الحضارية «دراسات استراتيجية»

 الثلاثاء: 01/04/2009

  

العراق .. رؤية مستقبلية في العلاقات الدولية

 

إعداد : الدكتور خضر عباس عطوان

 

 

المقـدمـة

منذ عام1990 والعلاقة بين العراق وبيئته الخارجية شديدة الترابط . فهذه البيئة قادت إلى حدوث تحولات جذرية في أوضاع العراق الداخلية والخارجية، وأوضح مثال على ذلك انه قد انقلبت معه كافة الفروض الموضوعة لهذه الدولة: الإمكانات، التطلعات، المصالح والأدوار مع انتهاء حرب الخليج الثانية1991، ومرة ثانية مع إسقاط النظام السياسي السابق. ومن ثم ليعيش مرحلة جديدة تقتضي معها أما التكيف مع الوضع القائم و القبول بالسيطرة السياسية الأمريكية عليه، أو محاولة إحداث اختراقات واسعة فيه،وبالطبع هذا يتطلب توافر قيادات سياسية وطنية لها أجندة تضع العراق كدولة في أولويات مشروعها. ومن غير المجدي عمليا الحديث عن العزلة، بمعنى أن يعمد العراق إلى تجاوز البيئة الخارجية ويرصد كافة إمكاناته واهتماماته لصالح الداخل فقط.فالولايات المتحدة هي المهيمنة سياسيا على خيارات البلد،وبالتأكيد فان حجم ما أنفقته في عملية إعادة تأهيله دوليا ولصالحها يجعلنا نقول انه بالتأكيد إن خيار العزلة غير مرغوب،وغير مجدي.

لقد صار العالم ساحة مكشوفة أمام القوة العظمى، الولايات المتحدة، التي تنفرد فيه بتمرير سياساتها وضمان دعم مصالحها، و وجدت غالبية دول العالم نفسها واقعة تحت طائلة الاختيار بيّن:

• الالتحاق بالركب الأمريكي، ومسايرة الأوضاع العالمية بغية ضمان استمرارها . وهذا حال معظم البلدان النامية .

• أو القبول بحقائق الوضع العالمي الراهن، ومن دون الانسياق الكامل وراء السياسات الأمريكية : روسيا، الصين،...

• أو إظهار الرفض للنهج الأمريكي في التعامل مع الغير. وهنا، ستجد هكذا دول نفسها معزولة عن العالم، وهذا هو حال كوبا وكوريا الشمالية اليوم .

ما يهمنا هنا هو المجموعتان الأخيرتان، فهذه الدول لها حسابات سياسية مع الولايات المتحدة.وما انتهى إليه حال العراق، وجعله تحت السيطرة السياسية الأمريكية،دفع أطراف دولية عديدة إلى محاولة إغراق الولايات المتحدة في العراق عبر تصعيد العنف الداخلي،أو العنف العابر للحدود.وفي كل ذلك تعطيل للمشهد الذي يمكن أن يكون عليه العراق بعد التغيير السياسي الذي حصل عام2003، وبالتالي يجعل صورة المستقبل لعلاقات العراق الدولية صعبة القراءة.

...

ä  النظام السياسي في العراق إعادة القراءة في تأثير البيئة الدولية

 شهد شهر حزيران 2004 حدثين مهمين في تأريخ العراق بعد التغيير السياسي الذي حصل في نيسان 2003:

أولهما،إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1546 الذي يعلن فيه جدولا زمنيا لإجراء انتخابات الحكومة ومجلس وطني للدولة العراقية، علاوة على تشكيل أول حكومة عراقية(وجود رئيس للوزراء ورئيس للدولة العراقية) لإدارة المرحلة الانتقالية،وتهيئة البلاد للمرحلة الدستورية، وهنا نتساءل هل يملك العراقيون تسيير أمورهم بشكل مستقل، وهل سيملكوا الاستقلالية بالمستقبل؟أم أن البيئة الدولية(الولايات المتحدة) سيكون لها القول الفصل في تحديد شأن العراق ؟

لقد شكل الوضع الدولي الراهن للعراق علامة فارقة في تاريخ النظام الدولي، فدرجة التعسف الأمريكي في استخدام القوة ضد العراق، واحتلاله، وغياب الموقف الدولي المستقل إزاءه كان دالة على أفول نظام دولي وبدا تشكيل نظام عالمي جديد تتزايد الدعوات فيه للانفتاح على التعددية القطبية، وما يهمنا هو وضع العراق نفسه،إذ يشهد وضعا" غير مستقرا".وإمكانية ديمومة حالة عدم الاستقرار في الوضع والسياسة العراقية تؤكده المعطيات الداخلية في هذا البلد، وبقاء الأسباب الخارجية المؤثرة فيهما، وهنا تستوقفنا مسألتان:

1. شكل نظام الحكم الدائم الذي تفضله الولايات المتحدة في العراق. هل سيكون طائفياً أو قبلياً، مركزياً أو غير مركزي، قومياً أو وطنياً،علمانياً أو دينياً، فهذه المسالة لها أبعاد تتجاوز العراق لترتهن بشكل الخارطة القادمة للمنطقة في الذهنية والتصور الإستراتيجي الأمريكي، وما ترسمه من ادوار قادمة لهذا البلد.

2. الاحتمالات التي قد يستقر عليها العراق. إن أي تحول في وضع العراق الراهن سيجد أرضيته في واحدة من احتمالين ليس إلا.

* أولهما،الاندفاع نحو البيئة الخارجية وخوض غمار تفاعلاتها.وهذا الاحتمال يتيح خيارات واسعة تغطي مساحة تمتد من الانفتاح على العالم الغربي،مرورا بالارتباط بعلاقات إقليمية موسعة، وانتهاء بالاندماج في البيئة العربية. ويلاحظ إن كل خيار من بين هذه الخيارات يفرض صياغة لأولويات العراق، وتحديد للمرجعيات الفكرية التي تستند حركته عليها .

* وثاني تلك الاحتمالات، تفجر أوضاع الأزمة الداخلية(اندلاع حرب أهلية). وهذا الاحتمال ينطوي على رؤية مفادها صراع القوى السياسية العراقية على الإمكانات المتاحة وغياب الخيارات، غير خيار الاستحواذ على السلطة بكل الوسائل المتاحة، في سلم أولويات تلك القوى .

المسألتان في أعلاه ستثيران التساؤلات الآتية:-

o هل للعراقيين دور في تحديد مرجعية السياسة العراقية وأولوياتها؟

o وما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق،وكيف سينعكس ذلك بشكل أو بآخر على شكل نظام الحكم القادم وأدواره الإقليمية والعربية؟

o والتساؤل الثالث مفاده ما الأسباب التي تدفعنا إلى القول بوجود الاحتمالين في أعلاه، في عراق الغد؟

 المبحث الأول : العراق:حدود الأهمية الدولية

 لم يكن، نظام حكم البعث في العراق بعد عام 1968، سمة مميزة وفريدة عما قبله، بقدر ما كان خطوة باتجاه حسم مسائل داخلية استمرت غير مستقرة ومعلقة طوال الحقب السابقة: بناء الدولة المركزية، اعتماد نظام الحزب الواحد،وإقرار حكم الفرد. وأتاح تنفيذ قرار تأميم الصناعات النفطية توافر إمكانات مادية ملائمة لتنفيذ تطلعات النظام السياسي العراقي الخارجية: بناء إمكانات القوة الإقليمية والعربية. وتم استثمار هذه العوائد وفقا للرؤية الأيديولوجية التي تبناها النظام لما ينبغي أن تكون عليه الخارطة السياسية في الداخل وفي الخارج.

عند المرحلة أعلاه بدأت موازين السياسات الغربية، والأمريكية خاصة في التعامل مع العراق تنتقل من كونها واقعة في مرتبة الاهتمامات والسياسات الثانوية لترتقي إلى مرتبة الاهتمامات الإستراتيجية والسياسات العليا فعلا خلاف مرحلة ما قبل عام 1958 التي وقف فيها نظام الحكم موقف العاجز عن إدارة شؤون البلاد إلا عبر اعتماد خيار بريطاني أولا، فان مرحلة ما بعد التأميم لم يعط فيها النظام حيزا لسياسات الوصايا أو تنفيذ سياسات بالتواكل، لذا رأينا قيام العراق بتحرير نفسه تدريجيا من قيود والتزامات اتفاقية الصداقة الموقعة مع الاتحاد السوفيتي السابق عام 1972. وتقدم خطوات نحو بناء أدواره الإقليمية والعربية. وهذا ما جعل السياسة العراقية تتقاطع مع أهم الاعتبارات التي يحملها الغرب عند التعامل مع الأخر: رفض الاستقلالية.

