|
الثلاثاء:
2/10/2007م
الإرهاب العالمي بعد حرب العراق(1/3)
Global Terrorism After The Iraq War
معهد الولايات المتحدة للسلام
United state Institute of peace
تقرير خاص Special Report
دانيال بنجامينDaniel Benjamin/
مارثا كرينشاوMartha Grenshaw/
دانيال بايمانDaniel Byman
ترجمة: مختار الأسدي
(خاص للمعهد)
شيء عن التقرير والكتـّاب
يعتبر هذا التقرير الخاص توسعة لمقدمة خاصة أيضاً برقم «3» كتبت إلى معهد الولايات
المتحدة للسلام حول مواضيع الساعة الملحّة، وتحديداً حول ما سمّي (الإرهاب العالمي
بعد حرب العراق) وذلك في 25 حزيران 2003م، ونظراً لحساسية التقرير وخصوصيته لم
يُكشف النقاب عنه إلا في عام 2007م.
أما مواضيعه ومحتوياته فقد جاءت كما يلي:
المقالة الأولى: وجاءت تحت عنوان «سنتان بعد 11/9» (Two Years After
11/9) بقلم دانيال بنجامين وهو استاذ وزميل في مركز الدراسات الاستراتيجية وأستاذ
في معهد الولايات المتحدة للسلام. كما عمل كاتباً في صحيفة وول ستريرت جورنال Wall
Street Journal، ومراسلاً لصحيفة تايم Time في ألمانيا.
المقالة الثانية: وجاءت تحتة عنوان «الولايات المتحدة هدفٌ للإرهاب»
(The United States as Target of Terrorism) وهي بقلم مارثا كرينشاو، الاستاذة
المتخصصة في الدراسات العالمية حول الديمقراطية في جامعة ويسليان Wesleyan
University، وأستاذة في معهد الولايات المتحدة للسلام، وكذلك عضو في مؤسسة بروكنغز
المتخصص بدراسة سياسة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي : Brookings
Institution.. On U.S.Policy Towards The Islamic World.
المقالة الثالثة: وجاءت تحت عنوان «الوجه الثالث في الحرب على الارهاب»
(Phase Three in The War on Terror وهي بقلم دانيال بايمان وهو أستاذ مساعد في
برنامج الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون Georgetown University، وأستا وزميل
غير مقيم في مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط التابع لمؤسسة بروكنغز Saban Center of
Middle East Policy، وكان سابقاً عضو الهيئة التعليمية والمهنية في جمعيات سينيت
Senate للمخابرات، ومستشار في المعهد الوطني لدراسة الهجمات الإرهابية على الولايات
المتحدة الأمريكية.
ملاحظة: يشير معدّو هذا التقرير بأن الأفكار ووجهات النظر التي جاءت فيه لا
تعبرّ، أو لا تعكس بالضرورة وجهة نظر الولايات المتحدة للسلام والتي قد لا تأتي
متطابقة أو مؤيّدة للسياسات المحدّدة للولايات المتحدة الأمريكية.
خلاصة التقرير Summary
• خارج الإطار المعروف في رفق القيم الغربية، ان الغيرة والتحسس من ثروة أمريكا
وقوتها العسكرية، ومعارضة البعض لبعض سياساتها، كل ذلك يشي بأن الهجمات الإرهابية
يمكن أن تتوقـّع في السنين القادمة. وإن مسألة تقليص الإرهاب العالمي سيتبقى بعيدة
المنال.
• تمّ إلقاء القبض على العديد من زعماء القاعدة، ولم يتكرر الهجوم على مؤسسات
الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن الهجمات الإرهابية مستمرة في الشرق الأوسط، وجنوب
وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وروسيا، علماً بأن عدداً قليلاً ومحدوداً من الإرهابيين
يكفي لإحداث تدمير هائل.
• فيما استطاع موضوع إزالة حكم طالبان من حرمان القاعدة من مركز عمليات مدعوم دولياً،
غير أن مركز الحكومة الضعيف في أفغانستان لم يكن قادراً على كبح إرادة أمراء الحرب
وأن قوات الطالبان بدأت تظهر إلى الوجود مرة أخرى.
• صحيح أن أندحار صدام حسين نفـّذه التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية،
أستطاع أن يخلـّص الشرق الأوسط من الحكم الوحشي لصدام، كما تمكـّن من تقليص أو
تحجيم مصادر مهمة لإرهاب مدعوم ومموّل دولياً، وكان كإمكانه ان يهدّد باستخدام
أسلحة دمار شامل، إلا ان استمرار وضعية عدم الاستقرار في العراق يمكن أن تجعل من
هذا القطر أرضية مرضعة ومربية للإرهاب المناهض للولايات المتحدة الأمريكية.
