الحضارية «دراسات استراتيجية»
السبت: 16/09/2008 11:27 ص

الوجه الثالث للحرب على الإرهاب(3/3)

بقلم دانيال بايمان
Phase Three in The War on Terror: By Daniel Byman

ترجمة: مختار الأسدي
(خاص للمعهد)

مع قلب حكومة صدام حسين في العراق، ونظام حكم الطالبان في أفغانستان تتـّجه أنظار العالم إلى الخطوة التالية التي ستخطوها الولايات المتحدة الأمريكية. موظفو الإدارة الأمريكية الكبار، والمشرفون على سياسة الجمهوريين القريبين من البيت الأبيض كانوا حذروا إيران و سوريا بأن تدخـّلهم في العراق ودعمهم الجماعات الإرهابية، وتعجـّلهم السعي في حيازة أسلحة الدمار الشامل ربما يجعلهم الهدف اللاحق للضربة الأمريكية. سنتور فلوريدا بوب كراهام Bob Graham الذي يدير حملة لصالح ترشيح رئاسة الحزب الديمقراطي كان دعا إلى توجيه ضربة إلى معسكرات التدريب التابعة لحزب الله اللبناني،معلناً بأن هذه الجماعة أكثر دموية حتى من القاعدة.
ومع ذلك، فهناك موظفون آخرون يُتمتمون بأن الأصدقاء المفترضين كالعربية السعودية وباكستان يوضحون الخطر الأكثر جديّة للولايات المتحدة ويطالبون واشنطن في إحداث تغييرات جذرية في أنظمة الحكم على امتداد الشرق الأوسط الكبير.
قضية التوسع The Case of Expansion
إن منطق توسيع الحرب على الإرهاب يبدو وسيماً للوهلة الأولى. وكما أشارت إدارة الرئيس بوش عدة مرات، انه بعد 11 سبتمبر، من الحماقة أن ننتظر البندقية لكي تطلق الرصاص قبل البحث عن الدخان. انّ إيران وسوريا،شأنهما شأن العراق، كانوا قدموا طلبات للحصول على أسلحة كيمياوية، وهم يبحثون اليوم عن أسلحة بايولوجية و(كما في إيران) عن أسلحة نووية في تطوير برنامجها النووي في الشهور المتأخرة. وكلا البلدان لهما علاقات متينة ومتطورة مع جماعات إرهابية أكثر مما لدى العراق من هذه العلاقات، وانها مستمرة وباقية بنفس القوة.
وعلى الرغم من أن صدام كان من صنف متميّز من نموذجه الخاص بما يتعلـّق بالوحشية والقمع، فان حكومة بشار الأسد في سوريا وحكم الملالي أو رجال الدين في إيران، كلاهما نموذجان فظـّان وغير تمثيليين.
أما حزب الله اللبناني، فإنه حتى 11 سبتمبر كان قد قتل من الأمريكان أكثر مما قامت به أية جماعة أخرى في التاريخ، وانّ هرطقته ضد الولايات المتحدة الأمريكية مازالت عنيفة بينما هو يستمر في رعاية هجمات ضد إسرائيل. عدد من التقارير في وسائل الإعلام أشارت بأن مجموعة منه يمكن أن ترسل كعاملين في العراق.
ومنذ سقوط الانتفاضة الثانية في سبتمبر 2000، فإن حزب الله كان يدرّب و يسلـّح جماعات فلسطينية مختلفة، صابغاً منهم عناصر أكثر دموية وأكثر قدرة وأفضل تدريباً للتخريب وإعاقة أية عملية أو حركة باتجاه السلام.
ربما وبشكل أكثر إزعاجاً، حتى أصدق الولايات المتحدة أصبحوا سبباً في تفاصيل جديّة في هذا السياق. فالعربية السعودية وباكستان في الماضي كانا ساهما في تنمية مشاريع صدقات راديكالية، وتأسيس مؤسسات تربوية، ودعم حركات سياسية كلها تساهم في دعم القاعدة، أو إنعاش مجاميع لا تختلف كثيراً عن مجاميع القاعدة. علماً بأن كلا البلدين كانا تعاونا مع الولايات المتحدة ضد الإرهابيين ومنذ 11 سبتمبر ولكن هذه الجهود لم تكن كافية بالقدر المطلوب. وحتى اليوم فإن هذين القطرين ما زالا داعمين، وبدرجة ما للتوجهات المناهضة للولايات المتحدة. ان لباكستان التي تمثـّل طرفاً مرعباً وضعاً خاصاً لأن خليطها المميت القاتل المتشكـّل من الراديكالية الإسلامية المحلية فضلاً عن عدم استقرارها السياسي، وأسلحتها النووية كلها تساهم في التبويح بشبحٍ مخيف لسيناريوهات غامضة ولكنها حقيقية.
