|
الاربعاء:
16/09/2008 11:28 ص
الولايات المتحدة كهدف
للإرهاب(2/3)
بقلم: مارثا
كرينشاو
The United State as Target of Terrovism
By Marthe Grenshaw
ترجمة: مختار الأسدي
(خاص للمعهد)
منذ الستينات في
القرن الماضي بدأ تحوّل الجماعات الإرهابية الراديكالية في استهداف
المواطنين الأمريكان والمصالح الأمريكية. إن أسباب الحملة الإرهابية
المناهضة لا يمكن أن تختفي لأمريكا، إلا بعد رؤية نتائج الحرب على العراق،
أي حتى لو نجح الاحتلال في إعادة النظام إلى هذا البلد أو إعادة تأهيله.
لماذا أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية مستهدفة؟ وماذا يمكن أن نصنعه
حيال ذلك؟ فمنذ 11 سبتمبر أصبح هذا السؤال يغطي كل أنواع النقاش والجدل
الجارية حول الإرهاب، الجواب البسيط الذي يعقب هذا السؤال هو: إننا
نـُهاجم بسبب القيم التي نتبنـّاها. إنّ هويتنا، وموقعنا في العالم
وسياساتنا كلـّها تعرّض وجودنا لحملات إرهاب متواصلة. انّ الجدل حول هذه
الخطوط الثلاثة بالتأكيد مترابط ومشدود إلى بعضه البعض. انّ معارضينا كان
يمكن ألا يشعروا بالتهديد الذي تسبّبه معتقداتنا، وما كانوا ليلومنا
لفقدان العدالة لو لم نكن بالقوة والاقتدار التي نحن عليها.
واحدة من الأسس المعتمدة في هذا الإيضاح حول الحملة الإرهابية هي سجالية
حضارية. إنها تشير إلى أن أعداءنا يكرهوننا بسبب ثقافتنا وقيمنا، التي
تنزع نحو التحرّر والعلمانية والديمقراطية والمساواة والتسامح والحرية،
التي نعتبرها جميعاً مثل عليا وقيم. المواقف السلبية تجاه الولايات
المتحدة وطريقة الحياة في الغرب تقرن عادةً في العقل العام بالإسلام، وإنّ
هذه المقارنة الشاملة (أو الغزو الشامل) ساهم في ألصاق وطبع بعض متبنيّات
التعقب من جانبنا. وبغير ذلك، إذا كان المرء يقبل هذا الجدل الحضاري،
فعندئذ ان حلّ إشكالية الإرهاب يمكن أن تصنّف في خانة تغيير المنظومة
العقلية للعدو. وبالنتيجة فإن الولايات المتحدة، تساهم في تشييد أو بناء
دبلوماسية عامة لتقليل نسبة ظاهرة العداء هذه ومحاولة تعميم الصورة
الإيجابية من قبيل تمويل حملات الإصلاح التربوي المحلية وصولاً لتشكيل
توجّه موضوعي وخاصة بين جيل الشباب، وكذلك تشجيع واحتواء الطبقات
المعتدلة التي تقف على الضدّ من المتطرّفين والجهاديين الإسلاميين.
المؤيدون للحرب ضد صدام حسين يأملون بأن عودة عراق ديمقراطي آمن سوف
يقدّم مثالاً جيداً بخصوص القيم التي نسعى إلى نشرها في عموم العالم
الإسلامي، وهذا ما يمكن أن يعكس نموذجاً نحو تحوّل إيجابي مطلوب، أو على
الأقل سوف يتوقف عنـّا اللوم بسبب الآثار الكارثية التي سبّبها الحصار
الاقتصادي. مع ذلك، وعلى المدى القصير، فإن فقدان الأمن، والصعوبات
الاقتصادية، واحتكاكات الاحتلال العسكري يمكن أن تشعل بدل أن تطفئ أو
تهدئ الانطباع المناهض لأمريكا. لحد الآن، لا يبدو أننا رابحين حرب
الأفكار هذه. إن الانتقادات الموجهة ضد السياسية الأمريكية يمكن أو تؤكد
بأن أحتلال العراق يصب في الحقيقة في تثبيت مدّعيات ابن لادن في أن
الحملة على الإرهاب إنما هي في حقيقتها حرب ضد المسلمين والعالم الإسلامي.
