الحضارية «دراسات استراتيجية»

الاحد: 09/11/2008


الايديولوجيا والسلطة

د. محمد سبيلا

الايديولوجيا كأساس للمشروعية السياسية:
تكاد الايديولوجيا في الاستعمال اليومي أن تكون مرادفة للسياسة، وكأن الايديولوجيا هي مضمون السياسة وكأن السياسة هي التطبيق العلمي للايديولوجيا. وهذا الترادف لا يخلو من صواب لأن الايديولوجيا مرتبطة ارتباطاً قوياً بالسياسة والسلطة. فكل سياسة وكل سلطة تتضمن إيديولوجيا وتصادر عليها صراحة أو ضمناً، كما أن كل إيديولوجيا تتضمن نظرة للمجال السياسي وتستهدف في النهاية الوصول إلى السلطة على الأقل لتطبيق واختبار نظرتها. والايديولوجيات التي تدعي أنها لا تهفو إلى السلطة إنما تفعل ذلك من باب التمويه أو الاخفاء أو التستر، لأنه لا وجود لايديولوجيا تعبئ الناس من أجل لا شيء أو من أجل المعرفة فقط لأن الايديولوجيا في جوهرها فكر عملي، تعبوي يهدف إما إلى الحفاظ على العالم الاجتماعي كما هو أو إلى تغييره نحو الأحسن. وبجانب كونها فكراً عملياً فهي أيضاً فكر في خدمة سلطة(1) سواء كانت هذه السلطة قائمة أو في الطريق إلى الاستيلاء عليها، أو آيلة للسقوط.
ترتبط علاقة الايديولوجيا بالسلطة بالمسألة الحيوية والأساسية بالنسبة لكل سلطة سياسية وهي مسألة المشروعية. فالهم الأساسي لكل سلطة هو اكتساب المشروعية، لأن السلطة الراغبة في الدوام وفي البحث عن أساس مكين تشعر ـ بنوع من الحدس الطبيعي ـ بأن السلطة القادرة على الاستمرار هي السلطة التي لا تقوم فقط على القوة والعنف وانتزاع الاعتراف، بل هي السلطة القادرة على جعل الذوات السياسية تنتج تلقائياً مصادقتها عليها وقبولها بها بحيث لا تكون بمثابة مؤسسة خارجية قائمة على القهر والقسر بل على الرضى والموافقة. ولا نجد من عبـّر عن مفارقة السلطة هاته أكثر من جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي» حيث يقول: «ليس للأقوى ما يكفي من القوة ليكون دائماً هو السيد إن لم يحول قوته إلى حق، وطاعته إلى واجب»(2). بل إن كل سلطة تدعي استخراج «فائض قيمة اعتقادي» فيما يقول بول ريكورد (P.Ricoeur) ـ من رعاياها. و«ادعاء المشروعية بالنسبة لمنظومة سلطوية ما، يتجاوز دوماً الميل إلى الاعتقاد في مشروعيتها الطبيعية»(3).
وبما أن هذا الصنف من المشروعية لا يتم اكتسابه بالعنف الفيزيقي، فإن من الضروري اللجوء إلى نوع من العنف أكثر لطفاً وتهذيباً وخفاءً وهو العنف اللفظي أو «العنف الرمزي». وقد ارتبط خطاب السلطة دوماً بسلطة الخطاب وكلمات السلطة بسلطة الكلمات. إن البيان والبلاغة ليسا فقط ممارسات لغوية ترفية أو جمالية محضة بل هما براعات ذات وظيفة اجتماعية وسياسية. فاللغة أداة سياسية من الدرجة الأولى لأنها هي السبيل إلى التبليغ والاقناع والاستتباع. وكل الاجراءات العملية التي تقوم بها السلطة في أمس الحاجة في النهاية إلى ما يصاحبها من خطاب تفسيري أو تبريري أو تضليلي.
واكتساب المشروعية السياسية يتم في كافة أشكال السلطة إما بالعنف الفيزيقي أو «بالعنف الرمزي» أو بالمزج الرفيع بينهما معاً. فسواء في الكارزمية التقليدية (مثال الخميني) أو في الكارزمية العصرية (مثال عبد الناصر) وسواء في الأنظمة السياسية التقليدية القائمة على حماية التقليد والتراث أو في الأنظمة السياسية العصرية القائمة على أساس أهداف عصرية في التحرر والتقدم، فإن اللجوء إلى الايديولوجيا يظل هو الأداة الأساسية لاضفاء المشروعية على النظام واستجلاب رضى الجماهير.
فالايديولوجيا بهذا المعنى ركن أساسي من أركان أية سلطة سياسية وأداة سلطة من الدرجة الأولى، مما يجعلها أمراً لا غنى عنه بالنسبة لأية سلطة سياسية مهما كانت استبدادية أو تعسفية. فحتى الأنظمة القائمة على الاستبداد والنزعة الكليانية والقمع مضطرة لاصطناع إيديولوجيا تبريرية أو تبني إيديولوجيا بإسمها، ومن أجلها يصبح الاستبداد مبرراً و«معقولاً». بل إن الكثيرين يربطون بين الايديولوجيا والاستبداد بمعنى أن الكثير من مظاهر الاستبداد العصري هو استبداد باسم إيديولوجيات معنية ومن أجل انتصارها.
