السياسة الأمريكية تجاه
العراق
قراءة في
توصيات لجنة بيكر – هاملتون
د.عدي محسن الهاشمي
(خاص للمعهد)

لا يختلف اثنان على أن ما
جاء بتقرير بيكر- هاملتون (1) ، هو تعبير عن مدى فشل الادارة
الامريكية فى سياستها فى العراق، و يمكن أن نضيف أنه جاء ادانة
لهذه الادارة و صقورها من المحافظين الجدد ، لا سيما و أن بيكر
قد شارك العمل الرسمي مع هذه المجموعة فى فترات سابقة في عهدي
الرئيسين ريغان و خلفه الرئيس بوش الاب ، حيث كان وزيرا ً
للخزانة في عهد الاول و وزير الخارجية فى عهد الثانى . كما أن
هذا التقرير يمثل وجهات نظر لسياسيين خلفيتهم ادارية و قانونية
و عسكرية ، و لأكثر من جيل ، عاصروا الاحداث التى مرت بها
الولايات المتحدة لاكثر من 50 عاما ً ، و لهم تصورات عما جرى و
يجري فى العالم بشكل عام و للولايات المتحدة و الشرق الاوسط
بشكل خاص .
إن التقرير ليس طلقة
الرحمة وإنما هو طوق نجاة للولايات المتحدة وليس للرئيس بوش و
فريق عمله فحسب ؛ لأن ما آلت إليه الامور في عهد هذه الادارة
المتمثلة بالغلو و العجرفة للمحافظين الجدد سيجلب الخراب و
الدمار للولايات المتحدة ، بعد أن استغلت انفرادها بالنظام
السياسي الدولي و هيمنتها العالمية ، و لأن سياستها هذه وسعت "
حركة الجهاد " ضدها ، فهى ارادت من العراق أن يكون الطعم و
ساحة المعركة للقضاء عليها أو تحجيمها ، إلا أن الامر انقلب
عليها ، بذلك يكون قد انقلب السحر على الساحر . فبالاضافة الى
أن تنظيم (القاعدة) اصبح له موطـئ قـدم فى العـراق، كـذلك
شهـدت هذه الساحة ولادة تنظيمات جديدة معادية لها ، لا علاقة
لها بتنظيم (القاعدة) ولا يجمعها سوى العداء للولايات المتحدة
و ربما تكون هذه أكثر شراسة ، لأن القضية أصبحت تتعلق باحتلال
وطن و تنفيذ مخطط خبيث يتمثل فى اثارة النعرات الطائفية و
محاولات تقسيم البلد الى عدة كيانات هشة تحت شعار التغيير و "
الديمقراطية و الاصلاح " ، و ان العراق هو النموذج لهذا .
وبالفعل هو النموذج السيئ
الذى نراه اليوم و الذى تريده الولايات المتحدة للامة العربية
، ولكن مثلما قلنا انها نجحت فى اقامة مشروعها هذا و لكنها من
ناحية أخرى فشلت فى القضاء على الحركة الجهادية ضدها . و لذلك
نرى أن هذا التقرير جاء محاولة لانقاذها من ورطتها هذه بالدرجة
الاولى .
لقد جاءت توصيات التقرير
عامة و شاملة و لكنها دقيقة بالوقت نفسه ، صحيح أن جل التوصيات
لم يكن هناك ما هو جديد فيها ، و ان هذه التوصيـات او تلك سبـق
أن جـاءت على شكـل فكـرة أو اجتهـاد لهـذا الكـاتب أو
السيــاسي او المختص أو ذاك أو من مراكز الابحاث او من هذا
المسؤول أو آخر سواء من داخل الولايات المتحدة او من خارجها ،
إلا ان قوة هذه التوصيات تكمن فى أنها جاءت من صلب الطبقة
السياسية الامريكية ، بل و من نخبة من الجمهــوريين و
الديمقــراطيين و بهذه النظـرة الـواسعـة و الشاملـة ، و
الاهـم ما فيها هي أنها ربطت مشكلة العراق والمشاكل الاخرى
للمنطقة بمشكلة الصراع العربي – الفسلطيني – الاسرائيلي ، حيث
يعترف التقرير فى توصيته (12):" ... و فى سياق اقليمي أوسع ،
لن تكون الولايات المتحدة قادرة على تحقيق اهدافها فى الشرق
الاوسط ، ما لم تتعامل مباشرة مع الصراع العربي الاسرائيلي .
