|
|
 |
الحضارية «
دراسات استراتيجية » |
|
العراق والمرتزقة الجدد
حسن عبيد عيسى(*)
شهد عراق ما بعد الغزو
ظاهرة ملفتة للنظر، متمثلة بتحويل هذا البلد العريق إلى ساحة عمل لعشرات الألوف من
العناصر الأجنبية العاطلة عن العمل والمسكونة بالقتل والإجرام والباحثة عن الكسب
الحرام والتي كانت تمارس التسكع والجريمة في أحياء فقيرة ومشبوهة في الشرق والغرب
حيث تمارس أنواع الجرائم جهاراً نهاراً، تلك العناصر هي فئة من الناس ممن يبيع
خدماته لمن يشتري بصرف النظر عن طبيعة العمل ونوعيته، المهم كم سيحصل العنصر الواحد.
أما إذا توفرت فرصة لإرواء تعطشه لسفك الدماء البشرية، فإنّ عمله ذاك سينطوي على
متعة رائعة.. أولئك هم المرتزقة العاملون الآن في العراق تحت خيمة ما تسمى بشركات
الأمن الأمريكية والأوربية المختلفة والتي كانت تعمل في أفريقيا قبل أن يفتح بوجهها
السوق العراقي المغري.
واللافت للنظر، إن تلك الشركات التي أثرت وتضاعفت مداخيلها أضعاف أضعاف مقادير
أصولها المالية جرّاء العمل في العراق تحت واجهة تأمين الخدمات الحمايوية، لم تكن
تكتفي بالحصول على المبالغ الطائلة والخيالية لقاء استيراد هؤلاء المجرمين
المأجورين وما يترتب عليه ذلك من عمولات ضخمة، وإنما ثبت قيامها بالتحايل والتدليس
والتزوير لسرقة أكبر ما تستطيع سرقته من أموال وثروات العراقيين المستباحة لكل من
هب ودب. والمدهش في هذا الأمر تواطؤ القضاء الأمريكي مع تلك الشركات بادعاء جهات
قضائية أمريكية عليا (المحكمة الفيدرالية الأمريكية) إنها لا تستطيع التدخل بشأن
تحايل وسرقات تلك الشركات، أضف إلى ذلك مصدر آخر للإثراء المريب وهو قيام هؤلاء
المرتزقة بتشكيل عصابات للجريمة المنظمة في بلد ليس للقانون فيه كيان قوي.
ونحن على أعتاب بحث هذه الظاهرة لابدّ لنا من الإلمام المبسط بتاريخ المرتزقة منذ
عرفتهم الحروب وحتى تكالبوا على الساحة العراقية المستباحة خطوة خطوة، لإتاحة
الفرصة للقارئ الكريم للخروج باستـنتاجاته الخاصة بضوء هذه المتابعة ولتبرير
إطلاقنا تسمية المرتزقة الجدد على الأجانب المسلحين العاملين في العراق الآن خارج
النطاق الرسمي لقوات الغزو تمييزاً لهم عن المرتزقة التقليديين، من حيث التكييف
القانوني على الأقل.
المرتزقة في التاريخ القديم
قد تكون معركة قادش التي جرت على ضفة نهر العاصي في سوريا سنة 1288 ق. م بين
المصريين يقودهم رمسيس الثاني والحيثيين بقيادة موتاللو هي التجربة الأولى لاستخدام
جنود مستأجرين يقاتلون مقابل أجور في سبيل قضية لا تعنيهم. فقد تضمن الجيش المصري
مجاميع من أولئك الجنود(1) ومنذ تلك المعركة، كان لحكام مصر مصادرهم الخاصة للحصول
على المرتزقة وخاصة الإغريق ومجاوريهم مما سمي بالشعوب البحرية، فقد كرر رمسيس
الثالث استخدامهم لقتال عدو قوي يخشى بأسه ألا وهو الفلسطينيون عام 1174 ق. م حيث
وقعت معركة فاصلة دارت رحاها بين الطرفين في المدن الفلسطينية الساحلية (غزة
وعسقلان وأشدود) شاركت فيها أعداد غفيرة من الجنود المرتزقة الإغريق ضمن صفوف الجيش
لمصري(2).
وكان من بين أهم أسفار المرتزقة في الحقب التالية سفر (الانابابس) أي حملة العشرة
آلاف مرتزق الذين قادهم المؤرخ الإغريقي (زينفون) تلميذ (سقراط) من بلاد الأناضول
إلى بلاد الرافدين ليشكلوا جيشاً لأمير فارسي اسمه (كورش الأصغر) كان ينوي
الاستحواذ على تاج الفرس من أخيه الملك (أرتحششتا الثاني) وهما ابنا دارا الثاني
وذلك سنة 401 ق. م.. وكان ذلك السفر من بين أكبر المآسي التي لقيها المرتزقة،
وتستطيع الإطلاع على سجلها كاملاً في كتاب لقائدهم زينفون(3) والتي قال عنه ليدل
هارت (قد يكون أعظم ما كتب عن الحرب)..
وظلت بلاد الإغريق التي هي مصدر المرتزقة للمصريين والفرس تصدر الجنود الأقوياء إلى
كل الممالك التي تتطلع إلى الحروب والتوسع، فكانت معركة جوجاميلا الشهيرة (331 ق.
م) التي تعد واحدة من أهم معارك التاريخ القديم بين دارا الفارسي والاسكندر
المقدوني معركة مرتزقة، فالفرس الذين انقرض حماتهم التاريخيون الذين كان يطلق عليهم
(فرقة الخالدين) نتيجة للحروب المتكررة لجؤوا إلى استئجار المرتزقة الإغريق، وكان
الاسكندر ذو الطموحات المنفلتة بحاجة إلى أعداد خيالية من الجنود ليتمكن من تحقيق
تلك الطموحات، لذا لجأ إلى استئجار العاطلين عن العمل والحروب وتنظيمهم ضمن قيادات
جيشه الجرار. إلا أن حقبة ما بعد الإسكندر شهدت تدهوراً في الانضباط والأداء فقد (صار
المرتزقة العنصر الغالب في الجيوش: العنصر الذي يشرى ويباع) لذا صار الذهب عاملاً
حاسماً(4).
أمّا لماذا كانت بلاد الإغريق بالذات هي المصدر لهؤلاء الجنود؟ فذلك لأنها بلاد
عاشت طويلا ً على الحروب والقتال البيني والخارجي، وإنها بلاد غير صالحة كلياً
للزراعة بما يكفي لإنتاج قوت يسد رمق كل سكانها، فكان لابدّ لسكانها من تأمين مورد
رزق آخر غير الزراعة.. لذا فقد وجدوا وسيلة ارتزاقية جديدة متمثلة باستأجار الأنفس
للدول الأخرى لأغراض القتال.. فلا عجب أن تجد وأنت تتمعن في معارك التاريخ القديم
جنوداً إغريق يتقاتلون فيما بينهم في كلا طرفي المعركة، فكلا القائدين المتحاربين
استأجر مرتزقة إغريق كما وجدنا في مثال الإسكندر ودارا في معركة جوجاميلا.
وقد مارس الرومان فيما بعد تلك العملية إلى درجة إنهم تمكنوا بواسطة جيوش من
المرتزقة من هزيمة أعدائهم كثيراً في الخارج كما يرى مونتجومري في كتابه الحرب عبر
التاريخ(5). ولعلّ من بين أبرز قادة المرتزقة الرومان هو (جنايوس بومبيوس) تلميذ
سلا الذي يعرف في الكتب العربية باسم (بومبي). ولقد شجعت روما الأجانب على الانخراط
في صفوف جيشها بأن عمدت إلى منح الجنسية الرومانية لكل من يرتدي البزة العسكرية
الرومانية كما تفعل أمريكا الآن.
وعلى الرغم من إن الرومان كانوا يعتمدون على المرتزقة في تشكيلاتهم القتالية كما
رأينا وأنّ القرطاجيين مثلهم استخدموا مرتزقة من جنسيات وأمم مختلفة كالأسبان
والغال والليبيين والفنيقيين وغيرهم ما جعل الجنرال فولر يصف جيشهم بأنه (مؤلف من
عناصر متنافرة) لذا فانه فسر غلبة الرومان لهم بقيادة سيبو بأنّ هذا الأخير أنشأ
خيالة صالحة(6) عدا ذلك نقطة تفوق توجب الغلبة، ولم يدرك فولر أنّ المرتزقة في
الجيش القرطاجي ساهموا في خنق حريات أهالي قرطاجة وضيّقوا عليهم عندما حلوا بين
ظهرانيهم ضيوفاً ثقلاء، بعد عودتهم الخائبة من حرب ضروس ما جعل الناس يتمنون المصير
الأسوء لمجرد التخلص من هؤلاء المجرمين.
وورث البيزنطيون تقاليد الرومان الأوائل، فكانت أغلب جيوشهم من العناصر المرتزقة،
حتى أن الجيش الذي قاده بليزاريوس سنة 532م لقتال الوندال كان جيش مرتزقة على
الأغلب ومن جنسيات مختلفة، لا بل إن الفيالق البيزنطية الرئيسة في زمن جوستنيان وهي
(الفوديراتي والاوبتيماتي والبكيلاري) كانت كلها من المرتزقة البربر، وكان الفيلقان
الثاني والثالث هما القوة الضاربة بيد الإمبراطور والمسؤولة عن حمايته.
وفي فترات التعطل عن الفعاليات الحربية كان يبرز في أوربا بين فينة وأخرى قائد
يستأجر المحاربين العاطلين من نورمانديين وغيرهم ليشكل منهم جيشاً يمارس عمليات
السطو الواسعة وقطع الطرق كما فعل بعض أفراد عائلة البارون (هوتيفيل) وخاصة المدعو
جيسكار الذي قاد واحداً من أكبر جيوش المرتزقة في ذلك الحين وجمع أموالاً هائلة عن
طريق اللصوصية وقطع الطرق، وقد حدت به طموحاته إلى مطالبة البابا جريجوري الرابع
سنة 1059م بتنصيبه ملكاً على عموم إيطاليا.
تلا ذلك ظهور وليام الفاتح الذي اشترى جنوداً من النورمانديين والفرنسيين
والإيطاليين وغيرهم تمهيداً لغزو انجلترا.. لقد كانت تلك حالة أوربا الاجتماعية
عشية الحروب الصليبية التي كانت بالدرجة الأولى مطلباً ارتزاقيا من جانبين: الأول
هو جنود المرتزقة وقادتهم الباحثين عن مغانم كبرى، والثاني هو الحكومات والشعوب
الأوربية التي تريد إبعاد هؤلاء اللصوص والمجرمين خارج محيط السكن بحثاً عن ألامان
والاستقرار، فكان قرع طبول الحروب الصليبية وسيلة لإبعاد تلك الجحافل المجرمة عن
مدن أوربا وتحديداً نحو الشرق الثري. ويسجل التاريخ إنّ الحملة الصليبية الثانية
وما بعدها كانت حملة تكاد تقتصر على الرهبان والمرتزقة، وكان أن وعت الكنيسة أهمية
استئجار المرتزقة خصوصاً وأن رجالاتها غير مدربين عسكرياً لتنفيذ رغباتها وتحقيق
تطلعاتها وبذا فقد أرست الكنيسة الكاثوليكية ورسخت قواعد ذلك العمل في إيطاليا.