نعلم مع ماكس فيبر أن المشكلة المركزية في السياسة هي مشكلة المشروعية. وقد حصرها في ثلاثة أنواع مثالية: الأولى تقوم على التراث والتقاليد، والثانية تقوم على الزعامة الملهمة (الكارزمية)، والثالثة على العقلانية ـ القانونية.
وقد أعاد الباحث الأمريكي دافيد إيستون(4)David Easton تعديل هذه الأنواع وحددها في ثلاثة أنواع تعتبر توسيعاً وتحديداً لأسس المشروعية الثلاثة التي حددها فيبر. المكونات الأساسية للمشروعية عند إيستون هي: الزعامة الشخصية والايديولوجيا والشرعية البنيوية، أي الشرعية الدستورية.
وإذا كانت الأنظمة السياسية الحديثة تتجه أكثر فأكثر إلى الانتقال من المشروعية الكارزمية أو الايديولوجية نحو المشروعية البنيوية، باعتبارها سمة أساسية للحداثة السياسية فإن معظم أسس المشروعية السياسية في دول العالم الثالث، وخاصة في العالم العربي، ترتكز إما على أسس كارزمية (حيث يبدو أن الكارزمات ذات الملامح الايديولوجية المستقاة بدرجة أو بأخرى من الاشتراكية آخذة في التضاؤل لحساب زعامات مستمدة بهذا القدر أو ذاك من التراث الديني) أو على أساس إيديولوجية (وخاصة الايديولوجيات الحديثة) إما حديثة أو تقليدية. بل إننا نستطيع اختزال أسس المشروعية إلى ركنين أساسيين: مشروعية بنيوية أو دستورية وقوامها نوع من «العقلانية القانونية» التي تتضمن تحديداً دقيقاً واضحاً للحقوق والواجبات الملزمة لأطراف العلاقة السياسية: الحاكمون والمحكومون والوسطاء (الهيئات التمثيلية). والنظام السياسي القائم على مشروعية بنيوية أو دستورية حقيقية يتعارض بطبيعته مع أي شكل من أشكال تجلي الفرد، لأن جوهر هذا النظام هو المؤسسية ومشروطية القرار. أما الركن الثاني فهو المشروعية الايديولوجية. وهذا الركن في حد ذاته يمكن أن ينبني إما على زعامة شخصية تقليدية أو تحديثية، حيث تتجسد الايديولوجيا الأصلية أو الفرعية في شخص يعتبر حاميها وممثلها والقيـّّم عليها. نعم قد يميل النظام السياسي القائم على الشرعية الايديولوجية نحو الارتكاز على بعض المؤسسات لكنها على وجه العموم تظل أكثر قابلية للارتباط بالزعامة الشخصية سواء كانت عصرية أو تقليدية، مع ما يرتبط بذلك من ميول استبدادية وغير ديمقراطية.
رأينا أن الايديولوجيا ليست فقط قواماً ضرورياً لسلطة قائمة، بل هي قوام لازم وضروري لأية سلطة، سواء كانت قائمة أو في طور الزوال أو في الطريق إلى الاستيلاء على السلطة، وسواء كانت سلطة تقليدية أو سلطة حديثة. فالسلطة التقليدية القائمة على الاجماع تستمد مشروعيتها إما من الأسطورة أو الدين. أما في المجتمعات التي تخطت عتبة الحداثة فإن السلطة تكتسب بالتدريج طابعاً زمنياً ودهرياً أكثر وتقيم مشروعيتها على إيديولوجيا دنيوية قائمة على العلم والعقل وتستهدف تحقيق الفردوس الأرضي، وهو ما يدعوه فيبر ـ ضمن تصنيفه الثلاثي لمناذج المشروعية ـ بالمشروعية القائمة على العقلنة القانونية والبيروقراطية. فالمشروعية في البلدان التكنولوجية المتقدمة قد اكتسبت صبغة إيديولوجيا علمية تقنية. وقد أبرز هابرماس أن المجتمع الصناعي المعاصر أحل محل التبريرات التقليدية للمشروعية السياسية القائمة على المقدس والتراث تبريرات علمية وتقنية أي إيديولوجيا العلم والتكنولوجيا. وفي ذلك انزياح عن التفسير الماركسي التقليدي الذي يرجع المشروعية السياسية إلى السيطرة الطبقية. فالدولة في المجتمعات المتقدمة لا تمثل الطبقة السائدة بقدر ما هي دولة الفعالية والتنظيم، أي الجهاز الساهر على حسن سير النظام وعلى حسن أدائيته، والذي يضع نصب عينه هدف إبعاد كل مظاهر الخلل التي تلحق بالنظام الاقتصادي الاجتماعي.
