الحضارية «دراسات استراتيجية»  

 االثلاثاء: 01/01/2008


لعنة النفط       

عن قناة الجزيرة الوثائقية

إعداد: علي البدران

(خاص بالمعهد)

\"من السذاجة القول بأن لا علاقة تربط الحرب بالنفط فالعلاقة بينهما وثيقة جدا \" هذا ما قاله سفير أمريكي سابق في المملكة العربية السعودية. كما قال وزير النفط السعودي السابق : \"الأمر في غاية الوضوح، فالنفط كان السبب الرئيسي لغزو العراق ففي عهد الرئيس كلنتون قدمت مجموعة من الساسة الأمريكيين اقتراحا للرئيس بضرورة غزو العراق والسيطرة على منابع النفط فيه، كان هذا قبل بضعة سنين، أذكر من هؤلاء ديك جيني نائب الرئيس ورامسفلد، وولفويتز، آرميتج وآخرين. وهذه حقيقة معروفة وبعد أن صار هؤلاء في فريق القيادة أصبحت لديهم القدرة لاتخاذ مثل هذا القرار \".
يتفرد العراق من بين كل دول العالم بامتلاكه أضخم مخزون نفطي مكتشف ولكنه غير مستثمر. تعزى طبيعة الصراع النفطي في الأساس إلى أسباب جيولوجية فعلى الرغم من توضح المخزونات النفطية في البلدان الفقيرة، إلا أن معظم الإنتاج النفطي يكون في المشاريع الصناعية للبلدان الغربية، إلا إذا استثنينا الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها المنتج والمستثمر في آن معا. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية ازداد الصراع على النفط بعد أن تعاظم استهلاك البلدان الغنية له، وكان الأمريكيون أول من تنبه إلى خطر الانقطاع منه، يقول السفير الأمريكي السابق : \" خلال السنوات العشرين القادمة سنصل إلى ذروة الطاقة الإنتاجية لم أكن دقيقا في السابق، وقد أكون على خطأ الآن ولكن بعد نحو عشرين إلى خمس وعشرين سنة من الآن اعتقد أن إنتاج النفط سيبدأ بالانحسار \".
خلال عشرينيات القرن الماضي خضعت صناعة النفط لسيطرة سبعة شركات، خمس منها أمريكية و واحدة إنكليزية وأخرى ألمانية. عرفت هذه الشركات باسم الشقيقات السبع واستمرت سيطرتها لفترة طويلة، ثم ازدادت قوة هذه الشركات بفضل ظهور السيارة \"فورد تي \" التي ابتدأت عهد صناعة السيارات في العالم كان ذلك في العام 1908 ومع تزايد الحاجة إلى الوقود بمعدل عشرة أضعاف برز النفط كنوع من الذهب الأسود فاتحا الباب للحملات الاستعمارية والتنافس بين مجموعة الشركات السبع. وثق قادة الدول المستهدفة بالشركات و وقعوا مع رؤساؤها في لندن ونيويورك عقود استثمار دون أن يدركو القيمة الحقيقية لما يملكونه من مخزونات نفطية.
في العام 1945 أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها المتعلق بالنفط في الشرق الأوسط وكانت الشركات قد بدأت تدرك حجم الثروة النفطية الموجودة فيه. حتى ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الدولتين الوحيدتين القويتين في مجال الإنتاج النفطي، لذلك خلص تقرير الخارجية الأمريكية أي أن السيطرة على النفط الموجود في الشرق الأوسط سيكون مصدر قوة سياسية واقتصادية عظيمة جدا وأصبح هذا قولا مأثورا. وبالفعل لم تتغير الأمور منذ ذلك الحين. ففي العام 1945 عقد الاجتماع الشهير بين الرئيس روزفلت العائد لتوه من مالطا وبين الملك سعود مؤسس المملكة العربية السعودية حيث تم خلال هذا الاجتماع التاريخي التوقيع على معاهدة النفط مقابل الأمن، حيث قال الأمريكيون للسعوديين : لقاء حصولنا على الأفضلية في فرص استثمار النفط السعودي نلتزم بحمايتكم الكاملة من التهديدات الخارجية والداخلية.
في عام 1933 نشأ حلف بين واحدة من أكثر الدول اتباعا للإقطاع القديم وأخرى تتميز بقوتها وديمقراطيتها الحديثة. كان عبد العزيز آل سعود قد شكل مؤخرا اتحادا فيدراليا مع العديد من القبائل البدوية نشأ عنه قيام المملكة العربية السعودية. منح الملك الشاب حقوق استكشاف واستثمار النفط في كامل منطقته الغربية لاثنتين من كبرى الشركات الأمريكية مقابل كمية جيدة من الذهب. أدرك المراقبون على الفور حجم المخزون النفطي الهائل، فقال أحدهم أن المملكة العربية السعودية تعوم على بحر من النفط. وخلال بضعة سنوات غدت القبائل البدوية البسيطة الفقيرة من أغنى دول العالم. كانت المخزونات النفطية السعودية والتي تشكل ربع الاحتياطي العالمي هائلة، لدرجة أن استثمارها احتاج إلى اتحاد الشركات الأمريكية العملاقة \"نيوجيرسي ستاندرد أويل\" و \"كليفورنيا ستاندرد أويل\" و \"تكسكو\" و \"موبل\"، اتحدوا تقنيا وماليا لتأمين متطلبات الاستثمار، وانطوت تحي اسم واحد يزرع الرعب في قلوب المنافسين، شركة النفط العربية الأمريكية \"آرامكو\".