يجب أن يكون هناك التزام متجدد و مستمر بتسوية شاملة بين العرب
و الاسرائيليين على جميع الجبهات : لبنان و سوريا و فلسطين ، و
هذا الالتزام يجب أن يشمل المحادثات المباشرة مع و بين اسرائيل
و لبنان و الفلسطينيين الذين يقبلون بحق اسرائيل فى الوجود
.....".
كذلك ذهبت توصيته ( 13)
الى :" يجب ان يكون هناك التزام متجدد و مستمر من الولايات
المتحدة بتسوية سلمية شاملة بين العرب و الاسرائيليين على
الجبهات كافة ". بل و نرى توصيته (17) تؤشر :" فيما يخص القضية
الفلسطينية ، يجب التمسك بقرارى مجلس الامن 242 و 338 ، و مبدأ
الارض مقابل السلام ، باعتبارها الاساس الوحيد لتحقيق السلام
.. ". من خلال هذه التوصيات و أخرى نرى أن هناك اعترافا ً من
انه لا يمكن أن يسود الأمن و السلم ، و لا يمكن تفتيت العداء
للولايات المتحدة بدون حل مشاكل المنطقة ، و فى مقدمتها النزاع
العربي – الفلسطيني – الاسرائيلي باعتبار ان هذا النزاع هو (
أم ) المشاكل فى المنطقة ، و هو جوهر أسباب العداء للولايات
المتحدة بسبب انحيازها الدائم لاسرائيل، كما ان هذه التوصيات
تؤشر لنا أن مشاكل المنطقة هي كل مترابط ، و لا يمكن فصل
الواحد منها عن الاخرى .
كما إن التفكير بقراري
مجلس الامن 242 ، 338 و حل النزاع في ضوءهما ، هو أفضل بكثير
مما رضي به العرب بعدهما ، بل و قدموا تنازلات دون هذين
القرارين ، على الرغم من أن هذين القرارين هما أساسا ً لا
يلبيان الحق العربي الفلسطيني بالكامل . أذن و يكاد للمرة
الاولى يعترف فيها مسؤولون أمريكيون بهذا الربط لمشاكل المنطقة
ولابد من حلها سياسيا ً ( دبلوماسيا ) ، و أن هناك اعتراف ضمني
من أن مشكلة العراق سابقا ً و لا حقا ما هي واحدة من هذه
المشاكل .
فيما يخص العراق ، حدد
التقرير أربعة متغيرات لها ، و هى المتغيرالعراقى الداخلي (
المحلي ) ، المتغير الاقليمي ، المتغير الامريكي ، المتغير
الدولي ، و لكل متغير من هذه المتغيرات و تحديدا الثلاثة
الاولى منها دور فى المشكلة العراقية و حلها . كما ان التوصيات
أخذت بنظر الاعتبار اهمية هذه المتغيرات و تعاملت معها لايجاد
مخرج للازمة .
فيما يتعلق بالمتغير المحلي
فالتوصيات جاءت مهمة و حساسة ، و توافقية للقوى السياسية
الحاكمة فى العراق فمنها ما يرفضها و منها ما يؤيدها ، كذلك
منها ما يرضي المعارضة العراقية و منها الجماعات المسلحة ، و
منها ما ترفضه أيضا ً ، فهناك من يرى أن هذه التوصيات لم تنصفه
، و يرفضها بشدة جملة و تفصيلا و هو الجانب الكردي بزعامتيه (
الطلباني و البرزاني ) ، كونها تعود بهم للوراء على وفق
تصوراتهم . في حين ان الحكومة العراقية المتمثلة بوزارتها أيدت
هذه التوصيات .