لقد تطورت هذه المجتمعات تطوراً كبيراً مس علاقات الملكية وأساليب الانتاج فلم تعد الشرعنة مستمدة من تبرير فائض القيمة بإخفاء آليته كما هو الأمر في المجتمع الليبرالي الأول الذي وصفه ماركس لأن فائض القيمة لم يعد هو مصدر الانتاجية، ولم يعد تملكه هو السمة الأساسية للنظام. بل إن السمة الأساسية لنظام المجتمع الصناعي هو إنتاج العقلنة ذاتها متمثلاً في الحواسيب والمخططات الاقتصادية. وهكذا فقد تحول الجهاز العلمي التكنولوجي إلى إيديولوجيا همّها إضفاء المشروعية على علاقات السيادة والتفاوت الضروريين لأدائية النظام الصناعي(5).
ذلك أن العقلنة التي تحدث عنها فيبر، والتي تشكل جوهر التحول في المجتمعات التي عرفت سيرورة التحديث، مرتبطة بالتشكيل المؤسسي للتقدم العلمي والتقني، بالقدر الذي يدخل العلم والتقنية في القطاعات المؤسساتية للمجتمع. وعن طريق ذلك تغير المؤسسات نفسها وتجد المشروعيات القديمة نفسها محطمة. إن إضفاء طابع دنيوي على صورة العالم الموجهة للعمل بل للتراث الثقافي في مجموعه و«نزع الطابع القدسي» عنها هو المقابل للعقلنة المتصاعدة للنشاط الاجتماعي(6).
أما المشروعية السياسية في البلدان المتأخرة تاريخياً فهي مشروعية هجينة يختلط فيها التراث بالمعاصرة والمقدس بالدنيوي. فهناك الأنظمة التقليدية التي ما تزال المشروعية السياسية مستندة فيها على الماضي، والمقدس، وعلى الايديولوجيا والمعايير التقليدية أكثر من أي شيء آخر، وهناك الأنظمة التي اقتنصت إيديولوجيات عصرية وجعلتها مصدر مشروعية وجودها في السلطة الاشتراكية أو التنمية أو التحرير أو غيرها.
فالبلدان المتخلفة التي داهمتها الحداثة عبر الصدمة الاستعمارية التي خلخلت كل بناها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية الموروثة والتقليدية، دخلت عبر هذه الصدمة في عملية أدلجة لا شعورية لتراثها وتقاليدها بأشكال ونسب متفاوتة. فإيديولوجياتها التحديثية تتخذ طابعاً عقدياً واضحاً وتراثها يكتسي بالتدريج صبغة إيديولوجية(7). وكما يقول هابرماس فإن «الرؤى التقليدية للعالم تفقد قوتها وصلاحيتها كأساطير وكديانات رسمية، وكطقوس تقليدية. وعوضاً عن ذلك فهي تتحول إلى أخلاقيات ومعتقدات ذاتية تضمن الطابع الالزامي الخاص للتوجهات المعاصرة بالنسبة إلى القيم («الأخلاق البروتستانتية»). وأخيراً فإنها تتعدل ويعاد تأويلها وتصبح إنشاءات ذات وظيفة مزدوجة: نقدية للتراث وتعيد تنظيم مضامينه، وبذلك تصبح قابلة وجاهزة للاستعمال. وعندئذ تظهر الايديولوجيات بالمعنى المحدود للكلمة فهي تحل محل اشكال الشرعنة التقليدية للسيطرة في نفس الوقت الذي تقدم فيه نفسها وتعلن الانتساب إلى العلم المعاصر وتبرر ذاتها كنقد للايديولوجيا(8).
وبقدر ما تكون الايديولوجيا ضرورة سلطوية فهي أيضاً ضرورة أساسية في المجال السياسي حتى لكأن الايديولوجيا تكاد ترادف السياسة ويكاد الصراع السياسية يختزل إلى صراع إيديولوجي. ففي كل مجتمع هناك مجال سياسي، هذا المجال السياسي تملؤه إيديولوجيات وأحزاب واختيارات فكرية وسياسية متعددة. وبما أن المجال السياسي هو مجال الصراع حول تملك وإدارة الخيرات والسلط والرموز فإنه مجال انبثاق الرؤى والتصورات والايديولوجيات المختلفة.
وظائف اخرى للإيديولوجيات في المجال السياسي:
تؤدي الايديولوجيا في المجال السياسي وظيفتين أساسيتين نظرية وعملية. إن الايديولوجيا في عمقها اجتماعية وعملية، فهي ليست نظرية في المعرفة، ولا تهمها الحقائق والمعارف إلا من حيث هي موظفة لخدمة موقع أو سلطة شخص أو هيئة. وهي لا تستهدف تقديم معارف بريئة خالصة للمنضوين بقدر ما يهمها تعبئتهم وحشو أذهانهم ونفوسهم بالحقائق والمعلومات ليتحركوا في المجال ولينجزوا الأهداف ويكتسحوا المواقع.
ارتباط الايديولوجيا بالأهداف العملية، وتستخيرها للمعطيات النظرية تبنيها للغة العقل ومصطلحاتها، يجعل تضطلع بالوظائف التالية:
1 ـ الاستقطاب:
إن التقاط أكبر قدر من الفاعلين السياسيين المتواجدين في المجال السياسي بإقناعهم بأن هذه الايديولوجيا هي التعبير الحقيقي عن وضعيتهم الاجتماعية وعن أفكارهم وانتمائهم وهي الأقرب إلى مصلحتهم. كما تقوم بتزويدهم باقتناعات تحدّد لهم هويتهم الاجتماعية والطبقية والسياسية وتحدد لهم الأهداف التي يتعين أن يحيوا أو يموتوا من أجلها.