يقول السفير الأمريكي الأسبق في السعودية : \"حينما تحط النعمة على رأسك وكأنها هبة من الله كما يحصل في الاكتشافات أو لدى العثور على بعض الثروات الطبيعية الهائلة قد يتحول الأمر ليصبح نقمة على بعض الدول المعنية في بعض الأحيان، كلعنة النفط على سبيل المثال. إن الأمر يرتد على صاحبه، فمثل هذه الدول لا تتنزع فيها مصادر الإنتاج، والاعتماد الرئيس ينصب على النفط بوصفه المصدر الوحيد. غياب هذا التنوع يرجع إلى طبيعة الأرض، فمن المستحيل أن تحتوي هذه البيئة الصحراوية على مصادر إنتاج أخرى. إذن كامل اقتصادها يعتمد على النفط فحسب دون وجود أية ثروات طبيعية أخرى. أما المصادر الزراعية فهي شحيحة جدا لا ننكر وجود صناعات أخرى لكنها صناعات جانبية مشتقة من المصدر النفطي الرئيس ولا تتعدى كونها صناعات بتروكيماوية لا تشكل سوقا استهلاكية كبيرة. قامت بعض الدول النفطية كالسعودية مثلا بإنشاء مثل هذه المصانع ولكن وكما هو معروف فإن تشكيل بنية اقتصادية ذات مصادر إنتاج طبيعية ومتنوعة لهو أمر عسير \".
في بداية ثمانينيات القرن الماضي جهدت المكسيك لكسر طوق شركات النفط العملاقة فرغم خصائصها الثورية إلا أنها كانت تحت النفوذ الأمريكي. عام 1936 قدم اتحاد العمال عريضة طالب فيها الشركات الكبرى برفع أجور العمال، إلا أنها رفضت الاستجابة بحجة أنها لا تحقق أرباحا فاشتدت حدة الصراع، في الوقت الذي تبين لخبراء الهيئة الحكومية أن ثراء وانتعاش الشركات يتسارع بشكل لافت للنظر. أصرت الحكومة على ضرورة أن تستجيب الشركات لمطالب العمال. لكن الشركات واستنادا إلى قواها المالية المتعاظمة أصرت على رفضها، فاتحدت الأمة كلها لمساندة العمال لنيل مطالبهم. في مساء 18 آذار عام 1938 انتهي الصراع الذي دام لسنتين بطريقة عاصفة. أعلن الرئيس المكسيكي لا زارو كارديناس تأميم الصناعة النفطية في خطاب تاريخي مشهود. كانت هذه الخطوة بمثابة الخطوة الممهدة لكل الحركات الثورية التي تسبق الحروب الكبيرة.
في عام 1951 قامت إيران بتأميم صناعاتها النفطية أيضا. كانت الظروف حينذاك مواتية بسبب تحدي الدولة لصلاحيات الشاه الإيراني، كان الشاه يافعا ولا يمتلك الكثير من الخبرة، إضافة إلى ضغط الالتزامات تجاه الحلفاء الذين أوصلوه إلى الحكم. فعليا كان البريطانيون يمسكون سرا بزمام السياسة والاقتصاد وذلك عبر الشركة النافذة \"شركة النفط الإيرانية الإنكليزية\". كان الدكتور مصدق متحدثا بليغا وزعيما لحركة المعارضة الوطنية، ونجح في الإطاحة بالشاه وتسلم رئاسة الحكومة. كان تأميم شركة النفط الإيرانية الإنكليزية القوية باكورة أعماله السياسية وكان هذا بمثابة الصفعة القاسية لبريطانيا الاستعمارية. ولسوء الحظ فلقد كانت العواقب التي تم الإعداد لها بشكل مدروس وخيمة جدا. انتقمت لندن بشدة ونظمت حملة نجحت فيها في مقاطعة النفط الإيراني بشكل كامل ومدمر، والنتيجة خراب وأذى كبيران لاقتصاد البلاد. ثم استغلت المخابرات السرية البريطانية الوضع وبدأت تعد العدة للإطاحة بمصدق وذلك بمساعدة وكالة الاستخبارات الأمريكية، وكان ذلك لها بعد سنتين. ففي عام 1955 عاد الشاه من منفاه واستتب الأمن من جديد. كان الأمر عسيرا على بريطانيا. لقد أيقظت تلك التجربة الدول العربية من سباتها.
