له اسوا الاثر حتى خارج حدود العراق ان
الحرب الأهلية في العراق قد تمد يدها لتطول الدول المجاورة مثل
تركيا وايران كما يمتد تأثيرها ايضا ليشمل الشرق الاوسط كله
"19".
خامسا : النظام الاقتصادي
للبلاد ووضع اسس جديدة له تأخذه بعين الاعتبار جملة من المسائل
الحيوية المهمة من قبيل عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد
للتدخل الوطني ، والبحث عن بدائل ومكملات أخرى وتوسيع وتفعيل
دور القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة في مختلف النشاطات
والفعاليات الاقتصادية وامتصاص المعدلات العالية للبطالة ووضع
الخطط والقوانين التي من شأنها جذب الرساميل والخبرات الاجنبية
للبلاد.
وبالفعل فأنه بعد تشكيل
اول حكومه عراقية بعد الاطاحة بنظام صدام كان واضحا انها كانت
تقف امام جملة تحديات كبرى من بينها التحديات الاقتصادية وقد
كتب بعض المعنيين بعد تشكيل تلك الحكومة في صيف عام 2004
فالتحديات التي عليها التصدي لها متعددة ومتشابكة ليس اقلها
تعقيدا مشاكل البطالة والتضخم وتثبيت سعر صرف الدينار العراقي
ووضع اليد على قطار النفط ، أنتاجا وتسويقا ، واسترداده الى
كنف الدولة وسيادتها والبدء في اعادة جهوزية الصناعة النفطية ،
واعادة هيكلة صندوق "20.
وقد تكون هواجس القلق حول
مستقبل العراق وآفاق الاوضاع الاقتصادية والحياتية في العراق
مبررة ومعقولة بل وربما تكون مطلوبة حتى يتم التعاطي بأقصى قدر
من الجدية مع المشاكل والازمات وبناء اسس وركائز سليمة وقوية
للبناء اقتصادية للدولة العراقية لمعاصره ، لان أي تقدم في
المجال السياسي او الامني لن تكون له قيمة مالم يكن مفترقا
بتقديم اقتصادي حقيق ، يأخذ بنظر الاعتبار الحقائق والمعطيات
الاقتصادية في شقيها السلبي والايجابي على حد سواء.
سطور أخيرة
وعلى ضوء ما سبق يمكن
القول ان الفوارق والاختلافات بين الدول العراقية الحديثة
1921-2003 وبين الدولة العراقية المعاصرة 2003 وهي كبيرة
وكثيرة من حيث البنى والهياكل وحجم المشاركة السياسية ومساحة
الحريات ومنهجيات العمل والحراك السياسي وهذه الفوارق
والاختلافات هي التي من شأنها ان تحدد وتشخص المسارات الخاطئة
وتميزها وتفصلها عن المسارات الصائبة .
هذا الجانب والجانب الاخر
ان تداخلا غير قليلا ما زال قائما وموجودا بين المرحلتين ومن
معالم وملامح ذلك التداخل وهو مختلف النظام السابق او الانظمة
السياسية السابقة على كل الصعد والمستويات وكذلك التحديات
الكبرى التي تواجهها الدولة العراقية المعاصرة التي هي تمثل
الوجه الاخر لمخلفات الماضي .
ولاشك ان من يريد او يقرر
إصدار تقييمات واحكام نهائية وقاطعة الى التجربة الجديدة
استنادا الى معطيات الاعوام السته الماضية فأنه يقع في خطأ
كبير لان تلك الفترة الزمنية غير كافية وفقا الحسابات والعايير
السياسية لاصدار تقييمات واحكام نهائية فالتجربة الناضجة
والمتكاملة الى حد كبير في عالمنا المعاصر احتاجت الى وقت طويل
للتغلب على المشاكل والأزمات ومواجه التحديات واستكمال عملية
الهدم ومن ثم عملية البناء. "21.
…………….
(*) باحث في مؤسسة آفاق للدراسات والأبحاث العراقية
المصادر:
………..
1- كتبت مقالا تحت عنوان الدولة العراقية المعاصرة وفرض
الانظمام لمجلس التعاون الخليجي " ونشر في صحيفة البيان
البغدادية بتأريخ 4/11/2008.