ولقد استطاع النظام السياسي أن يضمن قدراً عالياً من الاستقرار الداخلي، أما البيئتين الإقليمية والعربية فكانتا على قدر من الدينامية والتفجر يسمح معه بإعادة التشكل وفقا لصيغ ورؤى الطرف الأقوى. وما ساعد على طرح تصوره لماهية الخارطة السياسية للمنطقة إن نظام القطبية الثنائي بعد عام 1973 لم يكن يفرض استقطاب حاد على البلدان الإقليمية، وبضمنها المنطقة المحيطة بالعراق، ولننظر مثلا السياسة العراقية أثناء وبعد انعقاد قمة بغداد العربية عام 1978، ونجاحها في عزل مصر عن العالم العربي، بعد توقيع الأخيرة لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وكذلك في عزل إيران نسبيا عن هذا العالم. وفي هذه الأثناء دخل العراق الحرب مع إيران وهو في اشد حالات الاندفاع لبلورة وضعه الريادي العربي والإقليمي. والواضح إن هذا الدور تم في إطار وضع دولي متوازن أفضى إلى تطوير العراق لعلاقاته مع مختلف القوى الدولية: الاتحاد السوفيتي السابق، وعموم دول أوربا، إضافة إلى تحسن في علاقاته مع الولايات المتحدة(1).

وقد استفاد العراق في الاستمرار بأداء دوره الطموح من تداعيات الموقف الدولي في منطقة الخليج، الذي اتصف آنذاك برؤية سلبية في اغلب الأحيان إزاء المبادئ المعلنة للنظام السياسي الإيراني(2). فاستطاع الحصول على دعم وإسناد معظم القوى الدولية في حربه مع إيران، وحيد قسم آخر منها.

المبحث الثاني : رؤية الولايات المتحدة للعراق

 المقدمة السابقة تساعد على تفهم الوضع الذي خطط لان يكون العراق فيه بعد عام 1990، وأدت الولايات المتحدة دور المخطط الرئيس والمنفذ لإعادة صياغة هذا الوضع، بعد تأكد بروز قوة العراق أثناء حربه مع إيران.

لقد انتهى التفكير الإستراتيجي الأمريكي في النصف الثاني من عقد الثمانينات إلى ضرورة تحجيم دور العراق إلى ما دون مستوى إمكاناته الفعلية، بيد إن الحاجة إلى وجود العراق في مواجه قوة إيران الإقليمية، إضافة إلى حضور الاتحاد السوفيتي في المنطقة والخشية من تدخله، نقول إن هذا كله قد اجل اعتماد مثل هكذا خيار.

وبرأينا، فأن الموقف الأمريكي حول ضرورة وحتمية القيام بمثل هذا التحجيم يعود إلى وجود خمس فرضيات أساسية قد حكمت السياسة الأمريكية حيال العراق طوال المرحلة السابقة على اعتماده، وتنفيذه وهي:

* العراق قوة إقليمية – عربية فاعلة لقد استطاع العراق بناء قوة عسكرية متقدمة وفقا للمعايير الكيفية والكمية السائدة في المنطقة. وسعت قيادته إلى وضع تصوراتها وطموحاتها بصدد أداء أدوار فاعلة وقيادية في النطاق العربي والإقليمي موضع التنفيذ الفعلي في أعقاب انتهاء الحرب مع إيران: المسارعة في إنشاء مجلس التعاون العربي 1989، عقد قمة بغداد العربية 1990، فالبيئة الإقليمية والعربية المحيطة كانت تعيش مرحلة مضطربة متموجة مفتوحة على أكثر من احتمال: تجدد الحرب مع إيران، الصراع بين سوريا وإسرائيل …والأكثر منه إن البيئة العالمية قد شهدت تحولات كبيرة: تقلص الدور السوفيتي، وبدأ تحلله من التزاماته الإستراتيجية حيال أصدقائه، وخاصة العراق.

في حين بدت تلك المرحلة بالنسبة للسياسات الأمريكية هي الأنسب لإعادة صياغة أوضاع النظام العالمي بما يتفق ووضعها الاستراتيجي العالمي، الذي بات ينذر بحتمية دور القطب الواحد. ولم تكن المنطقة العربية ودول الجوار الإقليمية بمنأى عن هذه المراجعة وإعادة الصياغة(3). وهنا، احتمالات المواجهة مع العراق لم تكن بعيدة عنحسابات الاستراتيجيين والمحللين، طالما إن الأخير هو في وضع المتقاطع مع المصالح والوجود الأمريكي في منطقة الخليج، والتي يعدها المجال الحيوي لادائه الأدوار الإقليمية والعربية الفاعلة، وتأكيد حضوره الدولي.

وبقصد تعزيز قدراته على تنفيذ أدواره جعل العراق من يمتلك القوة والاستحواذ عليها ضرورة دائمة، لهذا انكب على مواصلة جهوده في بناء القدرات العسكرية و قدرات التدمير الشامل تحديدا"، حتى أصبح قوة أساسية في المنطقة .

* بيد أن قدرة العراق على تنفيذ أدوار فاعلة لم تكن بتلك السهولة المفترضة، فإذا كانت إمكاناته قد سمحت له بفرض إنهاء للصراع المسلح مع إيران بيد إن الأوضاع الإقليمية والعربية، والأكثر منه العالمية لم تكن تسمح بإعادة تشكيل النظامين الإقليمي والعربي . فالمصالح والخطوط الحمراء للقوى المحيطة به وللقوى الدولية الكبرى كانت واضحة. وبالتالي فأن إعادة ترتيب البيئة المحيطة كان يتطلب أحداث تغيرات كبيرة فيهما بغية فرض الرؤى والأيديولوجية العراقية.

وإزاء التنازع على دور القيادة والريادة مع دول عربية: كالسعودية و مصر مثلا، ومع دول إقليمية: كتركيا مثلا، ورغبة الدول الأخيرة في محاباة القوى العظمى(الولايات المتحدة) لم يكن بمقدور العراق آنذاك حسم عملية إعادة ترتيب بيئته المحيطة، وهو الأمر الذي جعله غير قانع بالوضعين الإقليمي والعربي.

وربما يعزي البعض عدم القناعة العراقية إلى كون طموحات هذه الدولة(الإقليمية والعربية)واسعة جدا في حين إن بيئته لم تسمح بإمكانية إحداث تحول جوهري فيها؛أو في ارتباطاتها الدولية(4). فالمنطقة بشكل عام تعيش مرحلة التأثر بالمضمون التاريخي لعلاقاتها بالقوى المحتلة: الاستذكار الدائم لعلاقات التبعية والاحتلال السابقة، وتعيش أيضا مرحلة التأثر بالمضمون الواقعي الذي يتصور عدم إمكانية التحرر من القيود التي تضعها القوة الفاعلة في النظام الدولي، أي الولايات المتحدة. والأكثر منه إن التحول عن المضمونين الواقعي والتاريخي ينطوي على لعبة استبدال وتغيير الكراسي العربية الحاكمة، وهذا الأمر غير مستحب ذكره أو مناقشته لدى أغلب حكام العرب.

* اتجاه العراق نحو امتلاك القوة والاستحواذ عليها غير قابل للتعديل والتكييف، فمعدل بناء العراق لقوته خلال الفترة 1988-1990 كان غير مسبوقا(5)، وإذا كان قدر للعراق الاستمرار بعملية البناء فان أي قوة إقليمية أوعربية ستكون غير قادرة على مجاراته أو مكافئته. ويضاعف من اثر هذا المتغير وجود فراغ إقليمي وعربي واضح في ميدان علاقات القوى. فإيران، مثلا، قدراتها العسكرية تلبي في أفضل الأحوال متطلبات وحاجات دفاعية محضة، في حين كانت تركيا تعيش وضعا استراتيجيا حرجا فالتزاماتها وأدوارها الإقليمية لمرحلة ما بعد الحقبة السوفيتية داخل الحلف الأطلسي صار يعاد النظر بها. كما إن علاقاتها بالعراق خصوصاً الاقتصادية والأمنية(المشكلة الكردية)قلصت الحاجة إلى اعتماد فرضيات المواجهة بين الدولتين. أما كل من سوريا ومصر فهما قوتان إقليميتان مقيدتان بساحة الصراع مع إسرائيل إلى درجة كبيرة، ودون أن توازيها(6).