\"في خمسينيات القرن الماضي ومع انتشار المشاعر القومية في دول الشرق الأوسط، بدأت شعوب تلك الدول التي ظلت تحت نير الاحتلال العثماني لأكثر من خمسة قرون تبحث عن هويتها. كما طغت على الساحة الروح القومية التي طرحها حزب البعث للمرة الأولى، ثم تلاها عبد الناصر، فبعض التيارات السياسية القوية، كالتيار الاشتراكي والتيار الماركسي وبعدهم الأصوليون ثم المتطرفون مؤخرا. لقد أدركت هذه الدول أنها خدعت بما يمكن تسميته الامتيازات الموقعة في فترة ما بين الحربين العالميتين \"
بعد الإطاحة بمصدق في إيران بثلاثة سنوات، حمل الزعيم المصري جمال عبد الناصر سلاح النفط لمواجهة الدول الغربية، وعلى الرغم من أن مصر من الدول المتوسطة في إنتاج النفط، إلا أنها تملك ورقة جيوسياسية قوية \"قناة السويس\" القناة الرئيسة التي تؤمن عبور خامات الشرق الأوسط إلى اليابان والقارة الأوربية.
في 23 تموز عام 1956 أي بعد شهر واحد من انتخابه رئيسا للبلاد, أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس التي كان الفرنسيون والإنكليز يديرونها. غضبوا بشدة وقرروا استعادة أملاكهم بقوة، فشنوا حملة آلت بعد حين إلى فشل ذريع، لقد قرر عبد الناصر إغلاق القناة وإعاقة السفن. ونيجة ذلك توقفت إمدادات النفط وارتفعت الاسعار. وللمرة الأولى شعرت المجتمعات المستهلكة باستثناء الأمريكية بأنها تحت رحمة دول لا يفترض بأنها دول معادية.
يقول زكي اليماني، وزير النفط السعودي الأسبق : \"لا أعتقد أن ذلك كان سلاحا بل على الأرجح كان أداة سياسية فالسلاح هو أداة حرب مباشرة تلفت الانتباه. برأيي كان الاهتمام منصبا على تدمير الاقتصاد العالمي \".
خوان بابلو بيرس ألفونسو، وزير الطاقة الفنزويلي كان قد سجن عام 1935 خلال مظاهرة قام بها عمال النفط آنذاك، ويعرف بالشيطان الأسود، وكانوا يلقبونه بالغوريلا الأنيقة، كان يقول : \"إذا أردنا أن نجنب ربع العالم الحروب، ما علينا إلا أ نوزع قسما من الأرباح على دول العالم الثالث، فالأساسيات تكمن في الأجزاء التي لم تنجز بعد، المساعدات المالية حق لدول العالم الثالث. بهذا نستطيع أن تكوين أحد أشكال القوة التي ما كنا لنملكها في ظل الدول المستفيدة، وفي الوقت ذاته نستطيع أن نخلق دورة اقتصادية متكاملة بالنسبة إلى الدول النامية فتنتعش صناعاتها البسيطة والمتوسطة من جراء التبادل التجاري مع الدول النفطية التي ستستفيد من أسواق دول العالم الثالث \" .
\"لقد عاد بيرز الفينسو بعد زوال نظام الدكتاتور بيريز خمينيز، كان منظرا بارعا في الشئون النفطية بالإضافة إلى واقعيته، كان يؤمن بأن فنزويلا في ذلك الوقت أكبر دولة أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم. لكنه لم يتجاهل المد القادم من الشرق الأوسط. فعلى الرغم من المسافات الشاسعة التي تفصل بين هذه الدول وبين أسواق فنزويلا المجاورة، كأمريكا مثلا، استطاع أن يتنبأ بالتهديد المباشر بتسويق النفط الفنزويلي في الأسواق الرديئة. وتنبأ بالدمار الذي يمكن أن يلحق بالاقتصاد الفنزولي، لذلك وقبل أن ترى منظمة أوبك النور بسنوات، دعا إلى تشكيل رابطة فنزولية شرق أوسطية غايتها مواجهة ضغوط شركات النفط وتجنب الحروب التنافسية وتحقيق الفوائد المشتركة لأعضاء الرابطة. لقد وجد لدى عبد الله طارقي الذي كان يواجه مشاكل حادة مع شركات النفط في المملكة العربية السعودية آذانا صاغية، مما ساعد على إنجاح هذه الفكرة، قيام شركات النفط بسلسلة من التخفيضات على أسعارها خلال عامي 1959 و 1960 بدأت في فنزويلا وامتدت إلى دول الشرق الأوسط. لقد طبقت التخفيضات على الأسعار المعلنة أو ما يعرف بالأسعار المعلنة. فالتكاليف المعلنة يفترض أنها أسعار السوق البيعية ولكن هناك أيضا المدفوعات الضريبية والمبالغ الجانبية التي تدفع لحكومات الدول المنتجة وبالتالي فإن أي تخفيض على الأسعار المعلنة يعني بالضرورة تخفيضا في مداخيل الحكومات أيضا. لذلك فحين بدأت الأسعار في الانخفاض مع نهاية العام 1950 لأسباب عديدة لا داعي لذكرها الآن، طال الانخفاض الأسعار الفعلية حتى وصلت إلى ما دون الأسعار المعلنة كما انخفضت تحت القيم الضريبية والمدفوعات الأخرى لحكومات الدول المنتجة مما حدا بالشركات إلى إتباع سياسة مما حدا بالشركات إلى إتباع سياسة تسعير حذرة في آلية تسعيرها للنفط وصار لزاما عليها أن تقارب بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية للسوق. ولم يتم هذا إلا عبر سلسلة واسعة من المراجعات والتصحيحات. بعدها عقدت الجولات التفاوضية فعقدت الجولة الأولى في فنزويلا، تلتها الثاني في الشرق الأوسط، ثم جولة ثالثة وأخيرة في الشرق الأوسط من جديد. وتسببت هذه الجولات في خلق جو من التوتر والعصبية في فنزويلا ودول الشرق الأوسط. فاجتمعت ستة دول منها في بغداد وقررت في شهر أيلول من عام 1960 الإعلان عن تأسيس منظمة الأوبك \".