• انّ وجود دول داعمة للإرهاب، بمن فيها سوريا وإيران، سوف يشكـّل تهديداً، وان
خيارات تنفيذ فعل عسكري ضدهما ما زالت محدودة.
• انّ أنظمة حكم مهمة في العالم الإسلامي والتي هي على علاقات حسنة وودّية مع
الولايات المتحدة، ما زالت مهدّدة أو تهدّد من قبل قوى إسلامية محاربة أو مقاتلة.
ولكن وفي نفس الوقت فإن الدعم الأمريكي لعدد من أنظمة الحكم السلطوية في العالم
الإسلامي يثير الحنق، والاستفزاز حيال القمع الذي يمارس ضد الديمقراطية وحقوق
الإنسان، ويساهم في إيجاد أو خلق عداء كبير يمكن توظيفه من قـِبل الجماعات
الإرهابية في تطويع وتجنيد الخصوم.
• عند التعاطي مع هذه المشاكل أو الإشكاليات المستمرة والمتواصلة، فإن الوجه الثاني
في نجاح الجهود ضد الإرهاب العالمي يجب أن تختلف شيئاً ما عن منهجية السنتين اللتين
أعقبتا 11/9. هذه الجهود، يجب أن تأخذ بنظر الاعتبار المصادر الاستخبارية والوسائل
العسكرية، وضمن إستراتيجية أفضل لمواجهة الأيديولوجية الإسلامية المحاربة أو
المناضلة هنا.
• ان التركيز يجب أن يقوم الآن على أسس عميقة ويتعاطى في إطار ثوابت ومتغيرات بعيدة
المدى، بما في ذلك الدمقرطة أو التنمية الاقتصادية، وإصلاح التربية والمناهج في
العالم الإسلامي. ان مسألة التطور في البلدان الأكثرانفتاحاً، وإيجاد نوافذ رفاهية
وازدهار في هذه البلدان يمكن أن يكون مفاتيح لتحقيق الأهداف المرجوّة.
• إن إدراك هذه الأهداف وتحقيقها، يفرض على السياسة الأمريكية ان تركـّز على بناء
إجماع عالمي لتعزيز التعاون، ودغم شرعية الدستور وحكم القانون، واستخدام ضغوط حذرة
للإصلاح في الدول الإسلامية، وذلك تشجيع المعتدلين أو الأصوات الإسلامية المعتدلة،
وإنجاز الاستقرار السياسي، والبناء الاقتصادي، أو التنمية الاقتصادية في كلٍ من
العراق وأفغانستان.
• باستخدام السياسات الفاعلة والمؤثرة، فإن الإرهاب العالمي يمكن أن ينكمش ويتقلـّص
بمرور الزمن، ولكنّ الرأي العام اليوم قد استدار بحدّة ضد الولايات المتحدة في
العديد من أقطار العالم الإسلامي. إن فهم واستيعاب إشكالية العداء ضد الولايات
المتحدة وكونها نابعة من العداء الأيديولوجي الذي يمثـّله الإسلام المحارب، وليس
فقط أفعال المجاميع التآمرية، أو الإسلام عموماً، هو الخطوة الأولى باتجاه تشكل
أدوات فاعلة وآليات وأفكار تتماشى مع الإستراتيجية البعيدة المدى الموضوعة لمقاومة
الإرهاب.
سنتان بعد 11/9: ورقة متوازنة
بقلم دانيال بنجامين
Two Years After 11/9:A Balance Sheet
By Daniel Benjamin
تمر سنتان الآن على هجمات 11 سبتمبر، ويبدو أن التعاطي مع الحرب على
الإرهاب يكشف أسطوانة مرتبكة. في بعض المناطق أن الجهود الأمريكية في مواجهة
الإرهاب يبدو أنها تحقق نجاحاً أكبر مما يحقّ لنا أن نتوقعه بعد تلك الأحداث
الدامية والكارثية التي وقعت عام 2001م. لقد كانت واشنطن بطيئة في اتخاذ الخطوات
الضرورية في التأكيد على الخطة الأمنية الوطنية الطويلة المدى. ورغم أننا كنا حصلنا
على فسحة قصيرة المدى ـ كما يتجلى ذلك في غياب هجمات كارثية مماثلة ضد المصالح
الأمريكية على امتداد السنتين الماضيين ـ إلا أنه من الوهم أن نصدق بأن التجربة
الأمريكية ضد الإرهابيين الإسلاميين الراديكاليين سوف لا تكون أطول مدة وأكثر صعوبة.
