|
الثلاثاء:
08/04/2008
التوسع العشوائي في مدن العراق ومشكلاته الحضرية
د.
رياض الجميلي(*)
(خاص للمعهد)
مقدمة
تعد المدينة المجتمع الأكثر ازدحاما بالسكان من التجمعات البشرية
المجاورة لها، ويرغب الكثير من سكان العالم السكن والاستقرار الدائم في
المدن ولعل من ابرز أسبابه هو طبيعة النظام الخدمي الذي تقدمة المدينة
لسكانها بشكل منتظم، إذ يشمل هذا النظام جميع المؤسسات الخدمية
(الأساسية، العامة، المجتمعية... الخ) والتي تكوّن بنية المدينة الخدمية
من مؤسسات إدارية واقتصادية وصحية وسكنية، وغيرها من القطاعات الخدمية
الأخرى والتي تجعل من ارض المدينة البيئة الأكثر تطلعا لاحتياجات الإنسان
المعاصرة.
ويمكن القول إن الوظيفة السكنية هي أول نشاط بشري استقراري مارسه الإنسان
لتكوين المدن والأنظمة الحضرية المختلفة، فحاجة الإنسان إلى المسكن جعلته
يفكر في اقامة بيئات مختلفة منها زراعية (ريفية) وأخرى حضرية (مدنية)
وبحكم تطلعه إلى اختيار نوعية السكن المناسب له والمخدوم استطاع أن يحقق
هذا النمط السكني داخل المدن مستفيدا من مبدأ التجاور السكاني المتوفر في
بيئة المدن. فسكان المدن يعتمد بعضهم على خدمات وخبرات البعض الآخر دون
أن يشعروا بذلك، واستفادت المدينة هي الأخرى من هذا التفاعل في تكامل
بيئتها الحضرية والوظيفية والتخطيطية، فمبدأ الحاجة الماسة للخدمة جعل من
أنظمة استعمالات الأرض داخل المدينة تأخذ مواقع مختلفة وجديدة وتحاول من
خلالها خدمة سكان المدينة والإقليم معا.
وبما أن مشكلة الزيادة السكانية غير المتوازنة التي تعاني منها اغلب مدن
العراق وتحديدا منذ منتصف القرن الماضي بفعل ارتفاع معدلات الهجرة
السكانية من الأرياف نحو المدن بفعل تضخم البطالة الريفية من جانب مع
اتساع ونمو القطاعات الصناعية في المدن من جانب آخر، الأمر الذي جعل أغلب
مدن العراق ولا سيما العاصمة بغداد تستقطب أعداد المهاجرين الريفيين لها
بشكل كبير، الأمر الذي أحدث خللا كبيرا في البيئة السكانية للمجتمع
العراقي، فغياب التوازن السكاني بين البيئات الحضرية والريفية وتركز
غالبية السكان داخل المدن جعل من الأنظمة الحضرية في العراق تعاني خللا
وظيفيا وتخطيطيا وسكانيا، ولعل بروز ظاهرة التمدد الحضري بأشكاله وصوره
الأفقية والعمودية اثر كثيرا في نوعية حياة سكان المدن والأقاليم
المجاورة بالوقت نفسه، لان عملية التوسع الحضري القائمة في توسع المدن
العراقية هي في الأساس على حساب المناطق الزراعية المحيطة بالمدن،
فالهيمنة الحضرية التي تفرضها الحياة المتحضرة على بقية المناطق الريفية
المجاورة خلقت أنواعا مختلفة من البيئات غير المنسجمة فأفقدت الحضر جانبه
الحضري وشوهت الصفة الزراعية للعديد من الأرياف الزراعية المنتجة إلى
بيئات سكنية لا غير، وسوف نحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على اتجاه
سير الظاهرة الحضرية واتساعها المكاني وتشخيص بعض المشاكل المترتبة
عليها.
خطة المدينة العراقية
يقصد بخطة المدينة هي الأطر المكانية والزمنية لتنظيم حركة المدينة
واتجاهاتها المستقبلية، أو ما يصطلح علية (بالتصميم الأساسي للمدينة)
والذي يشمل الإطار العملي الذي يتعامل مع وحدتي المكان والزمان
بمتغيراتهما التي يصنعها الإنسان وعمل هذا الإطار على شكل مراحل زمنية لا
تتعدى الخمسين عاما(1).