وعندما أعلن في بغداد رسميا عن تأسيس منظمة الأوبك قابلت وسائل الإعلام الغربية هذا الخبر بالازدراء والتجاهل. فكتبت صحيفة الواشنطن بوست قائلة : \"الأوبك عبارة عن مجموعة من الإمارات والجمالين وجمهوريات الموز\" لم يتخيل رجال النفط أن يدوم هذا الاتحاد أكثر من شهور لكن المنظمة ما زالت حية. كما انظم إلى الدول الخمسة المؤسسة وهي المملكة العربية السعودية و العراق وإيران الكويت وفنزويلا، ثمانية دول جديدة هي : قطر وليبيا واندونيسيا وأبو ظبي والجزائر ونيجيريا والإكوادور والغابون، حصل ذلك في خمسينيات القرن الماضي.
\"في بادئ الأمر كانت دول منظمة الأوبك تتمتع باستثناءات واسعة وخصوصا فنزويلا إلا أن معظم الدول التي كانت في مرحلة الاكتشاف لم تكن تعي فعلا ما تقوم به. عينت المملكة العربية السعودية عبدالله طارقي وزيرا للنفط، وكان مشهورا بعدم توافقه مع الأمريكيين وتعود هذه السمة إلى رغبته في الحصول على حصة أكبر من القيمة الاقتصادية من النفط لصالح بلده كان شخصا متعصبا ولست أذكر الدور الذي لعبناه حتى تمكنا من إزاحته عن منصبه. تسلم بعده الشيخ زكي اليماني وزارة النفط ولم يكن أقل ذكاءا من سلفه لكنه يفوقه بشكل كبير في المرونة واليسر \".
يقول زكي اليماني : \"كنت دائما أفكر بالتطوير لا بالثورة تأميم سعر النفط لا يتم بهذه البساطة، بل يفترض وجود خبرة وكفاءة وعمالة كافية. ونحن نفتقر لكل تلك المقومات، لذلك كنت من أنصار انتقال ملكية مصادرنا النفطية إلينا بشكل تدريجي \".
في عام 1963 قدم بيرز الفونسو استقالته بعد عام واحد من تنحية صديقه طارقي عن منصبه, شعر بخيبة أمل كبيرة لرؤية حلمه يتلاشى في مضاربات ومؤامرات الباعة. كان يحلم بمنظمة تضم الدول المصدرة للنفط وتعمل على تحرير دول العالم الثالث. بعدها قرر العمل خارج إطار المنظمة، فظل يحارب قيمها الفاسدة حتى وافته المنية. كان وطنه مثالا حيا على لعنة النفط. فبعد انقضاء أربعين عاما وكما صرح الرئيس هوغو شافيز مازال الوضع آخذا في التدهور: \"فنزويلا بلد تبلغ مساحته نحو مليون كيلومتر مربع وتمتلك ثاني أكبر مخزون نفطي في العالم بعد الخليج العربي , و واحدة من أكثر الدول امتلاكا لمخزون الذهب، ينبسط أمامها البحر الكاريبي وتنتشر خلفها الغابات العظيمة وتنبع فيها المياه العذبة وتضم أروع المناطق وأجملها لملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة وجبال الحديد والاحتياطيات الهائلة من الأحجار الكريمة والألماس. ومع ذلك أتت الديموقراطية لتحول 80% من شعبنا إلى فقراء ! ما هذه الديموقراطية ؟! \".
خلال ستينيات القرن الماضي وعلى الرغم من الجهود المستميتة التي بذلها بيرس الفونسو برغم الديموقراطية، كانت سيطرت الشركات الكبرى على اقتصاد وسياسة فنزويلا تتعاظم. عملت الشركات على خلق وتكريس وهم الرفاهية، فعمدت إلى القيام بأنشطة غريبة تضمن بقاء المنطقة برمتها في حركة وانشغال دائمين, وبنت مساكن عمالها على الطراز الأمريكي, حيث كانت أشكالها مشابهة لتلك التي تظهر في الأفلام الدعائية التي تمجد عظمة الشركات الكبيرة. كانت بمثابة الواحات في بلد يغرق في فقر مدقع. قام الحزب الاشتراكي وحركات اليسار المتطرف بتشكيل مجموعات حربية في كاركاس وفي الريف وذلك لمقاومة الطبقة الحاكمة الفاسدة المستفيدة الوحيدة من أموال النفط المريحة. كانت الصادرات الزراعية أول المتأثرين من الأزمة، حيث تأثرت من جراء هجرة المزارعين من قراهم ومزارعهم. في ذلك الوقت تضاعف عدد مساكن الصفيح التي كانت تحيط بمدينة كاركاس. وفي نهاية الستينيات أخذت قوة أوبك تكبر ولكن ليس لدرجة أن تشكل تهديدا لنفوذ الشركات الكبرى.