يقابل كل ذلك أن بنية العراق وقاعدته العسكرية قد أنضجتها الحرب مع إيران. وساعد على ذلك سماح الغرب بتدفق الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة نسبيا" اليه، ليبقيه بوضع عسكري قادر على الحفاظ على أوضاع التوازن السياسي- العسكري في المنطقة، وليكبح جماح أي اندفاع إيراني نحو منطقة الخليج(7). وجاء انسحاب الاتحاد السوفيتي السابق من الساحة الدولية ليعزز التطلع العراقي المتأصل نحو ضرورة وجود نظام إقليمي وعربي متحرر من قيود سياسات ومصالح القوى الكبرى، ولكن بزعامة عراقية، وحتى تكون مثل هكذا زعامة أمرا واقعيا ومفروضا على جميع الأطراف المعنية فانه يتطلب مضاعفة القوة العسكرية، الأداة الفاعلة في تنفيذ السياسة الخارجية.

* وترى الولايات المتحدة في العراق المستقل قوة غير محايدة ولن يكون كذلك، بمعنى أن العراق في وضع صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية ويعمد إلى استثمار إمكاناته لهذا الصراع. ويمكن بيان ذلك من وضع معادلة تجمع بين إمكانات العراق بناتج قومي بلغ " 18 " مليار دولار/ 1989، والتهديدات الإقليمية؛إيران وإسرائيل. والقوة العسكرية بمتوسط أنفاق بلغ 12،8 مليار دولار/1989. وينتهي المحلل من ذلك إلى نتيجة مفادها اختلال في أوجه الإنفاق الحكومي لصالح المؤسسة العسكرية على حساب القطاعات المدنية الأخرى. وان العراق يقوم بأقصى استثمار لإمكاناته في بناء قوة عسكرية تفوق الحاجة الدفاعية لردع التهديدات المحيطة.

وما يعطي المصداقية للتحليل القائل بعدم إمكانية جعل العراق المستقل قوة محايدة إن إيديولوجية النظام السياسي فيه وخطابه السياسي قد استقر عند اتجاه مناهض للمصالح والسياسات الأمريكية، ولأوضاع التبعية التي تطغى على معظم البلدان المحيطة به، ولوجود إسرائيل وبقائها في المنطقة، وبالتالي فلا جدوى من تحويل هذا النظام المعارض للمصالح والسياسات الغربية عامة والأمريكية خاصة نحو تبني رؤى ايجابية للوجود الأمريكي في المنطقة،أو في الأقل أن تكون تعاملاته أكثر حيادية حيال وضع المصالح الأمريكية فيها، ما دام باقيا في الحكم.

وهنا، ألا يستدعي الحال منطقيا وفقا للرؤية الأمريكية، وبعيدا" عن الاعتبارات الأخلاقية وحقائق وضع العراق الدولي وإعادة صياغة أوضاع هذه القوة الفتية (العراق)، حتى لا تتحول المنطقة عموما" إلى ساحة متدنية لوضع الولايات المتحدة الدولي ؟

وهذا ما يقودنا إلى البحث في السياسات التي اشتركت في تحجيم قوة العراق .

المبحث الثالث : السياسة الأمريكية لإعادة صياغة وضع العراق الدولي بعد الحرب الباردة

 لقد كونت المعطيات العالمية والإقليمية والعربية الظروف لتنفيذ سياسات إعادة صياغة وضع هذه الدولة الدولي. فالنصف الثاني من ثمانينات القرن العشرين قد أشرت تداعي تسويات نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، تاركا" الطريق لنظام أخر وجدت غالبية الدول وبضمنها العراق أنها لن تشارك جديا" في صنعه طالما كان ذلك خارج إمكاناتها وإنما عليها أن تدور في فلكه، وفي فلك قواه الفاعلة فقط. وهذا التكيف القسري مع البيئة القابلة للتشكل هي خارج دائرة المبادئ الأيديولوجية-القومية التي حملها صانع القرار العراقي السابق. هذا من جهة .

ومن جهة أخرى، جاءت سياسات(بعض الدول العربية) إغراق السوق النفطية العالمية بفائض إنتاجي يزيد عن حاجة الاستهلاك العالمي لتجعل السياسة العراقية في مأزق كبير. فأسعار النفط، مورد العراق الرئيس، تدهورت بمعدلات كبيرة (دون 9 دولار/ للبرميل أحيانا) مما قلص موارد العراق المالية. وصارت السياسة العراقية أمام محك الاختبار الحقيقي أما أن تتجاوز المبادئ في خطابها السياسي وتضفي صفة الشرعية على أساليب التعامل القائمة وفقا" لمقتضيات المصلحة. وبالتالي فلا مناص من التدخل الحاسم لإيقاف هذه الممارسات ضده، أو الارتماء في أحضان المبادئ، وتحمل تبعات الأذى العربي له. فكان الخيار الأول هو ما أعتمده العراق، ومتجاهلا" الارتباط بين أمن منطقة الخليج والأمن الدولي. فماذا يعني التحول في وضع العراق بعد تدخله في الكويت بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية وفي العالم؟ وماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى البلدان العربية والقوى الإقليمية الفاعلة؟

في هذا الوقت الحرج من تاريخ النظام العربي، وتاريخ العراق تحديدا" تعززت قدرات الأخير على ممارسة أدوار أكثر تأثيرا" في القضايا الجوهرية (الصراع العربي– الإسرائيلي، والبترول) وهي مصالح حيوية أمريكية. وابرز الوضع الجديد التناقضات في بيئة تعيش حالة سيولة شديدة، ومشاهد لايمكن ضبطها بسهولة. فالصراع العربي– الإسرائيلي برز إلى الواجهة رغم محاولات إعطاء الأولوية لحسم أزمة الخليج. وعمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب إلى إعادة الحسابات السياسية حول جدوى النظر في الترتيبات السياسية والأمنية في المنطقة، وضرورة تسوية الصراع العربي الإسرائيلي(8).

ولما كانت التصورات العراقية تتعارض بالجملة مع التصورات الأمريكية بخصوص التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي ومع السياسات البترولية وسبل علاجهما والغاية منه، فأن رد الفعل الأمريكي لم يكن غامضا" على خبراء ومحللي السياسة الدولية والإستراتيجية، في ضرورة إزالة نتائج محتملة، وغير مرغوبة التي ولدها وضع العراق الدولي الجديد بعد تدخله في الكويت.

وكانت الرؤية الأمريكية قد ركزت على تخطى العراق للخطوط الحمراء الموضوعة أمام أي قوة في تنفيذ سياساته الإقليمية والعربية. والتقت المصالح الإقليمية والعربية كذلك على حساسية الوضع العراقي الجديد، وان الضرورة تقتضي تحجيمه إلى أدنى قدر ممكن(9)؛ إذا ما استثنينا بعض المواقف المنفردة كالأردن والسودان.. وهكذا دخلت معظم البلدان المحيطة في عداد الدول المشاركة أو المقدمة لتسهيلات في ضرب العراق، وتحجيم إمكاناته وتقليص دوره .

وما نقوله هنا هو قصور صانع السياسة العراقية آنذاك في فهم كيفية التعامل مع التحول في بنية النظام الدولي وقيمه، وأساليب تصريف قواه للسياسة الدولية في تلك الحقبة الحرجة باتجاه المزيد من حرية التصرف الأمريكي لإعادة ترتيب الأوضاع الدولية، وبضمنها الأوضاع في المنطقة العربية .

وإذا ما استقرأنا وضع السياسة الأمريكية إزاء العراق عامي 1989 -1990 نتبين إلى أي مدى كان يفترض فيه تحجيم وضع العراق الدولي، الإقليمي منه والعربي، فعندما زار وفد الكونجرس الأمريكي العراق في ربيع عام 1990، أوضح لقيادته الخطوط العريضة الواجب إتباعها تبعا" لمقتضيات المصلحة الأمريكية. ومقدار الحضور المسموح به في ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي. وان يعمد إلى المبادرة لنزع أسلحة الدمار الشامل التي لديه…وترك الوفد رسالة مقابلة مفهومة ضمنا": إن كافة الخيارات يمكن أن تناقش إذا رفض العراق الانصياع لذلك.

