الحضارية «دراسات استراتيجية»

الأحد: 28/12/2008

 

الأمن الاجتماعي و البطالة

وسن محسن حسن*

 

لغرض معرفة العلاقة بين الأمن الاجتماعي والتنمية وبطالة الشباب.. سنبدأ الكلام عن الأمن الاجتماعي كمتغير اجتماعي، ومعرفة ماهية علاقته ببطالة الشباب، من خلال الوظائف العديدة التي يقوم بها في الحياة الاجتماعية بصورة عامة، وبعد ذلك ننتقل إلى التنمية، وعلاقتها ببطالة الشباب باعتبارها مُتغيراً يعتمد على المجتمع وطبيعته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 

أولاً: الأمن الاجتماعي: Social Security

أضحى مفهوم الأمن الاجتماعي واحدا من أكثر المفاهيم أهمية، من حيث البحث والدراسة والتأكيد على دوره في الحياة الاجتماعية، في ظل عالم تتنازعه التيارات الايديولوجية المختلفة. فبعد أن كانت تهديدات الأمن في الماضي ينظر إليها على أنها نابعة من مصادر خارجية، إذ كان أمن الدولة يتركز بصفة أساسية على حماية الدولة بحدودها وشعبها ومؤسساتها من الهجمات الخارجية، فقد توسع هذا المفهوم خلال العقود الأخيرة، ليشمل مواجهة العديد من التهديدات الأمنية وأمن الحدود والشعب والقيم والمؤسسات، والأمن ضد الإرهاب العابر للحدود، والهجرة بأعداد هائلة والبطالة المتفاقمة... والأمراض..الخ؛ كل هذه الجوانب -وأخرى غيرها- أصبحت تهديدات تتطلب الوقوف أمامها طويلا، وأضحت الحاجة إلى الأمن الاجتماعي من أهم متطلبات حياة الإنسان الاجتماعية لتنوع المخاطر التي يواجهها المجتمع.

 

الأمن - لغة- ضدّ الخوف، فهو الطمأنينة التامة على النفس والمال.

قال ابن منظور: (أمن ، يأمن، أمنْاً، وأماناً ضد الخوف) وفي التنزيل العزيز: (وآمنهم من خوف)(2)... وقال تعالى: (وهذا البلد الأمين)(3)، اي: الأمين، يعني: مكة، وهو من الأمن)(1).

والأمن في المنظور الاسلامي يبيّنه القرآن الكريم في مواضع مختلفة ليشير إلى معاني مختلفة منها الأمان وعدم الخوف والطمأنينة والوثوق(4)، لقوله تعالى (فليعبدوا رب هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وامنهم من خوف)(5). في هذه الآية الكريمة تقديم لغريزة الجوع على الخوف، لتبرهن في ذلك على أن الأمان من الخوف ينتج أولاً من خلال إشباع حاجات الفرد الغذائية، فكما هو معلوم أن حاجات الفرد تتدرج تبعا لأهميتها في صيرورة الإنسان واستمرار حياته، فهناك حاجات أساسية ينبغي إشباعها وإلا هلك الفرد، أو تعقد نفسيا، أو اتجه نحو مسارات انحرافية عندما يفقد الأمان والطمأنينة. "فالأمن في أي مجتمع حسب مهمته لا يقوم إلا بعد حماية المصالح الحيوية لأفراد المجتمع"(6) وعُِرّف الأمن على أنه "نقص لحالة الخوف، ومعناه الطمأنينة والثقة وهدوء النفس الناتج عن عدم الاحساس بالخوف من كل ما يُهدد الفرد من أخطار عمدية أو غير عمدية، طبيعية كانت أم بشرية"(7).

والأمن في أساسه الاجتماعي "يعني غياب الخطر المادي والحماية من القلق النفسي، فهو اذن يتضمن جانبين، التحرر من الحاجة ومن الخوف"(8).