والمدهش في هذا المجال إن الكنيسة الكاثوليكية في القرن العشرين أبدت رغبتها في
التعاون مع المرتزقة بأسلوب لا يظهرها كمتورطة في حرب عصابات غير نظيفة، وهو الأمر
الذي أبلغه القس البروتستانتي جيبكانس المتعاون مع المرتزقة إلى المرتزق الألماني
شتينر الذاهب للمشاركة في تمرد جنوب السودان عام 1969م (7).
وما أن توقفت الحملات الصليبية حتى عادت أوربا تعاني الأمرَّين من أولئك المجرمين،
وكان ثمة ما يبرر ضرورة استخدام هؤلاء في إيطاليا في وقت ما حتى باتت مهمة الدفاع
عن الحواضر هناك مناطة بهم ما سهل اجتياح البلد من قبل الجيش الفرنسي. فيما شكل
استخدام جيوش المرتزقة مقياساً لشعبية بعض الملوك، فملك الإنجليز (جون) صار مكروهاً
لأنه سلـّط عتات المجرمين من الجنود المرتزقة على مدن بلاده، وكانت (الفرقة العظيمة)
التي ضمت صفوفها ألف مرتزق(8) من بين أهم تشكيلاتهم. وبهدف صهر المرتزقة الذين زادت
أعدادهم زيادة هائلة بالقوات النظامية فقد صار يطلق على المرتزق اسم (جندي)، ولم
يكن هؤلاء وقتئذ مدينين بالولاء لمن يستخدمهم كعادتهم في كل عصر وزمان بل كانوا
يقاتلون لحساب الأكثر بذلا(9).
وحتى إرهاصات عصر النهضة اضطلع السويسريون بالمهمة، فكانوا جنودا تحت الطلب يعرضون
أنفسهم للبيع والإيجار لكل من يريد أن يحارب ولم يجد لديه العدد الكافي من الجنود،
فكانوا كما الإغريق يقاتلون في كلا الجيشين المتحاربين، فهم في صفوف الفرنسيين في
حربهم مع الأسبان يقاتلون إخوانهم في الصفوف الأسبانية، على الرغم من صرخات القس (زوينجلي)
الذي كان يحارب هذه الظاهرة الفاسدة، لقد كانت الحروب في تلك الحقبة باردة وغير
حاسمة لأنّ المرتزقة في الطرفين المتحاربين كانوا قد اتفقوا على أسس القتال وطريقته
بما لا يغضب قادة الجيشين المتحاربين، وقد تكون الخسائر بين الطرفين من القلة بحيث
لا تكاد تذكر في بعض المعارك.
وكانت للإيطاليين فرقهم الارتزاقية في تلك الحقبة وهي الفرق التي عرفت باسم (الكونديتيري).
ولم يتخلف الألمان عن الركب، فأجروا أعداد غفيرة من مواطنيهم للحرب في هولاندا
وفرنسا وغيرهما، فالارتزاق مهنة تجلب الثروات الطائلة للسماسرة. وعلى ذكر هولاندا
فإنّ فرقاً من مرتزقة آخرين كانوا يلعبون أدوارا مؤثرة في تلك البلاد وخاصة فرقة
المرتزقة الإنجليز والتي قاد بعض عناصرها المغامر (فرانسيس فير).
لقد كانت الحروب الدينية التي حدثت في أوربا سبباً من أسباب انتعاش ورواج تجارة
الارتزاق، وخصوصاً في فرنسا، فقد كان الفرنسيون البروتستانت يستوردون مرتزقة من
ألمانيا وانجلترا لقتال مواطنيهم الفرنسيين الكاثوليك تعويضاً عن النقص العددي.
وليس ثمة مؤرخ منصف يُنكر إن تاريخنا الإسلامي والعربي كان خالياً من شراذم مأجورة
تخدم الحكام الذين أغلقوا قصورهم في معزل عن الشعب ظناً منهم إن المرتزقة يؤمنون
حمايتهم ضد شعوبهم، وكان الأكثر إفراطا في استخدام هؤلاء الأجراء هو الخليفة
العباسي المعتصم بالله بن هارون الرشيد الذي خشي سطوة الحرس الخاص بالبلاط وفيهم
عناصر فارسية مسيطرة(10)، فاستقدم مرتزقة أتراك زاد وضع بغداد سوءاً من خلال
الاحتكاك المفضي إلى مشاكل بين هؤلاء المرتزقة الذين يرون الخليفة ضمن حمايتهم وبين
أهل بغداد الذين ذاقوا الأمرين من جنود مأجورين ما جاء بهم غير الجشع والرغبة في
الاستحواذ على المال بأية طرق متاحة، الأمر الذي دعا المعتصم لأن يأخذ مرتزقته
ويغادر عاصمة الخلافة إلى مدينة أنشئت لتكون معسكراً لتلك الشراذم ألا وهي سامراء،
وليس قصياً عن ذاكرة المتتبع ما لقي الخلفاء التالين على أيدي المرتزقة من الجنود
الذين كانوا يبيعون الخليفة لمن يدفع لهم أكثر، فكان الضحية الأولى هو المتوكل، ثم
استمر مسلسل الإذلال حتى صار الخلفاء وسيلة بيد قادة الجند المأجورين يبتزونهم أو
يبيعونهم وإلاّ فالسمل والخلع وربما القتل هو المصير عندما لا يوجد من يشتري،
فالمنصب الفارغ خليفته من يشتريه.
ولقد كانت الحروب الصليبية قد شهدت الكثير من الصور المؤلمة التي مازلنا نتذكرها
بألم على الرغم من الانتصارات التي حفظها التاريخ للعرب المسلمين على أولئك الغزاة،
ومن بينها قصة حصن الأكراد وهو حصن منيع على الجبل الذي يقابل حمص كما يصفه ياقوت،
كان بعض أمراء الشام قد بنى موضعه برجاً وجعل فيه قوماً من الأكراد طليعة بوجه
الإفرنج وأجرى لهم أرزاقاً فرصنوه حتى صار قلعة شديدة التحصين، ولكنهم بسبب جبنهم
وخوفهم من غارات الإفرنج عليهم باعوه إلى أعداء الدين ورجعوا إلى بلادهم فملكه
الإفرنج(11).
ابن خلدون والمرتزقة
قد يحتج البعض في إن المرتزقة بالاسم المتداول بيننا لم يكن معروفاً في زمان ابن
خلدون وإن حشر اسم الرجل في هذا المضمار يعد إسقاطاً، فنقول إن هذا غير صحيح،
فالإشارات التي ضمنها ابن خلدون مقدمته تدل بوضوح على ما نقصد، ولقد زاد الدكتور
محمد عابد الجابري الأمر وضوحا عندما تصدى لشرح أساس فكر ابن خلدون في (العصبية
والدولة) فقد وضع في كتابه الذي يحمل هذا العنوان النقاط على حروف اسم المرتزقة
الذين كان يشير إليهم ابن خلدون ويعنيهم، فلنستمع للجابري وهو يتساءل (لماذا لا
يستطيع رئيس العصبة المنفرد بالمجد والملك، الاستمرار في الحكم اعتماداً على القوى
الجديدة التي يصنعها كالمرتزقة مثلاً، بل يكون مصيره المحتوم انهيار دولته؟)(12).
ثم يفسر مصطلحا لابن خلدون فيقول (يقصد ابن خلدون بهرم الدولة تلك المرحلة التي
تفسد فيها العصبية الحاكمة، فيلجأ الملك إلى الاستعانة بالموالي والمصطنعين
والمرتزقة)(13). ثم ينقل الجابري نصاً من المقدمة أكثر صراحة عندما يقول فيه ابن
خلدون عن السلطان المستبد الذي دخل في صراع مع مواطنيه إنه (احتاج في مدافعتهم عن
الأمر وصدهم عن المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر به عليهم ويتولاهم
دونهم فيكونوا أقرب إليه من سائرهم وأخص به قرباً واصطناعاً) ويعقب الجابري شارحاً
ما ذهب إليه ابن خلدون بأنّ مثل هذا الحاكم الذي سيعتمد على المرتزقة (سيحتاج إلى
أموال كثيرة يسد بها نفقات هؤلاء المرتزقة المدافعين عنه)(14) وبالتأكيد فإنّ هذا
دفاع السلطان بواسطة المرتزقة هو ضد شعب ذلك السلطان. نخلص إلى إن ابن خلدون كان
واضحاً في ذم أولئك الحكام والسلاطين الذين يستخدمون المرتزقة ضد شعوبهم ويستفرغون
خزائن دولهم للإنفاق على هؤلاء الغرباء الذين يحاربون في سبيل قضية لا تعنيهم،
فتهرم دولهم ويصير مصيرهم الإنهيار. ولما كان ابن خلدون صاحب نظرية متطورة في
التاريخ فإنه درس ما بين يديه من وثائق، من بينها ما ذكرنا وغيره كثير فتوصل برجاحة
رأيه وعلو كعبه في هذا المضمار إلى أن استخدام الملك لهذا الصنف من الجنود يجعل
انهيار دولته أمراً حتماً.
رأي مكيافيلي
لا جدال في أن مكيافيلي مستلهم ناجح لفن الحرب، لم يتعلمه في معهد أو ميدان قتال
ولكنه عمد إلى مجال التثقيف الذاتي فدرس التاريخ كمؤلفات تيتوس ليفي وغيره حتى برع
في مجال الفكر العسكري استنباطاً. لقد استطاع الرجل التوصل إلى أنّ المرتزقة (قوات
غير مجدية بل ينطوي وجودها على خطر. وإذا اعتمد عليها أحد الأمراء في دعم دولته،
فلن يشعر قط بالاستقرار أو الطمأنينة، لأنّ هذه القوات كثيراً ما تكون مجزأة
وطموحة، لا تعرف النظام ولا تحفظ العهود والمواثيق، تتظاهر بالشجاعة أمام الأصدقاء
وتتصف بالجبن أمام الأعداء، لا تخاف الله ولا ترعى الذمم مع الناس. والأمير الذي
يعتمد على مثل هذه القوات قد يؤجل دماره المحتوم)(15) وهو ما كان ابن خلون قد خلص
إليه قبل مكيافيلي بقرنين من الزمان.