وفي هذه المرحلة، انساقت القوى الكبرى وراء السياسة الأمريكية، ولم تكن تلك القوى راغبة أو قادرة على مجاراة الفعل الأمريكي. لهذا كان التصريف الأمريكي للعلاقات الدولية مع العراق هو السائد أثناء الأزمة " 2 آب 1990 – 1آذار 1991 “.

واستند هذا التصريف على ثلاثة عناصر، هي الآتي:

* أولهما، ما يحدد سياسة العراق هو المعتقدات الأيديولوجية والقومية لنظامه السياسي. ومن الصعوبة تغيير هذه السياسة ببقاء النظام السياسي . وولوج مدخل تغيير النظام قد يوقع الولايات المتحدة الأمريكية في خطر عدم استقرار المنطقة ككل. وهذا ما يفرضه تداخل البني الاجتماعية، والقومية، والدينية، العربية، والإقليمية مع نظرائها في العراق. كما إن الأوضاع الإستراتيجية السائدة في الإقليم تجعل أي تغيير يصيب الجزء لابد أن يؤثر على الإقليم ككل. وان أي تحول في الإقليم لا يعفي الجزء من تركاته، وفي أفضل الأحوال البدائل التي يعتقد أنها ستخلف تلك الأيديولوجية في العراق غير مقبولة من الولايات المتحدة. وانتهت الإرادة الأمريكية إلى ضرورة تحجيم الأيديولوجية التي يحملها العراق، وعزلها ضمن حيز جغرافي سياسي محدد، غير مؤثر على الترتيبات والتفاعلات الجارية في المنطقة.

* وثانيهما، إن خيارات العراق السياسية الخارجية محددة بفعل واقع إمكانات البلاد المتاحة. فالعراق دولة نفطية باحتياطي مؤكد يتجاوز 112 مليار برميل، وهو ما يعطيه مصداقية في الاستمرار برفد السوق العالمية لفترة تتجاوز الـخمسين عاما القادمة. وان ما يزيد عن 80 % من دخله وعائده السنوي هو محصلة لبيع ثرواته النفطية. لهذا فاستقرار السوق النفطية والتأثير فيها عد مصلحة عراقية، وأتاح بناء إمكانات عسكرية متقدمة تحقيق جانب من هذا الغرض. وهنا كان على الولايات المتحدة أن تعمد إلى تحجيم عائدات هذه الدولة المالية، وبالتالي تقليص إمكاناتها القابلة للتوظيف إلى قوة عسكرية– مادية، أو حتى إلى قوة معنوية مثل السمعة والهيبة الدوليين. ونجحت في ذلك بفعل سياسات إغراق أسواق العرض النفطية التي مارستها بعض الدول العربية مما خفض من أسعار النفط المورد الأساس لإمكانات العراق. وأدت هذه السياسة إلى شحة في موارده المالية، في ظرف كان يحتاج فيه إلى إمكانات هائلة لمواكبة متطلبات ما بعد الحرب مع إيران: انجاز مشاريع تنمية معطلة،استكمال بناء القوة العسكرية…ثم جاءت العقوبات التي كان تأثيرها واضحا على خيارات هذا البلد.

* وثالث تلك العناصر، قوة العراق العسكرية، لقد جاء دخول القوات العراقية إلى الكويت ليكون المدخل الفاعل لتدمير قدرات العراق بأقل كلفة. وبفعل الحشد الدولي الذي استجمعته الولايات المتحدة صارت إدارة الأزمة والحرب بلا كلفة، بل وأشارت بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة قد حققت أرباح قدرت بـ(50) مليار دولار، من جراء مبيعات الأسلحة، وتحمل دول الخليج العربية والقوى الغربية الأخرى واليابان لتبعات الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وللعمليات العسكرية ضد العراق.

وليس من المبالغة أو التجاوز على الحقائق القول إن ما انتهى إليه حال العراق بعد عام 1990 لم يكن بسبب دخول العراق للكويت، بقدر ما كانت هذه الأحداث ذريعة لإضفاء الشرعية على ما كان يجب أن يحصل من تحجيم لقدرات العراق (المستقل)الكلية. وهذا ما أكدته وقائع الحرب التي شنت ضده، والأحداث اللاحقة عليها، فالعقوبات والعمليات العسكرية قد استمرتا لما بعد خروجه من الكويت، بل وانتهى مجلس الأمن إلى تكبيل العراق بالتزامات جديدة لم يفرضها القرار المرجع في معالجة الأزمة، أي القرار 661/1990.

والإشكالية التي وجد العراق نفسه فيها انه قد أصبح في مواجهة الولايات المتحدة مباشرة. وهذه الأخيرة لن ترضى بأي دور فاعل ومستقل عنها لأي قوة إقليمية أو عربية، فكيف الحال مع نظام يظهر العداء لها، ويتقاطع وإياها كليا" في التصورات والأهداف والسياسات!

المبحث الرابع : البيئة الداخلية لوضع العراق الدولي1990-2003

لقد انتهت الحرب التي شنت ضد العراق في 17/ كانون الثاني 1991، إلى حدوث أوسع عملية تدمير لبنية العراق التحتية العسكرية والاقتصادية، والاهم من ذلك الاجتماعية والصحية. وإذا قدر للخسائر البشرية والمادية أن تحسب فان تعطيل فرص النمو والتقدم، ناهيك عن الأوضاع النفسية التي خلفتها الحرب لدى المجتمع العراقي من غير الممكن احتسابها.

وفقدت الحكومة أول الأمر السيطرة على مجمل المناطق في شمال البلاد وجنوبها. بل وحتى في أحيان عدم تحقق استقرار مقبول في وسط البلاد. وطوال العقد الماضي، استطاع النظام السياسي إعادة (الاستقرار) إلى معظم أجزاء البلاد، باستثناء المنطقة الشمالية منها. ومع ذلك بقي العراق اضعف من حيث الإمكانات على مواجهة أي حالة تدخل دولي"من قبل قوى كبرى أو إقليمية" جدية ضده، إلا في حدود دفاعية – ضيقة ، ودون مستوى المبادرة والقدرة على الفعل الخارجي(10). ولا نستطيع تجاوز حقيقة أن البنية الاجتماعية التي عانت الانقسام العشائري/الطائفي لم تعد ملائمة لدعم النظام السياسي في مواجهة حالات التدخل الخارجي.

وفي هذه الأثناء انتهت الإرادات العالمية والإقليمية والعربية إلى توافق حول جدوى بقاء العراق موحدا، وعلى أهمية وجوده الإقليمي والعربي. وأصبح العراق مكبلا بديون والتزامات مالية تتجاوز الـ 350 مليار دولار عليه سدادها .

كما إن البيئة الدولية وضعت محددات كبلت حرية العراق في الحركة الخارجية. فهو لم يستطيع تحت غطاء " الشرعية الدولية " من التعامل مع الدول الأخرى إلا ضمن نطاق وحيز محدود– والأمر مشروط بالحصول على موافقة مسبقة من لجنة العقوبات للأمم المتحدة ، بموجب قرارات لا مجال لذكرها هنا. وفي المقابل، وضعت القرارات الدولية رقابة شديدة أمام أي إعادة بناء لقدراته العسكرية طالما لم يحدث تغيير في وضع حاجة القوى الغربية للعراق أولا، ووضع حاجة البلدان العربية للعراق ثانيا في مواجهة حالات عدم استقرار إقليمي حاد، بل على خلاف ذلك عد العراق آنذاك مصدر لعدم الاستقرار في الإقليم،وواجب احتواءه.

