الحضارية «دراسات إستراتيجية»

الأحد: 04/11/2007

العراق.. الرؤى الإقليمية والسياسة الأمريكية(2/3)
Iraq: Regional Perspectives and U.S Policy
تقرير (CRS) إلى الكونغرس
CRS Report for Congress

كريستوفر إم بلانجرد
ترجمة: علي البدران
(خاص للمعهد)

January 12، 2007 كريستوفر إم بلانجرد : منسق الشئون الخارجية والدفاع وقسم التجارة
كينث كاتزمان ، كارول مكدالوفتز ، ألفرد برادوز، جيرمي شارب
الشئون الخارجية والدفاع وقسم التجارة
تم إعداد هذا التقرير إلى لجان وأعضاء الكونغرس
المملكة العربية السعودية
- الرؤى والمصالح:

تميزت العلاقات السعودية العراقية بأنها علاقات متوترة تاريخيا بالرغم من التعاون الذي أبدته السعودية مع العراق أبان الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات. رغم أن السعودية عارضت وبشكل علني الغزو الأمريكي للعراق لكنها وفرت الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية الغازية. ويطالب المسؤولون السعوديون وبشكل متكرر بعدم مغادرة العراق «بدون دعوة» كما دخلوه بدون دعوة.
السعودية مهتمة بشكل كبير بالصراع الدائر في العراق اليوم للأمور التالية:
أولا: تريد منع حالة عدم الاستقرار والصراع من تهديد الاستقرار والأمن الداخلي السعودي.
ثانيا: حماية السنة العراقيين من قمع الأكثرية الشيعية المهيمنة في العراق.
ثالثا: منع التدخل الإيراني المحتمل في العراق.
أما المصالح السعودية على المدى البعيد فهي تحرص على أن لا تشكل الصناعة النفطية العراقية تهديدا لصدارة السعودية في الأسواق النفطية العالمية، كما أنها تريد ضمان أن لا يعود العراق كقوة عسكرية استراتيجية تهدد أمن الدول الخليجية.
- الأوليات السياسية:
لقد امتنعت الحكومة السعودية عن التدخل بشكل علني في الشأن العراقي عسكريا وسياسيا بالرغم من التهديد الذي يشكله عدم الاستقرار العراقي على الأمن الوطني السعودي، لكن المبادرات السعودية سعت لتلبية الحاجات الضرورية للمهجرين العراقيين بسبب العنف الطائفي المتواصل ومن خلال استضافة مؤتمرات المصالحة بين العراقيين على أراضيها أو المشاركة في المؤتمرات الإقليمية حول العراق، كما أن جهودها تنصب على منع امتداد العنف إلى داخل الأراضي السعودية. بعض المحللين يرون أن السعودية لم تقدم الدعم الكافي للعراقيين لأنها غير راغبة في دعم الحكومة العراقية التي يعتقد غالبية السعوديين أنها تتبنى أجندة طائفية.
وتبقى رغبة رجال الدين المؤثرين والأثرياء والشباب في تقديم الدعم المعنوي والمالي والمادي للذين يذهبون للقتال في العراق من التحديات الملحة في الوضع العراقي، وبالخصوص ظاهرة توجه الشباب السعودي للقتال في العراق إلى جانب المقاتلين الأجانب التي أصبحت من المخاطر الأمنية المزمنة. وكإجراء لمنع تدفق المزيد من السعوديين إلى العراق أو عودة بعضهم من العراق إلى السعودية، قامت السعودية بتشديد الرقابة على حدودها مع العراق، وأعلنت بأنها ستقوم بتنفيذ إجراءات أمنية شديدة عن طريق بناء جدار أمني يبدأ في 2007.
وجهة النظر الرسمية والشعبية السعودية تعكس قلقا كبيرا من تقوية الحكومة الشيعية في العراق ومن التغلغل الإيراني المتنامي في العراق وفي المنطقة العربية بشكل عام، وقد أعرب عن ذلك وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل قائلا «لقد سلمنا العراق برمته لإيران بدون سبب» كما حذر من تزايد العنف الطائفي بين السنة والشيعة. إن العلاقات المتوترة بين الأغلبية العربية السنية في السعودية والأقلية الشيعية هناك يزيد من تعقيد الموقف، حيث رحب كثير من الشيعة السعوديين بتقوية الشيعة العرب العراقيين واتخذوا من رجال الدين الشيعة العراقيين قادة لهم ، في المقابل اعتبر المتشددون السنة السعوديين أن الشيعة السعوديين ضالين دينيا وخونة سياسيا.
- العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية:
هناك مخاوف طائفية واستراتيجية تمنع الحكومة السعودية من إقامة علاقات تجارية قوية مع الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة، وهذه المخاوف أيضا تحول دون منع الدعم والتشجيع الذي يقدمه رجال الدين والمواطنين السعوديين للتمرد السني في العراق. فبالرغم من أن الحكومة السعودية دأبت على عقد لقاءات منتظمة مع كبار المسؤولين العراقيين ورجال الدين والرموز السياسية العراقية إلا أنها لحد الآن لم تعين لها سفيرا في العراق.
قامت السعودية بتخصيص 500 مليون دولار لرعاية مشاريع التنمية في العراق، و 500 مليون أخرى لتمويل التبادل التجاري الثنائي، و 90 مليون دولار للمساعدات الإنسانية، لكن على أية حال ظلت التجارة بين السعودية والعراق محدودة منذ عام 2003، وبحسب وزير التجارة والصناعة السعودي، في عام 2005 بلغ إجمالي قيمة التجارة السعودية – العراقية 5.32 مليون دولار.
ظلت مسألة إسقاط الديون من القضايا المهمة في العلاقات السعودية – العراقية، فقد أعلن العراق أنه مدين للسعودية بمبلغ 9 مليون دولار (معظم هذه الديون ترتبت على العراق أبان الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات)، فيما تقول البنوك والمؤسسات السعودية أن حجم الديون العراقية هو 19 بليون دولار. والسؤال هو هل ستطالب السعودية بالفوائد المترتبة على تلك الديون؟ اتفق الطرفان على عقد المزيد من المباحثات بهذه الخصوص. لقد حث الأمريكان كل من المملكة العربية السعودية والكويت على إسقاط ديونهم المترتبة على العراق وذلك من أجل دعم جهود إعادة الاعمار وإنعاش الاقتصاد العراقي. مجموعة دراسة العراق توقعت أن الحكومة السعودية ربما ستقوم بإسقاط ديونها كجزء من الجهود الإقليمية لدعم الاستقرار في العراق.
ـ ردود الأفعال المحتملة:
إن سياسة ضبط النفس التي تمارسها السعودية من عدم التدخل العلني في الصراع الدائر في العراق تتقاطع مع التقارير التي تشير إلى أن هناك دعم سعودي خاص للهجمات التي تستهدف قوات التحالف والحكومة العراقية. لكن السعودية تمتنع من تقديم الدعم المباشر للمتمردين السنة لسببين، الأول: أنها تخشى المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني: أنها تخشى عواقب سقوط الحكومة العراقية الذي سيقوي الإرهاب المعادي للعائلة المالكة في السعودية والذي يتخذ من العراق قاعدة له. يوجد اليوم رجال دين وشخصيات بارزة سعودية تطالب السعوديين بتقديم الدعم السياسي والأمني للسنة العرب العراقيين في مواجهة ما يسمونه التدخل الإيراني في المنطقة. وأبرز مثال على ذلك التوجه هو ما جاء في مقال نشرته صحيفة الوشنطن بوست في 29 نوفمبر 2006، صاحب المقال «نواف عبيد» وهو محلل سياسي وكان مستشارا للحكومة السعودية آنذاك، كشف المقال عن النوايا السعودية فيما يتعلق بالعراق. بالرغم من أنه أعلن أن هذا المقال لا يمثل السياسة السعودية إلا أن استنتاجه كان جالبا للانتباه، حيث قال:
«إن غض الطرف عن المجازر التي ترتكب بحق السنة في العراق هي بمثابة تخل عن المبادئ التي قامت عليها المملكة العربية السعودية، كما أنه سيضعف مصداقية المملكة في العالم السني وسيكون بمثابة استسلام أمام النشاطات العسكرية الإيرانية في المنطقة. من المؤكد أن التدخل السعودي في العراق ينطوي على مخاطر كبيرة، لكن الأمر يستحق ذلك لأن عواقب عدم التدخل ستكون أسوأ بكثير».