تحديات أمام الوجه الثالث Challenges for Phase Three
الوجه الآخر من الحرب على الإرهاب يمكن أن يبرهن انه يختلف تماماً، وربما أكثر تحدياً من الوجهين الآخرين السابقين. فخلاف صدام حسين في العراق مثلاً، ان سوريا وإيران ليستا معزولتين دبلوماسياً. ورغم ان نظام رجال الدين في طهران ليس محبوباً، وان نظام البعث الحاكم في دمشق محتقر هو الآخر بشكل واسع، ولكنهما ليسا مكروهين منبوذين كنظام صدام حسين. إضافة إلى ذلك ان شعبي القطرين وطنين أو قوميين بدرجة عالية، ويمكن أن يتوحدا خلف حكومتيهما في أوقات الأزمات. ان الضغط الأمريكي يمكن أن يقوّي قبضتي النظامين اللذين نريد معارضتهما.
القصف المحدود سوف يفشل بالتأكيد في تدمير البنية التحتية للإرهاب بشكل فاعل ومؤثر. وهناك ببساطة القليل الذي يمكن قصفه. ان هجمات قذائف كرووز الأمريكية على السودان وأفغانستان عام 1998م كانت صوّرت، وان الهجمات المحدودة عادةً ما يكون تأثيرها تافهاً، أو لا قيمة لها على الإرهابيين، بل يمكن أن يؤدي إلى تنمرّهم واستئسادهم. إن وضع الأرجل أو الأقدام على الأرض ضروري لقتال الإرهابيين، وإن اجتثاثهم من على الأرض أفضل وأسهل من تدميرهم.
وكلما كن الفعل العسكري أكثر شدة وعنفاً، كانت فرصة قتل الإرهابيين وتمزيق عملياتهم أفضل بالتأكيد، ولكن ذلك يحمل معه تبعات عديدة وثقيلة من قبل الأعباء السياسية والدبلوماسية والميدانية. فبالنسبة لإيران مثلاً، فإن عدد القوات التي تحتاجها لاحتلال مقاطعة إيرانية واحدة ربما تفوق تلك التي احتجنا إليها في احتلالنا عموم العراق، آخذين بنظر الإعتبار حجم إيران الكبير والعداء الشعبي المحتمل، أي عداء السكان لنا. الجهد العسكري في سوريا قد يكون أقل كلفة، ولكن الاحتلال هنا يمكن أن يكون صعباً، آخذين باعتبار قومية ووطنية الشعب السوري.
الأكثر من ذلك، ان موقع سوريا المتين في العالم العربي سوف يجعل الهجوم صعباً للغاية بلحاظ دبلوماسية الولايات المتحدة الأمريكية، التي قد تردع الأصدقاء القليلين للولايات المتحدة في العالم العربي إلى النأي بعيداً عن واشنطن.
إن توسيع الحرب على الجماعات الإرهابية إلى ما بعد القاعدة ومن ينسب إليها أن تنسب إليه يبدوا للوهلة الأولى طريقاً سهلاً وقليل المؤونة، غير انه وبنظرة فاحصة يكشف عن صعوبات ربما تكون أكبر من الفكرة الأولى (أي فكرة الهجوم الشامل والاحتلال). إن حزب الله اللبناني، وبالإضافة إلى كونه عالي المهارة والتدريب والإخلاص، سيكون قادراً على الانصهار والتمازج في أوساط الشعب اللبناني، أي خلاف كادر القاعدة في أفغانستان (أي البعيد عن الناس وربما غريب عنهم). ان الضربة المباشرة للإرهابيين ربما تكون أقرب للمستحيل، حيث تتطلب استطلاع معلوماتي واستخباراتي فوق العادة (والذي نحن في نقص إليه دائماً).