2 ـ التمييز:
التمييز بين الأنصار والخصوم، وبين الأصدقاء والأعداء. إذا كان الاستقطاب هو لف الناس حول رموز معينة صوتية (أناشيد) أو رموزية (أعلام، أفكار، نياشين، تماثيل، كتب) أو شخصية (أسماء، شهداء...) فإن حشد الأنصار يقتضي التمييز بينهم وبين الأغيار سواء كانوا مجرد أشخاص مختلفين عنا أو معنا أو كانوا منافسين أو محايدين أو خصوماً. والآلية الغالبة في عملية الاستقطاب والتمييز هي آلية تمجيد الذات والاختيارات الخاصة، وإضفاء صبغة مثالية على الأنا والنحن، وفي نفس الوقت الحط من قيمة الآخر وإضفاء صبغة شيطانية عليه. وهذه الآلية الثنائية أو المانوية، التي تنسب الخير كله والفضل كله للذات والشر كله والسوء كله للغير، آلية دارجة في كل الايديولوجيات إن لم تكن هي العمود الفقري للتفكير الايديولوجي. وسواء تعلق الأمر بإيديولوجيات ذات صبغة دينية أو إيديولوجيات علمانية، وسواء تعلق الأمر بإيديولوجيات ثقافية أو بإيديولوجيات سياسية، وسواء تعلق الأمر بإيديولوجيات كبرى أو بإيديولوجيات مشتقة، فإن هناك دوماً في كل من هذه الإيديولوجيات ميلاً إلى إضفاء صبغة مثالية على الذات (Idealistion) وإلى إضفاء صبغة شيطانية على الآخر (9)(Diabolisation de l'ature).
3 ـ التعبئة وتعيين الأهداف:
تسعى كل إيديولوجيا إلى الاقناع وتكييف خطابها تبعاً لدرجة الانتماء والانضواء. فالخطاب الداخلي الموجه للأنصار والأتباع غير الخطاب الموجه للمتعاطفين، وهو غير الخطاب الموجه للخصوم أو بعبارة أخرى فهو خطاب ملتبس، متعدد المعاني والدلالات والإيحاءات والاحالات. وهو خطاب يجمع بين المفهوم والمدلول، بين الاستدلال العقلي والشحن الوجداني، بين العلم والأسطورة، بهدف شحن الأذهان وتعبئة النفوس استعداداً للعمل أي للانخراط في النضال العملي من أجل تطبيق الأهداف. وبما أن الايديولوجيا هي في الغالب فكر في خدمة سلطة صاعدة أو قائمة أو آيلة للزوال، فإن من المنتظر من المنضوي تحت لوائها ألا يكتفي بالاقتناع النظري بل أن ينخرط في الممارسة العملية انتصاراً للايديولوجيا وتطبيقاً لها. فهي تحدد له الأهداف الأساسية التي يتعين عليه التضحية من أجل نصرتها، والتي تشكل الجانب اليوتوبي في كل إيديولوجيا، وذلك من حيث أن الايديولوجيا ليست فقط ذات بعد محافظ بل هي أيضاً ذات بعد تغييري وتجديدي.
4 ـ الاختزال والتبسيط:
تقتضي التعبئة والشحن، وغلبة المعايير العملية على المعايير النظرية في الايديولوجيا، القيام بتقديم وصفات فكرية جاهزة للفاعلين. ليست غاية الايديولوجيا هي طرح الاشكالات.. تقديم الاسئلة بل على العكس من ذلك فإن هدفها هو تقديم أجوبة جاهزة وعرض حلول ناجزة. وهذا ما يجعل الايديولوجيا نقيض الفلسفة، على الرغم من الطابع الايديولوجي للفلسفة ذاتها. فالفلسفة مساءلة (Questionnement) كما يقول هيدجر وتجذر في طرح الأسئلة طبق منهج تراجعي راديكالي. ومهمة الفلسفة هي صياغة الأسئلة أكثر مما هي تقديم أجوبة، فالأسئلة في الفلسفة منبعثة وحاضرة دوماً. أما الايديولوجيا فهي على النقيض من ذلك تعيش حالة استنفار دائم للأجوبة والحلول والاقتراحات لأن ترك الفاعل السياسي في حالة حيرة وشك وتساؤل ستعجل بسقوطه إما في شباك المعسكر المضاد أو في الشلل العملي.
استعجال الاجوبة والحلول وتحويل التفكير إلى عملية اختيار بين خانات يدفع إلى ضرورة الغاء كل مظاهر التعقيد في إدراك المجال وإلى اضفاء صورة بسيطة عليه، وذلك بالتمييز بين الأصدقاء والأعداء، بين ما يتعين فعله وما يتعين تركه، بين الوقائع الايجابية والوقائع السلبية. الايديولوجيا تصبح بمثابة دليل عمل موجه للفرد لمساعدته في إدراكه وتصوره وتوجهه.