و لنتناول هذه التوصيات و
نعلق عليها ، فالتوصية رقم ( 19 ) و( 20 ) جاءتا لتضفي
المشروعية على الحكومة العراقية و التي يتهمها البعض سواء من
داخل العراق أو خارجه بعدم مشروعيتها كونها جاءت فى ظل
الاحتلال.
إذ
تقول الفقرة ( 19 ) :" على الرئيس و فريق الامن القومي التابع
له أن يظلا على اتصالا قريب و مستمر مع القيادة العراقية ، و
هذه الاتصالات يجب أن تبعث برسالة واضحة : " يجب أن تتحرك
الحكومة العراقية لتحقيق تقدم ملموس ". أن هذا الشرط المفروض
على الحكومة العراقية يرتبط بشرط مقابل آخر و هو على الولايات
المتحدة أن تلتزم به لتحقيق هذا التقدم ، من خلال تقديم الدعم
للحكومة العراقية و هو ما جاء فى التوصية رقم (20) التي جاءت
لتقول : " على الولايات المتحدة أن توضح استعدادها لمواصلة
تدريب قوات الامن العراقية و مساعدتها و دعمها ، و
الاستمرار في تقديم الدعم السياسي و العسكري و الاقتصادي
للحكومة العراقية . فكلما أصبح العراق أكثر قدرة على ممارسة
مهمات الدفاع و الحكم ، كان خفض الوجود العسكري و المدني
الامريكي فى العراق ممكنا ً ". و لكن التوصية رقم (21) تذهب
إلى عكس ذلك فيما اذا فشلت الحكومة في تحقيق هذا التقدم . حيث
توصي الحكومة الامريكية بوقف دعمها للحكومة العراقية عندما
قالت :" و في حال لم تحقق الحكومة العراقية تقدما ملموسا على
طريق المصاحلة الوطنية و تحقيق الامن و تثبيت الحكم ، ينبغى
على الولايات المتحدة أن تخفض الدعم السياسي و العسكري و
الاقتصادي لها ".
إن
تحليل مضمون هذه التوصيات جاءت لتقطع الطريق أمام الحكومة
العراقية في حالة عدم تحسينها و تقدمها في برامج هي حددتها
لنفسها سابقا ً و المتعلقة بالمصالحة الوطنية و تحقيق الامن ،
و تحسين الخدمات التي تمس الحياة اليومية للعراقيين . فهذه
الحكومة في حالة عدم تقدمها فهي أما خائفة أو مترددة أو
متواطئة او ضعيفة ، و هى فى كل الاحوال تصبح غير جديرة بثقة
الولايات المتحدة . و اللغز هنا يكمن في تخفيض الدعم الامريكي
الذي جاء فى التوصية رقم (21) . فما هو بديل الادارة الامريكية
أمام ذلك ؟ فالمؤشرات تذهب من أنه في حالة الفشل يتم استبدال
هذه الحكومة بطريقة او أخرى بانقلاب أو غيره تماشيا مع الاهداف
الامريكية لحل أزمتها فى العراق .
لذلك فهذه التوصيات فيها حث (
حض ) كبير للحكومة العراقية على التغيير فعلا ً لتكتيكها و
استراتيجيتها على الصعيدالداخلي ذاته ، و اولها اعادة تغيير
تحالفاتها مع القوى السياسية ذاتها التي تتشكل منها الحكومة ،
حتى من داخل القائمة او الكتلة السياسية الواحدة . من هنا نرى
ان الحكومة العراقية برئاسة وزارتها ، و حسبما جاء على لسان
نائب رئيس الوزراء برهام صالح الذي رحب بهذه التوصيات ، لكى
تضع القـوى السيـاسيــة المتشكلـة منهـا أمــام الامـر الـواقع
، و لتتخلـص من ضغـط حلفــاءها من الاحـزاب و التيارات
المعارضة لحل الميلشيات و المصالحة الوطنية و اعادة كتابة
الدستور و لاصرار على مشروع الاقاليم بهذا الوقت ، فهي أي
الحكومة أمام خيارين ، أما المضى جديا ً فى المشـاريع التى
طرحتهـا لمعـاجلة هذه القضـايا ، أو الفشل و بالتالى يكون
الخاسر الاكبر هي القوى السياسية التي تتشكل منها هذه الحكومة
و حلفاءها الداعمين لها ، إلا أنه نرى أن هذه الحكومة و على ما
يبدو خضعت لضغط القوى السياسية الرافضة لهذه التوصيات ، فعادت
هي بدورها لتبدي عدم رضاها عليها حسبما جاء على لسان رئيس
وزارئها نوري المالكي .