أما في أساسه النفسي، فالأمن يعني "الشعور بالهدوء والطمأنينة وبُعدٌ عن القلق والاضطراب، وهو شعور ضروري لحياة الفرد والمجتمع. ومن أهم وظائفه اطمئنان الفرد على نفسه وأمواله وثقته باحترام حقوقه، وإحساسه بالعطف والمودة ممن يحيطون به، ويكون هذا الشعور عادة منذ الطفولة، فمن تربى على الخوف والرهبة يحمل بقايا من ذلك طول حياته، وما يُطَمْئِن الفرد هو انتشار الأمن والطمأنينة في المجتمع"(9). كما يعرف الأمن الاجتماعي بـ"محأولة تقليل مخاطر الحياة الإنسانية ومواجهة الأزمات الاقتصادية، والزيادة في الخدمات الاجتماعية"(10).

وهذا يعني أن الأمن الاجتماعي لا يقتصر على إشباع الحاجات الأساسية، بل يتضمن الوقاية من المخاطر قبل وقوعها، ومساعدة الأفراد والجماعات في توفير أفضل الامكانيات والسبل لمواجهة المخاطر التي ليس بالإمكان تجنبها، أو منعها"(11).

وهناك من ينظر للأمن الاجتماعي على أنه "الكفاية المعيشية لأفراد المجتمع واكتسابهم لحقوقهم في الصحة والتعليم والعمل، وحمايتهم من ظروف الازمات والطوارئ، فالكفاية الاقتصادية والمعيشية تعد عنصراً من عناصر الاستقرار وحفظ التوازن النفسي والعاطفي"(12).

إن ما يمكن أن نفهمه من هذا التعريف أنّ ضمان حقوق الأفراد الأساسية ولا سيما الغذاء والسكن والتعليم والصحة... له أهمية كبيرة، ودور فعّال في زيادة درجة ارتباط الفرد بمجتمعه وتمسكه بالقيم والتقاليد الاجتماعية المقبولة، الامر الذي يشكل حاجزا للفرد عن الانحراف والجريمة....

كما عُرّف الأمن الاجتماعي بوصفه نشاطا حياتياً، يعبر عن حالة من الإحساس والشعور والاحتياج داخل الإنسان، لمجموعة من الضمانات تكفل الأمن والأمان والحماية والاطمئنان في حياته، يومه وغده، وتلك الضمانات تتمثل في الصحة والتعليم والعمل والغذاء والسكن، وأجهزة الأمن من الشرطة وتطبيق القوانين وإيجاد نظام الضمان وبرامج التأمين الاجتماعي(13).

هذا التعريف يؤكد على أن الأمن الاجتماعي إنما يتضمن إشباع حاجات الأفراد الأساسية، والاجتماعية، وحمايتهم من المخاطر التي قد تواجههم من تهديدات حياتية، أو اجتماعية، أو طبيعية، أوإجرامية. وصولا إلى التهديدات الاقتصادية، التي يكون تأمينها من خلال برامج الضمان والتأمين الاجتماعي... الخ.

ومما تجدر الإشارة إليه أن "روبرت مكنمارا"(14) يُعَرّف الأمن بأنه يعني "التطوير والتنمية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة"(15).

من هنا نرى أن هناك علاقة وثيقة بين الأمن والتنمية، فالتنمية معنية بإزالة مختلف العقبات التي تعوق الحياة الإنسانية، وتقف حائلا دون ازدهارها، وكما مر بنا في المباحث الماضية فإن مضمون فكرة التنمية البشرية واسع ولها صفة "حمائية" لكونها متصلة بالتقدم والنمو والأمن الاجتماعي، من خلال الاهتمام المباشر بالخدمات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية كافة.

  ومفهوم الأمن الاجتماعي يُستخدم في بعض الأحيان ليُعبّر عن الضمان الاجتماعي(16) أو برامج التأمين الاجتماعي(17)، وتقديم الخدمات للشباب وللكبار والمسنين والمتقاعدين..الخ(18).

لكن مفهوم الأمن الاجتماعي هو من السعة والشمول بحيث يتجاوز الضمان الاجتماعي والتأمين الاجتماعي، وهو يرمز إلى الحماية من خطر المرض والجوع والبطالة والجريمة والصراع الاجتماعي، والقمع السياسي، والمخاطر البيئية، فبالنسبة لمعظم الناس يمثل الأمن إشباع حاجاتهم الاقتصادية والحصول على أعمال، أو وظائف تؤمن لهم الحاجات الإنسانية الأساسية، وأن تكون أحياؤهم السكنية آمنة من الجريمة.