\"في بداية سبعينيات القرن الماضي، وفي عام 1971 على وجه التحديد، دولة عربية واحدة تمكنت من إعلان تأميم صناعتها النفطية. والغريب في الأمر أن دولة الجزائر كانت وافدا جديدا على الساحة النفطية، فشركة \"سونا تراك \" كانت قد تأسست في عام 1966، أي قبل الإعلان عن التأميم بخمس أو ست سنوات , لم تكن الجزائر تملك طاقما إداريا أو تنفيذيا قبل التأميم، مما حدا بالآخرين القول : \"إذا كانت الجزائر وقد كانت قد أسست لتوها شركة وطنية خاصة بها وهي وافد جديد على الساحة النفطية ومع ذلك استطاعت أن تؤهل ما يكفي من الخبراء لتأميم وإدارة الصناعة النفطية والغازية فلا بد أننا قادرون على ذلك أيضا \". ساعد هذا الشعور في تهدئة نفوس الدول العربية الأخرى التي كانت وما تزال تنظر بعين الريبة إلى تجربة مصدق وعدم نجاح تجربة التأميم في إيران.
بعكس الدول الأعضاء في منظمة أوبك كانت الجزائر البلد الوحيد الذي استطاع انتزاع استقلاله خلال سبع سنين من الصراع الحاد، وعلى الرغم من أنها من الدول ذات الإنتاج المتوسط إلا أنها تتصف بصفة جوهرية هامة، انه الحماس الثوري. بعد الحرب كان الدمار يعم الجزائر ولابد للنفط والغاز أن يكونا القوة الدافعة لحركة الثورة. بعد التوقيع على معاهدة إيفيان التي حصلت الجزائر بموجبها على استقلالها، كانت فرنسا ما تزال تسيطر على النفط الجزائري. لم يكن الجزائريون يتحكمون بنفطهم، والأسوأ من هذا أنهم لم يكونو يستفيدون من عائداته، وذلك ما صرح به وزير الطاقة الأسبق، عبد السلام : \" لم يعد الناس يذكرون الآن أن عوائد النفط الجزائري خلال العامين 1962 و 1963 كانت أقل من العوائد التي حققتها العمالة الجزائرية في فرنسا وأوربا. لقد كانت أرباح مبيعات النبيذ أعلى من أرباح مبيعات الغاز والنفط \".
أصر الجزائريون على تحرير نفطهم بنفس العزيمة التي خاضوا فيها معركة التحرير الوطنية. وقدر لرجل أن يلعب دورا هاما في الصراع الدائر بين فرنسا والجزائر، الزعيم بو مدين، أحد أبطال حرب الاستقلال، الذي تولى الرئاسة عام 1965. في شباط من عام 1971 وبعد أن يأس من التفاهم مع الفرنسيين بسبب مماطلتهم الشديدة أعلن بشكل مفاجئ وفي خطاب شهير مقاطعته التفاوض معهم. وللمرة الأولى في تاريخ الأوبك استطاع أن يفرض سيطرته على المفاوض القوي الآخر، وكان لقرار أبو مدين وقع قوي على العالم العربي، وكانت بداية حقيقية لسنوات منظمة الأوبك القاسية. كان العقيد الثوري والرئيس الليبي الشاب القذافي أول المتأثرين بهذه العاصفة الجزائرية، وعندما تسلم زمام السلطة عام 1969 خاض مع الشركات الأمريكية المستقلة العاملة في الأراضي الليبية منذ الخمسينيات، خاض مفاوضات عنيفة بهدف إعادة تقييم سعر النفط الليبي. أبو مدين المحبوب أقنع القذافي بضرورة الصمود في وجه ابتزاز أقطاب النفط وفي نيسان عام 1971، أي بعد شهرين من إعلان تأميم النفط الجزائري ربح القفذافي معركته حينما وقع ما يعرف باتفاقية طرابلس والتي ضمنت حصول ليبيا على زيادة في سعر البرميل بنسبة 30% وكانت هذه سابقة في تاريخ منظمة الأوبك. بعد تولي القذافي لزمام الأمور لم تتغير الأحوال كثيرا، فعكف القذافي يقيم أسعار نفط بلاده فأدرك حجم أرباحه، كما شعر أنه في موقع يسمح له بزيادة تلك الأرباح فعمد بقرار فردي إلى رفع أسعار النفط، وللدقة هو لم يستطع أن يرفع الأسعار، فذلك من شأنه أن يشد الأنظار إليه بل عمد إلى فرض مبالغ أكبر على الشركات الراغبة في زيادة كمية الإنتاج. فعوضا عن حصوله على خمسة وعشرون سنتا، طالب بخمسين. وحيث أن الخيارات معدمة بالنسبة للشركات العاملة في ليبيا، فقد اضطرت إلى الدفع والموافقة. ظللنا نعمل بنظام الحصص هذا على مدى عام 1972 وبداية عام 1973. بعدها قال الشاه أنتم ترفعون أسعاركم وتزيدون دفوعاتكم لليبيا بواقع 25 سنتا، عليكم أن تزيدوها أيضا لإيران بنفس النسبة، وإذا رفعتم لإيران عليكم أن ترفعوها لكل دول الخليج. في ذلك الوقت رضخت الشركات للضغوط. لكن الأمر لم يعجب القذافي الذي اعترض قائلا : \"أنا أحصل على الزيادة بسبب التقدير المنخفض لسعر النفط الليبي بالمقارنة مع نفط الخليج وحيث أنكم وافقتم على دفع 25 سنتا إضافية للبرميل لهم عليكم أن تقدموا زيادة إضافية أخرى بقيمة 25 سنتا \" واستمرت فروقات الحصص بين ليبيا والخليج بين الأخذ والرد، ثم استقرت على زيادة لليبيا بزيادة تتراوح بين الدولار والدولارين للبرميل، كان ذلك في فترة حرب عام 1973.