الشقّ الثاني من الجواب على هذا السؤال، أي لماذا نحن مستهدفون يؤكد انه
بسبب قدراتنا وثرواتنا على الصعيدين العسكري والاقتصادي. ومن هذه الزاوية،
فإن معارضة الولايات المتحدة، تعتمد على العوامل الماديّة أكثر من
اعتمادها على مسألة الأفكار والقيم.
ان الإرهاب بهذا اللحاظ، إنما كان تجذر بعمق بسبب الحنق والحسد على
الثروة الأمريكية وهيمنة أمريكا على العالم. انه انعكاس لمعركة لابدّ
منها بين من يملك ومن لا يملك، وهذه فجوة تتسع وتكبر من خلال عولمة غير
متوازنة. إن الإرهاب جاء نتيجة طبيعية لفقدان المساواة في العالم. وبسبب
البؤس الحقيقي والحرمان الذي يتوزع على شرائح طبقات كثيرة من سكان العالم.
وبالنتيجة فان الإرهاب هو سلاح الفقراء ضد الأقوياء. ولذلك، إذا كانت
الكراهية بسبب سوء التوزيع الاقتصادي غير العادل، وإن الاقتدار الأمريكي،
هما جذور هذا الإرهاب، فإن الوصفة الناجعة لعلاجه تكمن في إزالة حالة
اللامساواة بين الناس وتقليص الفاقة والحرمان إلى أقصى الدرجات الممكنة.
إننا نتمكن من تخفيض سطوع المظاهر الجانبية المترفة في حياتنا، ونتصرف
بشكل أكثر تحرّساً واحترازاً، ونستخدم قوتنا الفائقة في تنمية الازدهار
والرفاه العالميين أفضل من تنمية ذلك لحساب أنانيتنا ومصالحنا الخاصة فقط.
وكذلك، وبالعمل على تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وعبر السعي لرفع
مستوى المسحوقين الواطئ، فإننا نستطيع أن نقلّل السخط والغضب اللذان
يعتبران سبباً منتجاً للإرهاب. وإذا فهم ان الحرمان أو الفقر هو السبب في
الإرهاب (وإذا عمّمت هذه القناعة أو تمّت مناقشتها)، فإن عراقاً مزدهراً
ومرفـّهاً سيكون خطوة فاعلة بالاتجاه الصحيح، غير ان نجاحاً اقتصادياً في
العراق سوف لا يرفع آخرين في بقية مناطق العالم.
وفي النهاية، ان حليفاً عراقياً غنياً ومستقراً سوف يضيف قوة لأمريكا فقط.
إضافة إلى ذلك، وعلى المدى القصير، فإن العراقيين سوف يقولون أو يشتكون
بأن القوة الوحيدة العظمى في العالم لا تستطيع توفير الكهرباء ولا حماية
محطات تزويد المياه، ولا حماية أنابيب النفط، ولا حتى توفير الكازولين
لسياراتهم. ان نقـْصنا أو عجـْزنا في الحقيقة ينسب إلى نقص إرادتنا أكثر
مما ينسب أو يعزى إلى نقص قدراتنا وإمكاناتنا، لا سيما ويـُنظر إلينا
بأننا القوة الأعظم في العالم.
الجزء الثالث من هذا الإيضاح لمسألة الإرهاب يشير إلى المآسي والأحزان
التاريخية التي لم تحلّ، بما فيها فقدان العدالة التي يُنظر إلى ان
المسؤول عنها هو الولايات المتحدة الأمريكية. ان الصراع الإسرائيلي ـ
الفلسطيني غالباً ما يؤشـّر على إنه محفـّز ومحرّض على الإرهاب، وعلى
الرغم من ذلك، وإذا كان هذا الافتراض دقيقاً، فسيكون من المثير للدهشة ان
الجماعات الإسلامية الفلسطينية لم تكن لتستهدف الولايات المتحدة. ومع ذلك
إذا كانت هذه السجلات السياسية الطويلة مصدراًً للإرهاب، فإن الجواب هو
إنهاء هذه الصراعات بسلام. وبهذا فإن واحدة من هذه السجلات وذهاب
الأمريكان للحرب في العراق، هو ان نجاحنا هناك سوف يقود إلى حزمة من
التحولات ستؤدي بالنتيجة إلى دعم عملية السلام التي يعتقد ان العرب
المعارضين للإتفاق مع إسرائيل سوف يفقدون التعاطف معهم (إذ دعمت عملية
السلام هذه أو طبقت بالشكل المطلوب) إضافة إلى ذلك، إننا كنا قد أنزلنا
دولة أو نظام حكم كان يدعم الانتحاريين الفلسطينيين بدفع مبالغ طائلة إلى
عوائلهم. ولكن ومن الناحية الأخرى، فان قوى الاحتلال الأمريكي تواجه خطراً
يومياً عبر صناعة مآسي جديدة. هذا الخطر ليس موجوداً في العراق وحسب، حيث
يتوقـّع أن الجهود التي تـُبذل لإحلال النظام لابد أن تساهم هي الأخرى في
إثارة غضب من نوع آخر، وإنما على جبهات أخرى، وأقطار أخرى. مثال على ما
أثاره أو أشار إليه أحد زعماء القاعدة وهو التعامل مع السجناء في
كوانتنامو وجعل من هذا الموضوع تبريراً لشنّ هجمات على الأمريكان.