أنّ الأمن والخوف مفهومان متضادان، يتأثر كل منهما بعدد من العوامل والمتغيرات الذاتية والموضوعية، التي تعمل على زيادة مساحة أحدهما أو تقليصها، لذلك فإنه ليس هناك امن مطلق أو خوف مطلق.

أما التعريف الإجرائي للأمن الاجتماعي في حدود هذه الدراسة، فهو مجموعة البرامج والسياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي من شأنها أنْ تضمنَ حماية الشباب من العوز والفقر والوقوع فريسة للأنحراف والتهميش، من خلال توفير فرص العمل للقادرين عليه، والراغبين فيه فضلاً عن تأمين الحاجات الإنسانية للذين لا يجدون عملاً من خلال برامج شبكة الحماية الاجتماعية.

 

ثانياً: الأمن الاجتماعي وبطالة الشباب:

مر القول بأهمية الأمن الاجتماعي، وتأثيره في جميع جوانب الحياة، ومن بين تلك العناصر التي يمكن ان تتأثر وتُؤثر بالأمن الاجتماعي، مشكلة البطالة. والنقطة التي تهمنا في هذه الدراسة هي كيفية تأثير غياب الأمن على بطالة الشباب، وتأثير هذا الآخر على الأمن، لأن الأمن الاجتماعي بمفهومه الواسع هو كل ما يُطمّئن الأفراد على أنفسهم وأموالهم وعائلاتهم، ويشعرهم بعدم الخوف. كما أن توفير العمل المناسب لهم هو ضرورة حياتية وإنسانية لا بد منها، لتحقيق جانب مهم من جوانب الأمن الاجتماعي في ظل تلك الظروف.

ولقد تنبه العديد من المفكرين القدماء كابن خلدون -على سبيل المثال- تنبه إلى العلاقة ما بين الانحلال أو الاختلال الأمني والتدهور الاقتصادي وانهيار الدولة بقوله "أن أمن الجماعة المسلمة في دار السلام، وصيانة النظام العام الذي نستمتع في ظله بالأمان، ونزاول نشاط الخير في طمأنينة، وذلك كله ضروري، وأمن الأفراد لا يتحقق الا به"(19).

أما أبو الحسن الماوردي فإنه يرى "أنّ صلاح الدنيا في صلاح الإنسان ومدينته. وتبلورت لديه معالم النظرية العامة للأمن الاجتماعي، من خلال تنمية مواهب الفرد إذ لا صلاح للمدينة بدون صلاح الفرد، الذي لا يتأتى إلا بتوافر سبل العيش الكريم والتعليم والأخلاق والدين، ولقد حدد ما تصلح به الدنيا والإنسان في ستة اشياء، دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح"(20).

إنّ الأمن العام في المجتمع هو أحد الركائز الأساسية لصلاح الدنيا والإنسان الذي يعيش فيها. وإذا كان الأمن الاجتماعي قد أثار اهتمام الأولين، فإن المجتمعات الإنسانية اليوم عموما تراه حاجة ضرورية ملحة، فهو يتعلق بجميع أبناء المجتمع على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم، ولذلك فهو يعد (ركيزة أساسية لكي يشعر أفراد المجتمع بالأمن والأمان وبناء أفراد صالحين وناجحين وقادرين على العمل. إنّ غيابه سبب رئيسي للخوف والانحراف والفساد وانتشار البطالة وأعمال العنف، ولا يتوقف الأمر عند حدود فرد واحد بل جميع أفراد المجتمع، لأن غياب الأمن يعني غياب الاطمئنان والمودة والحرية والديمقراطية)(21).