و يستمر مكيافيلي بذم تلك العناصر المجرمة بأقذع أنواع السباب. ثم يعود إلى سباب
مماثل في كتاب آخر هو (المطارحات) إذ يقول مشيراً إلى ما ذكره في كتاب الأمير (لمّا
كنت قد تحدثت بصورة مسهبة في أحد مؤلفاتي الأخرى عن تفاهة القوات المرتزقة وعدم
جدواها، فإني أؤثر عدم الإطالة هنا في بحث هذا الموضوع، ولكني لا أستطيع على أي حال
من الأحوال أن أتغافل الإشارة إلى مثل مهم كل الأهمية عثرت عليه عند تيتوس
ليفي)(16).
لقد كان عصر النهضة إذن عصراً موبوءاً بالمرتزقة كما هو واضح من كتابات مكيافيلي
الذي عاصر وجود فرق سويسرية قوية منهم، وقد كانت الممالك الإيطالية عقب عصر
الاستكشافات بحاجة ماسة إلى بحارة ذوي خبرة فاستقدمت شرقيين كثر ممن وجدوا أنفسهم
عاطلين عن العمل عقب الهيمنة البرتغالية على مسارات الطرق البحرية الرئيسة وخاصة في
المحيط الهندي وبحر العرب. وكان هؤلاء الأجراء في أسطول البندقية يسمون (Levant) أي
الشرق للدلالة على أصولهم الشرقية. وعندما تمرست الدولة العثمانية وقويت براً
وبحراً فإنها استقدمت مجاميع من هؤلاء وأبقت على تسميتهم ولكن بصورة محورة، فصاروا
يعرفون باللاوند، إلا إنهم كانوا عناصر فاسدة مستهترة لم تستطع السلطات العثمانية
الصبر على مساوئها فسرحتها وطاردتها.. ولما كانت في شمال العراق قبيلة كردية تحمل
اسماً مشابها هو (اللاوند) فقد رأت نفسها قادرة على تشكيل فرق عسكرية تخدم ولاة
بغداد العثمانيين منذ القرن السابع عشر وتقدم لهم من المرتزقة والأجراء ما يحتاجون
إليه. وكما يفعل أي مرتزق جبان فقد فر هؤلاء إلى الشام عندما غزا الصفويون
بغداد(17) سنة 1623م وأخذوا يبيعون خدماتهم للولاة الأتراك هناك بعيداً عن المخاطر
والحروب الفعلية.
بريطانيا والمرتزقة
تاريخ الإنجليز مفعم بالشواهد في هذا المجال، فالإمبراطورية العظمى ذات التقاليد
العريقة إنما هي وليدة مغامرات لجنود مرتزقة مأجورين. فالحروب التي أسست لتلك
الإمبراطورية كانت من هذا الصنف الوضيع وللتدليل البسيط نذكر أن ملك الإنجليز
ادوارد الأول (1239م-1307م) صاحب الذكر السئ في الحروب الصليبية عندما كان أميراً،
فقد تمكن بواسطة جيش من المرتزقة المأجورين احتلال استكلندا وايرلندا وويلز وجعلها
من بواكير أجزاء تلك الإمبراطورية. وعن هذا الملك ينقل قولاً يخجل من تذكره كل
إنجليزي يدعي الشرف والتحضر، فهو يقول (إننا باستخدام المرتزقة نستطيع التأكد إنهم
لم يتركوا وراءهم غير عظام الأعداء، فهم ليس لهم من القدرات ولا الشفقة ما يجعلهم
يعتنون بالأرامل والأيتام. وبعد ذلك فان من السهل علينا التخلص منهم عندما نريد).
فكما كان الإسكندر يخطط لتنفيذ طموحاته غير المحدودة، كانت بريطانيا تفكر في
الاستحواذ على أكبر قدر من تركة العثمانيين، ولكنها غير مستعدة للزج بفلذات أكباد
الإنجليز في معارك بعيدة عن بلادهم. لذا عمدت إلى تأليف جحافل ضخمة من جياع الهند
البلد المستعبد والخاضع لاستعمارها، وكان اللورد كشنر منذ العام 1904م قد وضع خططاً
للارتفاع بمستوى تلك القوات استعدادا لدرء خطر روسي تجاه الهند(18). لقد تأمنت بفضل
ذلك أعداد غفيرة من القوات المستعدة للقتال من أجل مصالح الإنجليز حيثما تطلب
الأمر، وفعلاً فقد ساهمت الهند بإرسال قوات عسكرية إلى مختلف ساحات القتال(19).
وكان خيرة تلك القطعات مرتزقة نيباليين يسمون (الجورجا) مكثوا في خدمة القوات
البريطانية لأجيال لاحقة بمثابة قوات خاصة ذات مزايا فريدة، وإن بعضهم مازال يخدم
في صفوف تلك القوات، وقد أجر الإنجليز بعض وحداتهم لبعض الدول حديثة الاستقلال
طمعاً في العوائد المالية المجزية التي يؤمنها تأجيرهم.
وكانت طليعة القوات الغازية للعراق متمثلة بالفرقة الهندية السادسة، وبذا استعاد
الإنجليز بعضاً من عفن تاريخهم الغابر أيام ملوكهم أدوارد الأول وجون ليحولوه إلى
استراتيجية عصرية تطبق فيها نظريات ماكيندر وغيره. والأنكى من ذلك إنّ الإنجليز
ومنذ العام 1870م منعوا بموجب القانون تجارة المرتزقة ولكنهم وضعوا جانباً مطاطياً
في مواد المنع تحسباً للجوء إلى تلك التجارة كعادة الإنجليز ومثال ذلك إنّ القانون
لا يسري على مجموعة الكومنولث إلاّ إذا صدر أمر خاص من ملك بريطانيا إلى الحاكم
العام هناك. ولكنهم بالتأكيد يقصدون مواطنيهم الذين يأجرون أنفسهم لدولة تحاربهم
فالمواد لم تكن موضع تطبيق ملموس قطعاً.
وما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى بدأت القوات البريطانية ترصن
مواضعها في العراق المحتل الذي خططت لأن يكون بقبضتها إلى ما لا نهاية، فأسست جيشاً
من المرتزقة لحماية بعض معسكراتها على غرار ما كانت تفعله في الهند وعرف هذا الجيش
الوضيع بجيش الليفي تذكيراً بأولئك البائسين المرتزقة من الشرقيين الذين خدموا
كالمتسولين في أساطيل الإيطاليين في القرون الوسطى ومطالع عصر النهضة. وكان الأكراد
والتيارية الذين أتى بهم الإنجليز من خارج البلاد ليوطنوهم في العراق وأطلقوا عليهم
اسم (الاثوريين)(20) أكثر الناس حرصاً على الانتماء إلى جيش المرتزقة ذاك وأكثرهم
إخلاصاً له. لا بل إن أولئك التياريين المرتزقة كانوا أشد قسوة على أبناء الشعب
العراقي من القوات البريطانية عندما استخدمهم الإنجليز في ضرب التحركات الوطنية في
الشمال والجنوب والوسط ما جعل أبناء الشعب اشد كراهية لهؤلاء الغرباء(21).
المشكلة االلاحقة هي مطالبة الإنجليز رئيس الوزراء العراقي ناجي شوكت بتنفيذ ما
تعهد به رئيس الوزراء السابق نوري السعيد سراً بتشكيل حرس من قوات المرتزقة للقواعد
الجوية البريطانية على غرار قوات الليفي تتولى الحكومة العراقية نفقاتها، وقد دهش
شوكت من كيفية اتفاق السعيد مع الإنجليز على هذا الأمر بدون علم الملك ولا
البرلمان(22). ولكن الحكومة الشوكتية غادرت الحكم من غير أن تبت بالأمر.
لقد شهدت الحرب العراقية البريطانية عام 1941م استقدام الإنجليز لمرتزقة صهاينة من
منظمة أرغون الإرهابية من فلسطين المحتلة، وقد عمل الجنرال غلوب باشا الذي كان
رئيساً لأركان الجيش الأردني على تسهيل وتسريع مرورهم نحو العراق بسرية وأمان..
وكانت بعض مجاميعهم بقيادة الإرهابي رازيال الذي قدمت به طائرة بريطانية إلى
الحبانية و الذي اختفى أثره في إحدى المعارك هناك ولم يعرف مصيره حتى هذه اللحظة..
إضافة إلى مجاميع أجيرة كلفت بتدمير أنابيب ومنشآت النفط العراقي في طرابلس
اللبنانية ولكن 22 مرتزقاً منهم ابتلعهم البحر ليقدمهم رزقاً لأسماكه.
الفرقة الأجنبية الفرنسية
وكما كانت بريطانيا تسعى للحصول على جنود رخيصي الكلفة، لا يشكل موتهم عبئاً على
كاهل قياداتها العسكرية ويجنب حكومتها الإشكالات الدستورية، فقد لجأت فرنسا إلى
تشكيل فرقة ضخمة من المرتزقة أطلق عليها اسم الفرقة الأجنبية، وذلك خلال اجتياحها
الجزائر سنة1831م وفي الجزائر المحتلة كانت معسكراتها.
حرم الانتماء إلى تلك الفرقة على المواطنين الفرنسيين، لقد كانت تلك الفرقة مأوى
لكثير من المجرمين الباحثين عن مأوى، وقد بلغ تعداد المرتزقة فيها في بعض الأوقات
ثلاثين ألف مرتزق، ولم تكن أنظمة الفرقة تسمح بطلب بيانات تفصيلية عن المرتزق
المتقدم للتطوع، وإنما عليه أن يوقع عقداً للعمل في الفرقة لمدة خمس سنوات قابلة
للتجديد، ومن بين بنود العقد إنزال عقوبات صارمة تصل إلى الإعدام بحق المتخاذلين في
المعركة والفارين منها. وكان لهذه الفرقة دور هام في توسيع الاستعمار الفرنسي(23)،
كما أنها شاركت في معارك الحرب العالمية الأولى، فقاتلت بشجاعة، وخلال الحرب
العالمية الثانية التي شاركت في بعض معاركها حُـلت ثانيةً مع أن نسبة عالية من
منتسبيها كانوا من المرتزقة ألالمان، ولكنها أعيدت إلى الخدمة منذ عام 1946م
لتـُرسل إلى فيتنام حيث قاتلت بشكل متميز إلى حين الانسحاب الفرنسي من هناك عام
1954م، ومن ثم أعيدت إلى الجزائر، إلى أن أمر الجنرال ديغول بإلغائها عام 1959م،
حيث أغلقت مقراتها نهائياً عام 1961م ومع تسريح المرتزقة من الفرقة اتجهوا إلى
الدول الأفريقية التي كانت تعاني من مشاكل وحروب داخلية ليجدوا هناك مجالات واسعة
للعمل والمغامرة.. فهناك عرف العالم أسماء من كبار أعلام المرتزقة من أمثال بوب
دينار والكولونيل ترانكيه وتوني دي سانت بول وشاكرام وشتينر وغيرهم كثير.