المبحث الخامس : وضع العراق الدولي بعد 2003

في 9 نيسان 2003 وقع العراق تحت السيطرة السياسية الأمريكية،التي قوضت النظام السياسي فيه وهذا ما سيدخلنا في مرحلة جديدة،ألا وهي إن عنصر الاستقلالية قد فقد معناه عند الحديث عن العراق، وان جرى الحديث عن آليات ديمقراطية في تشكيل الحكومة. وأمام هذا الواقع نتسأل هل ستعمل الولايات المتحدة على إعادة تأهيل دور العراق الدولي ؟والى أي مدى؟

العراق: الدور الإقليمي والعربي القادم

واليوم(11)، وبعد سيطرة الولايات المتحدة على هذا البلد نجد تغيراً واضحاً قد أصاب بيئته الدولية، ومواقف أطرافها(العربية،الإقليمية،العالمية)تجاهه.فالنظام السياسي الذي أشيع عنه بأنه مصدر عدم استقرار المنطقة،ومن الواجب احتواءه،قد أزيل.والعراق اليوم وغدا تابع سياسيا للولايات المتحدة سواء شئنا أم أبينا..ونتساءل ما هي ادوار العراق القادمة.وما الذي تريده الولايات المتحدة من استثمار الورقة العراقية في البيئة الدولية؟

لقد انتهت الحرب التي شنت على العراق 19 آذار /9 نيسان 2003 إلى إزالة النظام السابق، والأكثر منه إنها فتحت الاحتمالات كافة أمام الدولة العراقية ذاتها. فهي صارت قاب قوسين من الزوال، وبروز كيانات صغيرة تغذيها أطراف إقليمية ودولية لها طموحاتها. كما إن تدخل الولايات المتحدة في إقرار شكل النظام السياسي القادم ستنتهي إلى إعادة تأهيل ادوار هذا البلد الدولية، الإقليمية العربية وفقا لقياسات أمريكية.

تاريخيا، استطاع العراق تنفيذ ادوار دولية (إقليمية وعربية) فاعلة،عندما توافر على:-

• أيديولوجية سياسية طموحة راغبة في ذلك.

• إمكانات مؤهلة سياسياً (قوى بشرية ومالية).

• وضع دولي ملائم.

ولأيماننا إن فاعلية السياسية الخارجية مكمنها داخلي، إذن المسألة مرتبطة بالمتغيرين أ،ب، إذا ما أرادت الولايات المتحدة تأهيل العراق للعب ادوار دولية فاعلة. لكن ماذا سنلاحظ؟

العراق:الإمكانات الذاتية

المجتمع العراقي متلون، طائفياً، وعرقياً، وايديولوجياً. هذا التلون لا يخضع لشروط التنافس بقدر ما يخضع في الغالب لشروط الصراع، والأكثر تحديداً الصراع الصفري، أسباب ذلك قوة الموجة العشائرية، وسيادة النزعة الاستبدادية في نفسية الفرد العراقي. ووجود أفواج من غير المتعلمين المستعدين/ القابلين للتضحية في سبيل فكرة (مهما كانت درجة عقلانيتها/لا عقلانيتها). وقد يعطي تنوع الأحزاب السياسية صورة عما تقدم. الإشكالية هنا،طالما إن عنصر الاستقلالية قد فقد، اقتران النظام السياسي بصيغة ما من ألوان الطيف سيترتب عليه ضمنا إن الولايات المتحدة ترغب في وجود خريطة سياسية إقليمية محددة. وما يدفعنا إلى هذا القول، ونرجو أن نكون مخطئين في تعميم الحالات المرصودة، إن المؤشر الانتخابي محسوب النتائج في العراق. فهو لا يتطابق مع فكرة الكفاءة بقدر ما يتطابق مع مكوني الطائفة/ القبيلة،عن وعي أو لاوعي، فالعراقي بطبعه العام لا يسأل عن برنامج سياسي بقدر ما يسأل عن ألقاب وانساب.

وهنا، نرى ضرورة الإشارة إلى مسألة إن موقع العراق يفرض عليه، إذا ما أراد البقاء، أن يكون واحداً من القوى الفاعلة في الإقليم. أما إذا لم يكن قوياً (ولا زلنا في إطار المتغيرين أ،ب السابق ذكرهما)،فان القوى الإقليمية ستلجأ إلى التدخل في شأن البلاد عبر استثمار الامتدادات الطائفية أو القومية (المرتبطة بالبيئة الإقليمية أكثر من ارتباطها بالعراق كوطن)، وأسوء ما في الأمر انه قد يجري تصفية للحسابات بين تلك القوى عبر هذه/ وفيما بين هذه الامتدادات. ولا نعني بأي حال من الأحوال إن تلك القوى، الإقليمية منها والعربية، سترغب بوجود عراق قوي إلى جانبها، إنما الإشكالية تقع على العراقيين أنفسهم في إعادة إنتاج هوية جديدة يشعرون بالانتماء إليها، ويعرفون أنفسهم من خلالها، ومن ثم يسعون إلى تأكيدها في البيئة الإقليمية والعربية.

والموقف أعلاه (وجود عراق قوي) يواجه بالرفض من قبل دولة مثل إيران، التي لديها من الإمكانات ما يكفل مقاومة هكذا مشروع عراقي، بل وإذا ما أطلق له العنان في المرحلة الراهنة أن ينشر فكره في الإقليم العربي المجاور .

أما دول الخليج العربية ، فحال الرخاء النسبي الذي تمر به يجعلها تبتعد عن محاولات التغيير التي يطلقها العراق؛ أو إيران .فهي قد نأت بجانبها عن كل حالات الصراع العربي ـ العربي، والعربي ـ الإقليمي. وأصبح جلّ اهتمامها تنمية مستوى رفاهية الفرد الاستهلاكية والخدمية، والمحافظة على خصائص نظم حكمها.ولهذا ليس من المستغرب بقاء نزعة الشك قائمة لديها حيال أي توجه عراقي نحو بيئته المحيطة. وان تتمسك برفض عودته الإقليمية والعربية، بوضعه وطموحاته السابقة على عام 1991.

يبقى أمامنا موقف كل من مصر وسوريا التي ترى كل منهما عدم جدوى الخطاب السياسي ـ الأيديولوجي في العراق من دون إمكانات تكفل نجاحه. وتبقى الإشكالية القائمة هي ما الذي تريده الولايات المتحدة من العراق ؟

واقتصادياً، فقد دمرت بنية العراق التحتية بنسبة عالية بعد عام 1990، وصارت ثرواته وموارده معطلة. وتقادمت إمكاناته الباقية في التعامل مع الموارد الأولية، وفي إنتاج السلع الاستهلاكية والخدمية. ولا تزال مشاريع إعادة الاعمار لم يشرع بتنفيذها.وإذا ما علمنا إن الاقتصاد هو احد أدوات التأثير في علاقات الدول، فكيف يتوقع أن يكون العراق مؤثرا في علاقاته الإقليمية والعربية؟

ومن السلبيات التي تعيق تطوير العلاقات مع الدول الأخرى إن الموارد العراقية صارت مشترطة بالسلوكيات الأمريكية، ومالكه غير قادر على استثماره ومن ثم ستكون القوى الدولية الأخرى عند التعامل مع العراق مقيدة، بمتغير الولايات المتحدة في ميدان السياسات النفطية أو في مشاريع إعادة الأعمار.

وإذا ما نظرنا إلى حجم السوق الاقتصادية ـ التجارية العراقية الداخلية سنجد إن قدرتها الاستيعابية، وبضمنها عمليات البناء الداخلية والمحتملة وإعادة إنماء القطاع الاقتصادي والصناعي الإنتاجي لا يتوقع أن تبلغ أرقام خيالية. ومن ثم فأن المشاريع التي تأخذ بنظر الاعتبار ذلك (كي تكون ذات جدوى)ستكون محدودة. وهذا ما يجعل ميدان التنافس الدولي عليها محدود المنفعة، خاصة لدى القوى ذات الاقتصادات والتعاملات كبيرة الحجم. يضاعف من اثر انخفاض المنفعة كون توجه العراق القادم في أفضل الاحتمالات هو نحو عدم الركون إلى قوة دولية واحدة في التعاملات الاقتصادية والتجارية والمتبقي سيكون ذا قيمة ضئيلة جداً في حسابات القوى الكبرى.