كما جاءت توصيات أخرى
لتشجع الحكومة العراقية في حسم ترددها ، أما الاقدام على هذه
الخطوة أم لا ، لاسيما فى ظل و دعم الولايات المتحدة . كما أن
هذه التوصيات حظيت بارتياح من قبل المعارضة العراقية سواء بعض
المسلحة منها أو غيرها ، فالتوصية رقم ( 2) تقطع الطريق أما
تجزئة العراق حينما أشارات :" ينبغي أن تكون اهداف هذه الحملة
الدبلوماسية الاقليمية ، دعم وحدة العراق و سلامة اراضيه ...
". فهذه التوصية من شأنها رفع الهـاجس عن تقسيم العراق لـدى
الكثيــر من العـراقيين و من مخـتـلـف مشـاربهم . كـذلك جــاءت
التـوصيتين (26) و (27) لتبعث الارتياح لدى المعارضة و قوى
سياسية مشاركه اصلا ً فى العملية السياسية كجبهة التوافق و
القائمة العراقية و جبهة الحوار الوطني ، حيث جاء فى التوصية
(26) :" مراجعة الدستور العراقي أمر أساسي لتحقيق المصالحة
الوطنية ..." . في حين أكملت التوصية (27) :" تتطلب المصالحة
الوطنية اعادة البعثيين و القوميين العرب الى الحياة الوطنية ،
مع رموز نظام صدام حسين . على الولايات المتحدة أن تشجع عودة
العراقيين المؤهلين من السنة و الشيعة او القوميين أو البعثيين
السابقين أو الاكراد الى الحكومة ."
بل تذهب توصيات أخرى أبعد
من ذلك حينما تشير التوصية (35) إلى :" الولايات المتحدة يجب
أن تبذل جهودا نشطة لاشراك جميع الاطراف فى العراق باستثناء
تنظيم ( القاعدة ) ، لكن التركيز الشديد على الهوية الطائفية
يهدد فرصا ً أوسع للحصول على دعم وطنى للمصالحة " . أن التركيز
على هذه التوصية يؤشر لنا بأنها توصي الادارة الامريكية بالعفو
عن كل من حمل السلاح ضد قواتها فى العراق عدا تنظيم ( القاعدة
).
و هذا فيه استشفاف للجنة
بيكر– هاملتون ، من أن المقاومة العراقية المسلحة لا ارتباطات
قوية لها بتنظيم (القاعدة ) ، الا بالقدر الذى يحاول اخراج
القوات الامريكية من العراق ، و فى حالة حل المشكلة العراقية
سريعا ً و خروج القوات الامريكية او جدولة انسحابها ، فمن
الممكن تحييد هذه المقاومة . بل و تذهب التوصية (36)الى مطالبة
الحكومة العراقية بالعفو عن المسلحين حين تقول : " على
الولايات المتحدة أن تشجع الحوار بين الجماعات الطائفية . و
يجب ان تكون الحكومة أكثر سخاء فيما يتعلف بموضوع العفو عن
المسلحين ".