وغالبا ما يوضع التصميم الأساسي للسيطرة على توجيه نمو المدينة بالطريقة
المخططة والتي تستوعب طبيعة التغيير الاجتماعي ـ الاقتصادي والحضاري الذي
تشهده المدينة وبعض التغيرات التي تحدث فيها بشكل مفاجئ، وقد اعتمد
العراق وضع المخططات الأساسية لمدنه منذ خمسينات القرن المنصرم فمدينة
بغداد تم وضع مخططها الأساسي من قبل شركة (بولسيرفس) البولونية بالإضافة
إلى مدن العراق الشمالية، أما مدن الفرات الأوسط مثل مدينة كربلاء والنجف
والديوانية والحلة فقد خططت من قبل شركة (دوكسادس) اما مدن الجنوب البصرة
وذي قار والعمارة فقد خططت من قبل شركات تخطيطية فرنسية وألمانية وأوربية
متعددة، ان الاتجاهات المكانية لمعظم مدننا في العراق هي توجهات أفقية
بحتة قائمة على أساس التمدد الحضري على حساب الأراضي الزراعية المجاورة
لها باستثناء مناطق قليلة من بغداد التي تعتمد الإسكان العمودي، ان من
ابرز المشاكل المترتبة على هذا النمط من التوسع هو القضاء على معظم
الأراضي الزراعية الخصبة التي تمد المدينة بجميع المتطلبات الزراعية من
المنتجات الزراعية والحيوانية والأيدي العاملة وغيرها، اذ شكل الزحف
العمراني الحضري للعديد من المدن آفة حضرية من نوع جديد تلتهم كل ما
يجاورها من أراضي زراعية لتحويله إلى استعمالات حضرية كالسكن والخزن
والأنشطة الصناعية المختلفة، وينشأ هذا النوع من التمدد عندما لا يحصل
تلاءم مناسب بين خطة المدينة واتساعها الحضري أو يحصل عندما يستنفذ عمر
الخطة الزمنية بحيث لا تستطيع الخطة مواكبة التطورات الحضرية للمدينة
واستيعابها، وهنا لابد من أجراء بعض التحديثات المكانية والتخطيطية
الموضوعة للخطة بالطريقة التي تمكن الخطة من مواجهة التحديات الحضرية.
خصائص سكان المدن
تمتاز اغلب مدن العراق بميزة الزيادة السكانية الكبيرة قياسا بالمناطق
الريفية التابعة لها وهذا ناتج من ارتفاع عدد سكان الحضر وتحديدا في مدن
العراق الكبرى كمدينة بغداد الكبرى البالغ تعداد سكانها أكثر من(5) مليون
نسمة ومدينة البصرة البالغ سكانها أكثر من(3) مليون نسمة وكذلك الموصل
أكثر من(3) مليون نسمة، وغيرها من مدن العراق الأخرى التي وصلت إلى مرتبة
المدن المليونية عام 2005 كالحلة والانبار وذي قار والنجف وبعقوبة
والسليمانية واربيل وهناك مدن أخرى مرشحة لمرتبة المليونية في غصون
الأعوام القليلة المقبلة كمدينة كربلاء والسماوة والفلوجة وتكريت وواسط
والتي تعتمد في زيادتها السكانية على عامل الهجرة أكثر من معدلات الزيادة
الطبيعية (ولادات، وفيات).
ان من أهم الخصائص الديموغرافية للمدن هو توفير نوعين من الأماكن الأول
للسكن والأخر للعمل، بخلاف توجهات سكان القرى الزراعية والأرياف الذين
يسكنون ويعملون في حقولهم الزراعية.. أما النوع الأول حيث يزداد الطلب
على الأرض بفعل زيادة قيمتها الاقتصادية بسبب اختلاف نوع العمل الذي
يمارس عليها من قبل السكان، وبحكم التوزيع الجغرافي للسكان في المدن الذي
تزداد نسبته في مراكز المدن وتقل عند الإطراف، لذا فان التوزيع المكاني
للاستعمالات الأرض يكاد يكون المحرك الأساسي لتوزيع السكان وتحديد
كثافتهم السكانية العامة داخل المدينة، فالسكان يتبعون دائما تواجد
الخدمات، وبما ان اغلب المدن العراقية ذات توسع أفقي فأن إجراء أية عملية
تخطيطية للخدمات سوف تكون على حساب المناطق الزراعية المفتوحة لتقليل
الضغط الكبير على المراكز الخدمية (المركزية) في مراكز المدن وبالتالي
سوف تصبح هذه المناطق الخدمية الجديدة مناطق تجمع سكاني كبير ايظا وسوف
تحتاج هي الأخرى في المستقبل إلى توسع أخر على حساب مناطق مجاورة محيطة
بها، وهكذا يستمر الحال في طبيعة الانتشار المكاني للسكان على جميع
المناطق المحيطة بالمدن مشكلين بذلك تحديا حضريا خطيرا لا يحمل صفة
التحضر للمناطق التي تنشأ في ظله(2).
