الحضارية «دراسات استراتيجية»

 الأحـد: 10/05/2009

   

الإعلام الدولي بين النظام العالمي الجديد والاستعمار الإليكتروني/ 2

   

توماس ما كفيل

ترجمة: عبد الله الكندي

 

 

 

نظرية النظام العالمي (World-System Theory (WST

توفر نظرية النظام العالمي المفاهيم والأفكار واللغة اللازمة لبناء الإعلام الدولي, وقد طو ر هذه النظرية ايمانويل ووليرستين (10) Immanuel Wallerstein  وترتبط النظرية كذلك بنظرية الاستقلال(11), التي تتشابه مع المدرسة النقدية الإعلامية في أطروحاتها وخطاباتها. وقد اعتمد بعض الباحثين نظرية النظام العالمي لدراسة مجالات محددة, مثل ثوماس كلايتون Thomas Clayton في التربية المقارنة, أو جورج بارنت George Barnett  لدراسة الاتصال عن بعد(12). يعرض هذا الفصل من الكتاب نظرية النظام العالمي ويطورها لاستخدامها في الإعلام الدولي. أما نظرية الاستعمار الإليكتروني التي تم تطويرها سابقا , فقد تم اعتمادها لفهم أفعال وردود أفعال الدول شبه المركزية والدول الهامشية.

تشير نظرية النظام العالمي أن التوسع الاقتصادي بدأ ينطلق من مجموعة صغيرة من الدول المركزية إلى الدول شبه المركزية والدول الهامشية. هذه الفئات الثلاث من دول العالم-المركزية, شبه المركزية, والهامشية- تتفاوت في درجات التفاعل الاقتصادي والسياسي والثقافي والإعلامي والتقني والرأسمالي والاجتماعي. وتبع البناء العالمي المعاصر منطق الحتمية الاقتصادية حيث تحكم قوى السوق وتحدد الرابح والخاسر سواء  كانوا أفرادا  أو شركات أو دولا (13). ويبدو أن العلاقات الاقتصادية التي تربط بين دول الفئات الثلاث من دول العالم غير متساوية, حيث تسيطر الدول المركزية على الأطر الاقتصادية. ويمثل قطاع الدول المركزية بالدول الغربية الصناعية الأساسية. أما الدول الهامشية وشبه الهامشية فهي في المواقع التابعة أو الثانوية في التعامل مع الدول المركزية. وتمارس الدول المركزية سيطرتها على طبيعة ومدى تفاعلها مع الدول الهامشية وشبه الهامشية. كما تدافع الدول المركزية كذلك عن علاقاتها بالدول الهامشية وشبه الهامشية. وتوفر الدول المركزية التكنولوجيا والبرمجيات ورأس المال والمعارف والسلع والبضائع الجاهزة والخدمات الأخرى للدول الهامشية وشبه الهامشية, التي ينظر إليها كمستهلكين وأسواق. وتوفر الدول الهامشية وشبه الهامشية للدول المركزية العمالة الرخيصة, المواد الخام, الأسواق, وغيرها من الضرورات اللازمة للتصنيع في الدول المركزية. وتعرض تكنولوجيا الاتصال الجماهيري السلع الجاهزة والخدمات التي تدعم العلاقات بين فئات الدول الثلاث في العالم. ويمكن توظيف نظرية النظام العالمي لفهم ودراسة الصناعات الثقافية وأنظمة الاتصال الجماهيري والتحول التكنولوجي, وأنشطة كبار ملا ك الأسهم والحصص العالميين.

ويصف ثوماس شانون Thomas Shannon حركة الاقتصاد والعمال والتكنولوجيا وغيرها من العناصر بين فئات الدول الثلاث (ما هي هذه الفئات).