ومن أجل استغلال أي فرصة للنجاح، فان الجهد العسكري يتطلب جهداً داعماً من قوى معارضة للإرهاب من داخل لبنان. فلقد جرّبت إسرائيل الحل العسكري لمشكلة حزب الله على امتداد عشرين سنة، ولكن جهودها ساهمت فقط في تقوية هذه الجماعة وجعلها أكثر اقتداراً بلحاظ تعزيز قدرتها على حل مشاكلها السياسية وزيادة إعجاب الكثير من اللبنانيين بها. وفي هذا الأثناء استطاع حزب الله على تنشيط خلايا في آسيا و أوروبا وأمريكا اللاتينية، ويحتمل خلايا أخرى غير معروفة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، من أجل توجيه ضربات إلى الأمريكان على امتداد العالم.
مع الحلفاء المنزعجين كالعربية السعودية وباكستان، تواجه الولايات المتحدة موقفاً لأربح فيه إذا ما قررت تغيير النظام. وعلى الرغم من كونها ضحايا لإرهاب القاعدة ومجاميع أخرى غيره، انّ دعم هذين الحليفين للإرهاب غالباً ما يكون نصف قلبي Half-Hearted وإنهما باقيان ملتزمان في رعاية أو توفير أجواء ثقافية وسياسية ويمكن أن تساعد على النعاش الراديكالية. ومع ذلك فإن الأنظمة في هذين القطرين بعيدة عن معاداة أمريكا، بل انهما يقفان على الضد من الراديكالية أكثر من وقوفهما مع أي بديل آخر. ان تعاونهما معنا برهن على فاعليته وحيويته في تحقيق عدة نجاحات لنا ضد القاعة لحدّ الآن.
الشيء الأكثر أهمية هو أن الولايات المتحدة نفسها في موقف أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل الحرب على العراق. ان القوات العسكرية الأمريكية تمتد، وإنها مشدودة في العراق لأنها تخوض حرباً ضد الرعب. قوات العمليات الخاصة التي غالباً ما تكون الأكثر أهمية لمواجهة العمليات الإرهابية تبدو منهكة ومستنزفة.
آمال بانسحاب سريع من عراق ديمقراطي مستقر كانت شطبت بسرعة. كل أسبوع يجلب معه المزيد من الكوارث وبدون نهاية منظورة في الأفق. وفي الحقيقة ان الولايات المتحدة يمكن أن تكون قد أحدثت حركة ارتجاعية في العراق، اجتمعت فيها بقايا نظام صدام حسين المتحالفين مع القوى الراديكالية العالمية والوطنيين العراقيين الغاضبين لمواجهة الاحتلال. وباختصار شديد، انّ العراق أصبح اليوم مستنقعاً جديداً a new swamp لتوليد وتربية الإرهابيين.
ونتيجة لهذه المشاكل، ان أحتلال الولايات المتحدة للعراق قد يستغرق عقداً كاملاً أو أكثر، وهذا يتطلب عشرات الآلاف من القوات العسكرية الأمريكية لحفظ السلام وتنمية الديمقراطية في هذا البلد أو دمقرطته.
سياسياً، انّ الحرب في العراق عرّضت الولايات المتحدة إلى تحدّيات العجرفة من قبل الأصدقاء، وإلى الإمبريالية (أي الخصومة) من قبل الأعداء. إن فشلنا في عدم القدرة على كشف أسلحة عنيفة في مشروع برامج الدمار الشامل المزعوم في العراق كان ألحق الأذى بصدقية الولايات المتحدة، وجعلها أكثر بُعداً وفي موقع أكثر صعوبة إذا ما فكرت بشنّ حرب أخرى، أو على الأقل إيجاد تبرير لمثل هكذا حرب. مع ذلك فإن معركة عسكرية أخرى سوف تدمّر سمعة أمريكا أكثر فأكثر، الأمر الذي سيؤكد أو يدعم سمعتها السيئة المعروفة بـ سياسة «الكاوبوي النزق». حتى الحلفاء المعتمدين صامدين كبريطانيا كانت شحبت وجوههم مع شحوب وجه الخطاب الأمريكي ضد سوريا وإيران. التعاطف العالمي والدعم والمساندة التي حظيت بها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر تبخّرت هي الأخرى أو تكاد تتبخّر.
