|
الثلاثاء: 28/10/2008
الإعصار المالي وقضيتنا الوطنية!
د. مهند
البراك
يتسبب الإعصار المالي الأميركي بموجة
هائلة تجتاح العالم، وهي اضافة الى محتواها المالي فانها تثير مشاعر
صاخبة يختلط فيها الفرح بالترقب.. فرح من ظهور علامة مهمة على فشل
ستراتيجية وتاكتيك «القط
العالمي الأوحد» وفشل مفهوم
اقتصاد السوق الحر(الليبرالي الجديد)، الداعي الى حرية السوق بلا حدود
ولا ضوابط دولتية.. وترقّب وخوف نابعان من التساؤلات المشروعة عن الآفاق
سواء كانت عالمية او اقليمية.. وما سيجري على الصعيد المحلي اليومي
المعاش في البلدان النامية التي منها بلادنا المبتلاة.
ويرى اكثر المحللين والمتابعين لتطورات قضيتنا الوطنية و لعموم الشأن
العراقي، ان الإعصار المالي الحاصل ليس مفاجأة..
وانما بدأت اعراضه تُلمس بشكل مباشر في القضية العراقية منذ اكثر من
سنتين حين تصاعدت اصوات اعضاء كبار في ادارة الرئيس الأميركي بوش، طالبت
بلا انقطاع بتحميل الجانب العراقي قسماً مهماً من نفقات قوات الاحتلال لـ
(تكاليفها اليومية الباهظة التي ترهق الخزانة الأميركية) آنذاك وبايجاز
شديد، اسفرت عن تشكيل مجلس الشيوخ الأميركي لجنة بيكر ـ هاملتون
(الديمقراطية/ الجمهورية) التي زارت العراق وتوصلت الى مشروعها في
ايلول2006، الذي جرى التركيز فيه اساساً على سبل تقليل نفقات الإدارة
الأميركية على قواتها في العراق، وعلى السعي للاستقرار بـ (التفاهم) مع
دول المنطقة، لتخفيف موجود القوات الأميركية وبالتالي لتقليل الإنفاق
الحكومي الأميركي الباهظ عليها، على حد وصف المشروع.
وقد استمرت الضغوط المتنوعة للقطب النفطي الصناعي العسكري الأميركي
الأكبر، لتحقيق مردودات مالية هائلة من العراق بدعوى سد ذلك العجز
ابتداءً ـ برغم اجواء التعتيم ـ.. وفي مقدمة تلك الضغوط، الضغوط في قضية
عقود النفط على اساس (عقود المشاركة) بشكل مطلق، اضافة الى محاولات
الاستحواذ على اموال العراق الكبيرة المودعة في البنوك الأميركية
المقدّرة بعشرات المليارات بشتى الحجج والدعوات، ثم في قضية الاتفاقية
الأمنية الأميركية ـ العراقية المزمع عقدها، وسط ردود افعال سياسية شعبية
عراقية صاخبة طالبت وتطالب بالإعلان عن المسودات الأخيرة لها في الأقل
للاطلاع العام عليها بدل حصرها في مناقشات غرف مغلقة.. لمناقشتها والتهيؤ
للتصويت عليها، ووفق الدستور وروحية العمل به.
من جانب آخر، وفيما ينشغل عديد من الباحثين والإقتصاديين والسياسيين
والمحللين الدوليين والوطنيين ـ نسبة الى الأوطان ـ بأسباب الإعصار
وتفاصيله ومخاطر سريانه ومداه، وسبل مواجهته، لتقليل خساراته وتأثيرها
العالمي على المراكز الاقتصادية، المالية، النفطية، الصناعية والعسكرية
وغيرها.. وتثار جدالات ومناظرات جادة لا يتوقع لها ان تنتهي بسهولة..
تتراوح بين تقديرات كون ذلك الإعصار المالي هو سمة ثابتة من سمات
الرأسمالية، وبين تساؤلات ان كان ذلك الإعصار يشكّل حتفاً للرأسمالية؟!
وبين كونه حداً صار يفرض بقوة مسألة إعادة بناء نظام مالي رأسمالي دولي
جديد على اساس تعدد الأقطاب ووضع حدود وقيود ورقابة مالية من نوع جديد.
يرى عديد آخر بان ذلك الإعصار، يشكّل ضربة هائلة لمفهوم (حرية السوق)
الذي نادى وينادي به الليبراليون الجدد من جهة وضربة هائلة لمفاهيم:
(نهاية التأريخ)، (الفوضى الخلاّقة)، (الضربة العسكرية الوقائية)
ومحاولات اعتمادها كنهج ثابت.. وغيرها، اضافة الى تشكيله ضربة كبيرة
لمحاولات تسيّد وهيمنة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اداتي القطب
الصناعي العسكري النفطي الأميركي.. من جهة اخرى.
