|
حرب
العراق الأهلية
Iraq’s Civil War
جيمس د. فيرون(*)
James D.Fearon
الخلاصة:
مازال البيت الأبيض يتحاشى الاقتراب من هذه التسمية أو هذا العنوان، ولكن مع أية
مقاربة تاريخية منطقية في هذا السياق، يمكن القول: إن الحرب الأهلية في العراق قد
بدأت. إنّ سجل مثل هذه الحروب يؤكد بأنّ واشنطن عاجزة عن إيقافها، وإنّ العراقيين
سيكون بإمكانهم الوصول إلى صفقة لاقتسام السلطة ولكن بعد قتالٍ سيستمر أكثر مما هو
عليه الآن. نعم، يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تساهم أخيراً في تسريع الوصول
إلى مثل هذه الصفقة، وذلك بحفظ التوازن بين الفرقاء العراقيين عن بُعد، وإن ليس
أمامها اليوم إلاّ القليل الذي يمكن أن تفعله لتفادي إراقة المزيد من الدماء.
ليس هناك من مخرجٍ مشرّف No Graceful Exit
عند اندلاع شرارة العنف الطائفي في بغداد مفسدةً عيد تقديم الشكر الأخير، (The Last
Thanksgiving)، وجدت إدارة الرئيس بوش نفسها والناطقون باسمها، وجدوا أنفسهم
منهمكين في معركة كلامية مع الإعلاميين والصحفيين الأمريكان حول ما إذا كان من
المناسب وصف المعارك في العراق بأنها حرب أهلية أم لا؟ أو هل يصحّ تسميتها كذلك أم
لا؟ ليس عسيراً أن نفهم لماذا تصرّ الإدارة الأمريكية وبقوة على رفض هذه التسمية أو
هذا العنوان، السبب واحد فقط هو أنّ وسائل الإعلام الأمريكية في هذه الحالة سوف
تفسّر أو تقرأ التحول في موقف البيت الأبيض أي الجواب على هذا السؤال كتنازل مهم
ورئيسي من الرئيس بوش وتعتبره اعترافاً صريحاً على ضياع الآمال وفشل السياسة
الأمريكية في العراق.
من ناحيةٍ أخرى، إن الإدارة قلقة ومرتبكة، لأنّ الشارع أو الجمهور في الولايات
المتحدة، إذا عرف أنّ ما يجري في العراق من عنف هو حرب أهلية، فإنه سيكون أقلّ
تسامحاً في مواصلة دعمه أو تمويله لتواجد القوات العسكرية الأمريكية في هذا البلد.
وهذا يعني أنّ الأمريكان سوف يقولون :«إذا كانت الحرب أهلية في العراق، فماذا نحن
فاعلون هناك، إن المسألة ليس أكثر من الانغماس في معركة أو قتال لا ناقة لنا فيه
ولا جمل».
ولكن، إذا كانت الدلالات اللفظية تشير إلى غير ذلك، فإنّ تأثير هؤلاء سيكون أقل
قطعاً في المسار السياسي للولايات المتحدة. فهل القضية، إذن، مجرد ألفاظ وألعاب
سياسية محلية وعائلية واستجابات جماهيرية عابرة؟ أم أنّ وجود حرب أهلية في العراق
يمكن أن تكون له مؤشرات ودلالات قد تفضي إلى ما يمكن إنجازه هناك، ثم ما هي
الاستراتيجية التي يمكن أن تتبناها واشنطن في هذا الإطار؟
في الحقيقة، هناك حرب أهلية جارية في العراق، وهي حرب يمكن مقارنتها، من أبعاد
ومؤشرات مختلفة، مع حروب أهلية أخرى في العالم حدثت في حكومات ودول مستعمرة ذات
مؤسسات سياسية ضعيفة وهشّة. ما يجري في العراق فعلاً يدلّ دلالة واضحة على أنّ ما
أرادت تحقيقه الإدارة الأمريكية من أهداف في هذا البلد، كبسط الأمن وإرساء السلم
الأهلي وشيء من الحكم الديمقراطي وما يمكن أن يحيي الأمل برحيل القوات الأمريكية أو
جلاءها عن العراق، كلّها أصبحت بعيدة المنال أو غير واقعية. وعند إقرار عدم القدرة
على تحقيق هذا الهدف السياسي غير الواقعي علناً، يتجلى أن الاستراتيجية العسكرية
المتبناة في العراق، وبكل أنواعها، أصبحت محكومة بالفشل، بصرف النظر عما إذا كانت
الإدارة منسجمة مع خيار التجييش الذي افترضه ونفّذه السيد الرئيس جورج دبل يو بوش،
أو ابتعدت عن ذلك في تحديد مهمة القوات الأمريكية بالتدريب فقط، كما أوصت لجنة
دراسة العراق The Iraqi Study Group (أي اللجنة المعروفة بـ «بيكر- هاملتون»)(1).(1)
وحتى لو جاءت زيادة أعداد القوات العسكرية المقاتلة للولايات المتحدة المرسلة إلى
العراق لتقليص العنف في بغداد وفسح المجال أمام المحادثات الجارية لاقتسام السلطة
في الحكومة العراقية القائمة، ولكن، ليس هناك أي توقع معقول في تصوّر انكماش
استخدام العنف، بل على العكس ربما سيزداد هذا العنف ويزيد المعارك اشتعالاً. إنّ
الحروب الأهلية المعروفة في العالم نادراً ما انتهت بهدنة أو عبر اتفاقيات باقتسام
السلطة والقوة. وحتى عندما تتوقف، فإنها كانت تأخذ المقاتلين الذين لم ينهمكوا في
الأطراف السياسية والعمل السياسي وبعد سنوات من القتال لتشرح لهم أو توضّح مفهوم
موازنة القوة. في العراق لم يتوفـّر بعد أي واحدٍ من هذه الشروط في الوقت الحاضر.