بعد نحو سنة امتدت تأثيرات تأميم النفط إلى العراق، فأعلنت تحررها من شركة النفط العراقية. أسست شركة النفط العراقية في عام 1920 حينما كان العراق خاضعا للوصاية الإنكليزية. كانت الشركة تعرف باسم سيدة لندن العجوز، وكانت خير مثال على الأزمنة الاستعمارية، فلقد كانت أعرق وأقوى شركة تعمل في الشرق الأوسط. عام 1972 قام الرئيس العراقي البكر ونائبه صدام حسين ومن خلفهم الدعم السوفيتي الكبير بتأميم شركة النفط العراقية. كان على أقطاب الصناعة النفطية الأمريكية والإنكليزية الرحيل من العراق وترك المكان للمهندسين السوفيت. في غضون سنوات قليلة استطاعت ثلاث دول عربية أن تهز عرش أنظمة الشركات العملاقة. كما تمكنت من إثراء خزائنها خلال العقود الأولى من القرن العشرين وفي هذا السياق كانت حرب تشرين النواة الأولى لأكبر أزمة عالمية شهدها القطاع النفطي عبر التاريخ.
في السادس من تشرين الأول عام 1973 استطاعت القوات المصرية والسورية اختراق الخطوط الدفاعية الإسرائيلية، لكن الإسرائيليين وبفضل المساندة الأمريكية القوية نجحوا في صد التحالف المصري السوري. بعد مضي أسبوعين، أي في الثالث والعشرين من تشرين الأول تم التوقيع على هدنة إلا أن هذين الأسبوعين كانا كافيين لبلورة التوتر بين الدول المساندة للعرب وتلك المساندة لإسرائيل وفي ذلك الوقت العصيب كشرت منظمة الأوبك عن أنيابها كقوة معادية. في السادس عشر من تشرين الأول عام 1973 قررت لجنة المنظمة برئاسة اليماني زيادة أسعار النفط بنسبة 70% وتخفيض الطاقة الإنتاجية كما أعلنت حظرا على كل من الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا بسبب مساندتهما لإسرائيل. يقول زكي اليماني وزير النفط السعودي السابق: \"لم تكن غايتنا إلا لفت انتباه الرأي العالمي إلى واقع المشكلة بين العرب والإسرائيليين \" وبسرعة بدأت الآثار السلبية لتلك الأحداث تنعكس على الدول الغربية فمع مطلع كانون الثاني لعام 1974 شهد العالم الصناعي أزمة نفطية لم يسبق لها مثيل، عرفت فيما بعد بالأزمة النفطية الأولى وضعت هذه الأزمة حدا لثلاثين عاما من الرخاء هدر فيها الكثير من النفط وبيع بأبخس الأثمان.، وزاد الشعور بأن هذه المادة لا تنضب. في غضون ثلاثة أشهر قفزت أسعار النفط بشكل صاروخي وقل الإنتاج بينما تحول هذا التغيير في الأسعار والكميات إلى كابوس يقض مضاجع الدول الغنية. وللمرة الأولى في تاريخ منظمة الأوبك التي عاشت حياتها تابعة وخاضعة تجرأت على استعمال النفط كسلاح. وللمرة الأولى تدخل المنظمة في اتفاق نفطي عدائي يقوض دعائم الأنظمة الاقتصادية للدول النامية.
\"لا يرغب أحد في خسارة نفطه ورفع أسعاره لمجرد رغبته في إلحاق أذى بشخص آخر، إنما الغاية هي الحصول على أرباح أكثر. هناك غاية ذاتية مرجوة تقف وراء هذا التصرف \".
يقول زكي اليماني : \"بالنسبة إلى شركات النفط سيسعدها الانسحاب من مسئولية تسعير النفط، فلقد كانت ترزح تحت مطرقة الدول المنتجة وسندان المستهلكين. فبعد حرب تشرين الأول شعرت تلك الشركات بالضغط الشديد وقررت الانسحاب من هذه المهمة، حتى أنها رفضت مجرد التفاوض مع الدول المنتجة بشأن الأسعار وهما يكن من أمر فإن الأسعار المرتفعة هي مصدر سعادة لشركات النفط، إذ أن ذلك يمكنها من جمع ثروة محترمة وهذا ما حصل، فلقد سخرت الشركات الأموال في اكتشاف وتطوير مصادر إنتاجية بديلة\".