إن العداء ضد الولايات المتحدة الأمريكية المعتمد على هذه الأسباب
المتجانسة يفترض ان يشخـّص عموم المواقف لجمهور كبير من السكان في العالم
الإسلامي. فهل هذه هي القضية؟ أو إذا كانت فعلاً هذه هي القضية فهل سيحدث
ذلك أي تغيير في مستقبل الإرهاب؟ ان من السهل الادّعاء بأن وجهات النظر
المعادية يمكن أن تشكـّل جمهوراً من الأنصار يحتمل أن يتأثر بآراء
مجموعات إرهابية تناصر الجهاد العنفي. هذه الشروط قد تساهم في إرساء
أرضية عمل الإرهاب عبر توفير مصادر دعم وتمويل، وكذلك عبر تشجيع وإنعاش
التوقـّعات والآمال في صفوف المتطرفين وتطمينهم بأن مجامعيهم تتلقى دعماً
وإنها موضع أهتمام الجماهير العريضة. ومع ذلك، فإن القاعدة التجريبية
لتشكيل وجهة نظر تكتـّلية في أوساط الناس المحبطين تبقى ضعيفة. وإننا يجب
أن نحترس أو نحترز مما قد يفكـّر به الآخرون. إضافة إلى ذلك، انّ عدم
قناعة بعض الناس بالولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها لا يفترض أن
تترجم إلى إرهاب وأعمال عنف. ففي كوريا الجنوبية مثلاً انّ الاحتجاجات ـ
غالباً ما تكون عنيفة ـ اُصبحت تقليدياً مخرجاً أو متنفـّساً للحملة
المناهضة لأمريكا. وهكذا يمكن أن تصبّ المعارضة في إطار عمل شمولي أكثر
من صبها أو ضمّها إلى عنف مؤامراتي. في الحقيقة، وفي العديد من القضايا
فإن ملاذ الإرهاب إنما هو تجسيد للحاجة إلى الدعم الجماهيري (أي بسبب
العزلة ـ المترجم) أكثر من حماسة أو اندفاع عاطفيين. إن الإرهاب ليس
بحاجة إلى أن يُربَط أو يقرن بحركة اجتماعية. إنه ليس دائماً نتيجة
مباشرة لتدفـّق تلقائي أو ذاتي لجماهير يغمرها الغضب أو السخط والكراهية.
فمن أجل أن نفهم الإرهاب، علينا أن ننظر أو نطالع الاستراتيجيات العلمية
المحدّدة للنخب السياسية والمثقفين الذين قد يمثـّلون في الحقيقة وربما
لا يمثـّلون الفكرة الجماهيرية الشاملة. المفتاح هو رغبة وقدرة عدد محدود
من الجمهور وفعلهم. ولقد عرفنا من خبرة الأيام بأن منظمات متطرّفة قليلة
قد اختارت استهداف المصالح الأمريكية بطريقة فاعلة ومدمّرة. وفي الحقيقة
فإن المجموعات التي استخدمت الإرهاب ضد الولايات المتحدة منذ الستينات لا
تمثـّل أكثر من نسبة مئوية ضئيلة لإجمالي المجاميع التي تمارس الإرهاب (وفي
تقديري الأوّلي أنها أقل من 10 بالمائة). ولذلك فإن علينا أن ننظر بتفحّص
إلى الدوافع التي يمتلكونها لاستهداف المصالح الأمريكية.