ويرتبط تعلم القيم الاقتصادية المناسبة لتسهيل انتشار المدنية وتحقيق التطور بعلاقة مركزية مع هذه العلاقات. وتنقل بعض هذه القيم بواسطة الإعلانات ومن خلال بعض البرامج الجماهيرية التي يتم إنتاجها في الغرب وتصديرها إلى دول العالم الأخرى. ويرتبط بهذه العلاقات أيضا , نظام الاتصال الجماهيري الذي يسمح بنقل المواد الإعلامية لخلق أو تشكيل ثقافة جماهيرية في الخارج للسوق العام أو للجمهور, أو لخلق خيارات ثقافية في سوق كبير يسمح باستيراد بعض المنتجات والخدمات الإعلامية المختارة. وتبقى المسألة الأهم هنا, وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى نظرية المدنية وأهدافها, أن الدول الهامشية تحتاج إلى تعل م بعض القيم والمرور ببعض التجارب وتبني بعض الفلسفات حتى تستطيع الانتقال إلى الفئة الثانية من دول العالم, اي الدول شبه الهامشية. أما الدول شبه الهامشية فقد شغلت بممارسات اقتصادية تنتمي إلى الدول المركزية والدول الهامشية على حد سواء. وكان عليها أن تؤكد على قيم الدول المركزية حتى تستطيع الانتقال إلى الفئة الأولى من دول العالم, الدول المركزية.

وتضم فئة الدول المركزية في العالم الولايات المتحدة, دول الاتحاد الأوروبي -خمس عشرة دولة عضو واثني عشرة دولة تنتظر الانضمام- كندا, إسرائيل, استراليا, نيوزيلندا, واليابان.

أما فئة الدول شبه الهامشية فتضم النمسا والبرازيل والصين والدانمارك وفنلندا والمجر وبولندا وروسيا والسويد وسويسرا وسنغافورا وكوريا الجنوبية ومصر والهند والأرجنتين والمكسيك وتشيلي ومالطا وسلوفينيا وفنزويلا, وغيرها من الدول.

وتضم فئة الدول الهامشية في العالم, الدول الأقل نموا  أو التي تسمى بدول العالم الثالث. وينتمي إلى هذه الفئة أغلب دول أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية والجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. وتملك هذه الدول أضعف مستوى تجاري واقتصادي وتنشر عنها القليل من القصص الإخبارية إلى جانب أضعف وأسوأ تشبيك للإنترنت على مستوى العالم كله. أما الأخبار التي تظهر عادة  عن الدول فهي سلبية في الغالب الأعم عن أحداث الانقلابات أو الكوارث الطبيعية. ولم تحقق هذه الدول نجاحات ملموسة في مجال التصنيع بعد والذي هو الركن الأساس للرأسمالية والرأسماليين. ولا تزال الأمية منتشرة  في هذه الفئة من دول العالم الأمر الذي قد يحول - في المقال الأول- دون قراءة الكتب والصحف والمجلات. وتفتقد هذه الدول إلى القوة اللازمة لتحديد علاقاتها بالغرب, باستثناء قدرتها على حظر استيراد المنتجات الإعلامية الأجنبية كما في حالة العراق وإيران.                            

وتفسر نظرية النظام العالمي بشكل جيد التوسعات التي تحققت في الإعلام الدولي, حيث لعبت وسائل الاتصال الجماهيرية ومن ضمنها التليفزيون والسينما وغيرها من الوسائل دور الوسيط والمثقف (بكسر القاف) للدول الهامشية وشبه الهامشية. وتم تضمين الأيديولوجيا الرأسمالية المهيمنة في البناء التحولي الجديد وفي خطط التسوق وفي الخطط الاستراتيجية للصناعات الثقافية. ومن الدول المركزية وتحديدا  الولايات المتحدة وأوروبا ظهرت شركات الإعلام المتعددة الجنسيات, التي كانت تبحث عن توسيع نطاق تأثيرها وبيع منتجاتها الثقافية المختلفة إلى دول العالم الأخرى من أجل تحقيق الفوائد والأرباح. وسيطرت صناعات واستثمارات الدول المركزية على برامج التشغيل والبرمجيات اللازمة للإعلام العابر للقارات, حيث تباع مثل تلك المنتجات بشكل مباشر أو غير مباشر للدول الهامشية وغير الهامشية طالما توفرت الأسواق التي تستوعب هذه المنتجات وتستطيع توفير تكاليفها. وكما تفسر نظرية النظام العالمي أهمية الأيديولوجيات الرأسمالية لعمل الاقتصاد العالمي وتوسعه, ترى أن شركات الإعلام متعددة الجنسيات تلعب دورا  موازيا  في الأهمية عندما تعرض تلك الأيديولوجيات بشكل جيد داخليا  وخارجيا, وعندما تروّج قيم وأساليب عمل الرأسماليات المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية. يصف جيم كولنس Jim Collins, (14) على سبيل المثال, والت ديزني Walt Disney  كرجل يملك رؤية  خيالية مكنته من توظيف منتجات شركته <<لتحديد شكل المجتمع وقيمه الخاصة>>. ويواصل كولنس <<لقد تربى الأطفال من إسرائيل إلى البرازيل, ومن السويد إلى استراليا, وهم يتابعون توجيهات والت ديزني التي كانت في ذات الوقت تحدد صورهم وخيالاتهم عن العالم الخارجي>>. يمكن القول هنا أن هذا المثال, قد يمثل صورة  كلاسيكية لنظرية الاستعمار الإليكتروني. ويبحث كبار رجال الأعمال في الشركات متعددة الجنسيات عن تغيير اتجاهات المستهلك العالمي والتأثير عليها من خلال عرض أحدث المنتجات التي يجب أن تستهلك بسرعة واستمرار.