الذي نفعله صحيحاً What We're Doing Right
مما لا شك فيه، إن القصة التي أعقبت تلكما السنتين الماضيتين كشفت قدرة استخبارات
الولايات المتحدة الأمريكية وشركاءها الأجانب في تعويق خلايا القاعدة وإدراك
العناصر الفاعلة والمؤثرة فيها، بمن فيهم عدد مهم ممن يشكـّلون الطبقة العليا في
الجماعة. نعم، كانت هناك عدداً من الإنجازات: في 11 سبتمبر 2002م تمّ إلقاء القبض
على زعيم الفريق الذي يقف خلف هجمات السنة الماضية وهو رمزي بن الشـِبه،وهو يمني،
تمّ إلقاء القبض عليه في كراجي. وبعد شهرين من هذا التاريخ، تم قتل قايد سنان
الحارثي وهو موظف عالي المستوى في القاعدة مع خمسة من رفاقه في منطقة نائية في
اليمن، وذلك عِبر قذيفة اُطلقت عليهم من طائرة من نوع بريديتور Predator drone،
وكذلك في نوفمبر من نفس العام، تم تعقـّب عبد الرحيم الناشري، وهو سعودي خـَدَم
كرئيس غرفة عمليات في الجزيرة العربية، وألقي القبض عليه في منطقة الخليج الفارسي.
في عام 2003م تمّ القاء القبض على وليد بطاش في كراچي أيضاً وهو عنصر ناشط آخر كان
شريكاً في هجمات مركز التجارة العالمي والبنتاغون، إن ذروة هذه الفعاليات كانت عند
تعقــّب خالد شيخ محمد وإلقاء القبض عليه في عملية هجوم ومداهمة قبل طلوع الفجر في
1 آذار 2003م في مدينة روالبندي Rawal pindi. لقد كان ينسّق مع ابن أخيه رمزي يوسف
في محاولة تآمرية لتفجير درزن من الطائرات الأمريكية من طراز 747 فوق المحيط الهادئ
Pacific عام 1995، وكان المخطط والمهندس الرئيسي لعمليات 11 سبتمبر. لقد كان محمد
هذا يروغ ويتملص من محاولات إلقاء القبض لأكثر من عقد، وكان العامل الأهم في بروز
القاعدة كأخطر جماعة إرهابية على مستوى التكتيك الخيالي في التاريخ.
كما كان هناك تقدماً ملحوظاً في مناطق أخرى من العالم. إذ يؤكد موظفون حكوميون على
خلفية هذا التقدم. ويقولون أن هناك تحسناً أكيداً وحقيقياً في قطع مصادر التمويل عن
الإرهابيين، وخاصة تلك التي شردهم عن طريق الصدقات الكبيرة والتبرّعات من العربية
السعودية، والمنظمات غير الحكومية non-Govermental organization (NGOS). وقد تم
إحراز هذه التقدم في هذا المجال عبر التنسيق ألاستخباراتي التكتيكي، أكثر منه عبر
عمليات الإصلاح المستمرة الأمر الذي جعلها أكثر تعقيداً ناهيك عن كونها اشتملت على
حروب مطاردة متواصلة أشبه بسباق الخيل في بيروقراطية واشنطن Washington bureaucracy
وبغير ذلك لم يكن هذا التقدم يصبح بهذه الدرجة من الأهمية.
ليست هناك إجازة في الانتصار No License For Triumphalism
ان السّجل الحافل لهذه النجاحات لم يكن بأي شكل من الأشكال خالٍ من التحدي
للانتصارات الأمريكية، بل على العكس ـ ورغم الملاحظات الواردة حول الثقة الفائقة في
بعض الإعلانات لموظفي الولايات المتحدة العاملين في هذا الإطار ـ فإن إرهابيي
القاعدة والجماعات المنسوبة لها أو المحسوبون عليها استمروا في نشاط فاعل وعنيف
للحدّ الذي ترك أثاراً كارثية في بعض محطات المواجهة. ان مسلسل الهجمات كان طويلاً.
إذ ان تفجيرات آب من عام 2003م في ماريوت جاكارتا Jakarta Marriot تشير إلى الجماعة
الإسلامية، المجموعة الجهادية الأندنونسية والتي لها روابط وعلاقات وثيقة مع
القاعدة بقيت تهديداً فاعلاً لأكثر من 10 شهور بعد تفجيرات اكتوبر / تشرين أول عام
2002م في النوادي الليلية في بالي Bali والتي قتلت أكثر من 200 شخص.
وفي كافة المقاييس، باستثناء تلك في 11 سبتمير، فإن هجوم بالي كان عملاً إرهابياً
احتلّ الصدارة في عمليات الإرهاب المعروفة.