استطاعت الدول الصناعية امتصاص الآثار الناتجة عن الأزمة النفطية سريعا. ففي عام 1978 بدأت استعادة سيطرتها على الوضع وخصوصا أن الإنتاج كان في ذروته. لكن ثورة صغيرة تلتها حرب أخرى تسببت في أزمة نفطية خطيرة ثانية. هذه المرة إيران، الدولة الأكثر قدرة على الإنتاج ضمن منظمة الأوبك كانت قلب الحدث. بدأ الأمر بتظاهرة صغيرة لعمال حقل الخرج. بعدها بشهر أطيح بالشاه في العام 1979، ثم قامت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، ثم تتالت الأحداث فتوقفت الصادرات النفطية الإيرانية بشكل كامل. شعرت شركات الإنتاج بالقلق ورفعت من قيمة أسهمها تحسبا للانقطاع. عادت الآثار السلبية لتظهر في الأسواق من جديد. ومما زاد الطين بلة أن الدول الأكثر عدائية في منظمة الأوبك كليبيا والجزائر والعراق حاولت استغلال الفرصة لترفع من أسعارها.
\"كنت قد قدمت في السابق لهيئة مستشاري الطاقة اقتراحا يتلخص بوضع برنامج للاحتياطيات الاستراتيجية ورغم موافقة الهيئة على الاقتراح إلا أن وضعه في حيز العمل لم يتم إلا بعد حرب عام 1973. قبله لم يشعر المستشارون بالقلق وكانوا يقولون أنهم متوقفون عن الإنتاج لأنهم لم يتمكنوا من شرب النفط ولا بد من بيعه لنا. كما أننا نستطيع الحصول على احتياجاتنا من دول عديدة أخرى. بالنسبة إلينا كندا تعتبر مصدر آمن ولا أحد يشك بذلك، فكندا لن تتمكن من بيع نفطها لأي أحد آخر لأن أنابيبها لا بد من أن تمر من أراضينا ولا توجد إمكانية لتحويلها إلا إذا حصل نقص عالمي في الإمداد. فإذا افترضنا أن سعر برميل النفط الفنزويلي هو (س) دولار ثم طرأ ارتفاع مفاجئ على الأسعار بزيادة دولارين و وافقت ألمانيا واليابان على السعر الجديد، فهل يعقل أنها ستبيعنا بفارق دولار واحد ؟ بالتأكيد كلا. لا يمكن للمرء أن يعتمد في شراءه للنفط على مصدر واحد. وإن حصل نقص في مكان ما فإن العالم سيتحول إلى منطقة ثانية. أما إذا أردنا حصر الشراء في دولة واحدة فإن ذلك لن يتم إلا عبر توقيع الاتفاقيات ونحن لم نوقع أي اتفاقية بعد ولا حتى مع كندا \".
عام 1980 سرعت الحرب العراقية الإيرانية مثل هذا الإجراء. غزت قوات صدام حسين إيران , والاجتياح الذي كان يفترض أنه بسيط دام لثمان سنوات مخلفا مئات الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف الجيشين. لم يقل القتال ضراوة وقسوة عن الحرب العالمية الثانية بل تعدى الأمر ذلك ليطال المنشآت النفطية لكلا المتحاربين في محاولة لإضعاف شكيمته. لقد دمرت الحرب حقل الخرج بأكمله أهرقت الصهاريج وأضرمت النيران في الآبار. في ظل هذه الحرب الضروس انتعشت الأسواق. للمرة الأولى في تاريخ منظمة الأوبك شن الأعضاء حروبا تنافسية شرسة فيما بينهم دون الأخذ بنظر الاعتبار قواعد التسعير وفي غضون ثلاثة أشهر تضاعفت الأسعار ثلاث مرات ساعد هذا الوضع في انتعاش السوق النفطية الحرة حيث كانت الأسعار تشهد تغييرات مفاجئة. لقد وضع هذا السوق نهاية للثبات في الأسعار والتي كانت الشركات الكبرى تفرضه بعد التشاور مع الدول المنتجة.
في عام 1984 ظهرت عملة جديدة أطلق عليها اسم الدولار النفطي وهو الوحدة النقدية الناتجة عن المبيعات النفطية. صارت هذه العملة رمزا للرخاء الذي عاشت في ظله دول المنظمة خلال الأزمتين النفطيتين. التدفق الكبير للدولار النفطي شجع دول المنظمة على العمل لتحقيق بيرس الفونسو، وكانت الجزائر أول دولة تكسر الطوق المفروض على حتمية تشغيل الصغار خصوصا خلال العقود الأولى لاستقلالها والتي تميزت بالنشاط والعمل.
استطاع صدام حسين تسخير الدولار النفطي بشكل أفضل مما فعل بو مدين, فقد سخره فعليا في خدمة المشاريع والبرامج الطموحة، لكن هذا لم يقف حائلا بينه وبين تشكيل أشد الأنظمة الاستبدادية في التاريخ المعاصر. أما بالنسبة لدول الخليج التي عدد سكانها أقل فالأمر مختلف تماما، بفضل مخزوناتها النفطية الهائلة، استطاعت حل المشاكل المتعلقة بالنمو والتطور بشكل سريع. ساهم التدفق النقدي المريح خلال الستينيات والسبعينيات في خلق طبقة جديدة من الناس السلطويين المهتمين بحياة الرغد والرفاهية.