التبسيط يقتضي الاختزال وإلغاء الفروق الدقيقة بين الأشخاص والأفكار والمهام. بل إن هذه الضرورة تدفع الايديولوجيا على النقيض من ذلك إلى المماهاة المتسلسلة (Indentification enchaine)(10) أي الميل إلى تقليص الفروق المميزة بين أفكار الخصم أو بين الخصوم، وكذا إلى تقليص الفروق بين الأفكار المناصرة أو بين الأنصار. وهذا ما يجعل التفكير الايديولوجي تفكيراً ثنائياً في العمق فهو يلغي طيف الألوان ليحتفظ فقط بالتمييز الأساسي بين الأبيض والأسود.
5 ـ الانتقاء:
بما أن الحكم الايديولوجي في عمقه حكم قيمة لا حكم واقع أو هو حكم واقع متلون بحكم قيمة فإنه يتضمن حكماً متحيزاً مع أو ضد. متحيز مع ما يبرز الفضائل والمزايا وضد ما يبرز النقائص والهنات. تركز الايديولوجيا على الوقائع الايجابية التي هي في صالحها وتتعامى عن الواقع السلبية التي تكذبها. فهي تقوم بعملية إخفاء وإظهار، إخفاء لما يكذبها ويسفهها وينتقص منها وإظهار لما يؤيدها ويبرز مزاياها. والانتقاء هو فرز الوقائع إلى الإيجابية وسلبية بإخفاء الثانية وإظهار الأولى. ويمكن أن يعم الانتقاء كآلية إيديولوجية ليشمل إدراك الوقائع وغربلة الأحداث والتمييز بين الأشخاص.
والاخفاء والانتقاء يسريان على الآخر كما يسريان على الذات. فالايديولوجيا تخفي نواياها البعيدة كما تخفي على الذات الايديولوجية كل ما يمكن أن يسبب لها قلقاً أو حيرة أو شكاً. وهي غالباً ما تعمد إلى تجميل ما تختاره إلى تقبيح الاختيارات المضادة.
وعلى وجه العموم فإن الايديولوجيا السياسية تقدم للفرد المنخرط في صراعات المجال السياسي أجوبة حاسمة تساعده على الاختيار السريع والانخراط في إحدى المعسكرات. تدور هذه الأجوبة حول الأسئلة التالية: من أنت؟ ماذا يتعين أن تفعل؟ من هم حلفاؤك وأصدقاؤك، ومن هم أعداؤك وخصومك؟ ما هي الأفكار التي يتعين تبنيها والدفاع عنها؟ فهي بالتالي تقدم الوصفة الجاهزة التي تساعد على التصنيف والاختيار وإخراج الفرد من حيرته وتردده لحفزه على العمل.
6 ـ التبرير:
من الوظائف الأساسية لأية إيديولوجيا تقديم تبريرات وعقلنات لممارسات المنضوين ولاختياراتهم ومواقفهم. وإنتاج التبريرات ليس بالضرورة تقديم تفسيرات وتحليلات بل تقديم تأويلات للوضعية تجعل الممارسات والاختيارات مستساغة مشروعة. وآلية إنتاج التبريرات آلية لا تنتهي، وهي موجهة للمنضوين والمتعاطفين كما هي موجهة للآخرين، ويعتبر جان بخلر J.Baechler إنتاج التبريرات عملية تقتضي إضافة معلومة جديدة كل مرة حتى يكون التبرير ناجعا فعالا. لكن إضافة معلومة جديدة كل مرة يدخل عنصراً جديداً في المتن النظري والعملي للايديولوجيا ويلغي طهارتها وادعائها للصفاء، كما يؤدي إلى تدشين حرب التأويلات والتأويلات المضادة مما يتسبب في خلافات وخصامات وما يرتبط بها من ارتداد وهرطقة. لذلك تعتبر عملية التبرير هي السبب الرئيسي في التفرع والتكاثر الايديولوجي(11).
وبإمكاننا أن نميز داخل هذه الوظائف بين الوسائل والغايات بحيث تغلب إحداهما على الأخرى أو يتوازنان أحياناً داخل الوظيفة الواحدة.
الايديولوجيا والمؤسسات:
سواء تعلق الأمر بالايديولوجيات الاجتماعية، أو بالايديولوجيات السياسية أو حتى بالايديولوجيات الثقافية، فإن أمر إنتاج الايديولوجيات وتوزيعها على الأفراد ليس مسألة اعتباطية، ومتروكة للصدفة. بل إن المجتمع ينظم عملية إنتاج وتوزيع الايديولوجيا الرئيسية أو الايديولوجيات الفرعية عبر قنوات ومؤسسات.