لابد من المجادلة هنا, أن رفض القيم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للدول المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية سيؤدي مباشرة  -إذا وجد فعلا - إلى عدم الإقبال على المنتجات الثقافية مثل الأقراص المضغوطة وأفلام السينما وأفلام الفيديو والكتب وغيرها, والقادمة من الدول المركزية بل إلى عدم تطويرها في الأساس. وتحتاج الصناعات والأيديولوجيات الثقافية في الدول المركزية إلى نجاحات كبيرة في مبيعات السلع والخدمات المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية من أجل زيادة أسهم السوق والانضمام أو الاندماج مع الصناعات المركزية الأخرى مثل صناعة السيارات, والوجبات السريعة, والمعدات, والطائرات, وأجهزة الحاسوب, وغيرها من الصناعات للاستفادة من توسع الاقتصاد العالمي. وتشير زيادة الحملات الإعلانية عن المنتجات الثقافية في دول العالم المختلفة إلى حضور وتأثير الحركة الرأسمالية في العالم.

ويمثل الإعلان بحد ذاته <<حالة دراسة>> فرعية في نظرية النظام العالمي, وسيتم الحديث عنه في فصل مستقل من هذا الكتاب. دون الدخول في تفصيلات, لابد من الإشارة هنا إلى أن أغلب وسائل الإعلام الجديدة في العالم هي وسائل تجارية في المقام الأول وتعتمد على الإعلان في تحقيق الدخل والفوائد المطلوبة. هذا الأمر, يعطي للإعلان تأثيرا  قويا  ودورا  مركزيا  في نجاح المغامرات الإعلامية الجديدة. وتوصف الوكالات الإعلانية في غلب الأحيان بأنها شركات متعددة الجنسيات تنتمي إلى الدول المركزية. وتجلب هذه الوكالات الإعلانية معها كل شيء تقريبا , من ممارسات المحاسبة إلى البحوث إلى التصميمات الجرافيكية إلى الاستراتيجيات الإعلامية جزء من عقد خدمات كامل.

وتحمل نظرية النظام العالمي اعتقادا  بأن الرخاء الاقتصادي سيتحقق للدول الهامشية وشبه الهامشية, كلما أصبحت هذه الأخيرة تدعم الرأسمالية وتتوسع في أسواقها لتشكل الدول المركزية. لكن جزءا من مشكلة عدم رخاء الدول الهامشية وشبه الهامشية اقتصاديا  يرتبط بتوسع الدول المركزية في نشر وتوزيع منتجاتها الثقافية, ويؤدي هذا التوسع في العادة إلى نتيجتين مهمتين. الأولى, توسع الأسواق وزيادة المنتجات الثقافية في الدول المركزية يحتاج إلى مستهلكين وأسواق خارجية وفوائد تعود إلى شركات الإعلام متعددة الجنسيات التي تتمركز خاصة  في أوروبا والولايات المتحدة. الثانية, أن المنتجات الإعلامية للدول المركزية تحل في العادة محل المنتجات الإعلامية المحلية في الدول الهامشية وشبه الهامشية. ويصبح على المنتجات الثقافية المحلية في هذه الدول من أفلام وموسيقى وكتب, منافسة وكالات الإعلان والترويج التي تقدم المنتجات الثقافية للدول المركزية, الأمر الذي لا تستطيع الشركات المحلية النجاح فيه. إذا  عند مناقشة الرخاء الاقتصادي, علينا أن نسأل الرخاء لمن? ومن يكافأ عليه? الشخص المحلي أو الأجنبي? مع توسع المشاريع التجارية للدول المركزية في الدول الهامشية وشبه الهامشية, يمكننا القول أن الشركات متعددة الجنسيات هي من يحقق الرخاء الاقتصادي بغض النظر عن الآثار أو المساعدات التي تقدمها.