التشرذم الطائفي وصل مستوى بين السنة والشيعة يقترب من المستوى الذي وصله في
الصومال. رجال المجاميع المقاتلة في الجانبين يبدوا أنهم معتقدين بإمكانية إحكامهم
السيطرة على الأوضاع الحكومية إذا ما غادرت القوات الأمريكية البلد وتركته لأهله.
هذه الأفكار لا يمكن أن تتغير بسرعة مادامت هناك أعداد كبيرة من هذه القوات مرابطة
في المنطقة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى مادام التطهير الإثني والطائفي قائماً في بغداد، فإنّ
الحكومة الشيعية الضعيفة المهيمنة حالياً على الأوضاع وبشكل غير مقصود أصبحت جزءاً
صارخاً في هذا التطهير أي في الحرب الأهلية القذرة بين الشيعة والسنة العرب.
وكنتيجة لذلك، فإن تشبث الرئيس بوش بإحراز نجاح في العراق على يد هذه الحكومة
سيزداد ويدفعه للوقوف معها ودعمها، وهو موقف مشكوك فيه أي مشبوه أخلاقياً وربما لا
يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية البعيدة المدى في المنطقة، ولا في مصلحة
السلام والاستقرار الذي يراد للمنطقة أن ترسو عنده. كما أنّ انتصار عسكري حاسم
للحكومة لا يمكن توقّعه في المستقبل المنظور بأي حال من الأحوال، مادامت كل الوقائع
تؤكد أنّ التمرّد السنّي ينطلق من جميع المحافظات والمناطق التي يسيطرون عليها،
وتقع تحت هيمنتهم. وأكثر من ذلك، إنّ منهج الحكومة هذا كان شجّع الوطنيين السنّة
لطلب العون من أنصار القاعدة في العراق ومناشدة دعمهم في مواجهة الميليشيات الشيعية
والجيش العراقي. وهذا الموقف نفسه هو الذي جعل واشنطن تصطف بالضرورة مع طهران
لمواجهة الدول المحكومة من قبل السنّة والمناهضة للغرب.
إذن، ما دامت إدارة الرئيس بوش مستمرة في التزامها المطلق لدعم حكومة رئيس الوزراء
نوري المالكي وبتراتبية متشابهة مع من يعقبه، فهذا يعني أنّ حكومة الولايات المتحدة
كانت حدّدت تعاملها سلفاً مع معظم الأحزاب الوثيقة الصلة مع الدولة. والعكس صحيح
أيضاً، إن الإبتعاد عن الإلتزامات المطلقة ـ مثال ذلك إبعاد القوات العسكرية
الأمريكية عن مسرح الأحداث يمكن أن يزيد من قدرة الدبلوماسية الأمريكية على
المناورة، ويزيد من قدرة القوات المسلحة على النفوذ والامتداد إلى كافة الجبهات.