ولكن هذا الأمن الاجتماعي قد تعترضه بعض الأمراض الاجتماعية الخطيرة، ومن بينها تعطيل الشباب عن العمل. فالبطالة واحدة من بين أهم المعضلات التي تواجهها المجتمعات والحكومات منذ أقدم العصور. وهي خطر على الفكر الإنساني. وأحد أهم دوافع الجريمة، وهي عامل مساعد على تفكك الاسرة، وبالتالي فإنها خطر يهدد المجتمع وأمنه الاجتماعي، وهي ناتجة عن سوء توزيع الثروة، وعدم إيجاد فرص عمل كافية للشباب، وتفشي البطالة فضلاً عن كونها تمثل خسارة وهدراً للثروة الاجتماعية والاقتصادية، فهي "تخلق بؤر توتر اجتماعي يسبب توسع دائرة المهمشين"(22).

وهذا يعني أنّ البطالة إذا كانت مستمرة لفترة طويلة فهي تهدد شريحة واسعة من أبناء المجتمع، فإن ذلك كله يشكل عناصر تهديد للأمن الاجتماعي، الذي هو بمفهومه العام يشمل كل النواحي الحياتية التي تهم الإنسان المعاصر، فهو يشمل أول ما يشمل الاكتفاء المعيشي والاقتصادي والاستقرار الحياتي للمواطن... بالاضافة إلى تأمين الخدمات الأساسية للإنسان، فلا يشعر بالعوز والحاجة، ويُخِلّ بالرعاية الاجتماعية والإنسانية في حالة البطالة والتوقف عن العمل.

(فالإنسان في أي مجتمع من المجتمعات إذا لم تُلبّ احتياجاته الأساسية، فإنه حين ذاك قد لا يشعر بإنسانيته، ويتعزز لديه الشعور بالاغتراب والمهانة)(23). فالحاجة والعوز تقتل في الإنسان إنسانيته واعتزازه بذاته، مما قد يدفعه إلى أنواع الانحراف وقد يُصاب بالأمراض النفسية والاجتماعية على حد سواء.

ولقد أكدت أكثر من دراسة علمية على ان الفرد الذي لا يجد عملا، ولا يتوافر له موردٌ مالي يكون في حالة نفسية مهيأة لأي سلوك(24).

أي ان هناك إمكانية ان يتبنى هذا الشخص العاطل فكرة الانحراف والجريمة والاعتداء على الاخرين.... وهذه المفردات كلها تُعدّ تهديدا للأمن الاجتماعي(25).

فإذا كانت التنمية البشرية هي عملية توسيع الخيارات بين الناس فإن الأمن الاجتماعي (هو الحالة التي يستطيع معها الشباب ان يمارسوا تلك الخيارات بأمان وحرية وان يكونوا واثقين بدرجة معقولة من أنّ الفرص المتاحة لهم اليوم لن يفقدوها غدا)(26).

ومن خلال هذه المقولة يتضح لنا أن هناك علاقة عميقة بين الأمن الاجتماعي والتنمية، لأن التنمية البشرية على وجه الخصوص، ولا سيما فيما يتعلق بـ(تنمية الشباب)، إنها ترتبط بين كل من الأمن الاجتماعي والتكافؤ والاستدامة والنمو والمشاركة، وبذلك فإن التنمية تتيح الفرصة لإجراء تقويم لمستوى الأمن الاجتماعي الذي يحرزه الناس في المجتمع.

وكما هو معروف، فإن الشباب في أغلب المجتمعات الإنسانية هم العمود الفقري للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، (لذا فإن توفير الأمن الاقتصادي والأمن الاجتماعي لهم يعدّ الاستثمار الأكبر لتحقيق التنمية...)(27).

والأمن الاقتصادي هنا يتضمن توفير فرص عمل للشباب، وبما يلبي احتياجاتهم ويعبر عن طموحاتهم لاستثمار قدراتهم وإمكانياتهم في البناء والتنمية(28).