وإذا كان البعض يتحدث عن بنية إيديولوجية أو قطاع إيديولوجي أو مجال إيديولوجي فإن هذه الكيانات خاضعة لتنظيم اجتماعي محكم ولتأطير اجتماعي لأن إنتاج الايديولوجيا هو إنتاج للوقود الذي يحرك المجتمع ويشده كبنيان. وإذا كانت هناك إيديولوجيا تلقائية فإنما هي الايديولوجيا التي ينتجها المجتمع تلقائياً عبر مؤسساته الايديولوجية. ونحن نستعمل مصطلح مؤسسات إيديولوجية بدل أجهزة إيديولوجية لأن الأولى تعني كل المؤسسات الاجتماعي المشتغلة بالايديولوجيا في حين تعني الأجهزة الايديولوجية الأدوات التي تتملكها طبقة معينة لإحكام سلطتها وإقرار سيطرتها. فالمدلول الأول مدلول سوسيولوجي في حين أن المدلول الثاني مدلول سياسي ومرتبط بالوظيفة السلطوية للايديولوجيا. لذلك هناك من يتحدث عن أجهزة إيديولوجية للدولة وهذا أمر يرتبط بوجهة النظر الماركسية حول الدولة وهو أمر لا يهمنا هنا، وهناك من يتحدث عن مؤسسات إيديولوجية يكل إليها المجتمع أو الطبقة أو الحزب أو الدولة أمر إنتاج أو إعادة إنتاج وتوزيع الايديولوجيا.
إذا كانت الايديولوجيا هي مجموعة التمثلات الاجتماعية والقيم والتوجيهات التي يكونها المجتمع أو النظام عن ذاته بهدف تأطير الأفراد وضبطهم اجتماعياً وجعلهم يتصرفون ويسلكون في تلاؤم معه ومع أهدافه. فإن مهمة المؤسسات الايديولوجية هي إنجاز هذه الأهداف ووضعها موضع التطبيق. فالحديث عن المؤسسات الايديولوجية هو الحديث عن كيفية إنتاج الايديولوجيات، وعمـّن ينتجها، وعمّن يستغلها ويستهكلها ويروّجها، وما هي القنوات التي تمر عبرها الدورة الايديولوجية.
فالجديد في البحث حول الايديولوجيا هو اكتشاف قوامها المادي والمؤسسي، بمعنى أنها ليست فقط مجموعة أفكار أو قيم أو تمثلات أو رموز، بل إن كل هذه الأشكال التعبيرية تتشخص في مؤسسات تتولاها بالاعداد والتعهد وتتولى أمر تشذيبها وتوزيعها على نظام اجتماعي واسع.
يميز العديد من الباحثين بين ما يسمونه الأجهزة القمعية والأجهزة الايديولوجية للدولة. وذلك انطلاقاً من أن كل سلطة سياسية تقوم بالضرورة على العنف الفيزيقي وعلى العنف الرمزي. فالثاني ملازم للأول ومكمل أو احتياطي له. وكلا العنفين يتخذ صبغة مؤسسية ويرتبط بقواعد وطقوس. ودور الأجهزة الايديولوجية للدولة هي إعادة إنتاج النظام الاجتماعي كما هو، من خلال وعبر مجموعة من الأدوات أو الأجهزة المدعوة بالايديولوجية.
وهكذا نجد ألتوسير، انطلاقاً من هذه النظرة يقدم لائحة ـ يعتبرها تجريبية وغير وافية ـ للأجهزة الايديولوجية للدولة وتضم الجهاز الايديولوجي الديني، والجهاز المدرسي والجهاز العائلي والجهاز القانوني والجهاز السياسي والجهاز النقابي والجاهز الاعلامي والجهاز الثقافي(12).
أما روبير فوساري (R.Fossaret) فيقدم كتابه «المجتمع»(الجزء 3: الأجهزة) لائحة معدلة بنفس العدد، وذلك انطلاقاً من التمييز القوي بين الخطاب الايديولوجي والجهاز الايديولوجي(13).
1 ـ الجهاز الكنسي: فالدين، مثله مثل القانون خطاب إيديولوجي يمكن البحث عنه في مجال محدد، وليس جهازاً، في حين تشكل الكنيسة جهازاً منتجاً وموزعاً للايديولوجيا.
2 ـ الجهاز المدرسي: من الحضانة إلى الدراسات العليا وبشقيه الرسمي وغير الرسمي يمثل أقوى الأجهزة الايديولوجية.
3 ـ الجمعيات: حيث تتموضع التعاونيات المهنية والنقابات والأحزاب وكل الروابط والجمعيات المتجهة نحو التعبير ـ الدفاعي أو الهجومي، التمردي أو المحافظ ـ عن مصلحة اجتماعية ما. أي كل الجمعيات التي يربط بينها جميعاً كونها تعبر عن مصالح تجاه أو ضد و أحياناً في سلطة الدولة.
4 ـ جهاز يمكن أن يقال عنه أنه إخباري لكن أدعوه بجهاز النشر حتى يضم من الناسخين القدماء إلى الاذاعة والتلفزة والكاسيت(14) أو الفيديو.
5 ـ جهاز ثقافي واسع يضم الفنون والرياضات والملاهي والألعاب والأوبرا واليانصيب والمتاحف والرسم، والتراجيديا والنوادي الترفيهية والسياحية... إلخ.
6 ـ جهاز المساعدة والخدمات: وهو جهاز اتخذ حجماً كبيراً في المجتمعات الحديثة. ويضم الصحة والاحسان والضمان الاجتماعي. وهو يشتغل كما لو كان لحيقاً للجهاز الكنسي. ويقدم خلاصاً أرضياً أكثر مما يقم خلاصاً سماوياً.
7 ـ أجهز البحث العلمي سواء في الطبيعة أو في المجتمع. لأن العلوم مثلها مثل القانون والدين والفن وذات نتائج ايديولوجية واضحة.