صحيح، إنّ الإقدام على هذا الفعل سوف لا يساعد الإدارة الأمريكية الحالية ولا
القادمة على أن تأتي بنهاية سريعة للحرب الأهلية، والتي يحتمل أن تستمر إلى فترة
أخرى ربما ستطول، ولكنه سوف يساعد الولايات المتحدة على لعب دور موازنة مهم بين
المتحاربين الذين سيكونون أكثر حرصاً بالتأكيد على مستقبل بلدهم، أي إنهم في نهاية
المطاف، سيصلون إلى قرار متين تكون فيه مصالح الشيعة والسنة والكرد قد ضُمنت وفي
إطار حكومة عراقية معتدلة ومتوازنة. وإذا ما شاء العراقيون الوصول إلى آلية محدّدة
لإدارة بلدهم عبر اتفاقية اقتسام القوة، أي المحاصصة، والتي هي جزء من الأهداف
المعلنة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ ذلك لن يحصل بالتأكيد إلاّ بعد
قتال مرير وفي حرب أهلية طاحنة يستعر أوارها الآن وليس معلوماً أنها ستتوقف قريباً.
مدوّنات حرب War Records
يمكن تعريف الحرب الأهلية بأنـّها صراع مسلح أو صراع عنيف داخل قطر ما، يجري
التقاتل فيه بين مجموعات منظمة تستهدف الاستحواذ على القوة أو السلطة في مركز القطر
أو المنطقة، أو بهدف تغيير سياسة الحكومة.
إن مصطلح (حرب أهلية) Civil War السائد اليوم لا يستلزم بالضرورة الوقوف على تعريف
محدد لكيفية ومقدار العنف المستخدم لتسمية الحرب، كما هو الحال في مسألة الإرهاب أو
الحدّ الأدنى من النزاع السياسي. إنّ علماء السياسة يضعون أحياناً أرقاماً تقريبية
كأن يكون الحدّ الأدنى مثلاً 100.000 قتيل في مسلسل واحد من مسلسلات النزاع. تأسيساً
على هذا الرقم، وبعيداً عن الجدل، يمكن القول أنّ هناك قرابة 125 حرباً أهلية كانت
نشبت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهناك عدد تقريبي لـ 20 حرباً مازالت تدور
رحاها الآن. (المزعوم غالباً بأن انتشار الحروب الأهلية هي إحدى تمظهرات فترة ما
قبل الحرب الباردة، ولكن الحقيقة إنّ عدد الحروب مازالت في زيادة وبشكل منتظم
تقريباً منذ سنة 1945م وحتى بدايات التسعينيات وقبل الوصول إلى الحديث عن مستوياتها
في أواخر السبعينيات).
إن معدّل نسب القتل سنوياً في العراق، والذي وصل إلى 60.000 في السنوات الثلاثة
الأخيرة، يضع تعريف النزاع، وضمن العديد من النزاعات الحديثة المشابهة، في خانة
الحروب الأهلية المعروفة، أي مثل تلك التي حصلت في (الجزائر وكولومبيا وغواتيمالا
وبيرو وسيريلانكا). وفي الحقيقة، وفي حساب تقدير 60.000 حالة موت ورغم الجدل، فإنّ
هذا الرقم يجعل العراق الدولة التاسعة من بين دول العالم التي عانت من الحروب
الأهلية المهلكة منذ سنة 1945م، وفي عداد الكوارث السنوية الكبرى المحدّدة عالمياً
.
السبب الرئيسي لاندلاع الحروب الأهلية وانتشارها هو عدم القدرة على تطويقها أو
إنهائها. المعدل العام لاشتعالها منذ سنة 1945م هو قرابة الـ عشر سنوات لكل منها،
نصفها استمر أكثر من سبع سنوات. ويبدو أنّ سبب ديمومتها الطويلة هذه يأتي من
الطريقة التي اشتعلت خلالها وسبب النزاعات التي أحدثتها، وتحديداً الجماعات
المتمرّدة التي تستخدم حرب العصابات، لا سيما تلك التي تقوم بتنفيذ عملياتها في
مناطق القرى والأرياف لبلدان مستعمرة مسبقاً تحكمها حكومات ضعيفة تنقصها القدرات
الإدارية والعسكرية كأجهزة الجيش والشرطة.
الحروب الأهلية ذات الأبعاد والملامح التقليدية، مثل الحرب الأهلية الأمريكية، التي
امتدت لتشمل جبهات معروفة ومحددة نادراً ما تكون موجودة أو معروفة عالمياً. الحروب
المعروفة والمشهودة اليوم هي تلك التي سببتها نزاعات واضحة كتلك التي حصلت في
الجزائر، وكولومبيا، وسريلانكا وجنوب وغرب السودان.
وكما تشير هذه الأمثلة، إنّ رجال العصابات القرويين يشنّون حروباً دقيقة وشديدة
العنف ويستخدمون تكتيكات محكمة، تسمح لهم، أو لأعداد قليلة منهم بالسيطرة الكاملة
أو الجزئية على مناطق واسعة من الأراضي ولسنين طويلة على الرغم من وجود معسكرات جيش
ضخمة بقوات متمرسة وقاسية تقف في مواجهتهم.