ولقد وجدنا أكثر من باحث يؤكد على وجود تلك العلاقة بين كل من الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي والأمن الاجتماعي، وإن هذه العلاقة لا تحتاج إلى تقرير أو مزيد من التأكيد، لكن الذي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام هو التركيز على أبعادها من حيثُ إنّها تتجاوز العلاقة الخطية إلى كونها علاقة تبادلية شرطية، وإذا كان لا يمكن تحقيق أيّ إصلاح أو تقدم اقتصادي في غياب الأمن الاجتماعي، فإن كل ملم بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يدرك أنّ الأمن والاستقرار والنمو لا يتعزز فقط من خلال تقوية وتطوير الأجهزة الأمنية، التي تكافح الجريمة وكل ما يُهدد السلم والأمن الاجتماعي، بل من خلال تحقيق الكفايات التي تلبي الحاجات الأساسية وتعطي شعوراً نفسياً واجتماعياً واسعاً بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، ويتم ذلك من خلال فرص العمل التي تُشْعرُ الشباب بأن له كيانا محترما وانتماء لمنظومته الاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كنا نتحدث عن علاقة الأمن الاجتماعي بالبطالة، فمن الضروري أن نتحدث عن مصطلح (الأمن الإنساني)، الذي ظهر في النصف الثاني من عقد التسعينات كنتاج للتحولات التي شهدتها فترة ما بعد الحرب الباردة، وقد أكدت على الفرد وليس الدولة كوحدة سياسية، كما أكدت على أن أية سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف منها تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة. ولقد اصبح هذا المفهوم ركناً في السياسات الخارجية ووظُِفّ مُبرراً للتدخل الدبلوماسي والعسكري وكأداة لصنع السياسة في العلاقات الخارجية(29).

ومما مرّ، نستنتج أن ما قد يعانيه الفرد من البطالة قد يمتد تأثيره ليصل الى مستويات أكبر وأوسع من محيطه الفردي، فالآثار السلبية قد تصيب المجتمع كلّه، إذا ما تم استغلالها من قبل منظمات وهيئات دولية، لغرض التدخل في الشأن الداخلي، والشواهد كثيرة على ذلك. فالتدخلات الدولية والاقليمية التي تنطلق تارة لحماية حقوق الإنسان، وتارة لتغيير القوانين الاقتصادية وغير الاقتصادية في هذا البلد أو ذاك، وربما تصل في بعض الاحيان الى فرض عقوبات اقتصادية أو حتى التدخل بالطرق والوسائل العسكرية.

وهذا يعني أنّ مشكلة البطالة ذات أبعاد سلبية وقد تكون خطراً وكارثة على الأمن الاجتماعي، فهي في الوقت ذاته، قد تكون فيه المسبب للعديد من المشاكل والانحرافات، فهي كذلك يمكن أن تكون أحد الأسباب المهمة لإثارة التدخلات الخارجية ذات الأثر السَيّئ على الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي بدوره يخلق المزيد من حالات وبؤر عدم الاستقرار وتخلخل الأمن الاجتماعي.

ولذلك فإن إيجاد فرص العمل للشباب سوف، يكون أحد الدعامات المهمة للأمن في المجتمع، فهو يحقق الاستقرار النفسي للفرد، وكذلك للمحيط الذي يعيش فيه، لأنَّ الإنسان الذي يكون لديه اكتفاء معيشي، تكون نظرته لذاته نظرة إيجابية، وربما أكثر تمسكاً بالقيم الاجتماعية وبالثوابت والأعراف والقوانين المجتمعية، مما يشكل بذلك مناعة وتحصيناً للفرد ضد الجريمة والانحراف وكثيراً من المشاكل التي قد يواجهها المجتمع.     

ولعل الأحداث التي مر بها المجتمع العراقي من حروب متتالية وحصار خلق حالة من الارتباك والتوتر الاقتصادي والاجتماعي، ولا سيما الارتباك الذي نتج عنه حالات من البطالة، أو تدني دخل الفرد بشكل كبير، وبروز حالة الرجل غير المناسب في المكان المناسب(30). أي عندما تسلم بعض الأشخاص مسؤوليات قيادية وإدارية بالمجتع (كضابط الجيش، والمحافظ، ومدير الناحية، وضباط الأمن الداخلي والشرطة وغيرها) كانوا غير مؤهلين لها أخلاقياً وعلمياً، أدت إلى فقدان القيمة المعنوية للمسؤولية(31).