يقول اليماني وزير النفط السعودي السابق : \"تدوير الدولار النفطي لم يكن أقل أهمية، بأمكان الغرب استعادته من خزائن الدول المنتجة ليصبه ثانية في الاقتصاد الغربي وهذا ما يحصل فعليا. ففي البداية تأثرت الدول المنتجة كثيرا وبدأت تبحث عن سبل جديدة لتنفق فيها المال وألا فإن معدلات التضخم سترتفع كثيرا. صحيح أنها بنت مجموعة من البنى التحتية كالشوارع العريضة وبعض الجامعات إلا أن ذلك لم يكن ليستوعب الحجم المطلوب صرفه. ثانيا ومع الأسف الشديد لم تستثمر الأموال في خدمة الموارد البشرية. كان التغير يحمل صفات سلبية وأخرى إيجابية فحينما يكون الحصول على المال أمرا يسيرا سيصيب الخمول الناس ويحل الكسل محل النشاط والعمل وهذا ما يحصل الآن \".
في آب عام 1990 وبعد سنتين من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت وأتت على نصف مقدرات الجانبين تخطى صدام حسين وبدافع من غروره كل الخطوط الحمراء وتجرأ على غزو الكويت الجار العربي والعضو الملكي في منظمة الأوبك. توهم صدام حسين أن بإمكانه السيطرة على ثروته النفطية وللاستفادة من المنافذ البحرية لتسهيل عملية نقل النفط إلى الخارج. كان الاحتلال سهلا، لكنه تطلب تحالفا عسكريا برعاية الأمم المتحدة وخلال مئة ساعة وفي عملية سميت بعاصفة الصحراء تحررت الكويت. كان ذلك في عام 1991، انتهت حرب الخليج في دخان ونيران سبعمئة وخمسين بئرا نفطيا كويتيا قامت القوات العسكرية العراقية بإضرامها. كانت السحب السوداء نذير شؤم لمأساة تلوح في الأفق.
يقول: \"لنا أسلوب سياسي عدائي في التعامل مع العرب إلا أن سياستنا الاقتصادية تفرض علينا التبعية النفطية لهم، هذا موضوع في غاية التعقيد ولكن إذا وضعنا العلاقة في سياقها الزمي الحالي ستجد أن هناك أناسا في البيت الأبيض يطالبون بحل هذه المشكلة لا لضخ المزيد من لوقود والطاقة لعدم وجود مثل هذه الإمكانية في الأساس بل بوضع اليد على نفط العراق. إننا نسيطر الآن على النفط العراقي وبأمكاننا السيطرة على النفط السعودي أيضا وعلى كامل النفط الموجود في الخليج. هذا سيمكننا من فرض سياستنا بشكل دائم على الدول المستهلكة في أوربا واليابان والهند وفي أي مكان آخر. إن الموقف الذي نعيشه الآن غاية في الغرابة والتعقيد \" .
يبدو اليوم حلم بيرس الفونسو بشأن العالم الثالث بعيد المنال، لقد تحول الرجل إلى بطل منسي من أبطال ثورة استقلال النفط. بعد الانتصارات القليلة التي تحققت في بداية السبعينيات لم تقم الدول الجنوبية المنتجة للنفط بتسخير الدولار النفطي لتحسين الأمور. أما النتائج المريرة لهذا الإخفاق قد تمثلت في تعاظم قوى الشركات الكبرى أكثر من قبل ولتعيد احتلال قطاعات الاستكشاف والإنتاج التي فرض التاريخ على الشركات التخلي عنها لفترة مؤقتة.
يقول السفير الأمريكي الأسبق: \"قبل مغادرتي السعودية تحدثت للمرة الأخيرة مع الملك فهد بصفتي سفيرا. تحدث بشكل رئيسي عن الطريقة التي يجب أن تستعمل الثروة فيها. قلت له لست أنت من وضع النفط تحت قدميك، لقد خلقه الله هناك كان شخصا مؤمنا وكنت أعلم أنه سيتقبل كلامي هذا، قلت لا علاقة للعرب في وجود النفط في بلادهم. أنت لم تستكشفه لكن الأمريكيين فعلوا ذلك وحققوا لكم ثروة هائلة لم تستغلوها بشكل جيد فضاع جزء كبير منها. إذا أجدتم استخدام تلك الثروة ستنعمون بها لآلاف السنين ولم يقتصر الأمر على إحداث تغيير جوهري كبير في المملكة العربية السعودية فحسب بل سيطال الأمة الإسلامية برمتها. ولكن إذا أضعتم هذه الثروة فلن يستفيد منها أحفادكم. لقد كان يوافقني وكعادته كان يوافق على كل شيء لكنه لا ينفذ إلا ما يراه مناسبا. أما بالنسبة لفنزويلا فالأمر يبدو أكثر وضوحا من السعودية. ذلك لأن تجربة الفنزويليين مع النفط أقدم من تجربة السعوديين إضافة إلى الشلل الكامل الذي عانته الطاقة الإنتاجية الفنزويلية , كل شخص في العالم يتمنى أن يحصل على النفط لأن هذا في اعتقاد الجميع شيء رائع. أما نحن فلا نرى في النفط إلا اللعنة \".

abadr70@hotmail.com