في حين ترى البلدان العربية، خاصة المصدرة للنفط إن عودة العراق إلى السوق النفطية سيكون محط إثارة للتنافس، وعدم التقبل في أحيان أخرى (فعلى الرغم من تزايد حاجة السوق العالمية،إلا إن العراق به حاجة إلى عدم التقيد بحصص معينة سعيا وراء زيادة العوائد). ولكن تتضح جدوى التعامل بين الطرفين في ميدان العلاقات الاقتصادية ـ التجارية بسبب اقتصاداتها قليلة الحجم نسبياً، مما يجعل كسب السوق العراقية مثمّن في اعتبارات وأسبقيات هذه البلدان. ومن ثم فامتلاك نسبة في هذه السوق، وفي تعاملات العراق الاقتصادية الخارجية سيكون محط تنافس فيما بينها وأخيرا، لقد كانت قوة العراق العسكرية قبل عام 1991 تصيب البلدان العربية والقوى الإقليمية بالرهبة. فبعد انتهاء حربه مع إيران عام 1988، كانت أمام العراق فرص لأداء ادوار عربية وإقليمية واسعة وفاعلة(12). بيد انه قد أصبح غير قادر على الإتيان أو القيام بأفعال عسكرية خارج دائرة متطلبات الحماية الذاتية داخلياً ، بفعل التدمير الذي أصاب قوته العسكرية، وما فرضته العقوبات المفروضة ضده من عدم إدامة المتبقي من هذه القوة .

لقد تجاوزت نتائج الحرب التي شنت ضد العراق عام 1991 مسألة تحجيم قدرة العراق العسكرية الهجومية لتنال من معظم قدراته على تحقيق والدفاع عن أمنه القطري واليوم تشير بعض الأنباء عن عزم الولايات المتحدة على إعادة بناء قدرة العراق العسكرية وفقا لأساليب جديدة.في ذلك إشارة إلى أن الذي استهدف هو الاستقلالية. فعراق ضعيف غير مستقر لا يخدم غايات الولايات المتحدة، بل وان الحديث عن وجود قواعد عسكرية أمريكية في العراق يكشف عن احتمالات جعل العراق المركز الرئيس للتفاعلات الإقليمية بدلا عن دول الخليج الأخرى.

وخلاصة القول، إن العراق (في ظل نتائج التغيرات السياسية التي نتجت عن الاحتلال) لا يتملك إمكانات ذاتية كافية تؤهله للعودة السياسية الفاعلة إلى البيئة الإقليمية و العربية. فهو لا يمتلك منظور أيديولوجي واضح، وليس لديه القدرة الاقتصادية للقيام بأدوار إقليمية وعربية مسؤولة. كما إن وضعه الاستراتيجي يجعله محط اهتمام علاقات معظم القوى المحيطة به، فضلاً عن اهتمام القوى الكبرى. وفي الوقت نفسه يمتلك إمكانات اقل للعودة للبيئة الدولية الأوسع بالفاعلية السابقة؛ أي في تفاعلاته لما بعد النظامين الإقليمي والعربي: علاقته مع أوروبا مثلاً، أو حتى مع الصين. فتوسع حجم التعاملات الخارجية، وإعادة تأهيل الدور الدولي مكلفة، ولا يستطيع أن يتحمل كل ذلك بنفس القدرة السابقة بينما تحتاج إعادة تقويم البيئة الداخلية الممزقة والمدمرة، وإعادة تأهيلها إلى معظم موارد البلاد المتاحة، خلال المستقبل القريب وربما المتوسط. لذلك فمعظم خيارات العراق القادمة ستكون داخلية، إذا ما أراد أن يكون فاعلاً مستقلاً قياساً بإمكاناته المتوافرة – هذا على فرض إن الحظوظ قد جنبت البلاد مآسي الحروب الأهلية التي هي افتراضاً قائماً.

وما تقدم لا ينفي إن عودة العراق إلى بيئته المحيطة سيتوقف إلى حد كبير على أرادة الإطراف الإقليمية والعربية، ومصداقيتها في تقبله بوضعه الجديد، بمعنى طبيعة علاقته مع الولايات المتحدة. ولا نريد أن نسهب في قراءة الوضع أعلاه، فلا تزال الولايات المتحدة لم تظهر ملامح واضحة ومحددة لادوار العراق القادمة، والموارد العراقية على علاتها مشترطة بالسلوكيات الأمريكية. والفكر السياسي لأغلب القوى/ المواطنين يقع في أما أسوأ الاحتمالات(تقسيم العراق)، أو ما تفضله الولايات المتحدة (إعادة بناء العراق كقاعدة أمريكية متقدمة). فهل يتوقع أن تتوافق القوى السياسية/ المواطنون على قاعدة التنازل عن بعض مكتسبات الأمر الواقع لصالح عراق لكل العراقيين من دون إقصاء(ونحن نحمل كلمة إقصاء كافة المعاني التي يفهمها أو يريد أن يفهمها العراقي،بمعنى القتل،العزل السياسي...).

واليوم، لنجعل انطلاقتنا من الأمور الآتية:

1- الولايات المتحدة تحملت اعباء سياسية واقتصادية في سبيل الإطاحة بالنظام السابق.

2- الولايات المتحدة رصدت الإمكانات لإنشاء نظام سياسي عراقي جديد .

المبحث السادس : العراق في الإستراتيجية الأمريكية:الدور القادم

كان من نتائج احتلال العراق إسقاط فرض أن الحرب قد شنت لامتلاك هذا البلد لأسلحة الدمار الشامل. وكان لعدم تحول هذا البلد إلى الديمقراطية، لمدة تزيد على السنة بعد الاحتلال، أن عزز كذلك القناعة أن احتلاله إنما كان لدواعي ومبررات غير معلنة. و قد يقودنا هذا الى القول أن النفط العراقي كان من دواعي إسقاط النظام السابق. لكن هذا ليس السبب الوحيد، إنما يقتضي الحال أن النظر إلى الخارطة الإستراتيجية العالمية لنكتشف المقاصد من وراء غزو الولايات المتحدة للعراق.

ابتدأ أن إقرار نظام حكم ديني- طائفي لا يحتمل إلا وجهان أما أن يكون ديكورا/ شكلا تابعا للولايات المتحدة، أو إذا ما كان معبراً عن تطلعات حقيقية فهو سيتقاطع مع المعايير المزدوجة التي تحملها السياسة الأمريكية. فهل ترضى الولايات المتحدة بذلك، وان جاء بواسطة الانتخاب(آلية الديمقراطية الأمريكية)؟

وفي هذا السياق يظهر متغير استراتيجي هام، فشكل نظام الحكم الذي ترحب به الولايات المتحدة سيبين الإطار العام الذي تفضله هذه القوة، في سياساتها القادمة إزاء المنطقة، وربما نوع الدور الاستراتيجي القادم للعراق.

من الناحية الجغرافية ـ الإستراتيجية، يقطع العراق ويفصل القوى التابعة/ المساندة للتحالف الغربي: تركيا ودول الخليج العربية. وهو القوة التي تقف أمام أي اندفاعه محسوبة أو غير متوقعة لإيران نحو المنطقة العربية، وبالتالي يوقف تهديدها للمصالح الغربية، وخاصة الأمريكية منها. كما يصعب تجاوزه في المعطيات الحاكمة للتوازن الإقليمي والعربي. ومما تقدم نصل الى، نتيجة مفادها وجود أهمية للعراق في بيئته الدولية .

ومن جهتها، فان البيئة العالمية تشهد تناقضات عديدة بين قواها الفاعلة:- الولايات المتحدة، روسيا، أوروبا والصين. فهذه القوى تتنافس فيما بينها وتتصارع لأجل تبوء مرتبة أفضل في سلم القطبية الدولية . ويساعدها في ذلك، أن هيكل القوة وطبيعتها الدولية ذاته في تحول. إذ كشفت مرحلة ما بعد الحرب الباردة الغطاء عن الوضع الحرج الذي تعانيه الولايات المتحدة في الاحتفاظ بموقعها الدولي: بروز القوى الدولية الأخرى إلى مراتب منافسة لها على الصعد الاقتصادية والتكنولوجية وحتى العسكرية(13).وهذه القوى صارت تبحث عن منافذ لاختراق السيادة الأمريكية العالمية على النظام الدولي عبر سياسات التعاون، الثنائية(الشراكة): روسيا ـ الصين ، روسيا ـ الهند ، الصين ـ فرنسا … فضلاً عن عمل هذه القوى الدؤوب من اجل تعزيز مفردات قوتها الذاتية العسكرية، الاقتصادية، وحتى لمجالاتها الثقافية التابعة حتى يسهل عليها في وقت لاحق فرض أنموذجها للنظم والتفاعلات الإقليمية، وبالتالي للنظام والتفاعلات العالمية(14) .