على الرغم من تأكيد المسؤولين السعوديين على أن ما جاء في المقال لا يمثل السياسة السعودية، إلا أن مراقبين أمريكان فسروا ما جاء في المقال (إضافة إلى حادثة استقالة الأمير تركي من منصبه كسفير لبلاده في واشنطن وتعيين بندر بن سلطان محله) على أنها إشارات على وجود عدم اتفاق داخل المؤسسة الأمنية السعودية بخصوص سياسة المملكة تجاه العراق وإيران.
البعض الآخر رأى أن هذا المقال هو عبارة عن ضوء أحمر ضمن سلسلة التحذيرات التي تشير إلى أن نهاية سياسة ضبط النفس السعودية تجاه ما يجري في العراق أصبحت وشيكة.
في الوقت الذي نفى فيه كل من الأمريكان والسعوديون أن تكون مثل هذه التحذيرات قدمت بشكل سري لوزير الدفاع الأمريكي «ديك جيني» أثناء زيارته للرياض في نوفمبر 2006.
إن المصالحة وعودة الاستقرار للعراق قد يخفف من مخاوف السعودية من عدوى عدم الاستقرار، لكن ذلك سيخلق نوعاً جديداً من التحديات. إن الاهتمام السعودي اليوم ينصب على إيجاد طريقة لتقليص أو منع رجوع المقاتلين السعوديين إلى المملكة. إن حصيلة المصالحة أو الصراع في العراق و القيادة ورموز الحكومة العراقية سيقرر ما إذا كانت المخاوف السعودية من هيمنة الشيعة العرب والنفوذ الإيراني ستزداد أم ستقل.
الخيارات المستقبلية العراقية في المجالات المهمة مثل الطاقة والسياسة العسكرية ستشهد تعقيدات كبيرة بالنسبة للعلاقات السعودية العراقية على المدى الطويل.
سوريا
ـ الرؤى والمصالح:

تميزت العلاقات الثنائية السورية العراقية في الغالب بالتوتر والاضطراب لأسباب سياسية وحدودية و الاختلاف في التركيبة السكانية وكذلك بسبب العداء الشخصي بين قادة كل من البلدين السابقين، حافظ الأسد وصدام حسين، علاوة على ذلك أن كلا البلدين كانا يخضعان لجناحي حزب البعث المتنافسين. لكن في نهاية التسعينيات تميزت العلاقات بتطور جزئي وبالخصوص في المجال الاقتصادي. وقد عارضت سوريا قرار عملية (حرية العراق) الرامية إلى إسقاط نظام صدام حسين، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن تقوم الولايات المتحدة باتهام سوريا باستقبال المقاتلين العرب والسماح لهم بالدخول إلى الأراضي العراقية للالتحاق بالتمرد الذي يستهدف القوات الأمريكية في العراق. كما أن سوريا أيضا متهمة باستضافة كبار المسؤولين البعثيين من قادة النظام السابق. المسئولون السوريون يقولون بالرغم من الجهود الكبيرة التي نبذلها لكن هناك صعوبة كبيرة نواجهها في مسألة تأمين الحدود التي تمتد على مسافة 375 ميلاً مع العراق. كما أنهم قاموا بزيادة الدوريات والحواجز لغلق المعابر الحدودية . ومع نهاية 2006 بدأ السوريون يسلكون مع العراق طريقا أقل وعورة حيث قاموا بإعادة تأسيس علاقات دبلوماسية مع العراق ولأول مرة منذ بداية عقد الثمانينيات، لكنهم في نفس الوقت يحافظون على علاقاتهم مع مجموعات مختلفة تعمل على تقويض الجهود الأمريكية لبناء عراق جديد.
ـ الأولويات السياسية:
من الواضح أن هناك تناقضاً في الرؤى الأمريكية السورية بخصوص دعم نظام الحكم في العراق. فالعراق هو أحد أهم بلدان الجوار بالنسبة إلى سوريا والذي يشترك معه بالكثير من الصلات والمصالح. إن أهم ما يقلق سوريا في العراق هو الانقسام الطائفي الذي يوجد في كلا المجتمعين، فأكثر من 70% من السكان السوريين هم المسلمين السنة، لكن الذي يحكم البلد هم الأقلية العلوية التي لا تتجاوز 12% من حجم السكان وهي تحكم قبضتها على السلطة بشكل كبير. ولا يوجد في سوريا شيعة بشكل واضح لكنها تحتوي على أقلية كردية كما هو الحال في العراق. ليس بالضرورة أن تكون القيادة العلوية السورية تحظى باستحسان الشيعة والسنة والكرد العراقيين لكن المقلق أن تكون القيادة العراقية عرضة للأهداف الإقليمية السورية. كما أن اعتماد سوريا على إيران في الحصول على الدعم السياسي الإقليمي يجعل من سوريا توافق جزئيا على النفوذ الإيراني على الحكومة العراقية التي تهيمن عليها الغالبية الشيعية، خصوصا وأن هناك أهدافاً مشتركة للإيرانيين والسوريين في لبنان. كما أن سوريا ميالة إلى دعم أهداف منظمة حزب الله الراديكالية الشيعية اللبنانية ليس فقط في لبنان بل حتى في العراق.