هذه الظروف غذت حالة الأنومي(32) بشكل كبير نتيجة انهيار السلطة التي برزت بأشكال مختلفة في المجتمع العراقي، مثل حالة السلب والنهب من مؤسسات الدولة خاصة، أو كثرة الجرائم، اللاأخلاقية خاصة(33)، وحالات الحرق والتدمير والتخريب وكل ذلك يعني أن تحقيق الأمن الاجتماعي لا يمكن أن يعتمد على رجال الشرطة والأمن فحسب، وإنما يكون تحقيقه مسؤوليةً جماعيةً تضامنيةً تقع على جميع أفراد المجتمع، ويتأتى ذلك من خلال تحصين الأفراد أنفسهم من الانحراف والجريمة، عن طريق المقومات التي يرتكز عليها الأمن الاجتماعي وهي الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، والترابط بين النظم الاجتماعية والتماسك الاجتماعي، والقيم، والممارسات الإيجابية. وأخيراً نجد أنّ التوافق بين برامج الفرد وغاياتها مسألة ضرورية، لأن ارتفاع معدلات العاطلين عن العمل من الشباب الذين هم الأكثر تأثيرا بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية ينتج عنه انحرافات اجتماعية تشكل تهديداً للأمن الاجتماعي.

 


............................

* وسن محسن حسن، ماجستير آداب بغداد، قسم الاجتماع، خدمة اجتماعية.

 

 

الهوامش
..................

(1) لسان العرب، ابن منظور، مادة (أمن)، ص250.

(2) القرآن الكريم/ سورة قريش/ الآية 4.

(3) القرآن الكريم/ سورة التين/ الآية 3.

(4)د. كامل المراياتي، وآخرون، الأمن الاجتماعي، سلسلة المائدة الحرة، العدد السابع، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1997، ص8.

(5) القرآن الكريم/ سورة قريش/ الآية 3-4. 

(6) حسن اسماعيل عبيد، الأمن بمفهومه الاجتماعي الشامل، مجلة الأمن والحياة، العدد 24، السنة الثالثة، الرياض، مطابع العربي للدراسات الأمنية والتدريب، 1984، ص51.

(7) د. عبد السلام شاحوذ هندي، المخدرات أهميتها وأنواعها وأثرها على الأمن القومي، بغداد، وزارة الداخلية، المعهد العالي للدراسات، بدون سنة، ص46.

(8) د. سلامة عبد الكريم سميسم، التأهيل العربي الاسلامي لمفهوم الأمان الاجتماعي، مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، العدد 10، السنة الثالثة، 2001، ص87.

(9) . د. ابراهيم مدكور ، مصدر سبق ذكره، ص66.

(10) د. احسان محمد الحسن، الأمن الاجتماعي العربي، مجلة النفط والتنمية، السنة الخامسة عشرة، دار الثورة للصحافة والنشر، بغداد، 1990، ص59.

(11)  Roland Sigg, The Contribution of Sociology to Social Security, Journal of The International Sociological Association, Vol. 1, No. 3, J. W. Arrowsmith Ltd., Bristol, United Kingdom, 1986, P. 293.

(12) مصطفى العوجي، الأمن الاجتماعي، مقومات ارتباطه بالتربية المدنية، ط1، بيروت، مؤسسة نوفل، 1983، ص71.

(13) عبد الجليل دسوقي، الأمن الاجتماعي المفهوم-الضرورة-الآليات، مؤتمر الأمن الاجتماعي والتنمية، القاهرة، مطبعة معهد التخطيط القومي،1990 ص253-254.

(14)  وزير الدفاع الامريكي الاسبق، وصاحب الكتاب الشهير "جوهرة الأمن".

(15) د. فائزة باشا، الأمن الاجتماعي والعولمة، المركز العالمي للدراسات والابحاث، 2006، مقال منشورعلى شبكة المعلومات العالمية الانترنيت  
              http:// so.se.com /vb/ showthread.php? P=7. 2008

(16)  الضمان الاجتماعي: النظام الذي يعمل على مواجهة التهديدات الاقتصادية، التي يتعرض لها الأفراد في حياتهم، سواء كانت هذه التهديدات ناتجة عن المخاطر الاجتماعية كالحروب والبطالة، أو التهديدات الناتجة عن المرض والعجز والشيخوخة. ونظام الضمان الاجتماعي يواجه تلك التهديات على المستويين بالوقاية منها أو بمعالجتها، ويمكن القول إنّ سياسة الضمان الاجتماعي لا تضيق بحدود الضمان الاقتصادي للفرد، بل تتسع لتشمل الارتقاء بشخصية كل فرد وذلك بتزويدها بمختلف المعارف والعلوم والفنون.