والأكثر إزعاجاً من كل ذلك ان الحرب ضد القاعدة ما زالت بعيدة عن نهايتها. ولكي نكون أكثر وضوحاً، ان الولايات المتحدة كانت أحرزت نجاحات عديدة مهمة. إذ لم تعد أفغانستان ملاذاً للإرهابيين، فلقد استطاعت الولايات المتحدة حرمانها من هذا الملاذ حيث كان القاعدة من هنا تُعبئ وتدرّب أعضاؤها الجدد وأصدقاءها الراديكاليين. الحملة الاستخبارية أدّت إلى اعتقال المئات من الراديكاليين الإسلاميين، بمن فيهم العديد من ذوي الرتب القيادية العالمية. إضافة إلى ذلك، تم تمزيق أو تفكيك عشرات الخلايا المنتشرة في كل أنحاء العالم. ولدهشة الكثيرين، لم يحصل هناك أي هجوم كبير على الوطن في الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر، الأمر الذي يوفـّر الأرضية في الأمل بأن تأثير القاعدة قد تمّ إضعافه أو احتوائه. مع ذلك، إن أفغانستان مازالت فوضوية، وهناك جيوب من المقامة من الطالبان ومن بقايا القاعدة مازالت قوية وفاعلة.
الأفق البعيد يبدوا كئيباً. الولايات المتحدة تفقد تأثيرها على قلوب وعقول أبناء العالم العربي. استطلاع بعد استطلاع، واستفتاء بعد استفتاء يشير إلى أن رؤى وأفكار الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تنتقل من الشك إلى النفور والكراهية. القاعدة نفسها تحت الحصار، ولكن أفكارها تنتشر وتنتعش.
تحذير لا تراخٍ Caution, Not Inaction
جميع المشاكل المارّة الذكر تـُعتبر أرضية لهذا التحذير وهي لا تدع مجالاً لغفلةٍ ان افتراض وجود صعوبات أمام الولايات المتحدة لتوسيع دراماتيكي لحربها على الإرهاب لا ينبغي أن يـُفهم يديها مشدودتان بالكامل. إن مواصلة الضغط على إيران وسوريا ضروري، كما هي ضرورة محاولتنا لهيكلة قضية سياسية تحول دون سعيهما للحصول على أسلحة دمار شامل، ودعمهما للإرهاب ان اقتران التهديد المنظور للقوة العسكرية الأمريكية مع هذه الضغوط يساعدان في إجبار طهران ودمشق على ايقاف دعمهما للإرهابيين، والتخلـّي عن برامجها التسليمية. انّ الضغط المفتوح على نظام الأسد أدى به فعلاً أن ينأى بنفسه عن اتخاذ خطوات أولية باتجاه تقويم مساعدات للقوى المناهضة لأمريكا في العراق، واتخاذ خطوات محدودة جداً للتقليل من علنية رؤية حضور الإرهابيين في سوريا وتحرّكهم فيها. وإذا لم تستجب هذه الحكومات بما فيه الكفاية (كما هو حاصل مع طهران التي ما زالت تشكـّل تحدياً في إصرارها على برنامجها النووي) فإن جهوداً حثيثة للإعداد لقضية عالمية حول هذا البرنامج اليوم ستمهد الطريق لجعل الإجراءات العسكرية أكثر سهولة غداً.
أما حزب الله لبنان فمن الأفضل مواجهته بشكل غير مباشر. ان سوريا وحدها هي التي تملك المعلومات الكافية عن حزب الله، والقوى الأخرى في لبنان، وهي وحدها القادرة على إنهاء عمل هذه الجماعة بشكل كامل. ان حزب الله هو أداة تكتيكية لدمشق، وليس خليلاً أيديولوجياً ideological soulmate إذا صح التعبير.
ان الدمج الصحيح بين سياستين العصا والجزرة سوف يؤدي إلى تفكيك حزب الله، ودفعه لأن يتحول تدريجياً منظمة لبنانية سياسية أليفة ووديعة. الضغط على إيران، وإن كان أقل تأثيراً سوف يُساعد على تمزيق شبكة حزب الله العالمية وجعلها أكثر نزوعاً لتركيز جهودها على السياسة اللبنانية، وليس على جهاد أمريكا ومناهضتها. وعلى كلا القطرين يجب أن تسلـّط الضغوط لتشتمل على مطاليب من حزب الله لإيقاف جهوده في تسليح وتدريب المجاميع الفلسطينية.