وفي نفس الشهر بعد هجوم بالي، فقد قام الثوار الشيشان يقود موفزار باسييف، وهو أحد
الأشخاص التابعين لابن لادن وتحت حمايته والقريب منه في بلاد القوقاس، قام هذا
الرجل باختطاف 800 من رواد وضيوف المسارح في موسكو وهدّد بنسف البناية التي كانت
تظلّهم. وبعد يومين من المناقشات والحوارات انتهت القضية باستخدام غاز اوبيات
Opiate Gas في محاصرة الإرهابيين بغير قصد قبل تفجير البناية. وقد كان هذا الغاز
فعالاً لدرجة انه قتل ما يقارب الـ 128 من روّاد ذلك المسرح في دقائق معدودات، 41
من رجال الانقاذ وآخرين كانوا إما قتلوا بالغاز أو بإطلاق الرصاص عليهم. كانت هناك
رغبة في الكتابة عن عنف الشيشانيين وإشكالية التعاطي بينهم وبين الإمبراطورية
الروسية / السوفياتية، ولكن المنهجية الدراماتيكية المتزايدة لبعض الإرهابيين
الشيشان واللهجة المتصاعدة في نغمتهم الإسلامية المنمّقة لا ينبغي أو لا يمكن
المرور عليها أو عدم الاكتراث بها.
في تشرين ثاني / نوفمبر 2002م تم كشف مصادر تمويل القاعدة مرة أخرى في مومباسي في
غينيا. فلقد كان للمنظمة خلية تعمل هناك منذ أوائل التسعينات، وكان يعتقد أنه تم
تطهيرها أو تفكيكها بعد تفجيرات آب 1998م التي استهدفت السفارات الأمريكية في
نيروبي ودار الإسلام. هذا الاعتقاد تمّ نسف وثاقته عندما قام انتحاريون بتفجير
شاحنة معبأة بالمتفجرات تعمل لصالح فندق تعود ملكيته إلى إسرائيل يقدّمون الطعام
وضروب التسلية لرياضيين. عشرة من العمال الغينيين قتلوا، إضافة إلى ثلاثة من السواح
الإسرائيليين بشكل انفعالي، كان هناك عدد من الإرهابيين يحملون صواريخ من نوع
ستريلا روسية الصنع التي تحمل على الكتف، قاموا بإطلاقها على طائرة نفاذة إسرائيلية
كنت أقلعت تواً من مطار محلي إلى تل أبيب. إلا أن القذائف أخطأت الطائرة. وهنا عرف
بأن القاعدة كانت تمتلك صواريخ من نوع ستيلا، وكانت النية أنها تستخدم في هجمات أو
عمليات نوعية خارج مسرح أفغانستان، أي خارج الأراضي الأفغانية. كما أن هذه العملية
أكـّدت رغبة الجماعة المتنامية في الهجوم على أهداف إسرائيلية، وهذا يعني بناء جسور
للثقة بينها وبين الفلسطينيين باعتبارها تنفذ عملاً بطولياً لحساب الشعب الفلسطيني
بقصد تعزيز انتمائها وتوسيع قاعدتها في العالم الإسلامي.
كانت هذه هي أكير الهجمات، وإن كانت هناك أقل دراماتيكية منها كتفجير ناقلة النفط
الفرنسية على السواحل اليمنية، وإطلاق الرصاص على عدد من الرجال الأمريكان في
الخليج الفارسي، واغتيال الدبلوماسي الأمريكي في الأردن، وسلسلة من التفجيرات في
الفلـّبين. نستطيع القول هنا أننا نستطيع الخلود إلى الراحة بأنه لن تكون هناك
تفجيرات مشابهة لتفجيرات 11 سبتمبر ثانية، إلا أننا ينبغي ألا نفقد الرؤية في جسامة
هذه الحوادث. في نصف القرن الماضي لم تكن هناك منظمة إرهابية أخرى قادرة على تنفيذ
أو دعم عمليات قتل في مثل هذه الصورة وفي تلك الفترة الزمنية المحدودة بمن في ذلك
حزب الله لبنان الذي تمكن عام 1983م من تفجير الثكنات العسكرية لمارينز الولايات
المتحدة والقوات الفرنسية، وكذلك تفجير السفارة الأمريكية في بيروت.