ـ العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية:
العلاقات الاقتصادية العراقية السورية واسعة ومتنوعة تتمثل بعلاقات غير رسمية والتجارة المحظورة، والتهريب وتدفق اللاجئين. حدث هناك تقارب نسبي بين البلدين في أواخر التسعينيات باستئناف تصدير النفط العراقي إلى سوريا بمعدل 200000 برميل يوميا. لكن قوات التحالف أوقفت هذه الصادرات بعد إسقاط نظام صدام في نيسان عام 2003 ، لكن الروابط التجارية استمرت في بقية القطاعات وبالخصوص في مجال مقايضة البضائع وبنسبة أقل تبادل البضائع بين مجموعات قبلية ممتدة على الحدود بين سوريا والعراق. في عام 2005 بلغت واردات العراق من سوريا 2.987بليون دولار وصادرات العراق إلى سوريا بلغت 500 مليون دولار.
وفي سياق متصل، إن التمزق الكبير الذي أصاب الاقتصاد العراقي وتصاعد التهديدات الأمنية في مرحلة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين قد أوجد بعدا جديدا في العلاقات الاقتصادية السورية العراقية تمثل في الحركة الجماعية للاجئين العراقيين الباحثين عن ملاذ يحميهم من الفقر والتهديدات الأمنية في الاردن وسوريا على وجه الخصوص. سوريا أعلنت مرارا أن ملايين اللاجئين العراقيين الذين اتخذوا من دمشق مقرا مؤقتا لهم قد أنهك الاقتصاد الداخلي السوري بسبب ارتفاع أجور السكن وتزايد الطلب على البيوت والتسبب في نقص كبير في الماء والكهرباء. سوريا ومنذ زمن بعيد أتبعت سياسة الباب المفتوح أمام القادمين الجدد، لكن على العموم يوجد هناك اهتمام كبير بخصوص مسألة الانقسام الطائفي والعرقي بين العراقيين وإمكانية انتقاله إلى الجالية العراقية المقيمة في سوريا.
ـ ردود الأفعال المحتملة:
إن تطور السياسة المستقبلية السورية تجاه العراق تعتمد على جملة من المتغيرات المعقدة تشمل الاستقرار وتوجهات النظام السوري نفسه واتجاه مسار الأحداث في العراق. إن أهداف السوريين في العراق مبهمة وهناك إشارات مهمة لدى المراقبين في الخارج حول ما يسعى إليه النظام السوري الحالي وأي حصيلة يريد أن يراها النظام السوري في العراق مستقبلا. بعض المعلقين يعتقدون أن لا سوريا ولا إيران ترغب أن ترى العراق يدخل في صراع سني شيعي مستمر وبلا نهاية كما حصل في لبنان أبان الحرب الأهلية التي دامت 15 عاما. في المقابل يرى البعض أن سوريا مستمرة في إثارة النزاعات في العراق في محاولة منها لإعاقة أمريكا في العراق في الوقت الذي تحاول فيه استرجاع نفوذها في لبنان الذي فقدته في السنتين الماضيتين. لكن على أية حال تبقى قدرة سويا على التحكم في توازن القوى الإقليمي مرهون بقدرتها العسكرية المحدودة والتي هي كافية للحفاظ على أمنها الداخلي لكنها تعاني من ضعف التدريب وتجهيزاتها القديمة المتهالكة. كما أن هناك الخلافات الكبيرة بين صناع القرار السوري والرئيس السوري الشاب ذو الخبرة القليلة نسبيا بخصوص العراق، فالرئيس السوري بشار الأسد متذبذب بين العديد من الخيارات السياسية مما يعطي انطباعا لفهم مناقض لسياسة سوريا تجاه العراق. إن تغييرا عنيفا لنظام الحكم في سوريا ربما يعطي نتائج مهمة فيما يتعلق بالتوجهات السورية نحو العراق والسياسات التي من الممكن أن تتبناها تجاه الحكومة العراقية.