و نحن نعتقد أن الغاية الاساسية
من هاتين التوصيتين و خاصة فيما اذا فعلتا فعلهما ، هو عزل
تنظيم ( القاعدة ) فى العراق عن مكونات المقاومة العراقية
الاخرى ، و ترك هذا التنظيم لوحده ، و بالتالى يكون التعامل
معه عسكريا ً أفضل و أسهل ، و هذا هو هــدف أمريكي كبيـر بحد
ذاتـه . و هذا ما يـرد فعــلا فى التوصيـة (39) عندمـا تذكــر
:
" و سيكون على الجيش
الحفاظ على فرق تدخل سريع و أخرى خاصة لتنفيذ عمليات عسكرية ضد
تنظيم (القاعدة ) فى العراق عندما تسنح الفرصة ... " . و تؤشر
هذه التوصية ذاتها بعدم رغبة العراقيين ببقاء قوات أمريكية فى
العراق من خلال قولها :" ... و فيما نمضى قدما ً بهذه الخطوات
، يمكننا البدء بسحب القوات الامريكية من العراق . و بعد أن
تسحب الولايات المتحدة كل فرقها القتالية خارج العراق ، سنبقي
على وجود عسكري مهم فى المنطقة ، مع قوتنا المهمة فى العراق و
انتشارنا الجوي و البري و البحري في الكويت و البحرين و قطر و
وجود أكبر في أفغانستان . و ستسمح هذه القوات للولايات
المتحدة ، و بمساعدة الحكومة العراقية ، بتنفيذ مهمات بينها
ردع تدخلات سورية و إيرانية مدمرة أكثر ".
و يبقى للجانب العراقى من
هذه التوصيات ما أثار حفيظة الاكراد ، لكنها طمئنت القوى
السياسية الاخرىووفقا ً لتصورها على وضع حد للغلو الكردي
بمطالبه و خاصة فيما جاء بالتوصيتين (28) و (30) ، حيث نصت
الاولى : " تقاسم العائدات النفطية، يجب أن تعود عائدات النفط
الى الحكومة المركزية و يتم اقتسامها على اساس عدد السكان ". و
كان هذا المـوضـوع بالذات أحـد المـواضيع الســاخنة و المختلف
عليها ما بين حكـومة أقليم كردستان و حكومة المركز فى بغداد ،
فجاءت هذه التوصية لتصب فى صالح حكومة المركز . في حين جاءت
التوصية (30) لتتناول موضوعا ً بالغ الاهمية و الحساسية للقوى
الكردية عندما بينت : " في ضوء الوضع الخطير فى كركوك هناك
ضرورة للتحكيم الدولي لتجنب العنف الطائفي. كركوك يمكن أن تكون
برميل بارود . و اجراء استفتاء حول مصير كركوك قبل نهاية عام
2007 ، كما يقضي الدستور العراقى ، سيكون انفجارا ً ، لذا يجب
تأخيره،وهذه مسألة يجب أن تدرج على جدول أعمال المجموعة
الدولية لدعم العراق فى اطارعملها الدبلوماسي " .
و نعتقد أن هاتين
التوصيتين هما اللتان أخرجت الرئيس جلال الطلباني عن طوره
حينما رفض توصيات لجنة بيكر – هاملتون جملة و تفصيلا ً ، بل
وصف الولايات المتحدة و من خلال هذه التوصيات ، بانها تدير
العراق كمستعمرة تابعة لها . و حاول أن يثير الآخرين خاصة
الذين يرفضون عودة البعثيين و بالاخص من قوى الائتلاف العراقي
الموحد ، عندما صرح من أن الخطورة في التقرير هو انه يحتوي على
توصيات لعودة البعثيين. .
هذه هي جوهر التوصيات
المتعلقة بالمتغير العراقي الداخلي . و هنا ملاحظة لابد من
الاشارة اليها ، هو ان هذه التوصيات المتعلقة بالشـأن العراقي
الداخلي هي كأفكــار ليست جديدة بل سبـق ان حاولت جهــات
محليــة وعربيـة وإقليمية
عدة مثل الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الاسلامي أن تحقق
ذلك ، إلا أنها لم تنجح ، كونها لا تملك القوة على الارض و لا
تملك التأثير السياسي و الاقتصادي لتحقيق ذلك . و لكن عندما
تأتي من جهـةٍ أمريكية يكون لها وقع آخر لأسباب عدة منها
الذاتية و الموضوعية ، كما أن الولايات المتحدة تملك القوة على
الأرض و لها النفوذ و التأثير على قوى داخلية و إقليمية و
دولية .