معظم المجاميع التي تمارس العنف بشكل متعمّد تبدأ كجماعات مناضلة في صراع
قوة محلي أو نضال وطني. أما أجندتهم فهي استلام السلطة السياسية في الوطن،
وانّ منطقهم يمكن أن يكون ذارئعياً براكماتياً بحتاً فضلاً عن انه
أيديولوجيا واضحاً. فالإرهاب ليس مجرد ضربة عمياء ضد عدوّ محتقر. ان
زعماء الإرهاب لديهم أهداف سياسية صلبة، وان سعيهم لتأسيس دولة إسلامية
هو أحد هذه الأهداف، ورغم إنه غير واقعي ولكننا يجب أن نتعاطى معه ونأخذه
بنظر الاعتبار. إنّ هذا التوقع يعتمد على فهم مسبَق تمّ تحقيقه في إيران،
وبشئ أقل في أفغانستان. المجاميع الإسلامية تتباين في توجّهاتها حول
مقدار واقعيتها، ولكن الحماسة الدينية ليست بحاجة لأن تنطوي على رؤية
سياسية. ان الولايات المتحدة الأمريكية هدف مفيد لأن الهجمات على
الأمريكان تشاهد بشكل واضح، لأن كلاً من أعمال الإرهاب والردّ الأمريكي
عليها (خاصة إذا رافقه استخدام القوة المفرط) بإمكانهما أن يحرّكا مشاعر
الجمهور العريض للمسلمين. ولذلك فإن الإرهاب المناهض لأمريكا يستطيع ان
يحوز على الاعتراف والتضامن العام معه. إنّ رسالتهم أي رسالة الإرهابيين
تصل إلى عدد كبير من المخاطبين، ولو لا ذلك لما وصلت إليهم. ان الإرهاب
يستهوي اتباع مختارين وحقيقيين ناهيك عن قدرته على التحشيد والتعبئة،
لأنه قادر على أيجاد مظهر لافت من مظاهر القوة سواء أحرز نصراً على المدى
القصير أم لم يحرز.
إن موظـّفي الإرهاب غالباً ما يظهروا مكترثين أو غير عابئين بالنتائج
الفورية إلا إنهم يكترثون كثيراً ويبدون صابرين في مسألة تحقيق أهدافهم
البعيدة المدى.
وإذا نظرنا إلى ما بعد المحصّلة المجنيّة من قبل الإرهابيين، فانّ أصحابه
بإمكانهم تحقيق طموحاتهم المحدّدة. أحد هذه الطموحات أو التطلـّعات هو
منع الولايات المتحدة الأمريكية من تنفيذ التزاماتها في دعم الحكومات
المحلية. ومن هنا جاءت تفجيراتهم لثكنات البحرية الأمريكية في لبنان عام
1983م من أجل إنهاء التدخل الأمريكية في شؤون هذا البلد، وهو الأمر الذي
تحقـّق فعلاً وبكفاءة عالية. وعلى نفس الشاكلة يحاول ابن لادن ويؤكـّد
على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العربية السعودية.
والهدف الثاني، وان ظهر متناقضاً، هو جرّ الولايات المتحدة أو استدراجها
إلى صراع داخلي. ان الإرهاب يمكن أن يكون وسيلة لحيازة نفوذ وأمتيازات في
معارك قوة غير متكافئة. ولهذا فإن الهجوم على أهداف أمريكية في بلدِ ما
يمكن أن يسبّب إحراجاً للحكومة المحلية التي تستهدف فيها هذه الأهداف.
كما انّ العمليات الإرهابية يمكن أن تشكـّل ضغطاً على الولايات المتحدة
ويجعلها تسرع في تنفيذ الإصلاحات. هذا، ناهيك عن إن حشر الولايات المتحدة
في معارك قوى يعرّض استقلال الحكومة المحلية ويدفعها للاعتماد على الدعم
العسكري الأمريكي الأمر الذي يقلـّل من شرعيتها أو هيبتها، وربما بفقدها
الشرعية بالكامل (كما هو حاصل في العراق اليوم أو يراد له أن يصوّر هكذا
ـ المترجم).