ويرون انه يشكّل ازمة رأسمالية عالمية من نوع جديد، بسبب العولمة وتشابك
المصالح المتنوعة وبسبب الحركة غير المقيّدة لرؤوس الأموال والتداخل
المذهل للشركات المتعددة الجنسية وللاحتكارات المتنوعة، سواءً فيما بينها
او تداخلها وتسلطها وتفاعلها المتنوع مع الهياكل الاقتصادية القائمة
للدول النامية..
ازمة تسعى فيها الاحتكارات المالية والاتحادات البنكية الرابحة فيها التي
تضم اكثر المستثمرين نهماً والصاعدين الجدد بينهم، اضافة الى مضاربين
ماليين وقانونيين واداريين، مضاربين في سوق تحويل العملات وفي اسواق
الأسهم والبورصات.. الساعين وبشكل محموم الى ترحيل اضرارها واعباء
تكاليفها وسد عجزها الى كاهل مواطنيها من دافعي الضرائب ـ بتأميم دولها
للبنوك الخاسرة والتي اشهرت خسارتها ـ، حيث سيقع العبء الأكبر على الفئات
والطبقات الفقيرة والمتوسطة في دولها هي، من جهة. ويسعون من جهة اخرى الى
ترحيلها الى البلدان النامية التي بدأ عدد منها يزداد انيناً مؤخراً بسبب
التصاعد السريع والمريع لأسعار المواد الغذائية الأساسية واسعار
المحروقات.
في اطار يشكّل نهجاً دأبت عليه وجرى ويجري تجديده ليتلاءم مع العصر.. نهج
تصدير الأزمة المالية الى الدول النامية وتشديد الاستغلال هناك (لجملة
اسباب ومقارنات لا يتسع لها المقال) لتحقيق ارباح اكبر... خاصة وان
الحديث يدورعن ان اوساطاً خبيرة بالمضاربات المالية في الشركات
والإحتكارات المالية الأميركية المتعددة الجنسية.. وظفت خبرتها وعلومها
واجهزة معلوماتها التي تتابع حركة اساليب النفوذ من الثغرات القانونية،
وتحرّكت من مواقعها المصرفية والإدارية في استثمار وتعميق تلك الأزمة
التي دارت وتدور وتتراكم منذ سنوات، في محاولتها لزج اوسع الأوساط
المالية في الغرب الى نهجها المالي القانوني العسكري ولمحاولاتها للفرض
ولتحميلها ايّاها اعباء نهجها.. والى تحقيق اعلى الأرباح، بتصدير الأزمة
الى الدول النامية، تحت غطاء السعي لأيجاد حلول لتغطية عملاتها الهابطة..
بالذهب والنفط والماس وغيرها من البلدان النامية بالأخص، اضافة الى
العملات الصعبة الفاعلة الآن كاليورو.
ويرى اولئك المتابعون والباحثون، ان الاحتكارات المالية الأميركية
المتعددة الجنسية وخاصة العائدة او المترابطة باشكال متنوعة مع تلك التي
تمثلها ادارة الرئيس بوش الراحلة قريباً، اضافة الى المصالح المترابطة
وثيقاً تحت مظلة «الليبرالية الجديدة».. ستزداد ضراوة واصراراً في سلوكها
باسم (سد العجز)، للحصول على مزيد من ثروات وعائدات البلدان التابعة وشبه
المستعمرة والواقعة تحت الإحتلال.. وانها ستزداد تعنتاً في مواقفها،
سواءً بمحاولتها فرض ارباحها بالنسب التي تصرّ عليها سواءً في عقود النفط
، او في قضية عقد الاتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية، وفي قضية
الودائع العراقية المصرفية.
وفيما يرون ان الوقت والظرف القائم ملائم للمفاوض العراقي من جهة.. فانهم
يحذّرون في الوقت نفسه من دقّة موقفه على تلك الصعد، حيث يمكن ان تظهر
الصعوبات والمعوقات بشكل فتن داخلية يجرى تحريكها والهابها، او بشكل
صعوبات فنية وتكنيكية وعسكرية سواءً في الداخل العراقي ذاته ومنه، او من
دول الجوار والمحيط الإقليمي وتأثيره وفعله في الداخل العراقي، وغيرها..
لأهداف واطماع مماثلة!!
فاضافة الى محاولاتها المتكررة للايقاع بين الحكومة الإتحادية والاقليم
باستغلال الصعوبات التي تنشأ، وبالعمل على تعميقها والهابها وتزيين
ممارسة القوة والعنف فيها.. لإشعالها وبالتالي لإلهاب كل البلاد
بنيرانها، فانها تسعى لتوسيع الفتنة بحق اخواننا المسيحيين لتحقيق اهداف
عنصرية شريرة تحيل العراق الى بؤرة لا تنتهي للعنف والدمار..