فيتنام وأنغولا
كعادة السياسة الأمريكية، فإنها كانت تقدم الأدلة المزيفة وتفبرك الوقائع لتمشية
السياسات التي تقررها وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية بالتعاون مع
البنتاغون خصوصاً عندما يكون الرئيس ضعيفاً تسيره هاتان الجهتان، ولم يعد افتعال
حادث خليج تونكين سراً، ما أدخل أمريكا في نفق الحرب الفيتنامية الطويل أيام الرئيس
جونسون.
وكانت العملية (34A) التي سبقت حادثة الخليج قد أظهرت اهتماماً أمريكياً بالمرتزقة
الآسيويين. فلقد نشطت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من أجل تجنيد عدد كبير من
هؤلاء ومن غيرهم وأسست (مكتب الدراسة والمراقبة) التابع للجنرال هاركينز قائد
القوات الأمريكية في فيتنام الجنوبية الذي وضعت الوكالة بأمرته طائرات وطيارين
مرتزقة من شركة (إير أمريكا) التابعة للوكالة لتنفيذ أعمال استفزازية داخل فيتنام
الشمالية. ولكن بدأ اليأس يدب إلى قادة الوكالة والبنتاغون من احتمال أن يحصلوا على
فرصة الضربة الكبيرة لفيتنام الشمالية نتيجة لتلك الأعمال السرية التي ينفذها
المرتزقة المأجورون كما جاء في مذكرة رفعها الجنرال ماكسويل تايلور في مطلع عام
1964م ورد فيها (على الرغم من دعمنا وإسنادنا للأعمال السرية التي تنفذ ضد فيتنام
الشمالية فإنه سيكون أمراً سخيفاً الاعتقاد إن تلك الأعمال سينجم عنها أمر حاسم،
لذا يجب على الحكومة الاستعداد لتنفيذ أعمال أكثر جرأة كالقصف الجوي لأهداف رئيسية
في فيتنام الشمالية) لذا وضمن مفردات الخطة (34A) لاستخدام المرتزقة في أعمال أكثر
خطورة واستفزازاً تم تحريك مجاميع منهم ليلة 30 تموز 1964م لضرب أهداف فيتنامية
شمالية، اضطرت معه قوات هانوي للرد، وتكرر العمل لليلة تالية أخرى حيث أعلن الرئيس
جونسون إن فيتنام الشمالية اعتدت على مدمرتين أمريكيتين وبذا حصل الرئيس على ما
يطمح إليه من تفويض بالقصف العنيف لهانوي ما كان له أن يحصل عليه لولا الزج
بالمرتزقة الذين هيئتهم وكالة المخابرات المركزية في أعمال سرية استفزازية لا يخشى
معها انكشافهم، فهم آسيويون وليسوا أمريكان.
وقد كانت تلك الأساليب التوريطية تتم على أسس مفبركة أكثر رواجاً ونضجاً في زمن
تولي هنري كسينجر مهام مستشار الأمن القومي وخاصة بعد إناطة وزراة الخارجية به. فما
أن انتهت الحرب في فيتنام بهزيمة أمريكا عام 1975م حتى افتعل الرجل قصة التدخل
السوفيتي في الشأن الأنغولي ولم يكن الأمر وقتذاك كما حاول تصويره، فأنغولا البلد
المترع بأغلى أنواع الخامات والذي حولت البرتغال سكانه إلى مكائن مجّانية للعمل
بالسخرة لا تكلف غير بعض الأغذية الرخيصة حتى وصل بها الأمر إلى تأجير حشود ضخمة من
أبناء أنغولا لمن يحتاج إلى عمالة رخيصة. فالبلد كان في تلك الحقبة حديث استقلال
تتنازع أمره حركات سياسية أنانية متناحرة، ما صنع الفرصة الذهبية للتدخل الأمريكي،
خصوصاً مع تواجد عناصر الإغراء على ذلك التدخل، وكان عنصر التنفيذ الميداني
الأمريكي في الساحة الأنغولية هو روبرتو هولدن زعيم الجبهة الوطنية لتحرير أنغولا
وصهر الرئيس الزائيري موبوتو، والذي كان يجند المرتزقة بواسطة مكتب له في لندن
إضافة إلى ما تمده به وكالة المخابرات المركزية وما يستطيع جمعه من عناصر محلية
اعتادت على العمل سخرة أو بالأجرة للأجانب منذ زمن الاستعمار البرتغالي، وكان
العنصر الثاني في الصراع الأنغولي المحلي هو جونياس سافيمبي زعيم الاتحاد الوطني
لاستقلال أنغولا التام وهو رجل النظام العنصري لجنوب أفريقيا التي أمدته بعناصر
مرتزقة محلية وأوربية، وهاتان الحركتان ضد الحركة الشعبية - مبلا التي يقودها
الشيوعي أوغستينو نيتو المدعوم سوفيتيا وكوبيا.
مشكلة المرتزقة المحليين (من المواطنين الأنغوليون في هذا المثال) إنهم غير قادرين
على تنفيذ أعمال ضخمة ذات نتائج استراتيجية ما لم ترافقهم عناصر أجنبية ذات قدرة
عالية على الخلق والإبداع المتأتية من تدريب حصيف وخبرة متراكمة، والجنود الأمريكان
المتقاعدون الذين يبحثون عن مزيد من الموارد والأجور، هم الأصلح لمثل تلك المهمة،
لذا وجدت المخابرات المركزية إن مرتزقة أمريكان ومثلهم من بيض جنوب أفريقيا
وبرتغاليين وغيرهم من جنسيات أوربية قادرون على إدارة تلك الأعمال القذرة، خصوصاً
وإنّ المتقدمين لمثل هذا العمل من حملة تلك الجنسيات هم عناصر خدمت في جيوش متطورة
وتدربت تدريباً راقياً ويعتمد عليها في الواجبات الخاصة إضافة إلى محاربين أفارقة
سابقين ممن ساهم في حرب بيافرا والكونغو وغيرهما خصوصا وإنّ الصحافة الأمريكية كانت
تنشر إعلانات عن فرص للتطوع في صفوف المرتزقة برواتب مغرية مقدارها 1200 دولار
شهرياً (بأسعار عام 1975م) وكانت قاعدة سان دييغو البحرية الأمريكية هي نقطة التجمع
والإنطلاق للمرتزقة الذين أمنت وكالة المخابرات المركزية لإحدى دفعاته 400 تذكرة
سفر.
يقول توني هوجبس الذي كان مراسلا ً للأوبزرفر والذي كان من أوائل الشهود على عمليات
المرتزقة هناك أنه (شاهد عشية استقلال أنغولا في مطار بنغويلا حوالي 50 جندياً
يرتدون زي قوات جنوب أفريقيا وهم يرصفون صناديق الأسلحة، وأنه شاهد مرتزقة أمريكيين
أجرى لقاءاً مع أحدهم وهو طيار سبق وأن عمل مع ذوي القبعات الخضر في فيتنام)(24).
وفي شهر تشرين الأول 1975م بدأ رتل ضخم من المرتزقة المستأجرين من قبل وكالة
المخابرات المركزية ممن درب في الغابون بغزو المدن الساحلية حيث اجتاح موكاميدس
ونوبيت وبنغويلا متجها نحو العاصمة ولكن الرتل مني بخسائر لا قدرة له على تحملها
ففشل في مهمته وإنّ بعض عناصره أسروا وإنّ أحدهم وهو المرتزق البرتغالي يواكيم
جوميز أولفيرا اعترف إن رجل أعمال برتغالي اسمه بيرس كارفالهو قام بتجنيده مع عدد
من الفنيين البرتغاليين وانه نقل قبل الهجوم بثلاثة أشهر مع 22 مرتزق من مواطنيه
إلى معسكر قرب سالزبوري ثم إلى زائير، وفي كينشاسا سحبت جوازات سفرهم ووثائقهم
الثبوتية وسلموا وثائق تعود لأحدى المنظمات الانغولية المتناحرة، وكان باستقبالهم
في مداخل أنغولا العقيد البرتغالي سانتوس كاسترو الذي زودهم ببنادق بلجيكية وبدلات
خاصة بالمرتزقة (25).. وفي 1 نيسان 1976م قدم عدد مرتزقة للمحاكمة من بينهم 6
بريطانيين و 3 أمريكان وقبرصي كان قد سرق كمية هائلة من الماس تقدر بأربعين مليون
دولار، وعندما انتشر خبر الطريقة البشعة التي أعدم بها المرتزقة على الرغم من جهود
الرئيس الأمريكي فورد وملكة بريطانيا للرأفة بهم، فقد قرر بقية زملاء المهنة القذرة
أن يغادروا انغولا الشيوعية الصارمة فوراً. وبذا فقد فشل التدخل الأمريكي الذي
وصفته جريدة الأهرام بالعمليات السرية (الأضخم منذ انتهاء التورط الأمريكي في جنوب
شرقي آسيا)(26).
ولم تتوقف مغامرات المرتزقة وسماسرتهم في القارة المبتلاة في العقود التالية لعقد
السبعينات من القرن المنصرم، فقد كان الفعل الجريء للمرتزق الايرلندي مايك المجنون
الهادف إلى غزو سيشيل والذي مني بالفشل وفرار المجنون ورجاله مكتفين بالسلامة غنيمة
في العقد التالي وتحديداً عام 1981م وإنّ محاولات مماثلة جرت مجدداً في جزر القمر
وغيرها خلال عقدي الثمانينات والتسعينات مما يعني إن محاولة غزو غينيا الاستوائية
في العام الماضي ليست مقطوعة الصلة بماضي المرتزقة الأسود وإنما ثمة سلسلة متواصلة
قادت إلى تلك العملية الفاشلة.
الوزير المرتزق
إنّ ماضي الكيان الصهيوني مفعم بالشواهد على تأمين المرتزقة لمن يطلب حتى قبل
الإعلان عن تشكيل ذلك الكيان كما مرّ بنا في موضع سابق، أما بعد تشكيله فقد كان
يعتمد بشكل كبير على المرتزقة وتحديداً الطيارين المتقاعدين خاصة من ذوي النفس
العنصري من أمريكا وغيرها، كونهم سيقاتلون بإخلاص مفترض وذلك عندما كان العرب
يشكلون خطراً حقيقياً على هذا الكيان.. ولكن بعد أن تفشت بين الصهاينة حالة
الاطمئنان عقب حرب عام 1973م وشعروا إنهم سوف لن يضطروا إلى مواجهة حشد عسكري عربي
محارب كالذي حصل في الحروب التي كانت حرب رمضان آخرها فقد اتجه قادته العسكريون إلى
العمل كمرتزقة أجراء لدى من يدفع لهم أكثر من دول وحركات في أمريكا اللاتينية
وأفريقيا، والمثال الأوضح والأكثر انكشافا هو الجنرال رحبعام زئيفي الذي عينه شارون
وزيراً للسياحة في حكومته وقتل في 17/10/2001م على أيدي رجال المقاومة الفلسطينية.