أما فيما يتعلق بالمتغير
الاقيلمي فقد حثت ( حضت ) التوصيات (2) و(3) و(4) و(5)
و(6) و(7) و(8)
و(9) و(11) و(12)،على ضرورة
تعاون دول الجوار مع العراق و في اطار (المجموعة الدولية لدعم
العراق) هذه المجموعة التي تتشكل من السعودية و مصر و تركيا و
الأردن و الكويت و سوريا و إيران ، اضافة الى دول أخرى كالدول
الخليجية ، و الدول الاعضاء الخمسة الدائمين فى مجلس الامن و
لأتحاد الأوروبي ، و يمكن أن تنضم دول أخـرى مثل ألمـانيا و
اليــابان و كـوريـا الجنـوبيــة . و يعتـرف التقــرير بالدور
الذي تلعبه كل من إيران و سوريا في دعم المليشيات و التمرد فى
العراق ، رغم ذلك تذهب التوصية (9) إلى ضرورة تعاون الولايات
المتحدة مع سوريا و إيران بشأن العراق رغم خلافاتهما مع
الولايات المتحدة حينما تنص :" يجب على الولايات المتحدة أن
تنخرط مباشــرة مع إيران و سوريــا في محاولة للحصـول على
التزام منهما بسياسات بناءه تجاه العراق
والقضايا الاقليمية الاخرى
. وعلى واشنطن التفكير فى الحوافز و كـذلك العقبـات ، في سعيها
الى نتيجة ايجابية .
وينبغي البحث في امكان
تكرار التعاون الايرانى – الامريكي في أفغانستان لتطبيقه على
الحال العراقية ، على رغم من أن إيران ترى ان من مصلحتها أن
تغوص الولايات المتحدة فى مستنقع العراق ".
نحن نرى ان هاتين الدولتين
لن تستجيبا فعلا ً لهذه التوصيات مادام الخلاف قائم بينهما من
جهة و بين الولايات المتحدة من جهة أخرى ، بل أنه من مصلحتهما
أن تغوص الولايات المتحدة في هذا المستنقع أكثر فأكثر حتى لو
كان على حســاب العـراقيين ، و هـذا هو الفشـل الامريكي بعينـه
، و الذي من خــلاله يبعد التهديـد الامريكي عنهما ويلغي تفكير
الادارة الأمريكية القيام بغزوات عسكرية ضدهما .
اما فيما يتعلق بالمتغير
الامريكي ، فأول التوصيات ذهبت الى الدور الذي يمكن أن تلعبه
الولايات المتحدة في مشكلة العراق حينما نصت : " ينبغي على
الولايات المتحدة العمل مع الحكومة العراقية لبدء – هجوم –
دبلوماسي شامل جديد للتعامل مع مشاكل العراق و المنطقة قبل 31
كانون الأول / ديسمبر 2006 " . و طمئنت التوصية رقم (22) مخاوف
العراقيين ، من أن الامريكيين ليس فى نيتهم البقاء دائما ً فى
العراق ما لم يوافق عليها العراقيون ، حينمـا بينت : "
ينبغـي أن يعلـن الـرئيس الامريكي ،ان بــلاده لا تسعى الى
اقامة قواعد عسكرية دائمة فى العراق " .