ضمن محاولات كثيرة التنوع تسعى بشكل محموم للإبقاء على العراق ضعيفاً شبه
تابع، موظفة لذلك الكثير من الثغرات القائمة حالياً بسبب: مديونية العراق
عن حروب الدكتاتورية، قوانين بريمر، غزو السوق العراقية وفوضاها، التضخم
الدولي، والخط البياني لتدهور سعر الدولار الذي يشكّل الغطاء الرئيسي
للدينار العراقي اليوم، ويشكّل العملة الرسمية لتسعير نفطه وغازه وموارده
الطبيعية.. اضافة الى واقع الاحتلال العسكري، وواقع مواقف الجوار، برغم
ما بدأ يشهده موقف المحيط الإقليمي من تطور ايجابي عموماً تجاه القضية
العراقية.
وترى اوسع الأوساط العراقية بان الصمود امام الاعصار المالي الأميركي
وانقاذ البلاد من المخاطر الهائلة التي يحملها، يتوقّف على وحدة القوى
العراقية وخاصة الكتل الكبرى الحاكمة منها، التي تعيش اوضاعاً(1) قد تكون
ليست في صالح بناء موقف عراقي قوي يتيح للمفاوض العراقي انتزاع مكاسب
لابد منها لتمكين العراقيين في مواجهة الواقع والوصول به الى افق افضل..
يمكّنه فعلياً وليس عاطفياً من تحديد أفق زمني واضح لرحيل القوات
الأجنبية من بلادنا واستعادة السيادة كاملة، على اساس قدرة البلاد على
الوقوف بوجه المحن المتنوعة المحيطة بها، والتي تهدد بغزو اقليمي.
فالبلاد تواجه وضعاً سَوْقيّاً يشبه ما عاشته بعيد الحرب العالمية الأولى
ـ مع فوارق الزمان وماهية اسماء كيانات الأطراف المهددة ـ ، وشبيه بحدود
لا يستهان بها بظروف المانيا في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية
واندحار النازية.. حيث تواجه البلاد ـ اضافة الى الاحتلال ـ انواع
التدخلات من دول الجوار، سواءً بشكل هيمنة متنوعة قائمة ومحسوسة لا تحتاج
الى برهان، او بشكل استعدادات للتدخل السافر... والتي قد تؤدي الى اخطار
حدوث اجتياحات ترمي الى اقتلاع اجزاء من البلاد او فرض بدائل تنسجم مع
ارادة تلك الدول ووجهتها ومصالحها فيها، الأمر الذي يؤدي بكثيرين الى
التوصل الى.. ان انسحاب القوات الأميركية قد لا يعني نهاية الإحتلال
وانما استبدال احتلال باحتلال او اكثر ومن نوع جديد، كأمر لا يمكن حجبه
بغربال.
ان القوى العراقية الحاكمة مطالبة في هذه الظروف الحرجة بتوحيد وجهتها
العراقية الأساسية والاحتكام الى الحوار والتفاهم بين اطرافها، بعيداً عن
قعقعة السلاح وانشطة انواع الميليشيات، بعيداً عن الانسياق والوقوع في
مطبات الفتن العرقية والدينية والطائفية.. انها مطالبة بالخروج من ضيق
الأفق المناطقي والديني والطائفي، والقومي الضيّق والاحتكام الى طريق
يؤمن سلامة كلّ البلاد من شمالها الكردستاني الى وسطها وجنوبها
العربيين.. حيث تجمع اوسع الأوساط على استحالة امكانية اية جهة لوحدها
على تحقيق اهدافها الذاتية او الجزئية الخاصة بها لوحدها، من دون تحقيق
تقدّم على طريق الأهداف الوطنية العامة للجميع في عراق يسير نحو التحرر،
يتّسع للجميع ويمكّن كلاًّ منهم من السير نحو التقدم والازدهار.. على
اساس دولة برلمانية موحدة، تعتمد طرق الحوار في حل مشاكل اطرافها.
انها مطالبة بالضرب بيد من حديد على المجرمين: من الإرهابيين... الى تجار
الأزمات والمضاربين في قضايا الفساد الإداري والمالي والسرقات، مضاربي
تحويلات العملة، ووكلاء هوس المستثمرين.. وتكديس الأموال منها والتي ادّت
وتؤدي الى نشوء وتصاعد انواع القطط السمان، اضافة الى نشوء فئات طفيلية
من الأنواع الجديدة.. من مليارديرية العولمة ومن كل القوميات والمذاهب
وباشكال متنوعة متفاوتة.