واحدة من الاستخدامات السياسية التي يجنيها الإرهاب من خلال هذه القراءة،
أو من خلال هذا التفسير (لمهمّة) الإرهاب هو أن الانسحاب من الاستغراق
الكامل في الأقطار الغارقة في المعارضات العنيفة سوف يقلـّل من قيمتنا أو
هيبتنا لدى أولئك الذين يريدون أو يفكرون بأن يحشروا أنفسهم مع قوى
الإرهاب. ان مسألة عدم الاستغراق هذه ليست خياراً قابلاً للتطبيق دائماً.
واحدة من هذه المعوّقات مثلاً، هو أن لدينا اهتمامات وطنية أخرى ربما
تكون أكثر أهميّة أو إلحاحاً من مسألة تقليل انجرارنا إلى مستنقع الإرهاب
في هذا البلد أو ذاك. ففي الماضي كنـّا راضين بأن نستدرج إلى هذا المستوى
من الخطر الإرهابي غير المعروف، أو ذاك من اجل تحقيق أهداف قليلة العلاقة
بمصالحنا ـ مثال على ذلك هو إعادة إشعال أو اشتعال الموانئ اليمنية أو
التسامح في دعم حكومة باكستان للطلبان قبل أحداث 11 سبتمبر. إضافة إلى
ذلك، الحضور الأمريكي الواسع في العالم على الصعيدين الاقتصادي والثقافي
الذي كان مدفوعاً لأهداف خاصة أكثر من كونه يحمل مصالح وطنية عامة. وكلما
شقّ على الإرهابيين استهداف أهداف عسكرية ودبلوماسية، فإنهم ينتقلون إلى
أهداف أصغر وأقل أهمية (وهذا ما لاحظناه في العربية السعودية، ومراكش،
وتونس، وغينيا، واندنوسيا). إذ لا يوجد هناك من سبيل لمنع الهجمات على
الأهداف الأمريكية التي تشكـّل دعاية واسعة أو تولـّدها. فالإرهابيون
اليوم يمتلكون القدرة فعلاً للوصول إلى أي هدف أمريكي، مهما كان مسرحه
بعيداً ونائياً، وضربه بسهولة. إنهم يتنامون على العولمة ويزدادون قوة
واقتداراً. كما أن المواقع المحلية يمكن ألاّ تبقى ضرورية لهم أي
لاستهدافاتهم على الإطلاق. نعم، انّ خسارة القاعدة لأفغانستان أضعفت
تنظيمهم، الا ان الواضح انّ قمّتهم القيادية مازالت باقية وبوضوح. ان
وصول القاعدة إلى حالة الشتات أو إلى (الديسبورة) Diasporas (أي اليهود
المشتـّتون في أرجاء العالم بعد الأسر البابلي(1) وإلى مجاميع منهمكة في
صراعات محلية (بسبب علاقاتها السابقة أيام التدريب في معسكرات أفغانستان)
كلـّه يجعل من بنائها الداخلي بناءً مرناً وقابلاً للتكيّف والمهايأة.
وأكثر من ذلك، إنّ الحرب على الإرهاب، وكذلك الحرب على العراق دفعنا إلى
الاستغراق أكثر في تلك التفاصيل بدل ابتعادنا أو تحففـّظنا عليها. ان
حضورنا العسكري في الشرق الأوسط كان قد توسّع بشكل دراماتيكي. (من باب
المزاح، ان حصونا على قواعد داخل العراق، بعد أن جرّدنا صدام من قدرته،
يسمح لنا اليوم الانسحاب من العربية السعودية). لقد بات لدينا اليوم دورا
عسكري كبير في العالم، من كولومبيا إلى الفلبين. كما إننا نلعب اليوم دور
الوسيط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إذ أصبح تدخـّلنا ضرورياً إلى
تحقيق الاستقرار بل إلى حيث سيعرّضنا ذلك أيضاً إلى اتهام مضادّ فيما إذا
فشلت عملية السلام. إننا اليوم أكثر استغراقاً من قبل في باكستان
ومشاكلها، بل أكثر مما كنا عليه قبل الحرب في أفغانستان. يجب أن لا ننسى
بأن الوضع في أفغانستان متفجر وسيبقى سريع التأثر بل سريع الاشتعال.