لكن هناك مجادلة واحدة تشير إلى أن عدم التوازن في التأثير بهذا الشكل, قد م فائدة أساسية لبعض قطاعات العمل في الدول الهامشية وشبه الهامشية. فعلى سبيل المثال, عندما تنتج بعض البرامج التليفزيونية والأفلام السينمائية في الدول الهامشية وشبه الهامشية, تستفيد بعض الفئات والأفراد مثل سائقي سيارات الأجرة, والمطاعم المحلية وكل المحلات التجارية, وكذلك عندما تباع الصحف والكتب وأشرطة التسجيل وأفلام الفيديو يحقق البائع أو الموزع المحلي نسبة  من الأرباح. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى التي تثبت تحقيق الدول الهامشية وشبه الهامشية لبعض الأرباح والفوائد من اشتراكها في اقتصاد الدول المركزية. بل أن بعض الدول المركزية تتعامل مع شركات إعلام لدول مركزية مثلها للقيام ببعض الأعمال. ويوضح المثال التالي والمرتبط بصناعة الأفلام وعلاقة الولايات المتحدة وكندا, هذا النوع من العلاقة التي تربط دولتين صناعيتين مركزيتين.

لقد انتقد الكنديون الوطنيون مرارا  وبشكل دائم التأثير الثقافي لوسائل الإعلام الأمريكية. ومنذ دخول المذياع في كندا كان هناك تخوف مستمر من انتشار وسائل الإعلام الأمريكية ودخولها إلى البيوت الكندية. لكن عندما أصبحت شركات الإعلام هي مركز الاهتمام الأكبر لتحقيق الفوائد وتوسيع الأسواق هي الهدف الأساسي, رحبت كندا بصناعة هوليوود الفيلمية وبشبكات التليفزيون الأمريكية. وأصبحت مدن تورنتو ومونتريال وفانكيوفر مواقع أساسية لشركات إنتاج الأفلام الأمريكية والمسلسلات التليفزيونية. وخلقت هذه الأعمال المنتجة آلاف الأعمال سنويا  وساهمت بالبلايين في الاقتصاد الكندي. وكان على كندا, كدولة مركزية قريبة من الولايات المتحدة قائدة الدول المركزية, بتنامي الدور الأمريكي وخاصة ذلك الذي تلعبه أفلام هوليوود في الاقتصاد والعمالة والثقافة الكندية. ومع تصاعد التكاليف الإعلامية وارتفاعها, نشرت مجلة ماكليين الكندية الأسبوعية تقريرا  بعنوان <<الواجهة الشمالية>> لخصت فيه الموقف قائلة : يبحث النجوم عن أدور جيدة, وتبحث الاستوديوهات عن توفير المال وإنتاج التسلية الجيدة. ويمكنهم تحقيق كل ذلك إذا أنتجوا أفلامهم في الشمال الأبيض العظيم.(15)