انها مدعوة الى انهاء ظاهرة الميليشيات والعنف اللتين تأخذان الواناً
ومسميات متجددة.. والى مواجهة وانهاء عمليات الاغتيالات الفردية الموجهة
ضد المثقفين من رجال الصحافة والفكر والعلم والأدب وحاملي انواع الكفاءات
الوطنية.. والى تحقيق المطالب المهنية للطلبة والشباب، واحقاق النساء
العراقيات اللواتي لا يمكن الحديث عن تقدم من دون انصاف حقوقهن التي
تقرها كل الشرائع المعمول بها في عالم اليوم.
ومدعوة الى حل المشاكل المعيشية للجماهير الكادحة وفي مقدمتها الماء
والكهرباء، البطالة، الأجور وغيرها، والتي صار لا يمكن تبريرها وخاصة في
المناطق الأكثر استقرارا سواءً في الجنوب والوسط للأسباب المار ذكرها..
او في كردستان العراق درءاً لمحاولات ومخاطر الارتداد عمّا تحقق فيها حتى
الآن..
والذي يشكّل اسساً لتفعيل حركة شعبية واسعة تضم اوسع الأوساط ذات المصلحة
بغض النظر عن الدين والمذهب والقومية، رجالاً ونساءً.. تكون الضمان
الأساسي لإحقاق حقوق البلاد في السيادة وفي عقد الاتفاقات والمعاهدات،
بدل اعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية التي صارت اطراف عراقية واسعة
تصفها بكونها كـ « القنبلة الموقوتة» التي يمكن تفجيرها عند الطلب..
اضافة الى اعتماد الكفاءة والعلم والخبرة العراقية على اساس الانتماء
الوطني، من اجل مواجهة ضغوط قوى الاحتكارات المالية الدولية الكبرى التي
تعتمد افتعال وادامة الأزمات لإجبار البلاد على القبول بعيش الكفاف
الدائم في ظل (سيادة اقتصاد الأزمات) في احد اغنى بلدان العالم، في اطار
خططها الرامية الى تكريس البلدان النامية كمصادر للخامات فقط... اضافة
الى تكريسها كبلدان استهلاكية واسواق لتصريف منتجاتها لحمايتها هي من
مخاطر الكساد(2).
ويرى الكثيرون وهم يلاحظون الاختلافات في مواقف القوى العراقية الكبيرة
والصغيرة من الاتفاقية الأمنية المزمع ابرامها.. بأن تلك المواقف ان
تفاعلت وتوافقت على طريق الثوابت والسيادة الوطنية وما جرى الاشارة اليه،
فانها ستصل الى افضل النتائج في الموقف من الاتفاقية ومن اطماع الجوار..
وفي المواقف اللاحقة التي لابد منها، للتعامل مع التحالفات الدولية
الجديدة(3) التي يشكّل الإعصار المالي الناقوس الأكبر للشروع بها.
من جهة اخرى، لابد من القول ان متخصصين يشيرون الى ان اطرافاً متشددة من
الاحتكارات المالية اضافة الى دوائر في المنطقة واخرى، تسعى الى تحريك
الأوضاع في البلاد لصالحها باتباع اساليب تتغيّر كاسلوب «تحريك المحاصصة»
وتوظيفها في تكوين اطر يمكن ان تثبت بتقديرهم.. على اساس تاطير توزيع
القوة على اقطاب المحاصصة(4): (طائفة لقيادة الجيش، طائفة لقيادة الشارع،
طائفة لقيادة المؤسسات.. اضافة الى سعيها للابقاء على الميليشيات
وتخصيصها كلٍّ لمنطقة، بما يحقق تشتيت (منظّم) للقوى العراقية يحقق لها ـ
لتلك الاحتكارات ـ انشغال العراقيين فيما بينهم بعيداً عنها لتحقيق
استقرار لمصالحها..) الأمر الذي يؤدي بقسم من الناس الى الحديث عن توقع
قيام انقلاب عسكري.. والذي قد لا يعد خيالاً، بتقديرهم!
1. سواءً داخلها او فيما بينها، وبينها
وبين اوسع جماهير مناطقها.
2. وهي عين الخطط التي اخذت تتبعها دول جوار ودول اقليمية، في تعاملها مع
العراق.
3. سواء داخل او خارج الأمم المتحدة وقوانينها.. وفق تصريحات ممثلي ادارة
بوش وممثلي عدد من دول الاتحاد الأوربي، في اطار جهود تبذل لمواجهة
الإعصار المالي.
4. بالاستناد الى تجارب الحكم الآسيوية.. التركية، الإيرانية،
الباكستانية، اللبنانية.. والمماثلة لها.
عن: المدى
|