وفي المقابل، تجاوزت طبيعة القوة الدولية الجديدة القيد العسكري، وأصبح بإمكان أي قوة اقتصاديةـ تكنولوجية، ثقافية؛ دون استبعاد أهمية القوة العسكرية؛ أن تؤثر على مجالات دولية واسعة إذا ما امتلكت الإرادة على ذلك. وهذا التحول قد ثمنّ موقع كل من ألمانيا واليابان في النظام الدولي. في حين أن الاختلالات في القوة الاقتصادية الأمريكية صار يعطي للولايات المتحدة مرتبة دولية غير متساوقة مع إمكاناتها العسكرية.

والتحولات أعلاه أسهمت في الكشف عن حالات التناقض والصراع في علاقات القوى الدولية الكبرى. وهذه التناقضات يمكن أن نجدها في ثلاثة عناوين، هي الاتي :-

• الاختلافات الأيديولوجية ـ الحضارية تتبنى القوى الكبرى اليوم.باستثناء الصين واليابان،الفلسفة الرأسمالية- الغربية، والحضارة المسيحية. بيد أن ذلك لم يمنع من ظهور اختلافات أيديولوجية ـ حضارية بين روسيا من جانب والغرب بشكل عام من جانب آخر. واختلافات اقل حدة بين أوروبا من جانب والولايات المتحدة من جانب أخر. وتنتهي هذه الاختلافات إلى التأكيد على كون المضمون الحضاري لمشاريع كل قوة مختلف عن نظرائه الآخرين(السيادة الأمريكية على النظام الدولي مقابل نهوض أوربا)، وفي كيفية تحقيقه، والغايات التي يتوخى إنجازها(الهيمنة الأمريكية عبر استخدام القوة مقابل المركزية الأوربية عبر استخدام إستراتيجية احتواء المجالات الإستراتيجية المهمة:المنطقة العربية، إفريقيا، وربما آسيا في مراحل لاحقة).

• واليوم تتجلى اخطر أشكال التعارض بين القوى الكبرى في منظور الأخيرة إلى اتجاهات التحول في النظام السياسي الدولي. وموقع القوة العسكرية المؤثرة في إحداث ذلك التحول فالولايات المتحدة من جهتها تحاول البقاء متمتعة بعوائد مركزها الدولي أحادي القطب، وتعطيل بروز أقطاب أخرى. فنلاحظ مثلا زيادة إنفاقها العسكري من6, 280 مليار دولار عام 2000 إلى 305 مليار دولار عام 2001؛ حسبما يورده تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI:P279)؛ وإقناع الآخرين بعدم جدوى مقاومتها عبر تعظيم عوائد التعاون (الشراكة الأمريكية الصينية، الأمريكية الروسية..). في حين تعمد كل من الصين وأوروبا عبر خطوات تدريجية متلاحقة إلى رفد قوتها السياسية بعنصر مضاف، حتى يتهيأ لها كلمة في تقرير مصير النظام الدولي وتحويله لصالحها، ومن دون تحمل أعباء وتكاليف غير مرغوبة، كما انه يصعب تجاوز روسيا الاتحادية . فهي قوة كبرى، ويمكن أن تؤثر في مجرى السياسة الدولية إذا ما وضعت على المحك، لما تمتلكه من قدرات نووية وصاروخية تأتي بعد الولايات المتحدة من حيث كمها وكيفها .

• ويظهر الاختلاف كذلك بين القوى الكبرى في المجال الاقتصادي. لقد رضيت معظم القوى الكبرى بإظهار التوافقات في ميدان السياسات الكلية، والعسكرية منها تحديداً. وكان حظ الميدان الاقتصادي من هذه التوافقات في حده الأدنى. فلكل قوة مصالحها التي تسعى إلى إعادة ترتيبها، وضمانها بشكل يتواءم وواقعها، ولهذا لم تخف كل من أوروبا، واليابان وروسيا صراحة الاتجاه نحو تطوير العلاقات مع إيران وليبيا رغم التحذير الأمريكي بفرض عقوبات على كل من يتجاوز في تعاملاته مع الدولتين حداً مقداره (استثمار40 مليون دولار). بل ولم تعمد أوروبا إلى رسم سياساتها الاقتصادية عبر مراعاة المصالح الأمريكية كما كان الحال أثناء فترة الحرب الباردة، بل أخذت تراعي عند وضع تلك السياسات مصالحها الخاصة، حتى وان انتهت إلى التعارض مع المصالح الأمريكية. وهذا ما ظهر في سياساتها الزراعية على وجه التحديد.

وهنا نتساءل، كيف كان احتلال العراق في صلب علاقات الصراع الدولي؟ وكيف ستستثمر الولايات المتحدة العراق في هذا الصراع الدولي؟ وهل من الأجدى للولايات المتحدة بناء دور عراقي إقليمي وعربي فاعل؛ بمعنى أن يكون العراق القادم خطوة تؤكد به الولايات المتحدة مركزيتها في النظام العالمي؟

إذا ما استرجعنا الأحداث السياسية المتعلقة بالعراق قبل الاحتلال سنلاحظ أن الولايات المتحدة لجأت إلى الأخذ بنظر الاعتبار الوضع الدولي، وحاولت كسب الشرعية لتغيير النظام السياسي في هذا البلد. لكن عندما أدركت أن الشرعية ليس من السهل الحصول عليها عملت على تجاوز كل من أوروبا وروسيا...واعتمدت عملية الاحتلال. وفي هذا إشارة إلى عدم الرغبة بإعطاء مكانة الندية لتلك القوى في تقرير مسائل ذات صلة بمصالح الولايات المتحدة. وفي الوقت عينه بيان الخطوط الحمراء التي يتوجب على الآخرين مراعاتها عند التعامل مع الولايات المتحدة. وإذا كان الصراع بالشكل الذي وصفنا أعلاه فان موقع العراق حيوي في الفكر الأمريكي لكونه يقع،جغرافيا، في دائرة إستراتيجية قريبة من روسيا والصين ويجعله خط دفاع/هجوم متقدم في وجه أعداء الولايات المتحدة. ويبقى على الأخيرة استثمار هذا البلد عبر بناء مكانته الإقليمية والعربية الممكنة/ المحتملة في إطار يتفق ومصالح الولايات المتحدة.

إن إعادة التأهيل يتوقف على قدرة العراق على توسيع علاقاته مع القوى الدولية الأخرى، وتصعيد قيمة أدواره في نظر تلك القوى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، احتمالات المواجهة بين القوى الكبرى عالي الكلفة، بل ومستحيل وغير مرغوب. كما أن توازن المصالح فيما بين تلك القوى يجعل توجهاتها الإستراتيجية-العسكرية محكومة لصالح تطوير علاقاتها البينية العامة. وتحكم في الوقت نفسه سياساتها الكلية عبر تصعيد قيمة الأرباح والمزايا النهائية .

وهذا ما يجعل القوى الكبرى تبقي تناقضاتها المتبادلة.للحد الحرج المطلوب الحفاظ عليه، وعدم التصعيد أكثر منه. وهذا ما تفهمه تلك القوى في علاقاتها المتبادلة. وتعمد كذلك إلى إظهار توافق ظاهري استراتيجي/ تكتيكي عبر القبول بمنافع الحد الأدنى الحرج في سياساتها حيال البعض والقبول من جهة أخرى باكلاف ذلك التوافق. فأين موقع العراق أذن في هذه المعادلة؟

أن القوى الكبرى تلجا غالباً إلى استثمار النظم/ الدول الإقليمية بقصد توسيع مجالات نفوذها وسحب ميادين الصراع بعيداً عنها. وباحتلال العراق فقدت روسيا والاتحاد الأوروبي والصين قوة إقليمية كانت بعيدة نوعاً ما عن تدخلات الولايات المتحدة. بل وسيصبح ضامنا لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. لقد أثبتت السنوات السابقة أن الولايات المتحدة استطاعت إبقاء التناقضات مع القوى الأخرى دون مستوى الخلاف السياسي الصريح والواضح. ولا يتوقع اليوم أن تتغير الصورة، طالما أن تلك القوى لا تملك الإرادة ولا القوة على المواجهة خارج دائرة الخطاب السياسي. بل أنها تظهر بين الحين والأخر أن مصالحها الحيوية ليست عرضة للتأثر بالتناقض الموجود بينها. ومن ثم فهي ترتقي عليها حتى يتم مناقشة وضع العراق الدولي، وتستجيب لمقتضيات المصلحة الأمريكية في تصريف أوضاع هذه الدولة(العراق) مقابل الحصول على بعض التنازلات الأمريكية. وهذا الأمر ينطبق على الصين، وأوروبا كما ينطبق على روسيا. فالأخيرة تعرف الخطوط الحمراء للولايات المتحدة في قضية العراق، ولا تعمد إلى تجاوزها.