أخيرا , وعلى الرغم من قلة البحوث الإمبريقية الإعلامية(16) التي تركز على نظرية النظام العالمي, إلا أنه تجدر الإشارة إلى دراسة استثنائية قدمها كيانجمو كيم Kyungmo Kim وجورج بارنت George Barnett. ويعتبر المقال الذي نشراه بعنوان <<محددات التدفق العالمي للأخبار: تحليل الشبكة>>(17) مثالا  جيدا  لتطبيق نظرية النظام العالمي. حيث طب ق الباحثون نظريتي النظام العالمي والاستقلال. وبعد بحث مفصل للتدفق الدولي للأخبار في 123 دولة  حول العالم, توصل الباحثون إلى أن <<نتائج هذا البحث تؤكد عدم التوازن في تدفق الأخبار بين الدول المركزية والدول الهامشية وشبه الهامشية. وتحتل الدول الغربية المكانة المركزية في السيطرة على تدفق الأخبار الدولية(18). واعتمادا  على تحليلهم للبيانات المتوفرة لديهم, ختم الباحثي ن الدراسة بـ:<<يفرز هذا البناء المركزي للتدفق الدولي للأخبار نتيجتين تؤثران على استقلالية الإعلام. الأولى, تقف الدول الصناعية الغربية في موقف المنتج والبائع للأخبار الدولية. وفي المقابل تقف الدول الهامشية في موقف المستهلك الذي يعتمد على المعلومات وأخبار التي تنتج في الدول المركزية.(19)

ويشير الباحثون إلى قلة الدراسات الدولية عن التدفق العالمي للأخبار وذلك للعديد من الأسباب, لذلك فإن دراستهما تصبح استثنائية ومهمة بالفعل.

العلاقة بين نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي:

    The Connection: Electronic Colonialism and World System Theories

هناك علاقة ورابط جوهري بين نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي. فنظرية الاستعمار الإليكتروني تؤكد أن تصدير برامج وسائل الإعلام ينقل عددا  متنوعا  من القيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي بعض الأحيان ينقل قيما  سياسية ودينية. وتذهب نظرية النظام العالمي إلى أبعد من ذلك وتتوسع في أطروحاتها عن نظرية الاستعمار الإليكتروني عندما تقسم دول العالم إلى ثلاث فئات هي: الدول المركزية, والدول شبه الهامشية, والدول الهامشية. وتهتم بعض الدول المركزية بآثار الاستعمار الإليكتروني, بل أن بعض الدول المركزية الأساسية مثل كندا وفرنسا وبريطانيا واستراليا في قلق مستمر من <<أمركة>> صناعاتها الثقافية. أما الدول الهامشية وشبه الهامشية فلديها العديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية حتى تتخوف أكثر من آثار الاستعمار الإليكتروني. وتعتبر نظرية الاستقلال عندما تستخدم كمرجعية لقياس تغي ر الاتجاهات في التعامل مع الممارسات التي تطلقها الدول المركزية, مثالا  على نظرية الاستعمار الإليكتروني. على سبيل المثال, ومنذ ثمانينيات القرن العشرين, كان هناك كم هائل من الدراسات والبحوث في أمريكا اللاتينية عن الآثار البنائية السلبية في العلاقة مع الدول المركزية وتحديدا  الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الاستعمارية القديمة وخاصة  أسبانيا. وتعتمد نظريتا الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي في مختلف أنحاء العالم بأشكال وأهداف مختلفة, ويصبح من المفيد للدراسات المستقبلية في الإعلام الدولي اعتماد بعض الجوانب المناسبة لهاتين النظريتين. ومن المهم هنا أيضا , الإشارة إلى فائدة تطبيق نظريتي الاستعمار الإليكتروني والنظام العالمي في دراسة الممارسات والأنشطة العالمية الخاصة بالصناعات الثقافية متعددة الجنسيات.    

القوى الإعلامية بين الدول Communication Forces Among Nations

يمكن القول أن الإعلام الدولي كقطاع تجاري يمكن أن يصبح حالة دراسية مثالية لتطبيقات نظرية النظام العالمي. وتتمركز شركات الإعلام متعددة الجنسيات ووكالات الإعلان الدولية في الدول المركزية, وعندما تعمل في الدول المركزية أو غيرها من دول العالم, تعمل وفق استراتيجية محددة وقائمة أولويات واضحة تأخذ مرجعيتها من النظام الاقتصادي الرأسمالي. وينظر للدول الهامشية وشبه الهامشية في هذا الإطار كأسواق مستهدفة للشركات متعددة الجنسيات, التي تحدد بدورها طبيعة العلاقات مع هذه الدول. كما تهدف هذه الشركات بما تقدمه من منتجات إلى التأثير على قيم واتجاهات المستهلك كما وضحت سابقا  نظرية الاستعمار الإليكتروني. ولا تعتمد هذه الشركات على القوة العسكرية, كما كان الوضع سابقا  في الاستعمار العسكري, بل على استراتيجيات السوق والبحوث والإعلانات التي تمك ن هذه الشركات من التأثير على سلوك المستهلك بخلق تفكير وتصور عقلي عالمي واحد تجاه المنتجات والخدمات الثقافية.