هناك وجهات نظر متفاوتة بين المراقبين الأمريكان بخصوص الدور السوري في دعم الفوضى أو إرساء الاستقرار في العراق. فلو انزلق العراق إلى أتون الحرب الأهلية، عندها يجب على سوريا أن تتخذ القرار الصعب، هل ستدعم التمرد السني أم المليشيات الشيعية المتطرفة وبالخصوص تلك المدعومة إيرانيا مثل تيار مقتدى الصدر. إن محاولة سوريا استثمار كل من الشيعة والسنة سيكون أمرا صعبا ويعرض الطائفة العلوية البارزة التي ينتمي إليها بشار الأسد إلى الخطر داخل سوريا. وهناك تحدى آخر وهو كيفية التعامل مع القاعدة السنية للإخوان المسلمين في سوريا والمنظمات الأصولية التي قام بحظرها النظام العلماني في سوريا على مدى 25 عاما لكنها ما زالت تحتفظ بأنصار في سوريا وفي مناطق أخرى في المنطقة.
إن عراقا مستقرا من الممكن أن يضع سوريا أمام أكثر التحديات تعقيدا على الإطلاق، فمن ناحية، الاستقرار في العراق يجرد سوريا من ذريعة الضغط على الولايات المتحدة بخصوص لبنان والقضايا الأخرى، وعلى أية حال يبقى من الصعب على الرئيس السوري بشار الأسد أن يرفض مسألة فرض الاستقرار في العراق. وفي ضوء هذه السيناريوهات تبدو توصيات مجموعة دراسة العراق رقم 9 و 12 مناسبة في هذا المجال، فهي تحث سوريا على إعطاء تعهدات بدعم العملية السياسية في العراق، وتشجعها على فرض رقابة مشددة على حدودها مع العراق، وكذلك زيادة التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين. الناقدون لتوصيات مجموعة دراسة العراق يرون أن بعض الامتيازات الضرورية لإقناع سوريا بتبني استراتيجية متعاونة تبقى غير محددة وربما تكون مكلفة جدا في ضوء المصالح الأمريكية الأخرى.
الاردن
ـ الرؤى والمصالح:

كانت العلاقات الاردنية مع العراق في عهد صدام حسين قوية. ففي عام 2003 أعلن الاردن معارضته للعمليات العسكرية ضد العراق، لكنه قدم بشكل غير رسمي دعما لوجستيا للحملة التي قادتها الولايات المتحدة لإسقاط صدام. ومنذ عام 2003 انتقد الاردنيون مرارا ما أسموه التهميش السياسي للسنة العرب في العراق. وعلى خلاف بقية جيران العراق، الاردن يملك إمكانية محدودة للتدخل في الشأن العراقي في الوقت الحاضر، ومنذ عام 2003 ظل القادة الاردنيون قلقون بشأن النفوذ العراقي بالشأن السياسي والتجاري والأمن الداخلي الاردني. فالمسئولون الاردنيون مهتمون كثيرا في كيفية التعاطي مع المعارضة الإسلامية الاردنية في ضوء تقوية المجموعات الإسلامية في العراق، وكيفية الحيلولة دون إيجاد ملاذ آمن للإرهابيين في منطقة غرب العراق التي ستكون بمثابة تهديد مباشر للأمن الداخلي الاردني، وكذلك تحجيم النفوذ الإقليمي الإيراني في مسعى لمنع تطور التهديد الاستراتيجي للاردن .
الاردن تتطلع إلى قيام عراق مستقر تحت سيطرة العرب السنة وحتى ذلك الحين فهي تدعم بقاء القوات الأمريكية في العراق والحكومة العراقية الوليدة على أن تبذل جهودا في المستقبل من أجل إشراك العراقيين العرب السنة في الجيش والحكومة لكيلا لا تصبح عربة للتدخل الإيراني. أما على المدى البعيد فالحكومة الاردنية تساورها شكوك جدية بشأن مستقبل العراق والعواقب الوخيمة التي ربما تنجم من حرب طائفية واسعة النطاق في العراق.