فما أن أحيل الجنرال المذكور على التقاعد من الخدمة العسكرية سنة 1976م حتى شدّ
الرحال إلى القارتين المبتليتين بداء المرتزقة، ولكنه في الأكوادور لاقى سوء طالعه
الذي سبب له فضيحة سياسية كشفت حقيقة الكيان الصهيوني وقادته الذين يعد زئيفي
نموذجاً لهم، ما حمل الحكومة الصهيونية على استدعائه وتعيينه في منصب ضمن قوات
الاحتياط ما أتاح له فرصة إنشاء شبكات للدعارة والسمسرة تحولت إلى شبكة مافيا واسعة
الانتشار لها فروع في الكثير من الوحدات العسكرية(27).
وفي الواقع فإنّ للصهاينة إرث مشين في مجال التعامل والمتاجرة بالمرتزقة، فمازال
الجيش الإسرائيلي يتحتفظ بما تعداده 7365 مرتزقاً بين أفراده وإنه يملك منظومة
متقنة لاستقدام المرتزقة لزجهم في كثير من الواجبات الحمايوية والتخريبية التي
يستمتعون فيها بالقتل وإيقاع الخسائر بين المواطنين الفلسطينيين هادفاً إلى التخفيف
عن كاهل قواته العسكرية، وهو الأمر الذي فضحه العقيد المتقاعد اليعازر إسحق الخبير
العسكري والمحاضر في عدد من المعاهد العسكرية الإسرائيلية في كتاب ألـّفه وصدر
حديثا بعنوان (المرتزقة في الجيش الإسرائيلي)(28) والذي كشف فيه عن إن الجيش
الإسرائيلي اعتمد على هؤلاء المرتزقة منذ تأسيسه الرسمي في العام 1948م عندما
استقدم 494 من المحاربين المتقاعدين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية ووضعوا
تحت إشراف اسحق بن باؤول مستشار رئيس الوزراء. وكان بن غوريون رئيس الوزراء الأسبق
قد احتفى بمجموعة منهم عام 1950م ومنحهم أعلى الأوسمة لخدماتهم المتميزة للكيان
الصهيوني .
وزيادة على ذلك فقد خصصت لهم أبواب إنفاق خاصة بهم ضمن ميزانية الحرب الصهيونية
بدأت بما يساوي 350 ألف شيكل وصلت في زمن نتنياهو إلى سبعة ملايين ونصف خصوصاً وإن
عهده شهد استقدام الكثير من الضباط السوفيت المتقاعدين ممن جندهم السمسار الكسندر
يهودا الذي هاجر إلى الأرض المحتلة عام 1992م. فقد كان ذلك السمسار كان الراغبين من
الضباط الروس التقاعدين من فئة الأعوان (من رتبة ملازم وحتى رتبة رائد داخلا) للعمل
في إسرائيل براتب شهري يصل إلى عشرة آلاف دولار بينما يبلغ راتب الضباط الأعلى رتبة
عشرين ألف دولار شهرياً عدا عن المكافئات الضخمة جداً لمن يقتل مقاوماً حيث تتراوح
المكافئة بين سبعة آلاف وثمانية وعشرين ألف دولار بحسب أهمية الضحية.
وبعد أن قلص باراك تلك الميزانية لعدم قناعته بهؤلاء الأجانب، عاد شارون لتوسيع
مجالات استقدام لأعداد جديدة منهم إذ بدأ ميزانية عام 2002م بتخصيص ستة ملايين لهم
وهو مبلغ يزيد مرتين ونصف على ما كان في زمن سلفه، فالرجل معجب بساديتهم الشديدة
ويفخر بتعطشهم لسفك أكبر قدر من الدماء مما يحفل الكتاب المذكور بشواهد مخزية
ومؤلمة منها، فلقد تمت تجربتهم ميدانياً في شتى المعارك وخاصة في جنوب لبنان
والهجومات التي شهدتها الضفة الغربية وكان لهم في مجزرة جنين دور يخدش ضمير
الإنسانية.
شركات المرتزقة
لاحظنا الاهتمام الأمريكي بالمرتزقة متمثلا ً بالبنتاغون والمخابرات المركزية
الأمريكية وكذلك وزارة الخارجية من الناحية السياسية، وإنّ ذلك الاهتمام مدعم
بالتجارب على الرغم من وجود مواد عقابية في القانون الأمريكي تطبق على من يمارس هذه
المهنة بأي شكل من الإشكال.
فكما كانت بريطانيا قد شرعت مواداً تحرم العمل الارتزاقي كذلك كانت أمريكا، فالمادة
العقابية 959 من الباب 18 من القانون الأمريكي تنص على إن (أي شخص على التراب
الأمريكي: إذا انخرط أو التزم بتأجير نفسه أو استدعى شخصاً آخراً أو حرض غيره على
الانخراط أو الالتزام بخدمة جيش أمير أو دولة أو محمية، أو منطقة أو شعب أجنبي
كجندي أو قناص أو بحار على متن باخرة أو زورق حربي أو كان في طريقه إلى الحرب،
يعاقب بألف دولار غرامة مالية كحد أقصى أو بالحبس لمدة ثلاث سنوات أو بالعقوبتين
معاً). نقول على الرغم من ذلك كله فإنّ الاهتمام المخابراتي والسياسي بالمرتزقة
المحليين أو الأجانب قد صنع تاريخاً أمريكياً حافلا ً بالنشاط الارتزاقي في فيتنام
وأنغولا وغيرها حتى جعل أمريكا تعتمد هذا السياق في عقيدتها القتالية. فهذه كراسة
العمليات للجيش الأمريكي (OPERATIONS FM 100-5) تتضمن تعليماً يخص استخدام تلك
العناصر والتنسيق معها بأسلوب مهذب إذ يطلق عليها اسماً فضفاضاً قابلا ً للتطويع
والتلاعب والتهذيب بحسب الظروف هو (رجال العصابات) عندما يقول (وإذا تمكنت الولايات
المتحدة من الاحتفاظ بالسيطرة على قوات العصابات بعد الارتباط بالقوات التقليدية
فإنّ رجال العصابات قد يزيدون من حجم القوات التقليدية. وقد يساهم هؤلاء في
العمليات القتالية أو يجرون الاستطلاع لإسناد القوات التقليدية)(29) ربما كان هذا
التعليم هو الأساس الذي انطلق منه بول ولفوويتز عندما كان مساعداً لوزير الدفاع
ليطالب الكونجرس بتخصيص مبلغ خمسمائة مليون دولار وذلك في آب 2004م شارحاً أفكاره
أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب وذلك بهدف إنشاء مليشيات صديقة في العالم
للكشف عن الإرهابيين ما دعا بعض المسؤولين الأمريكيين لأن يلمحوا إلى إن مليشيات
موجودة في العراق وأفغانستان والفلبين والقرن الأفريقي وربما في باكستان والقوقاز
ستستفيد من ذلك المبلغ، وربما ستكون جاهزة للتعاون الميداني مع القوات الأمريكية
على وفق ما تضمنته العقيدة القتالية للجيش الأمريكي التي أوردنا نصاً من أحد
كراساتها، خصوصاً وأنّ كل المبالغ التي أنفقتها المخابرات المركزية على المليشيات
التي سهلت الغزو الأمريكي لتلك البلدان لم يتجاوز بضعة ملايين من الدولارات. خصوصاً
أن أمريكا تريد استئجار بعض عناصر تلك المليشيات لتشكيل فرق سرية للاغتيالات داخل
هذه البلدان بموجب خطة تسمى (خيار السلفادور)(30) لتشابه عملها مع ما قامت به
المخابرات الأمريكية هناك بتوجيه من نجروبونتي.
لذا فقد نشط سماسرة الحروب وتجار الموت في استثمار المحاربين السابقين من ذوي الروح
المغامرة والتعطش إلى القتل وسفك الدماء ليشكلوا منهم ما أطلقت عليه نيويورك تايمز
في أحد أعداد نيسان 2004م (جنود الظل). فكان الاستثمار الجديد بأسلوب حضاري ومهذب
هذه المرة، فأسسوا لهذا الغرض شركات لتأمين المرتزقة لمن يطلب تحت تسميات ملمعة
جعلت عملهم أكثر قبولا ً من الناحيتين الاجتماعية والقانونية، فهي شركات أمنية تؤمن
حراسا أمنيين لمن يرغب في الحصول على حماية مقابل ثمن وضمن ذلك محاولة لرسم صورة
جديدة لهؤلاء الوحوش البشرية بدلا ً عن الصورة الراسخة في أذهان الناس.
وفي الحقيقة فإنّ تأسيس شركات للمرتزقة تحت واجهة (شركات أمنية) ليست جديدة، فإنّ
من أوائل من عمل بهذا الاتجاه هو الضابط البريطاني المطرود من فرقة المظليين جون
بانكس الذي فتح في البداية باراً صغيراً يقدم المشروبات علناً والمخدرات والدعارة
سراً، ولكنه عندما لاحظ إن هذه المهنة لا تلبي طموحاته المالية والمغامراتية فقد
عمد في مطلع العام 1975م إلى تأسيس شركة باسم (المنظمة العالمية لخدمات الأمن) بحجة
تأمين حراس وعناصر أمن تحت الطلب، واستأجر لهذه الغاية فندقاً في لندن ليكون مقراً
ومأوى للمتطوعين من المرتزقة، ونشر إعلانات تدعو الراغبين بالعمل من رجال القوات
الخاصة السابقين للاتصال به، وكانت الرواتب المعروضة مغرية بحساب ذلك الوقت، فهي
600 دولار للجندي وألفين للضابط.. وفعلا ً تقدم 200 متطوع للعمل، إلا أنّ شجاراً
حصل في الفندق بين العناصر المرتزقة أدى إلى تدخل الشرطة فأحبط المشروع. وربما في
ذات الفترة كان المرتزق العالمي بوب دينار قد أسس شركة مماثلة أعلن عنها في إعلانات
صحفية تقول (شركة ما وراء البحار للأمن والحماية تبحث عن كوادر ذات خبرة وصحة جيدة
وتهدف إلى تكوين جيش طلائعي)(31).
لقد كانت فكرة تأسيس شركات بواجهات أمنية لتأمين عناصر أمن وحراسة وحماية عملية
قانونية وشرعية وممكنة ما جعل تجار المرتزقة يلجأون إلى هذه الطريقة التمويهية حتى
صار العدد المثبت لتلك الشركات حالياً هو100 شركة منها 35 شركة تعمل على الأراضي
الأمريكية وحدها وأغلب المتبقي شركات أوربية وبعضها في دول آسيوية وأمريكية لاتينية
وجنوب أفريقيا، تؤمن العمل (الشريف - كما تدعي) لعسكريين سابقين يرغبون في زيادة
مواردهم المالية عن طريق العمل ضمن سقف خبراتهم وإمكاناتهم البدنية والعقلية.