ومن أجل فهم بيئة ومناخ الإعلام الدولي بعد الحرب الباردة, لا بد من فهم وجهتي نظر الدول الصناعية المركزية, والدول الأقل نموا  والتي لا تزال تقبع في فئة الدول الهامشية بعد عقود زمنية وجهود متواصلة لتحقيق التطور والمدنية. بل أن بعض الدول الهامشية تعتبر اليوم في وضع أسوأ مما كانت عليه في عهد المستعمر القديم. بالإضافة إلى ذلك, فإن أوضاعها, في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والتكنولوجيا, تزداد سوءا  وفسادا  بمرور الوقت. ومن أجل فهم هذا التخلف والانقسام, لابد من توضيح الدور الذي لعبته اليونسكو كمؤسسة دولية في تحديد وجهات نظر ملا ك الأسهم والحصص المالية واتخاذ المواقف وتأسيس مواقف واهتمامات متباينة عن الإعلام الدولي.

وخلال عقد التسعينيات من القرن العشرين, شهدت حركات تحرير رأس المال والتخصيص سيطرة العديد من الدول على وسائل الإعلام وملكيتها الاحتكارية لها. لكن تلك السيطرة والملكية الاحتكارية تم محاصرتها بواسطة قوتين إعلاميتين جديدتين: (1) أنظمة الاتصال والبث السلكي والفضائي, و(2) الانتشار الواسع للبرامج التليفزيونية الغربية, والأمريكية تحديدا . وتمكنت هاتان القوتان من تغيير المناخ الإعلامي بشكل سريع في عدد كبير من الدول المركزية والدول شبه الهامشية في الفترة من 1980 إلى اليوم. وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور يحتفي بظهور قناة تليفزيونية واحدة أو اثنتين في العام الواحد, وفجأة أصبح أمام الجمهور عشرات القنوات والخيارات من البرامج. وكان الأثر الأساسي المطلوب تحقيقه, خلق مشاهدين وجمهور مستعمرين (بفتح الميم) إليكترونيا  يتابعون البرامج الأمريكية وهم من أجيال المشاهدين الجدد حول العالم.

لقد عملت أنظمة البث العامة أو الحكومية, وخاصة  في أوروبا لسنوات طويلة على تنوير وإعلام الجمهور, لكن مع ظهور القنوات الجديدة, ظهرت معها فرص جديدة أيضا  لعرض التسلية والترفيه والإعلان وقوى السوق. وسعت القنوات التجارية إلى تقديم برامج جماهيرية عامة على شاكلة:

Big Brother, Millionaire, Weakest Link, Survivor, Soap Operas, Bay watch.

وبزيادة هذه القنوات التجارية وتوسع تأثيرها على الجمهور, خلفت ورائها مجموعة صغيرة من الجمهور للقنوات العامة, التي أصبحت تحت رحمة متزايدة من السياسيين وسلطات التقنين لفعل شيء ما بخصوص جمهورها الذي يتقلص باستمرار. وفي ذات الوقت كانت العديد من القنوات التجارية تبحث في زيادة إيراداتها من المصادر العامة. وكانت كل قناة تجارية جديدة تظهر, تخطف جزء  من جمهور القنوات العامة التي أصبحت تخضع لتحديات ثلاث قوى أساسية هي: المال, و التكنولوجيا, والتقنين.

 

عرض المشكلة Breadth of the Problem

يتضح لنا أن مستوى عرض ممارسات وأنشطة الإعلام الدولي واسع جدا , بل يتوسع باستمرار. ففي طرف منه هناك المجموعة الكبيرة من الدول النامية أو الهامشية التي تهتم بالبنى الأساسية للاتصال مثل الراديو أو خدمات الهاتف. وفي الطرف الأخر هناك الدول المركزية, التي أصبح بعضها صناعيا  منذ ما يقرب من قرن, حيث تهتم هذه الدول ببقائها في عصر المعلومات. وهذه الدول لا ترغب في أن تصبح مستعمرات معلوماتية لدول أخرى. وبالتالي أصبحت القضايا الإعلامية المتعلقة بالإندماجات الاقتصادية والتدفق الدولي للمعلومات والحاسوب والرقابة والخصوصية والعمالة في الصناعات الثقافية, قضايا واهتمامات مركزية لازمة لبقاء الدول الصناعية.