دولة القاعدة The State of Qaeda
ان العمليات الاستخبارية والحرب في أفغانستان قادت إلى قتل واعتقال مجموعة من أكبر
موظفي القاعدة وأعلاهم رتباً، وكذلك في سجن وحجز ما يقارب 300 من الأعضاء في
المستوى الأدنى في الجماعة. ومما لا شك فيه ان هذه الخسائر في صفوف القاعدة، إضافة
إلى طردها وابعادها من ملاذاها في أفغانستان، كل ذلك أدى الى تقويض المنظمة وشلّ
قدرتها. إن النظر إلى جانب واحد من العملية يرنا في المقابل، ورغم ذلك انه ما زال
هناك مجموعة أو مجاميع أخرى وعلى مستوى عال من النشاط والفعالية، بل المهارة
والسطوة، بحيث تكون قادرة على تنفيذ هجمة كبيرة ونوعية. ان وكالات المخابرات
الغربية كانت على الدوام غير قادرة على تقدير القوة الإجمالية لهذه المنظمة.
بعض الوكالات اليوم تستطيع تقدير عدد أعضائها وتضعهم في برج 2500 إلى 70000، مع
الأخذ بنظر الاعتبار الحاجة إلى الاحتياط والحذر في تقييم هذه الأرقام غير الدقيقة.
وغالباً ما تكون المنظمات الإرهابية مرتبطة بالجيوش أو على صلة بها. وفيما تكون
إزاحة رقم كبير من الفاعلين في صفوف القاعدة بالتأكيد شيئاً حسناً، إلا ان مجموعة
صغيرة مثال القاعدة لا تحتاج أكثر من عدد محدود من خلايا بكر أي غير مصابة لتنفيذ
أية عملية، وحتى من النوع الضخم. وحتى الاعتقالات التي تطال الزعماء واجتثاثهم
فانها لن تكفي للاجهاز على المنظمة مادامت مدفوعة أيديولوجياً، وأن أيديولوجيتها
تنتشر بسرعة قياسية.
تشكيل الأجواء Shaping the Environment
إن الهدف المركزي في قتال أي عدوّ هو خلق الأجواء المناسبة لقيادة الصراع. وهنا
يمكن أن يثار سؤال فيما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تؤدي فعلاً مؤثراً أم
لا. وهذا هو الوجه الثاني في الحرب على الإرهاب الذي ظهر في السنة الثانية، أي سنة
تغيير النظام في العراق. فبينما لا يستطع أحد أن يغفل المنافع الكبيرة المحتملة على
المدى البعيد للشعب العراقي بعد إزاحة صدام حسين، وبمقدار ما يتعلق الأمر بالحرب ضد
القاعدة، فان غزو العراق ليس بذى جدوى. فلم يقدّم أي دليل لحد الآن عن أي علاقة
حقيقية بين النظام الحاكم في بغداد ومظمة أسامة بن لادن، ولكنّ سجّل الاستخبارات في
الحقيقة يشير إلى أنه في العقد الأخير، وحتى لو حصلت بعض الاتصالات، واحتمال عبور
بعض الإرهابيين الناشطين عبر العراق، غير انه ليس هناك أي دليل على وجود أي تعاون
بين نظام حزب البعث العلماني والمتطرفين الراديكاليين من أتباع القاعدة.
انّ الحرب على الإرهاب بالمعنى الكبير للكلمة، يؤكد القول بأن غزو العراق حقق غرضين
مهمين: زوال دولة داعمة وممولـّة للإرهاب، وان لم تكن فاعلة على هذا الصعيد فعلاً،
إلا أن تصور القدرة العسكرية لأمريكا على قلب نظام صدام حسين، كان أعطى الولايات
المتحدة نفوذاً أكبر ضد الدول والحكومات الواضحة التمويل للإرهاب لاسيما إيران
وروسيا.
(وكلا الدولتين، يجب أن نضيف، أصبحتا تتصرفان أفضل، رغم بقاء المحكمّون خارج اللعبة
لبعض الوقت لاسيما بخصوص ما يتعلق بالنشاط الايراني على الحدود مع جاريها العراق
وأفغانستان). ولكن، كتهديد للولايات المتحدة الأمريكية يبقى دور الدول المموّلة
للإرهاب أقل تأثيراً في عواقبه، إذا ما قورن بفاعلين وناشطين بلا دولة كأفراد
القاعدة، الذين سوف يستفيدون بالتأكيد من الاحتلال الأمريكي للعراق.