إن التوظيف المهم والمفيد لسياستنا في توضيح الإرهاب كخيار استراتيجي
لخلفيات تآمرية تحت الأرض (ونموذجية ذاك الذي ليست له دولة، رغم أن
بيروقراطيات الدولة تستطيع ان تقوم بوظيفة مشابهة) هو انه ليس أمامنا من
خيار إلا في إنهاء قدرات هذه الخلفيات من أن تفعل فعلها. وفي بعض المواطن
تقتضي هذه المهمة إزالة زعماء ومفاتيح فعل، وحرمانهم من المال والسلاح،
والقضاء على قدرتهم على التحشيد والتعبئة. وفي مواطن أخرى، يمكن تحقيق
نفس الهدف بإقناعهم بأن الإرهاب ضد الولايات المتحدة الأمريكية لا جدوى
فهي ولا طائل وراءه. هذا التغيّر في الاتجاه يمكن انجازه من خلال سياسة
الردع والإكراه القائمة على التهديدات، أو من خلال الإقناع القائم على
جعل الخيارات الأخرى أكثر جذابية أو مقبولية عند الآخر. إننا بحاجة إلى
سياسة ذات نغمة لطيفة تتعاطى مع حساسية المحيطات المحلية وبيئتها وظروفها.
لسوء الحظ، ان بعض النتائج المترتـّبة على موقفنا في العراق يمكن أن تنقض
جهودنا في دحر القاعدة، حتى لو ان حربنا هناك كانت قد أعدّت أساساً ضد
الإرهاب. مثال على ذلك، ان الحرب على الإرهاب قد تعاني كثيراً إذا كانت
سياساتنا الأحادية الجانب تسبّب لحلفائنا الذين نعتمد عليهم للحصول على
المعلومات الاستخبارات والدعم القانوني والتعاون، قد أصبحت غير مكترثة في
مسألة تبادل المعلومات الأمر الذي يؤدي إلى الوراء إثارة الشكوك وتحديد
قدرتنا في إيقاف التمويل المتصاعد للإرهاب. إن الولايات المتحدة كانت قد
بدّدت بعض الإرادات الجيدة التي حازت على شراكتها وتعاطفها في فترة ما
بعد هجمات 11 سبتمبر. ففي العراق نفسه، لقد ساعدت الظروف غير الآمنة
والحدود النفيذة والمخترقة، وسمحت بشكل واضح في عدم القدرة على (فلترة)
أي تصفية أو انتقاء عناصر القاعدة وفصلها عن المجاميع الإرهابية الأجنبية
الأخرى.
بالنسبة لصنـّاع القرار الأمريكي، إن إدارة الاحتلال وتدبير تداعياته
ليست أكثر من واجهة واحدة، وواحدة فقط من واجهات الحرب ضد الإرهاب. إنّ
المعركة ستكون بالتأكيد طويلة المصادر لاسيما و مسألة إعادة إعمار العراق
ستكون طويلة ومكلفة.
وباختصار مفيد، إن السياسيات التي ستصمّم لمحاربة الإرهاب بتغيير مواقف
الناس تجاهنا سوف تكون صعبة وبطيئة. نحن لا يمكن أن نتوقـّع تحولات فورية.
حتى لو كانت سياستنا في العراق ناجحة، كما ليس بالضرورة أن يختفي الإرهاب
إذا خفـّت حدّة العداء ضد أمريكا، وإنّ الفقراء أصبحوا أقلّ مما هم عليه
الآن. فعلى المدى القصير، انّ عملياتنا في العراق، التي هي جزءاً تكميلياً
من استراتيجيتنا التي سبقت 11 سبتمبر في احتواء التهديدات سوف تعقـّد كلا
الوجهين المواجهين بالإرهاب. إن التوترات في عراق محتل سوف يجعل من
الصعوبة بمكان تطوير صورة إيجابية وفي نفس الوقت دعم جهود التنسيق
العالمي والتركيز على الداخل الأمران ضروريان لدحر الإرهاب. وفي المستقبل،
ان نجاحاًَ ملحوظاً في مسألة إعادة إعمار العراق سيعود بالمنفعة على
الشعب العراقي ويعزّز الاستقرار في المنطقة. ان هذا النجاح سوف يساعد على
تغيير الديناميكية السياسية في الشرق الأوسط كلـّه. وخلاف ذلك، فإن حصول
أية نتيجة مغايرة سوف يزيد من حدّة اليأس في أوساط الأقليّات الراديكالية
التي تمارس الإرهاب.
|