وبشكل واضح, تتخوف بعض الدول المركزية مثل كندا وفرنسا واستراليا من فكرة تحولها إلى مستعمرات إليكترونية لدول مركزية أخرى مما يدفعها باستمرار إلى إعادة النظر في فلسفاتها الإعلامية الخاصة. وتطرح قضايا السيادة الوطنية والاستعمار الإليكتروني مرة  أخرى, أسئلة عن مدى مناسبة تدخل الدولة والدعم المالي والصناعات الثقافية وملكية وسائل الإعلام وتقنينها. وكان ظهور الصحافة الإليكترونية وقنوات الكابل والإنترنت والبث الفضائي المباشر قد أثار أسئلة أخرى عن أهمية تقنين وسائل الإعلام ومفهوم الحدود الوطنية.

ومن القضايا الأخرى التي تمثل أهمية للدول الصناعية, تلك التي ترتبط بتزايد الصراع بين الاقتصاد وضرورات الأمن القومي. ومن البداية كانت المنافسات والضغوط التجارية قد أثرت على تدفق المعلومات عندما كانت وسائل الإعلام تحاول إسكات أصوات منافسيها. واليوم فإن الداعم الأساسي لفلسفة التدفق الحر هي الحكومات التي استجابت لمصالح وضغوط الشركات متعددة الجنسيات التي كانت -ومازالت- تبحث عن مصالحها وأرباحها المادية وليس عن المصالح القومية الأمريكية. فما هو جيد لشركة أي بي أم IBM  حتى تبيع أنظمة حاسوب لدول مثل إيران والصين وروسيا ليس بالضرورة جيد ومفيد للمصلحة الأمريكية أو الأمن القومي والدولي الأمريكي. ذلك أن هذه الشركات ووكالاتها الإعلانية تعتمد على الحدود والأسواق المفتوحة حتى تتنافس بشكل فع ال في الاقتصاد العالمي.

أخيرا , لابد من الإشارة إلى أن نسبة  كبيرة من الضغوط والدعم لصالح فلسلفة التدفق الحر تأتي أساسا  من الوسائل المطبوعة وخاصة  الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية. لقد كان الدور الذي لعبته المطبوعات في هذا المجال خطير بالفعل, لكن التكنولوجيا الحديثة نقلت هذه الوسائل بسرعة إلى مرحلة جديدة تميزت بتدخل الحكومة في اختيار رسائلها. وعلى الرغم من أن والوسائل المطبوعة والإليكترونية تمضي في مساقات مختلفة من الناحيتين القانونية والتنظيمية إلا أن طرقهما قد تتوحد مع تزايد اعتماد المطبوعات على الوسائل الإليكترونية مثل الإنترنت في نقل رسائلها إلى المستهلكين. وفي الوقت الذي خضعت فيه المطبوعات دائما  لمستويات متفاوتة من التقنين(20), ستجد هذه الوسائل نفسها أمام عوائق تشريعية وقانونية متزايدة وقرارات محاكم تتعارض جميعها مع روح التعديد الأول للدستور الأمريكي.

ويبقى المهم هنا, الإشارة إلى أن الإعلام الدولي لم يعد يهتم فقط بدور الوسائل المطبوعة أو يركز على عادات وممارسات جمع الأخبار في وكالات الأنباء الدولية. لقد تطور موضوع الإعلام الدولي ليشمل عددا  متنوعا  من القضايا التي أفرزها البث الإذاعي العالمي والإعلان العالمي والاقتصاد العالمي. وستدخل موضوعات مثل فساد الدول الأقل نموا , وتأثير البرامج التليفزيونية الفضائية, وقدرة الإنترنت على تحدي وسائل السيطرة التقليدية, في مناظرة المناخ المناسب للإعلام الدولي ودور الحكومات في تحديد سياسات هذا الإعلام. هذا الدور لم يعد مسؤولية الحكومات الوطنية وحدها بل تحو ل إلى المنظمات الدولية, وتحديدا  مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.(21)

 

الهوامش والمراجع:
..........................................