إن تطوير سياسة أفضل باتجاه (حلفائنا) المنزعجين هو التحدّي الأصعب، لأن الأمر وقد تنزلق بسهولة نحو الأسوأ قبل توجّهها نحو الأحسن. بالنسبة لباكستان، على الولايات المتحدة الاستمرار في دفع عجلة الاقتصاد والإجراءات الأمنية لدعم حكومة مشرّف، وشدّها أكثر مع الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت جعـْلها أكثر قدرة على الوقوف ضد الضغوط المحلية التي يسلـّطها الراديكاليون. وعودٌ سريعة بالدعم هي خطوات عملية حكيمة.
أما الرياض فسوق تبرهن على أنها أكثر تحايلاً. ومع ذلك فإن تخجيل أو إحراج السعوديين على دعمهم ومساندتهم للقوى الراديكالية كانت دلـّلت على تأثيرها في الماضي، أما الزعامة الحالية، فإنها تسعى هي الأخرى للحصول على الدعم الأمريكي لإصلاحاتها الاقتصادية.
إن هجمات مايو May في المملكة كانت إحراجاً للنظام السعودي وقد استلـّت تعاطفاً محدوداً جداً من السعوديين العاديين، مشيرة بأن العائلة المالكة يمكن أن تتحرك ضد الراديكالية بشكل أكثر تصميماً مما كانت عليه في الماضي. إضافة إلى ذلك، ان سحب القوات العسكرية الأمريكية سوف يمنح الولايات المتحدة حرية إضافية في مفاوضاتها، وهي التي لم تغادر أماكن حجزها في واشنطن إلى حيث الحاجة العسكرية لها في المنطقة.
ان (الفوز) بالحملات ضد القاعدة وفي العراق هو ضروري كذلك ويجب أن يكون نقطة التركيز الرئيسية وفي قلب اهتمامات جهود الحكومة الأمريكية حالياً. ان استمرارية قدرة القاعدة على شنّ هجمات، كما صوّر مؤخراً في ضرباتها في مايو في العربية السعودية ومراكش، تشير بأن تهديداتها مازالت بعيدة عن قدرتنا على اجتثاثها أو تصفيتها. وهناك شيء آخر أكثر أهمية وضرورية وهو بسط النظام وبناء الديمقراطية في العراق. وإذا انزلق العراق نحو الفوضى، فإنه سيصبح أرضية مولـّدة للراديكالية المناهضة للولايات المتحدة وسوف تكون كلفتها حياة المزيد من أرواح الأمريكان.
إضافة إلى ذلك، إن الفشل في إرساء حكومة جيدة في العراق سوف ينظر إليه من قبل الكثيرين من العرب كدليل على أن تكتيكات حرب العصابات، والإرهاب الذي تقوده القاعدة وتناصر قضيته، بات يفعل فعله، وإنهم سوف يستخدمونه في أماكن أخرى في المنطقة.
إذن، ان كيفية مواجهة الولايات المتحدة للوجه الثالث سوف يرسم هيكلية العالم لعقود قادمة. وحين تأتي المسألة بعد إزاحة حكومتين خلال 18 شهراً، فإن أية سياسة عدوانية سوف تبدّد الشكوك المتباطئة الباقية القائلة بأن الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في البقاء لوحدها، حتى لو صوّرت أنها المستأسد والمتسلـّط الأول في عالم العولمة. ان سياسة أكثر حذراً وتسعى لحيازة دعم عالمي على النقيض من الدعاوى السابقة عليها أن تـُصلح بعض اشكال التخريب الدبلوماسي التي خلـّفتها الحرب على العراق، وبغير ذلك فان الجماعات الإرهابية وأنظمة الحكم المنبوذة ستؤكد ملاحظة مفادها ان الساعة ماضية في الدقّ ولن تتوقف. آخذين بنظر الاعتبار صعوبات العمل العسكري مقروناً بالغضب والسخط السائدين اليوم ضد الولايات المتحدة في مساحات واسعة من العالم، إلا ان الضغط الحذر هو الخيار العملي المتبقـّي الوحيد لنا في هذه النقطة.