وبتقديرنا فإنّ تلك الإحصائية باتت قديمة بعد رواج سوق المرتزقة في العراق الذي
استقطب حتى الآن بين 15 - 20 ألف مرتزق، فالفرنسي جان فليب لافون الذي كان جندياً
في البحرية الفرنسية وخدم كمرتزق في ساحل العاج وزائير وجزر القمر وكوسوفو، أسس
شركة أمن فرنسية مستعجلة هي الأولى من نوعها في بغداد لتأمين المرتزقة استجابة
للطلبات الكثيرة على هذه العناصر وربما هي الشركة الأولى من نوعها التي تؤسس في
العراق، وقد استأجر قصراً فخماً في العاصمة بغداد ليكون مقراً لشركته.
كل هذا يجعلنا لا نقرّ الرقم المعلن عن عدد تلك الشركات الذي هو في تصاعد وازدهار
وصفه كريستوفر بيس من شركة أرمورجوب الأمنية البريطانية بأنه أضخم انتشار لشركات
الأمن الخاصة، حتى إن المرتزق الأمريكي أروين يصف العراق بأنه منجم ذهب، لذا سارع
إلى التعهد بجلب العديد من راغبي التطوع للعمل في هذا المنجم.
ولقد فضح الكاتبان الفرنسيان بريغولي ودلاموت في كتابهما (البازار الكبير) ارتباطات
تلك الشركات وحقيقتها عندما لفتا انتباه قرائهما إلى (أن ثمة اتجاهاً جديداً يرمي
إلى تحويل البنتاغون إلى مركز للمرتزقة. فقد أنشئت سلسلة من الشركات [الخاصة] مؤلفة
بمعظمها من موظفين سابقين من البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية [سي آي أيه] تقوم
بمهمات التدريب العسكري والحماية والتفاوض في حالات الخطف لحساب دول صغيرة أو لحساب
شركات كبرى في أي مكان في العالم يتعرض لأي نوع من أنواع الخطر، وهذه الشركات تقوم
بكل ذلك باعتبارها شركات خاصة مع إنها تطلب دائماً موافقة الجهات الرسمية)(32).
وكان آخر الفضائح المثيرة لعناصر تلك الشركات المشبوهة الجريمة التآمرية التي قادها
في أفريقيا مارك تاتشر نجل مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا الأسبق. والقصة تبدأ
في 8 آذار 2004م عندما تم إيقاف طائرة في هراري عاصمة زمبابوي وذلك لاكتشاف شحنة
عسكرية مريبة على متنها وبصحبتها 64 راكباً من جنسيات مختلفة يشتبه في أمرهم ويحتمل
إنهم من المرتزقة، وكان من بين مفردات الشحنة ملابس وتجهيزات عسكرية بعلامات وشارات
غريبة عن المنطقة جعلت منها موضع شبهة. ادّعى الركاب المشبوهون إنهم ذاهبون إلى
الكونغو الديمقراطية للعمل حراساً لبعض مناجمها.
كانت الطائرة مسجلة في الولايات المتحدة. وعندما انتشر الخبر فقد أعلنت جنوب
أفريقيا إن الطائرة المعنية كانت قد انطلقت من أحد مطاراتها بشكل غير مشروع وبدون
إذن. وسرعان ما أنكرت الولايات المتحدة أية علاقة لها بالطائرة. أعقب ذلك اعتراف
غينيا الاستوائية إنها كانت قد ألقت القبض على 15 مرتزقاً من جنسيات مختلفة في
الأسبوع السابق للحادث وورد في الاعتراف احتمال كون أولئك الخمسة عشر مرتزق مقدمة
لهؤلاء القادمين بالطائرة المذكورة. وتبيـّن فيما بعد إنّ المرتزقة الملقى القبض
عليهم هم ثمانية من جنوب أفريقيا وستة أرمن بقيادة الجنوب أفريقي نيك دو توا الذي
اعترف إنّ المعارض الغيني الاستوائي سيفيرو موتو الذي شكل حكومة منفى في مدريد كلفه
باختطاف رئيس البلاد. ومولت المحاولة من قبل رجلي الأعمال المقيمين في بريطاني
البريطاني غريغ ويلز واللبناني إيلي خليل.
حاولت أمريكا عقب هذا الاعتراف التنصل مجدداً من الموضوع بحجة عدم وجود علم مسبق
بالقضية لديها. زاد الأمر أهمية عندما اعترفت الحكومة الغينية في اليوم التالي إن
المجموعة الملقى القبض عليها كانت مكلـّفة باختطاف رئيسها تيودور أوبنيانغ نغيما
الماكث في السلطة منذ عام 1979م. وفي 25 آب 2004م جرى توقيف مارك تاتشر ابن رئيسة
وزراء بريطانيا الأسبق ماركريت تاتشر قرب كيب تاون لثبوت ضلوعه بحركة انقلابية خطط
لتنفيذها في غينيا الاستوائية وتنفذ بواسطة جماعة من المرتزقة.
الساحة العراقية
كان العراقيون المفعمون بالرغبة بالإطلاع والثقافة، يعرفون أن المرتزقة يعيثون في
القارة الأفريقية فساداً ويقومون بأعمال الغزو لدول وينفذون انقلابات في بعضها
وإنهم خدموا الحركات الإنفصالية في جنوب السودان واليمن وإنّ مرتزقة عراقيين أجراء
عملوا إلى جانب التياريين (الاثوريين) في جيش مرتزق شكلته بريطانيا في الربع الأول
من القرن الماضي اسمه جيش الليفي كما مرّ بنا، وقلة منهم يعرف إن مرتزقة عالميين
كانوا قد وصلوا العراق ليخدموا حركة الانفصال في الشمال المدعومة خارجياً وإنّ
المرتزق العالمي سيء الصيت بوب دينار كان هنا بين جبال شمال العراق يدرّب عناصر من
المرتزقة العالميين والمحليين ليحقق الرغبات الأمريكية والإسرائيلية في تقسيم
العراق، ولكنه لم يمكث في شمال العراق غير أربعة أشهر(33)، فقد وقعت اتفاقية
الجزائر عام 1975م لتنهي ذلك التمرد الانفصالي.
الآن وقد وقع الغزو فقد فوجئ الناس هنا بوجود عمالة أجنبية في بلد تدمر البطالة
تركيبته الاجتماعية، وقد جرى اختطاف بعض هؤلاء الأجانب الذين يدّعون إنهم جاؤوا إلى
العراق بهدف العمل لتأمين معيشة عيالهم، وإنّ بعضهم قـُتل من دون أن يعلن الخاطفون
مطاليب محددة لإطلاق سراحهم. فماذا يفعل هؤلاء الأجراء في بلد أغلب سكانه عاطلون عن
العمل؟
وهل يعقل إن البلد الذي تهرب كوادره العلمية يستهوي العمالة الأجنبية؟
وكانت حماية بول بريمر رئيس سلطة التحالف مناطة بالمرتزقة، وكان الرجل سخياً معهم
إذ أنّ العقد الذي ابرمه معهم لحمايته وحماية المنطقة الخضراء كلف الخزينة العراقية
مائة مليون دولار فقط، وأنه وسلطته ساهموا في تمكين شركات المرتزقة الأمريكية لسرقة
أموال الشعب العراقي عن طريق الاحتيال والتزوير كما سنفصل ذلك.
وقد نشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريرا في 23/2/2004م أعده مراسلها في بغداد يفيد
إن شركات الأمن العالمية التي انتشرت فروعها في بغداد مؤخرا ينتشر فيها أعضاء
الفرقة الأجنبية الفرنسية ذات السجل المشبوه، وإنّ معد التقرير التقى بالعديد من
هؤلاء المرتزقة وبينهم مرتزقة صربي من مليشيا (فرقة النسور البيضاء) الصربية وهندوس
مسرحين من الجيش البريطاني وشرطيون من نظام جنوب أفريقيا العنصري البائد.
لقد تعرض كثير من المواطنين الآمنين إلى هجمات من قوافل سيارات يقودها المرتزقة
الأجانب، ففي شباط 2004م اضطرت شركة ستيل الامريكة ان عناصرها من المرتزقة قتلوا
عراقيين في ضاحية غرب بغداد بحجة الدفاع عن النفس. ولم يفتح تحقيق وطني في الحادث،
ألا يكفي ان تلك الشركة الأمريكية (ستيل) كانت مسؤولة عن حماية الرئيس الهايتي
السابق أرستيد هي التي وصفت الحادث بالدفاع عن النفس؟ (يشاع ان تلك الشركة رفعت
حمايتها عن الرئيس المذكور بإيعاز من السفارة الأمريكية هناك في لحظة مقررة ما مكن
قوة خاصة من مداهمته ونقله بطائرة خاصة إلى المنفى)(34).
أما مكانة المرتزقة في العراق فإنهم يتمتعون بحظوة فريدة من نوعها خاصة من قبل
القوات الأمريكية التي تخطط لإناطة دور مهم لهم.
أما الحكومة البريطانية التي تعاني من نزيف في بعض مفاصل قواتها العسكرية جرّاء
تسرب عناصرها نحو شركات المرتزقة العاملة في العراق كما مرّ بنا، فإنها على الرغم
من التصريحات المعلنة المضادة للعمل الارتزاقي بشكليه القديم والجديد رأت إن من
الأسلم لبعثتها الدبلوماسية في بغداد إناطة حمايتها بواسطة شركات المرتزقة، ولهذا
السبب فقد خصصت 15 مليون جنيه إسترليني لتأمين تلك الحماية.
الآن وبعد كثرة عمليات القتل والخطف للمسؤولين والدبلوماسيين الدوليين، يمكننا تصور
رواجاً جديداً واسعاً لهذه التجارة القذرة في العراق.