بعد كل ما تقدم، هل ستسمح الولايات المتحدة بان يتزعزع استقرار العراق، أو أن يقام نظام سياسي فيه يتعارض مع مصالحها؟(15).

 

الهوامش:
.............

1) بيير بيلو :-" بغداد – طهران ، لعبة الاثنين الكبار" . ترجمة سوسن حسين. مجلة السياسة الدولية .القاهرة . العدد 85 . 1986 . ص ص 266-267 .

2) داخليا ولدت الحرب مع إيران ظروف مجتمعية غير اعتيادية ، أكدها وأظهرها إلى السطح إحداث وضع العراق الدولي منذ عام 1990 . فبناء القوة العراقية كان على حساب البناء المتكامل للإنسان العراقي. ولا نتحدث هنا عن لجاجة الوضع الاقتصادي وحراجته لهذا الإنسان ( عدم التوفر الكافي لمتطلبات إنسانيته) ، لكن بنية هذا الانسان لم تتغير رغم تغير الأوضاع المادية والتكنولوجية المحيطة به. ساعد على ذلك الانغلاق غير المحسوب عن العالم الخارجي . حيث أسهمت سياسات الانغلاق والتجهيل في ديمومة نظام الحكم ، وهذا ما يفسر أسباب عدم حدوث تحولات جذرية في السياسة العراقية خلال مرحلة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية رغم تحرر الموارد العراقية إلى مستوى وآفاق أرحب في التوظيف والاستخدام ، إذ بقيت المرجعيات الفكرية والفئات المنفذة للنهج السياسي غير مؤمنة بجدوى الانفتاح والتفاعل المرن مع العالم الخارجي .

3) Seyed Mohammed Kazem:-" The Policy of Daul Containment in theory and practice." The Iranian journal of international affairs.Tahrain، Vol7، No 1 1995 p.p.110-112

4) انظر مثلا ، د. ضاري رشيد الياسين :-" البيئة الإقليمية للعراق – رؤية عامة ". مجلة دراسات إستراتيجية.بغداد. العدد 5. 1998 . ص ص 8 – 39 .

5) 17،500 مليار دولار معدل الإنفاق العسكري عام 1988 ، استكمال مشاريع التنمية الاقتصادية الجديدة منها أو المعطلة من مراحل سابقة ، وتدعيم علاقاته العربية بإنشاء مجلس التعاون العربي .

6) أما دول مجلس التعاون الخليجية ، فرغم أنفاقها الكبير في الميدان العسكري " 21،779 " مليار دولار عام 1989 مقارنة بـ" 7،515 " مليار دولار إنفاق إسرائيل العسكري في ذات العام، بيد أن اغلب ذلك الإنفاق كان عبارة عن عمليات تحويل مالية لإرضاء القوى الغربية ؛ لتبقى الأخيرة في وضع من يقدم الحماية لها ، وتوفير متطلبات أمنها . كما جاء جزئيا رغبة في أن تغمض القوى الغربية عينها عن الأوضاع السياسة في بلدانها. ويعزز هذا الرأي عدم كفاية البنية البشرية الخليجية – الوطنية وعدم تأهيلها للتعامل مع التقنيات العسكرية المتطورة.

7) فضلا عن وجود رغبة غربية دفينة في جعل الصراعات المسلحة عامل تعطيل لأي حالة بروز إقليمية وعربية وخاصة لدى العراق من خلال إمدادات الأسلحة لأطراف الصراع كافة وبالتالي لايمكن حسم تلك الصراعات بقدر ما يكون متغير يستنزف إمكانات أطرافه.

8) وليم ب.كوانت :-" الشرق الأوسط على حافة الهاوية . فرص التغيير في القرن الحادي والعشرين ". ترجمة وتعليق د. احمد يوسف و د. احمد البرقاوي . ترجمات إستراتيجية . (المركز العربي للدراسات الإستراتيجية . دمشق . العدد 5. 1996 ). ص ص 15-18 .

9) انظر مثلا ، د.ضاري رشيد الياسين :- "المتغيرات الدولية وانعكاساتها على المحيط العربي للعراق" . مجلة دراسات الإستراتيجية . العدد 6 . 1999 . ص 87 وما بعدها.

10) Amine Saikal :- Emerging Powers. The cases Of china ، India، Iraq and Israel .( The Emarates Center For Strategic Studies and Research. Abu Dhabi. 1997). PP: 25-26. .

11) تأريخياً ، استطاع العراق تحقيق ادوار دولية فاعلة ، وتحديداً خلال ثمانينات القرن الماضي . وأكثر ما يتضح ذلك في نطاق نظامه الإقليمي والعربي. إذ صارت قوى هذا النظام تحتسب لقوة العراق ، وتأثيراتها عليها عندما تقوم بأي صياغة لسياساتها الخارجية . بيد أن نتائج دخول القوات العراقية إلى الكويت في آب 1990 قد كبلت العراق بقيود دولية، وألزمت الدول المحيطة به، ودول العالم الأخرى، على عدم إقامة علاقة طبيعية معه بموجب قرارات المقاطعة الدولية المفروضة ضده. وهكذا ألزمت الدافعية العراقية ، والتطلع نحو انجاز ادوار دولية تتكافىء وإمكانات البلاد المتاحة نقول قد الزمت بعدم التقبل لها من قبل البيئة الخارجية.

وحيال هذا الأمر ، أنتفت حاجة العراق إلى رصد إمكاناته لإحداث تأثير ايجابي في البيئة المحيطة طوال العقد الماضي ، طالما لاتوجد جدوى من القيام بذلك السلوك بل كان جل التركيز هو على تقليل السلبيات قدر الإمكان .وأصبح تأثير العراق في البيئة الدولية واقعا في إطار ماتريد القوى الكبرى من تصفية قضايا عالقة فيما بينها.

12) يعرض د.كاظم هاشم نعمة لادوار العراق المحتملة بعد الحرب مع إيران في الفصل رقم 19 من كتابة الموسوم : -" دراسات في الإستراتيجية والسياسة الدولية ". ( دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد . 1990 ). ص ص 465 – 490 .

13)Conway W. Hendevson :-" International Relations Conflict and Cooperation's at the Turn of the 21 st Century" . Mc Graw – Hill Companies ، Inc . U.S.A .1998 . PP : 100 – 103 .

14) معظم الأدبيات الدولية المتخصصة تتحدث عن هذه التحولات . انظر مثلاً : زبيغينو بريجنسكي :رقعة الشطرنج الكبرى . الأولية الأمريكية ومتطلباتها الجيواستراتيجية. ترجمة أمل شرقي . (الأهلية للنشر . عمان ، 1999 .)

وانظر كذلك الأطروحات الواردة في،خضر عباس عطوان:توازن القوى العالمية والتوازنات الإقليمية.أطروحة دكتوراه غير منشورة.كلية العلوم السياسية.جامعة النهرين.2003.الفصل الأول.

15) أليس من الأجدى للقوى السياسية العراقية التفكير في العراق كبيت لكل العراقيين. والانتباه إلى أن قوة البلد هي قوة لهم. وان تقسيم البلد أو إضعافه هو إضعاف لهم جميعاً! والا يستدعي الحال التفكير في زيادة نسبة الاستقلالية عن الولايات المتحدة، وان يكون للعراقيين رأي واضح بشأن مستقبل الأدوار السياسية للبلاد. بمعنى إذا تعذر معارضة الولايات المتحدة في قضايا للعراقيين مصلحة فيها، ففي الأقل أن لا يكونوا وسيلة طيعة في يدها توجههم كيف تشاء!

.................
المصدر : مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية http://fcdrs.com/derasat/002.html