8 ـ وهناك أشباه أجهزة تقوم بنشاطات إيديولوجية متعددة ونصف متخصصة، وهي المنتديات والمقاهي.
من خلال هذه اللائحة الموسعة يبدو أن فوساري ـ كما يلاحظ هو نفسه ذلك ـ قد جمع بين الأجهزة النقابية والحزبية، وأضاف إلى القائمة الأولى ثلاث مقولات هي: المساعدة، البحث العلمي، وأشباه الأجهزة. بينما تغافل عن الجهاز الايديولوجي القانوني والعائلي. فالأول ينتمي إلى الجهاز التشريعي والقانوني. أما العائلة فهي ليست جهازاً إيديولوجياً لأنها ليست جهازاً خاصاً خاضعاً لتقسيم تخصص للعمل، بل إنها تعم المجتمع كله. فهي شكل اعتيادي من أشكال التنظيم الاجتماعي، لها بالبداهة بـُعد إيديولوجي، لكنها ليست جهازاً إيديولوجياً. فهي ذات وظائف متعددة، وهي نقطة بؤرية للبنية الاجتماعية(15).
والنقد الذي وجهه فوساري لألتوسير بصدد الأسرة قابل للتعميم. فما اعتبره هذان الباحثان جهازاً إيديولوجياً هو مؤسسة اجتماعية ذات وظائف متعددة.
فالأسرة مؤسسة اقتصادية ذات وظيفة إنتاجية واستهلاكية في السوق الاقتصادية. وهي بالإضافة إلى ذلك مؤسسة اجتماعية بمعنى أنها مؤسسة يتم فيها تنظيم التعاون بين أفراد تجمعهم رابطة دموية وقانونية. وهي بالتالي أداة للامتثال والتكييف الاجتماعي، وهي كذلك مؤسسة سيكولوجية يعاد فيها توزيع الطاقة النفسية للفرد حيث يتم الاستعاضة في هذه الخلية الصغيرة عن مشاعر التنافس والحقد والصراع بمشاعر المحبة والتعاضد تحقيقاً للتوازن النفسي للفرد. وهي كذلك مؤسسة تنظيمية للجنس بمعنى أنها الاطار الرسمي الذي ينظم فيه وبه المجتمع عملية الاشباع الجنسي مقابل الانخراط في المجتمع والامتثال لقيمه وتقاليده. وبالارتباط مع ذلك فهي أداة الانتاج الديمغرافي للمجتمع لتحقيق استمراره. وهي أيضاً مؤسسة دينية وأخلاقية لأنها ركن ديني وأخلاقي أساسي يحقق للفرد شعوره برضى المجتمع والدين. وهي أيضاً مؤسسة ميتافيزيقية يحقق فيها الفرد رغبته في استمرار الفرد والنوع. وهي فوق هذا وذاك مؤسسة إيديولوجية عن طريقها يحقق المجتمع لا إعادة إنتاج نفسه على المستوى الكمي الديمغرافي بل أيضاً على مستوى القيم والعلاقات. فالتنشئة الاجتماعية تتم بالدرجة الأولى في الأسرة وضمنها. ونستطيع استبانة خطورتها في التكوين الايديولوجي والاجتماعي للفرد عندما نتبين المدة الطويلة التي يقضيها الفرد في حضن أسرته، ونسبة الوقت اليومي الذي يقضيه في كنفها.
فالمؤسسات الواردة في القائمة ليست كلها مؤسسات إيديولوجية مائة بالمائة، بل هي مؤسسات متعددة الوظائف. ومن بين هذه الوظائف الوظائف الايديولوجية. وقد سردنا مثال الأسرة كمؤسسة اجتماعية ذات وظيفة إيديولوجية. وهو مثال يمكن تعميمه على كل المؤسسات المدعوة بالمؤسسات الايديولوجية. فالمؤسسة المدرسية مثلاً هي أقرب المؤسسات الاجتماعية إلى كونها مؤسسة إيديولوجية من حيث أن وظيفتها الأساسية هي تزويد زبائنها بمتاع فكري ذي صبغة إيديولوجية، أي يقدم لهم صورة عن مجتمعهم وعن ذواتهم ويوجه تفكيرهم لصالح الايديولوجيا السائدة. إلا أن المدرسة بالاضافة إلى وجهها الايديولوجي مؤسسة داخله ضمن تقسيم العمل الاجتماعي. فدورها هو تزويد المتلقي بمعارف وخبرات تؤهله لينخرط بشكل فاعل في المجتمع، وليحصل على عمل في المستقبل فهي تنتمي ـ بالمصطلح الاقتصادي ـ لقطاع الخدمات، سواء كانت هذه الخدمات عملية أو نظرية. هذه بالنسبة للمدارس الرسمية، أما بالنسبة للمدارس الخاصة فهي مؤسسات تجارية هدفها بيع معارف وخبرات لمستهلكين مقابل أداء ثمن معين، لكنها لا تستطيع الخروج من إطار المراقبة والتوجيه الايديولوجي الذي تمارسه الدولة عليها. لذلك نميز بين مستويين في أدائية المؤسسات الاجتماعية: أدائية رئيسية وأدائية ثانوية. فالأداء الرئيسي للمدرسة أداء مزدوج: معرفي وإيديولوجي بجانب أداءاتها الثانوية الأخرى.