ولكن إذا ما علمنا إن إحدى شركات المرتزقة وهي شركة آرينس للأمن كانت مسؤولة عن
تأمين الحماية لخطوط أنابيب النفط بموجب عقد موقع مع وزارة النفط العراقية، فلنا أن
نتساءل باتجاهين: الأول: ماذا حققت تلك الشركة من أمن لتلك الخطوط التي ما انفكت
تقصف باستمرار؟
والثاني: ألم يكن جديراً بالحكومة تأليف قوة عراقية لحماية تلك الأنابيب، ففي ذلك
استقطاب للأيدي العاطلة عن العمل إضافة إلى تخليص البلد من شراذم أعتى المجرمين
الدوليين الذين لا يصمد أمامهم أي رادع قانوني أو أخلاقي؟
وبالفعل فقد تحول العراق إلى كنز ثمين لهؤلاء المجرمين والمطلوبين عالمياً الذين لو
كشفت أسماؤهم الحقيقية للانتربول لسارع لإلقاء القبض على أغلبهم. فالمرتزق الذي كان
في بلاده يلجأ إلى الاستدانة ليعيش صار هنا يتقاضى مبالغ طائلة (بعضهم ممن تولى
حماية الشخصيات المهمة يتقاضى 1500- 2000 دولار يومياً) ولكنهم لم يكتفوا بكل تلك
الامتيازات المالية التي لا يحظى بها وزراء بلدانهم، وإنما أسسوا عصابات للجريمة
المنظمة في بلد غاب فيه القانون وانشغل فيه رجال الحكومة بالحصول على المغانم فنسوا
الأمن ومستلزمات العيش الكريم للمواطن، حتى إن بعض المجرمين الصرب الهاربين من
المحكمة الجنائية الدولية والمتسترين في العراق بأسماء مزيفة ضمن صفوف شركات
المرتزقة ومجرمي شرطة نظام الفصل العنصري لجنوب أفريقيا وغيرهم مارسوا تجارة
المخدرات والرقيق الأبيض وإدراة بيوت الدعارة، وإنهم انشؤوا شبكات (طبية) تقوم
باختطاف الأشخاص وخاصة الأطفال لاستئصال الأعضاء البشرية المطلوبة طبياً مثل الكلى
والكبد وقرنية العين وأعضاء أخرى للمتاجرة بها، وإن بعضهم مهر في تجارة الآثار
الثمينة لبلاد الرافدين(35). وتوثيقاً لذلك فان الدكتور أياد علاوي عندما كان يرأس
الحكومة المؤقتة طلب من جاك سترو وزير خارجية بريطانيا (الذي سيتعاقد مع المرتزقة)
مساعدة حكومته في إيجاد وسائل للجم هؤلاء المرتزقة كما نشرت جريدة تايمز في عدد
28/8/2004م ما حمل سترو كما تنقل الجريدة على عرض الأمر على حكومته مقترحاً إيجاد
ضوابط للسيطرة على هؤلاء المرتزقة، فالأمر ليس سهلا ً كما بيّـنت تايمز بالنسبة
لأعداد هائلة من المرتزقة لا تستطيع الحكومة العراقية أن تقف على حقيقتها، ذاكرة إن
رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي لمح في وقت سابق إلى إن عدد هؤلاء المرتزقة الذين
سينتشرون في العراق قد يصل إلى مائة ألف(36) مرتزق خلال سنة لاحقة لحماية المصالح
الاقتصادية والدبلوماسية ورجال الأعمال، لتحرير قوات التحالف من تلك الالتزامات،
وهو ما قدمنا له بأنّ القوات الأمريكية تأمل في إناطة مهام خطيرة في العراق
بالمرتزقة.. ولتدفع خزينة العراق ما خزنت من مال لإعمار البلد هبة لهؤلاء المرتزقة
وليصبح البلد على كف عفريت لا يعلم إلا الله أين سيذهب به وماذا يراد له.
أما الرسميون العراقيون (أغلبهم محاط بعناصر من المرتزقة الأجانب لتأمين حمايته
الشخصية) فإنهم يحاولون التقليل من الرقم الأمريكي إذ أعلن مسؤول رسمي في الحكومة
المؤقتة إلى إن عدد المرتزقة الذين أسماهم عناصر الأمن في الشركات الخاصة يبلغ
خمسين ألف ينتظمون في 60 شركة أجنبية، معترفاً إن ذلك (جيش كبير، وهو الثمن الذي
ندفعه للاحتلال)(37). فعندما قدر بيتر سنجر الباحث في معهد بروكنز والخبير بشؤون
المرتزقة والذي سبق له وأن ألـّف كتاباً بعنوان (مقاتلو الشركات: ظهور الجيوش
الخاصة) عدد المرتزقة العاملين في العراق بعشرين ألف مرتزق تابعين لخمس وعشرين شركة
أجنبية قال عنه (في العراق اليوم أكبر جيش مرتزقة في التاريخ)(38) فما بالك بخمسين
ألف والرقم مرشح لأن يصل إلى 100 ألف؟ وتقول جريدة الحياة (إن نحو 500 فتاة تعمل مع
هؤلاء المرتزقة في العراق في أوضاع شاذة وغير مطمئنة) وبيـّنت الجريدة إنّ فرقاً
تابعة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي التي تسيطر عليهم وتشرف على تعيينهم
واستقدامهم وأماكن وجودهم وسكنهم)(39). وعن ضوابط عمل هذه العصابات فإنّ ريتشارد
فيننغ مدير شركة كونترول ريسكس غروب التي تنتشر في 130 بلداً منها العراق يقول
مجاملا ً مطمْئِنا (ليس هناك تشريع دولي وربما سنحتاج إلى مثل هذا الإجراء).
فالتاريخ الأفريقي المعاصر يثبت إن كل الدول الأفريقية التي كانت لها أنظمة وجيوش
وكيانات راسخة احتلت بواسطة مئات من المرتزقة الأجراء، وأن بوب دينار وشتينر وبانكس
وغيرهم لم يكونوا يملكون غير أعداد قليلة من المرتزقة غيّروا بواسطتهم وجه تاريخ
دول كاملة، بل قارة بمجملها، فكيف بالعراق الذي ليس فيه أية منظومة وطنية للأمن
متكاملة يعيث فيه مائة ألف مرتزق فساداً ويتحكمون بموارده ومقدراته؟ إلى هنا، وقبل
أن نغادر المأساة العراقية ثمة أمر جدير بالمناقشة، ألا وهو التلاعب بمقدرات الشعب
العراقي وسرقتها من قبل هؤلاء المجرمين المحترفين وخاصة الأمريكان منهم سواء
بمساعدة محلية أو بدونها. فلقد ثبت قيام أصحاب بعض تلك الشركات بالتحايل والتدليس
وسرقة أموال الشعب العراقي بطرق فنية وأساليب متقنة. فمثلا ً لو استحضرنا قضية
التحايل التي أثيرت ضد شركة كوستر باتلز الأمريكية للمقاولات الأمنية التي تتخذ من
رود أيلاند والتي أناط بها بول بريمر خلال إشغاله منصب الحاكم الأمريكي في العراق
مهمة حماية مطار بغداد إضافة إلى مهمة أخرى تتعلق بالتموين والنقل وعقود أخرى أقل
أهمية، فقد ثبت لاحقا ً إن الشركة كانت تعمل بأساليب احتيالية تمكنت من خلالها من
سرقة مليارات الدولارات من قوت الشعب العراقي ما دعا إلى إقامة دعوى ضدها في
المحاكم الأمريكية بموجب قانون (مزاعم الاحتيال) الأمريكي من قبل موظفين في تلك
السلطة حاولوا رد اتهامات نحوهم بالتحايل.. ولكن القضاء الأمريكي الذي يجيد اختلاق
المبررات لمثل تلك الحالات طالما إن المستفيد أمريكي وجد ما يبرر عرقلة للقضية من
خلال إثارة تساؤل رئيسي أثير في المحكمة الفيدرالية الأمريكية حول القضية بخصوص
الصفة القانونية لسلطة الاحتلال التي كان يرأسها بريمر والتي هي الجهة التي وقع
عليها النصب والاحتيال وما إذا كانت تلك السلطة خاضعة للقانون الأمريكي من عدمه ما
حفز محامي الشركة جون بويزي على مطالبة المحكمة برفض الدعوى كونها تحتوي على خلل
بشكل شديد، إضافة إلى ادعائه إن مقيمي الدعوى لهم مصالح معينة كونهم نافسوا الشركة
في بعض مكاسبها (!!).. لذا فان تأجيل النظر بالقضية الذي أعلن يوم 12 تموز 2005م
ربما كان الخطوة الأولى نحو غلقها لصالح الشركة التي كانت تتقاضى جزءاً من عمولتها
نفطاً عراقياً خاماً مع إنها كانت تقوم بحماية الجنود والقوات الأمريكية في مطار
بغداد وتؤمن حماية قوافل إمداد تلك القوات. لاحظ إنها شركة أمريكية وتؤمن الحماية
للأمريكان وقامت بالتعاقد مع الأمريكان وتحايلت عليهم والضحية الحقيقية في كل هذا
النصب والاحتيال هو الشعب العراقي المغيب عن العملية تماماً وثرواته المهدورة.
إن التاريخ المريب لهذه الشركة يوضح طبيعة تلك الشركات التي تتمتع بدعم وحماية
أمريكية ملموسة، فهي أسست قبيل غزو العراق من قبل ضابطين متقاعدين هما سكوت كوستر
ومايك باتلز اللذين لم يكونا وقت تأسيس الشركة يملكان من المال والخبرة ما يكفي
للنهوض بها. وحالما توجها إلى العراق خلال فترة الفوضى التي أعقبت الغزو فقد انفتحت
أمامهما كل أبواب الثراء، إذ رست عليهما مجموعة من العقود التي غيرت حالهما
وجعلتهما يقفزان فوراً إلى مصاف الأغنياء، الأمر الذي شجعهما على الدخول في مجالات
أوسع منها المساهمة في تقديم العون لتسهيل عملية تغيير العملة العراقية القديمة
بالعملة الحالية، ونظراً للرغبة السريعة بالكسب الأوسع فقد اتضح إن الرجلين فتحا
مكاتب لشركات وهمية في العراق وقدما إيصالات ووثائق مزورة تمكنا بموجبها من سرقة
ثروات عراقية تبلغ مليارات من الدولات.
وخلاف ذلك فإنه عندما يكون المتضرر من تحايل الشركات أو تقصيرها في العمل طرفاً
أمريكياً فان الكونجرس يعقد جلسات خاصة لمتابعة الأمر كما حصل مع إحدى شركات
المرتزقة وهي شركة إيجس للخدمات الدفاعية المتحدة والتي تضمن التقرير الفصلي
للمفتـش الأمريكي المختص بإعادة اعمار العراق sigir والصادر في 30/1/2005م ملاحظات
سلبية عنها. فقد الكونجرس في مطلع تموز 2005م بأن الشركة مقصرة، فهي لم توفر أفضل
مستلزمات الحماية والأمن لموظفي الإدارة والتعهدين والمقاولين الأمريكيين كما يتضمن
العقد.
عالمية المشكل
ليس العراق وأفغانستان وبعض الدول الأفريقية هي الساحة الأكثر بروزاً والأكثف
نشاطاً لعمل عصابات المجرمين المأجورين المتمثلة بالمرتزقة سواء القدماء منهم أو
الجدد الذين أخذ عملهم يقترب من تسامح وقبول الصيغ القانونية بعدما انتظموا في
شركات مصرح بعملها على وفق تلك النصوص.. فالمشكلة عالمية، وإن كان استخدامهم بالشكل
الحالي في العراق وأفغانستان جديداً وكأنه قفز من أفريقيا ليطال هذين البلدين،
بمعنى أنه سيطال بلدان أخرى وسيقضي على المزيد من الأبرياء على أيدي هؤلاء القتلة
المأجورين.