ـ الأولويات السياسية:
بالرغم من أن الاردن اعتمدت دائما على الراعي الأجنبي إلا أن الملك عبد الله ومنذ توليه العرش عام 1999 جعل من السياسة الاردنية أقرب من أي وقت آخر في تاريخ المملكة الاردنية إلى الولايات المتحدة. ومنذ منتصف عام 2003 أسهمت الاردن بشكل كبير في دعم الاستقرار في العراق والتي ترجمت كمحاولات رمزية لدعم جهود الولايات المتحدة لتقليل العواقب السلبية التي من الممكن أن تلحق بالاردن نتيجة لعدم الاستقرار في العراق. مركز تدريب الشرطة الدولي في الاردن والذي يقع على مقربة من العاصمة الاردنية عمان استقبل أكثر من 30،000 متدرب عراقي بدعم مالي أمريكي يقرب من 100 مليون دولار سنويا، وبحسب المسؤولين في قوات التحالف، أهدت الاردن تجهيزات للجيش والشرطة العراقية لدعم القوى الأمنية العراقية الجديدة.
في الوقت الذي حققت فيه هذه السياسة منافع مهمة للاردن مثل زيادة التجارة الأمريكية والدعم الخارجي للاردن وتعزيز الروابط مع الولايات المتحدة لكنها جعلت منها هدفا سهلا للمعارضين الاردنيين، وخصوصا الإسلاميين الاردنيين الذين يعارضون بشدة السياسة الأمريكية في المنطقة. بعض الاردنيين يخشون أنه وكما فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية، أن المشاركة السياسية للأحزاب الإسلامية سيعجل من ظهور نموذج الإسلام السياسي المتسلط في العالم العربي والعالم الإسلامي.
إن التهديدات الكامنة للإرهاب المتنقل، وكذلك تزايد النفوذ الإيراني، يهيمنان على أجندة الاردن السياسية فيما يتعلق بالعراق، وعلى الرغم من قتل الإرهابي الاردني أبو مصعب الزرقاوي في حزيران 2006 من قبل القوات الأمريكية والعراقية (وقيل أن المخابرات الاردنية ساعدت في هذه العملية) إلا أن تهديدات القاعدة بإثارة القلاقل في الاردن انطلاقا من المقاطعة السنية العراقية الكبيرة (الأنبار) مازلت كبيرة. ففي 9 نوفمبر 2005 استهدفت ثلاث تفجيرات ثلاثة فنادق في العاصمة الاردنية عمان مملوكة لغربيين خلفت 58 قتيلا ومئة جريح. أعلنت القاعدة مسئوليتها عن هذه الهجمات. وفي ديسمبر 2006 وقع كل من العراق والاردن اتفاقية للتنسيق الاستخباراتي بخصوص القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى. وفوق ذلك كله أكد الإسلاميون الاردنيون ولاءهم للعائلة المالكة في مواجهة التهديدات الإرهابية، ومع ذلك اعتقلت السلطات الاردنية أربعة من البرلمانيين الاردنيين على خلفية مشاركتهم في مجلس عزاء أقيم للزرقاوي ونعتوه بالشهيد.
في عام 2004 حذر الملك الاردني عبدالله من سعي إيران إلى إقامة هلال شيعي في منطقة الشرق الأوسط مما قرع جرس الإنذار ليس لدى الاردن فحسب بل وحتى لدى الدول الخليجية التي يعتمد عليها الاردن في الدعم السياسي والاقتصادي. إن قدرة إيران على إشعال فتيل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن طريق منظمة حزب الله اللبنانية الشيعية أو منظمة الجهاد الإسلامي «حماس» الفلسطينية قد يخلق ردود أفعال معادية للأمن الاردني، وهذه الحقيقة أدركها أيضا الاسلاميون السنة الاردنيون.
ـ العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية:
إن الجهود الدولية لاعادة إعمار العراق انعكست على قطاعات واسعة من الاقتصاد الاردني ، فمنذ عام 2003 اعتبر العديد من المراقبين أن الاردن هي «بوابة العراق» حيث اتخذ آلاف المقاولين ورجال الاعمال والمسؤولين الأجانب من الاردن مقرا لعملياتهم في العراق. والتجارة الاردنية العراقية عادت إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 2003، حيث وصل إجمالي التجارة في 2005 إلى 834 مليون دولار.