 10-   Immanuel Wallerstein  The Modern World-System  (New York: Academic Press  1979)  The Modern

World-System III (San Diego: Academic Press 1989) and  ((National Development and the World System at

  the End of the Cold War)) in Comparing Nations and Cultures: Readings in a Cross-disciplinary Perspective ed.

 A. Inkeles and M. Sasaki (Englewood Cliffs:  Prentice-Hall 1996) pp.484-497.

11-يمكن الإطلاع على تعريف نظرية النظام العالمي إلى جانب مراجعة جيدة لكل التيارات البحثية في هذا المجال في:   Thomas Halls ((The World-System Perspective: A Small  Sample from a Long Universe)) Sociology Inquiry 66 (4) (November 1996)  pp. 440-454.  Andre Frank. Capitalism and Underdevelopment in Latin America (New York: Monthly Review Press 1969): Barnett Singer and John Langdon  ((France s Imperial Legacy)) Contemporary Review 272 (May 1998)  pp. 231-238: Alvin So. Social Change and Development: Modernization  Dependency  and World-System Theory (Newbury Park: Sage  1990) .

12-    Thomas Clayton ((Beyond Mystification: Reconnecting World-System Theory for Comparative Education)) Comparative Education Review 42 (November 1998)  pp.479-494: George  Barnett and Young Choi ((Physical Distance and Language as Determinants of the International Telecommunications Network)) International Political Review 16 (3) (1995)  pp. 249-265.

13- أو مجموعات الدول التي يربطها اتحاد أو رابطة واحدة مثل دول الاتحاد الأوروبي أو دول الآسيان وغيرها من المجموعات.

14-Jim Collins  ((Shaping Society)) USA Today  23 September 1999  p.19A

 15-   ((Northern Exposure)) Macleans  11 October 1999  p.71.

 16-    John Corner Philip Schlesinger and Roger Silverstone  eds.  International News Media Research: A Critical Survey  (London Routledge  1997).

 17-   Kyungmo Kim and George Barnett  ((The Determinants of International News Flow: A Network Analysis)) Communication Research 23 (June 1996)  pp.323-352.

18-   Kim and Barnett, p. 344.

19-   Kim and Barnett, p. 346.

20- يعود ذلك إلى الحدود التي توضع دائما  أمام العمل الصحفي. وعلى الرغم من إجماع العديد من المهتمين بضرورة إزالة كل أنواع الحدود أمان نتائج التحقيقات الصحفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية, لكل يظل هناك العديد من الحدود القانونية.

21- المنظمة الأخرى المعنية بهذا المجال تسمى <<الشبكة الدولية للسياسات الثقافية>> وهي اتحاد يضم ستا  وأربعين دولة, بدأت اجتماعاتها في كندا عام 1998, وتلي ذلك اجتماعات في المكسيك واليونان وسويسرا وأفريقيا. وتركز هذه الاجتماعات على الهوية الثقافية والسياسات الثقافية وتأثيرات العولمة الثقافية. وهناك اهتمام متزايد في العديد من دول العالم بمعالجة قضايا الصناعة الثقافية عن طريق منظمة التجارة العالمية, وخاصة تلك المرتبطة بالتليفزيون والسينما والمجلات. وتعتقد الشبكة الدولية للسياسات الثقافية, التي لا تضم الولايات المتحدة, أن منظمة التجارة العالمية تتحيز لفكرة التدفق في اتجاه واحد يدعم انتشار أفلام هوليوود ومنتجات نيويورك إلى كل أنحاء العالم. وحاولت هذه المنظمة تقديم أحد الحلول لمواجهة هذه المشكلة تمثل في اقتراح بإبعاد المنتجات والسلع الثقافية من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. أخيرا , عرضت كندا نفسها كقائدة لهذه المجموعة لسبب واضح وبسيط, يتمثل في اقترابها بقوة من أن تصبح مستعمرة  إليكترونية أمريكية.

 

.................
المصدر : مجلة نزوى : العدد 37 ، يناير 2004 م ، ص : 106-118