تكاليف الحرب على العراق Costs of Iraq
كيف تستفيد القاعدة؟ ان السقوط الأكبر لقوات ابن لادن يأتي في إطار الدعاية
والإعلام، خاصة وانّ عنصر الإعلام ليس شيئاً بسيطاً لحركة تضع نفسها في موضع البطل
الإسلامي الذي لا يمكن تحدّيه، وتضع من الإسلام هدفاً أساسياً لها. بعد احتلال
العراق منحت الولايات المتحدة القاعدة فرصة كبيرة للترويج لجدليتها بأن «زعيمة
الكفر العالمي» تسعى لتدمير الإسلام والقضاء على المؤمنين به. وهذا هو المحور
الأساسي في رسالة القاعدة على امتداد وجودها، وان المنظمة تستخدم العراق اليوم
مثالاً لحيازة بعض المكاسب في المنطقة على صعيد التطويع والتعبئة ورفع معدلات
التمويل. استطلاع رأي أولي مستقل من قبل بعض الجماعات من قبيل مؤسسة بيو Pew
Foundation وغيرها أكد بأن هذه الرسالة (أي إدخال الإسلام) كانت لها انعطافة مهمة
وشاملة في الرأي العام ضد الولايات المتحدة خلال السنتين المنصرمتين. مجمل المعطيات،
على هذا الصعيد تشير بأن التآكل أو التعرية المستمرة والبطيئة والطويلة الأمد
للمشاعر الإيجابية المتعلـّقة بالولايات المتحدة كانت مهّدت الطريق لانعطاف أو
انزلاقة أثناء فترة الحرب على الإرهاب وخاصة أثناء غزو العراق. كما أن حضوراً دائماً
للولايات المتحدة الأمريكية في العراق وهو القطر المركزي في فترة الحكم الإسلامي
الذي كان يـُشغل موقع الخلافة الإسلامية، سوف يجعل من الصعوبة بمكان إزالة أو قلب
مثل هذه الهواجس والانطباعات. نعم، ان وجود بعض المعلومات الإيجابية بشأن مسألة
إعمار العراق يمكن أن تكون عوامل مساعدة لإزالة بعض هذه الهواجس، غير انّ هذه
المعلومات يجب أن تكون قوية وصادقة، ويمكن تعزيزها أو تأكيدها من قبل العراقيين
أنفسهم وصولاً لتحقيق الهدف المذكور.
ان احتلال العراق يقدّم مؤشرات أخرى، إضافة إلى تلك المتعلقة بأخطار الحرب ضد
الإرهاب. أولى هذه المؤشرات وكما يبدو أحتمالاً أكبر، هو أن العراق سوف يتحوّل إلى
مسرح مركزي للإسلاميين، أو للداعين للإسلام، أو منطلقاً للهجوم على الولايات
المتحدة الأمريكية. البعض يجادل بأن احتلال العراق سوف يجعل هؤلاء يهاجمون الولايات
المتحدة في أماكن أخرى من العالم، بما فيها أمريكا نفسها. ولكن هذه الجدلية تبدو
غير واقعية أو غير حقيقية مادام ليس هناك ما يشير إلى أن فاعلية عمل ناشط في هذا
المكان بإمكانه أن يؤثر في مكان آخر. نعم، ان العراق سوف يستهوي أولئك المقاتلين
الذين يبدو أنهم مستعدين لتنفيذ حرب عصابات تقليدية ـ كما هو حال العديد من
المتدربين في المعسكرات الأفغانية الذي أظهروا قدرتهم في فعل ذلك ـ بينما سوف يستمر
أولئك المتدربين على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية، أو يستمر تركيزهم ضد الولايات
المتحدة الأمريكية والمصالح الغربية في مناطق أخرى من العالم. (هؤلاء المقاتلون سوف
يشعرون بانشدادهم المشرّف في مهاجمة القوات الأمريكية داخل العراق مادامت المصداقية
الإسلامية هي المحدّدة للنضال على خط المواجهة الأولى). أما التكلفة الفاعلة لجهود
الإعمار فسوف تؤخذ بنظر الإعتبار هي الأخرى. فما دامت القوات الأمريكية قادرة على
التركيز على دعم جهود البناء أقل من تركيزها على حماية نفسها، فإن نسبة التحدي سوف
تقلّ، وعلينا أن نتعاطى مع هذا التحدّي بتصدير أو صياغة نموذج لمستقبل يتوقعه
العراقيون، وهذا بدوره سوف يؤثر إيجابياً على مصداقية الولايات المتحدة وموقفها في
عموم المنطقة. هناك أيضاً تهديدات وتحدّيات أخرى من قبيل انتشار الأسلحة والمواد
الخطيرة الأخرى. وفي أسوأ سيناريو متصوّر، أو يمكن تصوّره للمنطقة، هو وقوع أسلحة
دمار شامل بأيدي مناصرين أو موالين لنظام حكم معين يعتقدون بأن مستقبلاً في عراقٍ
تقوده أمريكا ليس واعداً ولا أمل فيه بالنسبة لهم. إضافة إلى ذلك، وما يفترض
التحذير منه أو التحرّز له، هو احتمال وقوع قذائف من نوع القذائف المضادة للطائرات
والمحمولة على الكتف بأيادي إرهابية، وهذا هو ما حذرت منه أصوات عديدة في الإدارة
العسكرية الأمريكية.