التوسع الحضري للمدن العراقية
إن طبيعة النظام الحضري في العراق تعتمد على العديد من المقومات
الجغرافية والتي تؤثر في تحديد صور واشكال ومحاور نموه، إذ شكلت الأنهار
منذ القدم ومجاريها وتفرعاتها المتعددة الهوية البارزة في طبيعة التمدن
في العرق فضلا عن محاور طرق النقل، فغالبية مدن العراق هي ذات موقع نهري
سواء كانت على نهر دجلة ام نهر الفرات وتفرعاتهما، فضلا عن البناء
الطبيعي للعراق (الاندسكيب) ما له من علاقة مهمة في توزيع الظاهرة
الحضرية، فإقليم السهل الرسوبي هو أوفر الأقاليم الطبيعية تمدنا نضرا
لسهولة انبساط سطحه وصلاحيتها للانتاج الزراعي منذ حوالي أكثر من خمسة
ألاف سنة، فان توزيع المدن العراقية يوغل في القدم في قلب السهل الرسوبي
العراقي لذا فهو يشكل البيئة الحضرية التي تمتاز اغلب مدنه بالتوسع
الأفقي المطرد، أما إقليم الأراضي المتموجة والجبلية شمال العراق فبسبب
وعورة السطح وزيادة تضرس الأرض يلجأ فيه النظام الحضري إلى الانكماش
والتمحور ويأخذ من مناطق الأودية والمناطق الهضبية مناطق توسع مكاني له
كما هو الحال في مدينة السليمانية التي تحيط بها المرتفعات الجبلية من
جميع جهاتها وكذلك مدينة كركوك الهضبية واربيل، وكلما ازداد تضرس الأرض
طوبغرافيّا، تبعثر النظام الحضري إلى نويات متعددة. وكذلك الحال في إقليم
الصحاري المتمثل بالهضبة الغربية التي تميل مدنها ومستقراتها الحضرية إلى
خشية التوغل الكبير في قلب الصحراء لقساوة ظروفها المناخية متخذة من
مناطق تجاورها مع السهل الرسوبي مناطق نفوذ وتوسع كما هو الحال في مدينتي
الرمادي والمثنى على حدا سواء.
المشاكل الجغرافية المترتبة على التوسع العشوائي
نتج من خلال التوسع العشوائي للمدن في العراق العديد من المشاكل الحضرية
والجغرافية المختلفة يمكن تلخيصها بما يلي:
المشاكل التخطيطية: يشكل عامل التخطيط الركيزة الأساسية لعملية البناء
والتحضر للتجمعات الحضرية في العالم والوسيلة المتحضرة للتعامل مع
المشاكل الحضرية المتفاقمة(3). ويأتي التخطيط الحضري في تنظيم وترابط
المدينة العضوي والوظيفي وتأمين الشروط اللازمة للسكان لكي تتوفر لهم
إمكانية العيش السليم والعمل والراحة بأجواء يسودها الأمان في محيط صحي
فضلا عن تأمين الترابط الإقليمي للمدينة بالمراكز الحضرية الأخرى(4).
ولعل من جل اهتمام المخطط هو إبراز المشاكل الحضرية وفصلها وتشخيص
خطورتها بالطريقة التي تمكنه من إيجاد الحلول المعقولة لها، ان طبيعة
التمدد الحضري العشوائي للمدن يؤدي إلى نتائج غير محمود عقباها تؤثر على
نوعية حياة المدينة وسكانها، ولعل ابرز المعوقات التي نوردها في هذا
الجانب: تعثر وضع تحديثات على واقع التصميم الأساس لمعظم المدن العراقية
بسبب الاتساع غير المخطط الذي يؤدي للعديد من المشاكل الموقعية كتخطيط
المناطق الصناعية خارج المدن وكذلك إمكانية إنشاء الضواحي الحضرية وغيرها
وبالتالي بقيت معظم مدننا العراقية تعمل بخططها الموضوعة في خمسينيات
القرن الماضي.
المشاكل الحضرية: إن طبيعة التمدد والزحف للمدن على حساب محيطها الخصب
يخلق مناطق سكنية بائسة وفاقدة لأبسط مستلزمات العيش واساسياتة، وقد يخلق
هذا النوع من الاتساع العشوائي حدوث ظاهرة (مدن الصفيح) التي غالبا ما
نراها في أطراف أغلب مدن العراق وهي تمددات حضرية على شكل أحياء تفتقر
إلى الخدمات الأساسية والخدمات التحتية ويعيش اغلب سكانها في مستويات
اقتصادية متدنية، لان منظومة خدمات المدينة لا تقوى على مدهم بالخدمات
بسبب ظاهرة الاتساع والتمدد، فمساحة مدينة بغداد مثلا بلغت (735كم2)
يسكنها حوالي(6) مليون نسمة، في حين بلغت مساحة مدينة باريس حوالي (100
كم2) يسكنها أكثر من(8) مليون نسمة ويعود السبب في ذلك إلى عدم اعتماد
البناء الأفقي والعمودي المخطط، مما يؤدي إلى خلق مناطق فقيرة الى
الخدمات يعيش سكانها في مستوى شديد من الفقر.