أما العراقيون فقد اتخذوا من الاردن ملاذا لهم من العنف، حيث يقدر المراقبون الأجانب أن 700،000 إلى مليون شخص عراقي غادروا العراق نحو الاردن خلال السنوات الثلاثة الماضية. بالنسبة لبلد فقير مثل الاردن يعتبر هذا العدد كافيا لحدوث تغيرات كبيرة في الاقتصاد والمجتمع الاردني. فقد عانى قطاع السكن والقطاعات الخاصة الأخرى من ارتفاع شديد بالأسعار بسبب تدفق الوافدين العراقيين من ذوي الطبقة الوسطى على العاصمة الاردنية، ومن ناحية أخرى ارتفع مقدار التضخم بشكل سريع، كما أن هناك تقارير تشير إلى تزايد التوتر بين المواطنين الاردنيين وبين المهاجرين العراقيين بسبب الضغط الذي تسببه زيادة عدد السكان التي وصلت إلى 20% خلال فترة قصيرة. في نفس الوقت لا يبدو واضحا فيما إذا كان النازحون العراقيون سيعودون إلى بلدهم بعد انتهاء موجة العنف أم أنهم سيبقون في الاردن بشكل دائم.
في آب 2006 أصبح الدبلوماسي أحمد اللوزي أول سفير عربي في العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003، ورد العراق على ذلك بعد فترة قصيرة بالإعلان عن أنه سيتم استئناف تصدير النفط للاردن وبأسعار تفضيلية. بعض القادة العراقيين الجدد من الشيعة ينظرون إلى الاردن بريبة بسبب علاقات الاردن القوية السابقة مع نظام صدام حسين، وكذلك بسبب العلاقات القوية مع العراقيين السنة العرب. استمر الاحتكاك بين العراق والاردن بسبب وجود كبار المسؤولين البعثيين السابقين في الاردن واعتبارهم كضيوف لدى الحكومة الاردنية. قامت الحكومة باستضافة وتسهيل اجتماعات بين المسؤولين الأمريكان والعراقيين من أجل حل العديد من الخلافات السياسية بما في ذلك لقاء القمة الذي عقد في عمان بين الرئيس الأمريكي بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في ديسمبر 2006. التقارير الحالية تشير إلى أن الاردن سهلت اجتماعات بين أعضاء من قادة التمرد السني وبين مسؤولين أمريكان في السفارة العراقية في عمان.
ـ ردود الأفعال المحتملة:
باعتباره بلدا ذا إمكانيات محدودة ، فهناك شك في أن يستطيع الاردن لوحده إيجاد حلول وتسويات للصراع الطائفي والتمرد الدائر في العراق. ومع ذلك إذا ما أخذت الإدارة الأمريكية بتوصيات مجموعة دراسة العراق التي تدعوا إلى إرساء المصالحة في العراق فإن الاردن سيكون مفيدا جدا كأحد الجسور الرمزية إلى المجتمع السني العراقي. يحث تقرير مجموعة دراسة العراق على أن الاردن يمتلك الإمكانيات المهنية لتدريب وتجهيز الجيش والأجهزة الأمنية العراقية، كما أن الروابط بين القبائل العراقية والاردنية من الممكن أن تسهل عملية انضمام المزيد من السنة العراقيين إلى الجيش العراقي.
وإذا ما وقعت أسوء السيناريوهات وهو انجرا ر دول الجوار إلى الحرب الأهلية الدائرة في العراق، فإنه من المستبعد جدا أن تقوم الحكومة الاردنية بتقديم الدعم للمليشيات السنية ذات العلاقة مع تنظيم القاعدة. من ناحية أخرى فإن الاردن كما هو الحال مع المملكة العربية السعودية والبلدان الأخرى من الممكن أن تقدم الدعم المالي والعسكري لعناصر أخرى من السنة العرب بما فيهم رجال القبائل والمجموعات المنظمة والمرتبطين بالأجهزة الأمنية السابقة كجهاز الأمن وجهاز الاستخبارات التابع لنظام صدام حسين. وفي حال استمرار الصراع واتساعه في العراق فإن الاردن ستبادر إلى غلق حدودها مع العراق أو تقوم بإنشاء منطقة آمنة داخل المنطقة الغربية في العراق لتحصين نفسها ضد الانزلاق إلى العنف الطائفي وكذلك لمنع تدفق اللاجئين عليها.