وفي أماكن أخرى Elsewhere
هناك عدد آخر من التطورات تشير إلى وجود مشاكل إضافية يفترض بالولايات المتحدة
الأمريكية وحليفاتها أن تتعاطى معها بحذرٍ واهتمام بالغين. أول هذه المشاكل وأكثرها
ظهوراً هو تدهور الأوضاع وزيادتها سوءاً في أفغانستان. ان كلاً من الطالبان
والقاعدة يظهر ان نشاطاً متزايداً، وان المدى الذي تتحكم به حكومة قرضاي قد تتقلـّص
في حدود كابل، هناك احتمال انبثاق دورة عنف أخرى وربما يقودها أمراء حرب جدد. ففي
الماضي كان الإرهابيون يجدون ملاذاً آمناً في المناطق والمقاطعات الي يتحكم بها
هؤلاء الأقوياء، وهو ما يمكن حصوله مرة ثانية، الأمر الذي يمنح الإرهابيين فسحة
أكبر من الشعور بالأمان أثناء تخطيطهم وتدربهم لشنّ هجمات. إضافة إلى ذلك، يرى عدد
من الخبراء والمتخصصين ان القاعدة الجغرافية للإرهابيين الإسلاميين قد تنتقل إلى
بلاد القوقاس حيث تقام لهم هناك معسكرات خاصة بالتدريب ـ كما يقال ـ يمكن أن يكون
الروس وقوات أخرى قادرة على تدمير تلك المعسكرات، وان بشكلٍ غير حاسم خاصة في
الشيشان والمناطق الواسعة الأخرى حيث سيكون بإمكان الإرهابيين الانتقال من معسكر
إلى آخر، وهذا يعني بقاء المشكلة واستمراريتها.
المشكلة المتنامية الأخرى تكمن في راديكالية اسكان المسلمين الأوربيين وتماماً كما
حصل في العام الماضي حيث شهد العالم أول تفجير انتحاري من نوعه في إسرائيل والذي
نفـّذه مسلمون يحملون الجنسية البريطانية. لقد كانت الحادثة فردية ولكنها تعكس
حقيقة أعمق بكثير من ظاهرها. وكما تصوّر بعض استطلاعات الرأي فان هناك ظاهرة خطيرة
باتت تنمو في الغرب وتعمّق جذورها وهي انسلاخ جيل الشباب المسلمين المولودين هناك،
تماماً كما لاحظ ذلك العالم الفرنسي أوليفر روي Olivier Roy الذي يقول: انّ هذه
العصبة بدأت تجد بديلاً جديداً لانتمائها وتعتنقه، مفادها ان الانتماء الإسلامي
كهوية بديلة، غالباً ما تنحى نحو الراديكالية وتتـّسم بالعنف. إن هذه الإشكالية
ربما تؤسس لظاهرة تحدّي أمني جدي وخطير لا يمكن إغفاله في أوربا والغرب عموماً.
ما هو الشيء المفقود What's Missing
ان النجاح في العمليات الاستخبارية قاد إلى التركيز كثيراً على رأس واحد في شوكة
الإستراتيجية الأمريكية، أي على حساب الرؤوس الأخرى العديدة والمتنوّعة. إنّ واشنطن
تواصل تأكيدها وبشكل مكثف على الدول الداعمة للإرهاب الأمر الذي يجعلها تتجاهل ما
قاله دانيال بايمن حقيقة حول الإرهاب أصبح وكيف ما سماه التمرد العالمي اليوم يمتد
أو يسري مختبئاً من حدود المحيط الهادي مروراً بالمغرب وحتى أوربا. ان الصراع الذي
نواجهه اليوم ليس صراعاً من نوع واحد تتبناه مجموعة صغيرة وتصمم على مواصلته (حتى
الموت) وإنما هو صراع سريع الانتشار ويحمل أيديولوجية عميقة العداء لنا. نعم إن
سجّلنا في مواجهة خلاياه ومؤامراته تبدوا فاعلة ومؤثرة، ولكن الظاهر انه ليس هناك
وعداً قاطعاً بأن الجولة القادمة من العمليات أو الهجمات الإرهابية الكبيرة ستكون
أقل دراماتيكية ودراماً من تلك التي حصلت في 11/9.