لذلك نستطيع المغامرة بالقول بأنه ليست هناك مؤسسات إيديولوجية «خالصة» أو محضة. بل هناك مؤسسات اجتماعية ذات وظائف متعددة من بينها الوظيفة الايديولوجية، نعم قد تكون الوظيفة الايديولوجية أساسية في هذه المؤسسة أو تلك، كما هو الأمر في المؤسسات الثقافية والتعليمية والاعلامية، لكن هذا لا يعني أنها وظيفتها الوحيدة. وهذا ما يجعل الايديولوجيا في العمق فاعلية مرتبطة بمؤسسات اجتماعية أو متشخصة عبرها. وبالتالي فإن المؤسسات الايديولوجية هي كل المؤسسات التي تسهم ـ بصورة متخصصة في صناعة وتسويق تمثل معين للعالم(16). قد تكون هذه المؤسسات سياسية صرفة أو مؤسسات اقتصادية أو ثقافية أو إعلامية أو دينية أو سلطوية أو خيرية أو صحية أو بحثية أو ترفيهية أو غيرها. هذا مع التمييز بين المؤسسات الأقرب من حيث طبيعتها إلى الايديولوجيا كالمؤسسات الثقافية والاعلامية والدينية والمدرسية والمؤسسة العائلية، والمؤسسات الاجتماعية الأخرى.
وإذا كنا قد أطلقنا اسم المؤسسات على مثل هذه التنظيمات فذلك فقط من باب التعميم لأن لائحة المؤسسات هاته تضم جمعيات وروابط (كما هو الأمر بالنسبة للنقايات) ومنظومات من القواعد (مثل الأجهزة التشريعية)، وعدد من المؤسسات (كالمدرسة) وغيرها.
كما أنه إذا كان المقصود بالمؤسسات لا فقط مجالات إنتاج وتوزيع المنتوجات الايديولوجية، بل أيضاً الصبغة المادية و«الشيئية» للايديولوجيا فإن الايديولوجيات ترتبط برموز مادية أخرى كالأعلام والرموز والصور والأشكال والتماثيل والأناشيد والألوان وغيرها.
ومعظم هذه المؤسسات ذات وظائف مزدوجة اجتماعية وسياسة. وبالتالي يمكننا أن نقوم بالتمييز بين المؤسسات ذات الطابع والوظيفة الاجتماعية المهيمنة والمؤسسات ذات الطابع والوظيفة السياسية المهيمنة كالمؤسسات السياسية، والمؤسسات المزدوجة الوظيفة.بل يمكن أن نتحدث عن تكييف كل المؤسسات تكييفاً سياسياً في اتجاه خدمة وترسيخ أسس النظام السياسي الذي تشتغل في إطاره، وذلك بتسخير المكونات الأساسية للمجتمع في اتجاه دعم النظام السياسي.

الهوامش
ـــــــ
(1) Redoul: Langage et ideologie. P.U.F. 1980. P:24.
(2) روسو: العقد الاجتماعي، الفصل 3 في حق الأقوى، دارالقلم، بيروت 1973م: 39.
(3) Ricoeur: Du Texte a l'action, Seuil 1986. (Texte) 1976.
(4) عن: غسان سلامة: نحو عقد اجتماعي عربي، جديد منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987م.
(5) Ricoeur: Op. cit. P:374-375.
(6) Habermas: La technique et la Science comme ideologie, Gallimard 1973. P: 4-5.
(7) Schayegan, D: Qu'est ce qu'une revolution relligieuse? La presse aujourd'ui. Paris, 1982. chap: 5.
(8) Habermas: Op. cit, P: 33-34.
(9) Gabel: L'Ideologie, in Encyclopedie Universalis.
(10) Gabel: Ideologie I Tome: I, Anthropos, 1974, P:37.
(11) اعتمدنا في عرض هذه الوظائف على دراسة بخلر حول الايديولوجيا مع ادخال العديد من التعديلات بالاعتماد على Gabel و Kaes بما يجعلها وافية، وشاملة لما أهمله بخلر أو اعتبره جزئياً أو أدمجه ضمن وظائف أخرى. وبصدد النقطة الأخيرة يراجع:
Baechler: Op. cit. P:70-79.
(12) Althusser: Ideologie et appareils ideologique d'Etat. In positions. Ed. Sociales 1976, P:82-88.
(13) Fossaret: La Societe. Tome 3: Les appareils.
(14) يرى Bruno Etienne أن من مفارقات الحداثة أن الكاسيت قد لعبت بالنسبة للتيارات الراديكالية الإسلامية نفس الدور تقريباً الذي لعبته المطبعة بالنسبة للكالفينية في أوروبا، أي الحامل المادي للانتشار الايديولوجي. انظر:
Etienne Bruno: L'islamisme radical Hachette 1987. P: 127.
(15) Fossaret: Op. cit. P:41-43.
(16) Fossaret: Op. cit. P: 27.

المصدر: الايديولوجيا نحو نظرة تكاملية، د. محمد سبيلا، المركز الثقافي العربي، بيروت.