لهذا السبب ولغيره سارع معهد الدراسات الدولية العليا الذي يتخذ من جنيف مقراً له،
إلى إجراء دراسة توصل من خلالها إلى أن مابين 80 - 108 ألف إنسان قتل خلال سنة
2003م بواسطة الأسلحة الفردية والخفيفة، وان 90% من هؤلاء الضحايا كانوا بسبب
صراعات مسلحة. ومع تحفظنا على تلك الأرقام إذ إنها بكاملها أقل مما خسره العراقيون
وحدهم خلال ذلك العام، ولكننا نرى فيه على قصوره، جهدا إنسانياً طيباً.
بضوء ذلك ولما كان العدد المقدر للأسلحة الفردية والخفيفة المتداولة بين أيدي الناس
الآن تـزيد على 600 مليون قطعة سلاح، فإن الحكومة السويسرية عمدت في 15/7/2005م إلى
تقديم مشروع قانون دولي مقترح إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحد من تداول تلك
الأسلحة وتحجيم الكمية المتداولة منها بين بني الإنسان عن طريق إتاحة الفرصة لتتبع
أثرها ومعرفة أماكن تواجدها ومنع تهريبها أملا ً في الحد من هدر أرواح الأبرياء.
فهل إن ذلك القانون فيما لو شرع وبفرض أنّ الولايات المتحدة التي سيكون ممثلها في
المنظمة الدولية الرجل الأكثر عدوانية (بولتن) ستوافق عليه، سيتمكن من الحيلولة دون
حصول عصابات المرتزقة على الأسلحة الفتاكة التي توجهها للأبرياء بقصد الاستمتاع
بقتلهم خصوصاً وأن تلك العصابات صارت شركات مرخص لها العمل العسكري وحيازة وتداول
الأسلحة الحديثة والمتطورة؟
لقد كانت الأمم المتحدة المسؤولة عن السلام والأمن الدوليين سبّاقة في بحث أمر هذه
الآفة الفتاكة التي تعيث في الأرض فساداً. فالمنظمة التي كانت قد أصدرت قراراً عن
الجمعية العامة في العام 2002م بخصوص المرتزقة، عقدت ثلاث اجتماعات مقرها الأوربي
في جنيف بين 2001م و2004م حضرتها المقررة الخاصة لحقوق الإنسان (شيستا شميم) مع
فريق مكوّن من أحد عشر خبير هدفها وضع ضوابط وإجراءات تنفذ من قبل الدول الأعضاء
لمراقبة الأنشطة التخريبية والهدامة للمرتزقة، بما يكفل صيانة وضمان حقوق الإنسان
في محيط عمل هؤلاء، على الرغم من أن الشركات المرتزقة تحاول إظهار إن مرتزقتها ليس
من النوع التقليدي الذي كان يلحق الضرر بحقوق الإنسان وكرامة مواطني الدول التي
يعملون فيها، وإن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان عين إنريك باليستروس لبحث
هذه الظاهرة المقرفة بشكلها الحالي (تحول المرتزقة من الأسلوب التقليدي إلى تنظيمات
تجارية على شكل شركات) إحساساً بضرورة إيجاد ضوابط ضمن القانون الدولي تضبط سلوك
وأداء المرتزقة وشركاتهم، وقد لمس الرجل طبيعة العمل المخادعة التي تنتهجها تلك
الشركات معبراً عن رأيه بقوله (ما يثير قلقي هو غياب أي ضمانات لاحترام شركات
الارتزاق لحقوق الإنسان، خاصة وإنّ هدفها بالأساس هو الحصول على المال فقط،
بالإضافة إلى تعامل تلك الشركات مع المآسي الإنسانية بمنطق المقاولة)(40). وثمة
مسؤول آخر في الأمم المتحدة قال لمراسل الأهرام (بالرغم من تأكيدات تلك الشركات
بأنها تحترم القانون الدولي وقوانين وعادات الدول المتعاقدة معها، إلا إنه من الصعب
تصديق ذلك في صناعة لا تحترم ولا تعطي إلا المكسب فقط، بالإضافة إلى صعوبة محاسبة
تلك الشركات على أي انتهاكات في ظل تغيير القبعات والأعلام التي تمارسها تلك
الشركات طوال الوقت، بمعنى سهولة قيام تلك الشركات بإعادة تسجيل نفسها في دول أخرى
وبجنسيات مختلفة)(41).
المخاوف العراقية المشروعة
إن وجود هذه الإعداد الهائلة من المجرمين العالميين في العراق هو مصدر خطر متعدد
الجوانب، وهو داعي خوف غير طبيعي على أمن البلد ومستقبله وسلامة نسيجه الاجتماعي
خصوصاً وإن الحكومة عاجزة عن السيطرة عليهم بدليل تشكي مسؤوليها لدى الدول ذات
الهيمنة على الملف العراقي كبريطانيا.. فهؤلاء سينشرون الجريمة والمخدرات في عموم
البلد إضافة إلى ممارستهم القتل المتعمد بهدف المتعة والتلذذ، هذا إن لم يكن هنالك
خطر سياسي تتكامل صورته باستحضار جرائمهم في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وما مثال
غينيا الاستوائية منكم ببعيد.
إنّ الحل الوحيد هو التخلص منهم بأسرع وقت وإناطة المهمة بالرجال الإشراف الذين
أفنوا شبابهم في الدفاع عن وطنهم العراق، ألا وهم رجال الجيش العراقي ورجال الشرطة.
الهوامش:
ــــــــــــــ
(*) خبير عسكري ، ومؤرخ عراقي.
(1) موﻨﺘجومري، الفيلد مارشال (الحرب عبر التاريخ)، ترجمة العميد فتحي عبد الله
النمر، مكتبة الانجلو المصرية- القاهرة، 1971م : 60.
(2) عيسى، حسن عبيد (التآمر اليهودي على بلاد الرافدين حتى سقوط بابل) بيت الحكمة،
بغداد، ط 1،2002م: 34.
(3) زينفون (حملة العشرة آلاف)، ترجمة يعقوب افرام منصور، مكتبة بسام، الموصل
1985م.
(4) فولر، ج أف سي (تأثير التسلح في تاريخ الحضارات)، ترجمة لويس الحاج، دار
المكشوف، بيروت ط1، 1985م: 50-51.
(5) موﻨﺘجومري (مرجع سابق): 136.
(6) فولر (مرجع سابق): 59.
(7) سعيد، الصافي (مثلث الشياطين الاستوائي)، كتاب نشر في حلقات في مجلة كل العرب،
الحلقة 3، العدد 189، في 9 نيسان 1986م: 33.
(8) موﻨﺘجومري (مرجع سابق): 266.
(9) فولر (مرجع سابق): 93.
(10) لاندو، روم (الإسلام والعرب)، ترجمة منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت،
ط1، 1962م: 84.
(11) الحموي، ياقوت (معجم البلدان)، دار صادر ودار بيروت ، بيروت 1979م، ج2: 264.
(12) الجابري، محمد عابد (فكر ابن خلدون:العصبية والدولة) مشروع النشر المشترك: دار
الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ودار النشر المغربية (طبعة خاصة بالعراق) بلا: 270.
(13) المرجع السابق: 291.
(14) المرجع نفسه: 342- 343.
(15) مكيافيلي، نقولو (الأمير) ترجمة فاروق سعد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، مكتبة
التحرير، بغداد، ط9، 1988م: 118.
(16) مكيافيلي، نقولو (مطارحات مكيافيلي)، ترجمة خيري حماد، دار الآفاق الجديدة،
بيروت، ط 2، 1979م: 518 .
(17) الحمداني، طارق نافع (ملامح سياسية وحضارية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر)،
الدار العربية للموسوعات، ط 1، 1989م: 111.
(18) إيفنس (السوقية البريطانية في حرب العراق)، مراجعة وتقديم حامد أحمد الورد،
مطبعة أوفسيت حسام، بغداد، 1986م.
(19) نديم، شكري محمود (حرب العراق 1914م -1918م)، مطبعة دار التضامن، بغداد،
1966م: 10.
(20) الحسني، السيد عبد الرزاق (تاريخ الوزارات العراقية)، منشورات مركز الأبجدية ،
بيروت ط 6، 1982م، ج1: 179.
(21) المرجع السابق نفس المكان.
(22) المرجع السابق ج3: 221.
(23) الكيالي، عبد الوهاب وكامل الزهيري / مشرفان (الموسوعة السياسية)، المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1974م: 404.
(24) الجيوسي، محمد شريف (أنغولا) الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، ط
1، 1977م: 37.
(25) المرجع السابق: 71.
(26) المرجع السابق: 53.
(27) للمزيد راجع مقالنا الموسوم (السجل الأسود لمجرم الحرب رحبعام زئيفي)، جريدة
القادسية، بغداد، العدد 7262، 21/10/2001م.
(28) نشرت وكالة الأهرام للصحافة عرضا للكتاب اطلعنا عليه في موقع المركز الفلسطيني
للإعلام على الانترنيت بتاريخ 25 تموز 2005م.
(29) شكري، عبد الجبار محمود / مترجم (كراسة العمليات للجيش الأمريكي)، مديرية
التطوير القتالي، بغداد، ط1، 1988م: 185.
(30) جريدة التآخي البغدادية، العدد 4316، ليوم 21/9/2004م.
(31) سعيد (مرجع سابق)، الحلقة 2، العدد 188، 2 نيسان 1986م: 33.
(32) الأشقر، ماري (عرض لكتاب البازار الصغير)، جريدة الدستور الأردنية، 21 حزيران
2003م: 8.
(33) سعيد (مرجع سابق): 31.
(34) جريدة الشاهد البغدادية، العدد 88، الصادر في 6/5/2004م.
(35) انظر جريدة التآخي البغدادية، ليوم 25/4/ 2004م.
(36) التآخي العدد 4302، ليوم 1/9/2004م.
(37) انظر تصريحاته منشورة في جريدة الشرق الأوسط، العدد 9548، ليوم 18/1/2005م: 1.
(38) جريدة الشاهد البغدادية، العدد 88، الصادر في 6/5/2004م .
(39) الاعرجي، حليم (المرتزقة في العراق ظاهرة أمنية مرشحة للتوسع)، جريدة الحياة
في 26/4/2004م.
(40) غانم، يحيى (رسالة جنوب أفريقيا)، جريدة الأهرام، العدد 42889، في 10/
5/2004م.
(41) المصدر نفسه.
|
|
|