ما هو الشيء الذي يجب أن نفعله إذن؟ ليست هناك إطلاقة سحرية طبعاً، ولكن الولايات
المتحدة الأمريكية يجب أن تبدأ بالتركيز على الدائرة الأوسع للمسلمين الذين يمكن
إغواءهم من قبل الرسالة المقدسة التي ترفعها القاعدة وتروّج لها. يجب علينا ألا
نكثـّف جهودنا على المسائل الاستخبارية والمعلوماتية والمسائل القانونية فقط. نعم،
ان هذه المسائل مهمة فعلاً، ولكن القضية تتطلب إبداع أو ابتكار متواصل ومستمر
لاسيما و ان العديد من الأقطار باتت تشاركنا الخوف من التهديد واحتمالات الخطر،
وهذه مسألة لم تكن محسوبة قبل أحداث سبتمبر 2001م. إن علينا أن نطوّر أو نبتكر
سياسة خارجية تستطيع أن تناغم التوجهات الراديكالية في العالم الإسلامي وتتعاطى
معها. بكفاءة وفعالية.
هناك عناصر محورية لركائز مثل هذه السياسة يمكن أن تتضمن
العناوين التالية:
• الدمقرطة Democratization: الديمقراطيات، أو الأنظمة الديمقراطية وحدها هي
المعوّل عليها في احتواء بعض أشكال المعارضة المتنامية في الاقطار المسلمة. ولذلك
يجب دعم منهج دمقرطة هذه الأنظمة بشكل تدريجي والعمل على دمج هذه المعارضات بأنظمة
الحكم القائمة ـ التي لابد من العودة إليها لما تشكـّله من دعم لنا لمواجهة الإرهاب
ـ وتشجيعها على تنفيذ خطوات انفتاح جديدة عليها. ان الإجراء المتعجّل للسياسة
الأمريكية في هذا السياق يمكن أن يكون خطيراً باعتباره سيجلب للسلطة قوى محاربة
ربما تضمر العداء لمصالح الولايات المتحدة.
• إدخال تحسينات على الأنظمة التربوية في المنطقة: ان انتشار التآكل
والتعفـّن في مدراس بعض الدول في المنطقة لم يترك خياراً للكثير من الآباء
والأمّهات لإرسال أو حشر أولادهم في مدارس دينية ستغرس في عقولهم أيديولوجية
راديكالية، من غير المعوّل عليها إعداده لتلـّقي أفكار ورؤى تنويرية حديثة.
• دعم التحرير الاقتصادي: ان معظم أقطار العالم الإسلامي تواجه ضغوط وصعوبات
ديمغرافية واقتصادية. ولا يوجد هناك حتى قطر واحد بإمكانه توفير العدد المطلوب من
فرص العمل الضرورية الذي يتواءم مع الانفجارات السكانية في هذه الأقطار. الآمال
الأولية لتحسين أو رفع بعض الصعوبات الاقتصادية تكمن في التنمية الاقتصادية، التي
لطالما تعوّقت بسبب الفشل في مجالات الإصلاح الاقتصادي.
• كبح التحريض: العديد من الحكومات المتسلـّطة تحاول أن تبعد القدح والنقد
عن نفسها ملقية بهما على العدو الخارجي كاسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية
والغرب عموماً. زعماء الولايات المتحدة كثيراً ما شجبوا مثل هذه التوجّهات لتلك
الدول إلا إنهم نادراً ما وجّهوا ضغوطاً حقيقية على أنظمتها لإيقاف التحريض ضدها.
ومن أجل إنهاء هذا النمط من الثقافة الراديكالية، يجعل على قادة الدول الإسلامية ان
يـَعرفوا أو يـُعرفوا بأن هذه الممارسة لا يمكن تحمّلها بعد اليوم.
إن إحراز أي تقدم حقيقي في هذه الاتجاهات يتطلب المزيد من الفاعلية الديمقراطية
والأموال. لقد اتـّخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوة في الاتجاه الصحيح مع
مبادرات شركائها في بعض دول الشرق الأوسط، التي راحت تشجّع على الديمقراطية أو
التأسيس لها في مجتمعاتهم، وتدعم المجموعات التي تدعو لذلك ومازالت أصواتها غير
مسموعة في أقطارهم. إلا انّ هذا سوف يأخذ وقتاً طويلاً لتحقيق الهدف الدائمي
المنشود. كما انه بحاجة إلى كمية كبيرة من رأس المال السياسي الذي لا يمكن أن يتحقق
إلا من خلال حيازة أو شراء الدعم المطلوب، على الأقل لتهدئة موضوعة العراق. تأريخياً
من الوقت لكي تفصل ما تراه صحيحاً محلياً، مادامت هذه الأنظمة تدعم سياساتنا
المتعلـّقة بعملية السلام في الشرق الأوسط وأمن الخليج الفارسي.
ولكن، مادامت هذه الأقطار تشكـّل حاضنات آمنة للراديكاليين، فإننا لن نستطيع أن
نغمض عيوننا لما يجري داخل حدودها.
|