واذا طلبت الحكومة
العراقية اقامة قاعدة مؤقتة أو قواعد ، فعلى الولايات المتحدة
ان تنظر في هذا الطلب كأى طلب من حكومة أخرى ". و هذه التوصية
جاءت ذكية و على الطرف العراقي الانتباه اليها ؛ لأنه فى حالة
طلب الحكومة العراقية من الادارة الامريكية اقامة مثل هذه
القواعد ، فإن هذا يرتب على العراق التزامات تقف فى مقدمتها
التزامات مالية على الجانب العراقى تأديتها ، على عكس فيما اذا
طالبت الادارة الامريكية بذاتها ذلك .
وجاءت التوصية (23) لتحاول
تبديد المخاوف لدى العراقيين ، من أن الامريكيين جاءوا من أجل
السيطرة على نفط العراق حين نصت : " يجب أن يؤكد الرئيس
الامريكي مجددا ً ، ان الولايات المتحدة لا تسعى للسيطرة على
نفط العراق " . و التوصية (39) جاءت : " على الولايات المتحدة
تقديم دعم مالى و تقني و انشاء مكتب واحد في العراق لتنسيـق
المسـاعدة للحكـومة العراقية و مستشـاريـها الخبراء لمساعدة
برنامج لنزع سلاح اعضاء المليشيات واعادة دمجهم و انهاء
تعبئتهم . "
وأوصت اللجنة بتقديم
المساعدة الاقتصادية للعراق من خلال ما جاء فى التوصية (64) :
" يجب زيادة المساعدة الاقتصادية الامريكية لتصل الى خمسة
بلايين دولار سنويا ً " . كذلك جاءت التوصية (67): " على
الرئيس الامريكي ايجاد منصب مستشار لاعادة الاعمار الاقتصادي
فى العراق " .
أما فيما يتعلق بالموضوع
الاهم و الحساس بالنسبة للعراقيين هو مسألة مصير القوات
الامريكية الحالية و الموجودة فى العراق ، فلم تكن هناك اشارات
واضحة و قطعية لانسحاب هذه القوات أو جدولة هذا الانسحاب ، و
إنما تمت الاشارة اليه بنوع من المطاطية من خلال ربطها بمواضيع
أخرى ، مثل جهود المصالحة الوطنية و استكمال تدريب القوات
العراقية و جهـوزيتهـا ، و أن الاولـويـات العسكــرية في
العراق يجب أن تتغيـر بحيث تـذهب الى التـدريـب والتسليح و
الاستشارة و عمليات الدعم و مكافحة الارهاب ، و كذلك السعي
الى استكمال عملية التدريب و التسليح في الربع اول من عام 2008
. وهذه ما نصت عليه التوصيات (34) و(39) و(40) و(41) و(42)
و(43) و(44) و(45).
كذلك سعت التوصيات الى
مشاركة المجتمع الدولي ، سواء بدوله الفاعله أو بمنظماته
الاقليمية و العالمية ، و من خلال المجموعة الدولية السالفة
الذكر و مشاركة مكتب الأمين العام للأمم المتحدة فى عملها . و
هذا ما ذهبت إليه التوصيات (3) و (4) و (5) و (6) و (7) و (8)
و (38) . و الأهم هو ما جاء فى التوصية (65) التي ذهبت إلى : "
يجب أن تكون المشاركة الاوسع للشركاء الدوليين ، الذين عليهم
أن يفعلوا أكثر من مجرد تقديم الاموال ، جزءا ً اساسيا من جهود
اعادة الاعمار فى العراق " .
إن
توصيات لجنة بيكر – هاملتون هذه ، هي بالاضافة الى اهميتها ،
انها تحظى بقوة معنوية و مادية كونها دقيقة ، وحظيت بالقبول و
التأييد من قبل الكونغرس الامريكي ، و أنها جاءت من
الديمقراطيين و الجمهوريين كما ذكرنا. لذلك لابد للرئيس
الامريكي أن يأخذ بها ، و إلا لا عذر له أمام الشعب الامريكي
فى حالة عدم الآخذ بها و استمراره في نهجه الفاشل فى العراق و
الشرق الاوسط . كما ان هذه التوصيات هي محاولة لتصحيح مسارات
السياسة الخارجية الامريكية الخاطئة .