للمزيد ينظر : رمزي زكي، مصدر سبق ذكره، ص38-39.

(17) التأمين الاجتماعي: نظام يهدف إلى ضمان المقومات الاقتصادية الاساسية للأفراد في حال الكوارث الفردية الطارئة، أو في حالات الكوارث العامة التي تؤدي إلى حرمان الأفراد والجماعات من اشباع حاجاتهم الاقتصادية الاساسية، مما يجعلهم فريسة للعوز والفقر. أي أنّ التأمينات الاجتماعية تكفل أشباع الحاجات الضرورية للأفراد التي تنحصر في الغذاء والكساء والسكن، والصحة والخدمات الاخرى الضرورية، لذا يمكن القول إن وظيفة التأمينات الاجتماعية هي توفير الحد الأدنى من الدخل كحماية من المخاطر التي قد يواجهها الإنسان في حياته، مثل الترمل، والشيخوخة، والعجز والبطالة. ويتضح من ذلك أن برامج التأمين الاجتماعي هي جزء من نظام الضمان الاجتماعي.

للمزيد من الاطلاع ينظر: نبيل رمزي اسكندر، الأمن الاجتماعي وقضية الحرية، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1988، ص260-261.

(18) عبد الجليل دسوقي، مصدر سبق ذكره ، ص250.

(19)عبد الرحمن ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار السلام، 1981، ص216.

 (20) د. محمد عمارة، الاسلام والأمن الاجتماعي، ط1، دار الشروق، القاهرة، 1998 ص14-15.

(21) كانتي باجيال، الأمن الإنساني المفهوم والقياس، ترجمة ابراهيم عبد الرزاق، بيت الحكمة، بغداد، ط1، 2007، ص5.

(22) د. عبد المنعم بدر، وآخرون، البطالة وعلاقتها بالجريمة والانحراف في الوطن العربي، اكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 1998.

(23) مقال التنمية والشباب، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، السنة الخامسة عشرة، العدد، 163، 1992، ص147.

(24) د. هادي صالح العيساوي، اضافات نظرية في علم الاجتماع، ط1، بغداد، 2004، ص21.

(25) عبد الجبار عريم، نظريات علم الاجرام، ط2، مطبعة المعارف، بغداد، 1963 ص104-105.

(26) د. كريم محمد حمزة، الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة العراقية من النهوض بها، بحث غير منشور مقدم إلى المكتب الاقليمي للدول العربية 2008، ص30.

(27) يوسف عبد الله صايغ، التنمية العصبة من التبعية إلى الاعتماد على النفس في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992 ص85.

(28) الامن الاقتصادي لدى الشباب في مدينة السليمانية، دراسة استطلاعية، جمعية الأمل العراقية، مجموعة بحوث منشورة، 2008، ص1-2.

(29) موفق رمضان، مؤتمر الأمن الإنساني في الدول العربية، الأردن، عمان، 2005.

(30)  جيف سيمونز، عراق المستقبل، السياسة الامريكية في اعادة تشكيل الشرق الأوسط، دار الساقي بيروت، 2004، ص40-44.

(31) د. قاسم حسين صالح، اشكالية العلاقة بين السلطة والفرد في الجتمع العراقي، المؤتمر العربي (دور علم النفس في مواجهة تحديات الحاضر والمستبقل العربي)، 2002، ص14.

(32) الانومي: مصطلح anomie يعني اللامعيارية أو فقدان المعايير وهو مشتق من الكلمة اليونانية anomia أو انعدام القانون. وهي حالة الفوضى وفقدان القدرة على الانضباط وانحلال الأمن، وأبرز نتائجها الانحراف والجريمة.

 (33) تقرير التنمية الإنسانية العربي 2003، نحو أقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية برنامج الامم المتحدة الانمائي،ص85.