مشاكل زراعية: دائما ما تكون الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن هي المجال
الحيوي لتوسعها ونموها وهي ظاهرة موجودة في مدن العراق، فإذا كان نمو
المدينة في إقليمها المحيط بها والذي ربما من أهم خصائصه أنه إقليم زراعي
تعتمد علية المدينة باعتباره موردا لغذائها وامدادها بالخضروات والفاكهة
والمنتج الحيواني الطازج(5)، وبذلك تخسر الأراضي الزراعية عشرات
الهكتارات المزروعة القابلة للزراعة أمام الزحف والتمدد الحضري والعمراني
القوي الذي يقوم بتحويل صفة نشاط الأرض الزراعية إلى صفة عمرانية تساهم
في نشر نوع جديد من التصحر يسمى (التصحر الحضري) للأرض الزراعية. فقد خسر
الإقليم الزراعي لمدينة النجف نسبة 23 % من الأراضي الزراعية نتيجة
التمدد الحضري ونسبة 26% للإقليم في كربلاء و13% في مدينة ذي قار وغيرها.
مشاكل اجتماعية وبيئية: بفعل هذا التمدد الكبير للاراضي الحضرية وأنشطتها
فأنها تولد مناطق شديدة الفقر ذات بيئة اجتماعية قليلة التماسك وفاقدة
للمقومات الأساسية للمجتمع السليم بسبب فقدان الخدمات الاجتماعية التي
تؤدي إلى خلق أماكن غير صحية بفعل انتشار الامراض والأوبئة فضلا عن
انتشار مظاهر التخلف الاجتماعي والجريمة بين أوساطها مما قد تشكل بيئات
غير مسيطر عليها من قبل الدولة، فضلا عن حدوث العديد من المشاكل البيئية
ذات الآثار السلبية على جمالية المدن العراقية وكذلك وسائل النقل وكثرتها
ومخلفاتها وما تسببه المنشآت الصناعية من مخلفات خطرة تؤثر على مستويات
الصحة العامة للتجمعات السكانية القريبة منها بشكل مباشر كما هو الحال في
موقع مصفى الدورة من حدود بلدية مدينة بغداد والذي كان قبل توسعها الأفقي
خارج حدودها وقد أصبح الان جزءا من بلديتها بل ان الزحف الحضري للمدينة
تعداه فأنشأت بعد المناطق السكنية والضواحي التي تقع تحت تأثير ملوثاته
البترولية بأنواعها المختلفة.
مشاكل تنموية: إن اتساع رقعة ارض المدينة ونموها هي ظاهرة ليست في مدن
العراق فحسب بل في كل دول العالم النامي والمتحضر، امر لا مفر منة، ولكن
الذي يجب الانتباه اليه هو الإمكانيات التخطيطية والتنموية المرافقة لهذا
التوسع والذي يكون عبر سياسات فنية وتكنولوجية معدة من قبل الدولة،
فالتنمية الاجتماعية – الاقتصادية لمحاور توسع المدن ودراستها يقي
المدينة من العديد من المشاكل المترتبة على هذا التمدد، فمشاكل الأزمات
السكنية الحادة وتخلف قطاع الخدمات وقلة كفاءتها ومشاكل التصاميم
الأساسية للمدن وغيرها كلها يمكن السيطرة عليها من خلال اعتماد سياسات
واجراءات تخطيطية مدروسة يضعها المختصون من ذوي العلاقة كل حسب تخصصه،
الخبراء من أساتذة الجامعات والفنيين والإداريين والمخططين لاستيعاب
تفاقم هذه المشاكل التي لرِِبما تصبح بعد حين امراض مستعصية يصعب إيجاد
الحلول المناسبة لها.
الهوامش
ــــــــ
(*) جامعة
كربلاء ـ كلية التربية.
(1) خالص الاشعب، المدينة العربية (التطور،الوظائف،البنية والتخطيط)
جامعة بغداد، بدون تاريخ، ص139.
(2) اسحق القطب، عبد الحميد لطفي، التحضر ونمو المدن في الدول العربية،
الجامعة الأردنية، عمان، ط1، 1968، ص 21.
(3) النمو الحضري في الوطن العربي، وقائع المؤتمر الرابع عشر للشؤون
الاجتماعية، طرابلس، 1971، ص 73.
(4) جورج داعر، تنظيم المدن، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، جامعة
حلب، 1965، ص 7.
(5) احمد كمال الدين عفيفي، دراسات في التخطيط العمراني، جامعة الأمارات
العربية المتحدة، كلية الهندسة، ط1، 1988، ص 103.
|