2- علي حسن الفواز ، الاحزاب السياسية العراقية مرجعية الذات
الاخر واشكالية الدولة مجلة نفر ص10 العدد الاول / السنة
الاولى / خريف3 2007 ناجي الغزي الديمقراطية بين نفق الاحزاب
وتطلعات الجماهير شبكة النبأ الالكترونية WWW.alnnabaa.org.
4- د. جواد الهنداوي ، النظام السياسي على ضوء الدستور
الاتحادي العراقي ، دراسة تحليلية ومقارنة ص100 الطبعة الاولى
2006 دار الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع .
5- د. محمد عمر مولود ، الفيدرالية وامكانية تطبيقها في العراق
ص493 الطبعة الثانية 2003 مؤسسة موركياني للطباعة والنشر اربيل
.
6- فلاح المشعل الاعلام والتحول السياسي ، صحيفة الصباح العدد
16459/ نيسان /2009.
7- مجلة المواطنة والتعايش ، المواطنة .. الوطن .. الوطنية ص12
العدد الاول ، السنة الاولى ، شباط 2007.
8- المصدر السابق د.قيس العزاوي في مجتمع ، متعدد القوميات
والاديان والطوائف ص20 .
9- سيف الدين كاطع ، الدولة العراقية الحديثة متطلبات بناء ،
وتطلعات حياة صحيفة ، الصباح 13 آب 2008.
**- الى اعوام قليلة سابقة وربما لحد الان تتصدر صورة صدام
حسين وهو يرتدي قبعة التخرج الجامعية بض الاوراق الرسمية
لجامعة النهرين التي كانت تعرف سابقا باسم جامعة صدام ومازال
هناك من يحلو له استخدام التسمية السابقة وكذلك ما زالت بعض أو
كثير من الاوراق الرسمية للدوائر الحكومية تتضمن عبارات
ومقولات تعود للحقبة البعثية السابقة .
10- صلاح عبد الرزاق ، حالة التعايش في الدولة العراقية
الحديثة ، مجلة حوار الفكر ، ص259 السنة الثانية العدد الرابع
ايلول 2007.
11- محمد جواد سنبة ، حماية الديمقراطية من الانقلاب العسكري
وهجمات المناوئين ، مجلة حوار الفكر ص226 السنة الثانية العدد
الرابع ايلول 2007.
12- عادل الجبوري ، اشكاليات ومظاهر التحول من الدكتاتورية الى
الديمقراطية في العراق ، مجلة الملتقى ص25 العدد الاول ، شتاء
2006.
13- برلمانيون ، اسقاط النظام السابق كان مطبعا شعبيا لجميع
المكونات العراقية صحيفة الصباح العدد 1645 نيسان 2009.
14- ابحاث حول الفدرالية ، مؤسسة آفاق للدراسات والابحاث
العراقية ، الاصدار الرابع " البحث المعنون " تطبيق النظام
الاتحادي الفيدرالي في العراق بين متطلبات الواقع وحسابات
المصالح عادل الجبوري ص163 ط1 ، 2007.
15- عادل الجبوري ، ازمة رئاسة البرلمان العراقي ، المحاصصة
وعدم الثقة السياسية والديمقراطية التوافقية 21/4/2009 صحيفة
الانتقاد الالكترونية WWW.intiqadlie.com.
16- د. علي هادي حميدي العكيلي النظام السياسي العراقي دراسة
في الواقع والمستقبل مجلة المستقبل ، 168، العدد3 ، صيف 2006.
17- مجلة الملتقى ، ص101 العدد الأول شتاء 2006.
18- من بحث ألقاه الدكتور عبد علي الخفاف عميد كلية الآداب في
جامعة الكوفة في مقر مركز النجف الإقليمي لمؤسسة آفاق للدراسات
والأبحاث العراقية في شهر تشرين الأول عام 2006م .
19- دار برانيتي ، هل تساعد الفيدرالية على استقرار العراق ،
فصلية واشنطن ، www.taqreerwashington.com.
20- د. خالص جلبي ود. زهير المخ ود. احمد ابو مطر ، الإسلام
والعنف.. الواقع وتحدي الارهاب ، وأزمة البناء التعليمي ص195
ط1 2005 دار الكرمل ، عمان الأردن .
21- عادل الجبوري ، مظاهر ودلالات الحراك في نماذج سياسة
مختلفة صحيفة البيان ، العدد"85" 6/10/2008.
22- ابريل – 2009.
...............................
المصدر: من الموقع:
http://www.afaqiraq.org/afaq/modules.php?name=News&file=article&sid=513