الحرب الأهلية في العراق التي بدأت عام 2004م كانت في بدايتها أشبه بحرب عصابات
مدينية، أي نضال من داخل المدن، قامت بشنّها مجاميع سنيّة متمردة على أمل إخراج
الولايات المتحدة الأمريكية من العراق واستعادة السلطة التي كانت بأيدي السنّة على
امتداد فترة حكم صدام حسين. تصاعدت وتيرة هذه الحرب عام 2006م مع زيادة وتصعيد
العنف الشيعي الذي بدأته الميليشيات الشيعية بدعاوى الدفاع عن الشيعة ولجم
المتمردين السنة، والذي انتهى إلى «تطهير إثني» وكمّ هائل من العنف الوحشي والقتل
والتصفيات غير المسؤولة وغير القانونية.
هذا النمط من حرب العصابات داخل المدن، يرافقه نزاع ميليشيات متناحرة يختلف جوهرياً
عن الحروب الأهلية التي سبقته منذ عام 1945م ولاحقاً، وإن كان هناك بعض أوجه
التشابه. مقارنة مفيدة يمكن مناقشتها قليلاً، وهي النزاع العنيف الذي حطّم المدن
التركية بين أعوام 1977م - 1980م. ووفقاًً للإحصائيات المعروفة، كان القتال بين
الميليشيات المحلية والقطعات العسكرية المنضمّة إلى كل من «اليمين» و «اليسار»
آنذاك قد أودى بحياة أكثر من 20 إنساناً في اليوم الواحد في الآلاف من الهجمات
والهجمات المضادّة، وعبر الاغتيالات والتصفيات التي تنفذها فرق الموت من داخل
المعسكرات. وبدأ من المذبحة التي قام اليمينيون Rightists في مدينة كهرمان ماراس
Kahraman maras بتنفيذها في ديسمبر 1978 بدأت صراعات اليمين واليسار تنمو وتزداد
وتنتشر لولبياً لتتحول إلى نزاع إثني وطائفي يحرّض السنة ضد العلويين وضد الكرد وضد
الشيعة في العديد من المدن والارياف التركية.
وكما هو الحال في العراق اليوم، فإنّ منظمة المقاتلين الأتراك كانت منقسمة محلياً
بشكل كبير، وخاصةً جبهة اليسار، بحيث ظهر القتال أشبه ما يكون بحرب عصابات المدن.
ولكن، وكما يبدو الأمر في العراق أيضاً، كانت لهذه العصابات والميليشيات روابط هشّة
مع الأحزاب السياسية المسيطرة على البرلمان الوطني المنتخب ديمقراطياً. (في الحقيقة،
يمكن للمرء أن يصف النزاعات الأهلية في تركيا آنذاك وفي العراق اليوم، وكأنها
إنعكاس لسياسيات أحزاب الميليشيات أو «ميليشيات الأحزاب السياسية»). الخصومات
السياسية الحادة بين القادة السياسيين الأتراك وعلى امتداد علاقاتهم السياسية
المفيدة مع أعضاء البرلمان منعت الحكومة الديمقراطية والنظام الديمقراطي، وحالت
بينهما وبين التحرك بحزم لإنهاء العنف. الحال في العراق اليوم هو شبيه بذلك إلى حد
كبير، فالسياسيون المنتخبون يعزفون بمرح «Fiddle» ويضيّعون أوقاتهم مبتهجين فيما
المدن العراقية تحترق تحت عنف المتحاربين.
والذي حدث في تركيا، وخوفاً من تحرك الضباط العسكريين من ذوي الرتب الدنيا الذين
تأثروا هم أيضاً بالتمزق الدموي الحاصل في المجتمع، قام القادة العسكريون الكبار
بقيادة انقلاب عسكري في سبتمبر 1980م أطلقوا بموجبه العنان لموجة عارمة من العنف
والعنف المضاد لسحق الميليشيات ورجال العصابات لكل من اليمين واليسار، وعلى حدٍ
سواء. وكضريبة أو ثمن لهذا الحكم العسكري، جاءت السنوات الثلاث بهذا النوع من الحكم،
ولكن بعد وضع نهاية لمسلسل الإرهاب والعنف في المدن التركية.
ماذا عن العراق؟
وبشكل محدد، إذا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالإنسحاب من العراق، فإن البدائل
يمكن أن تكون ذات أرجحية مهمة، منها إنّ مجموعة من داخل قياديي الجيش العراقي سوف
تعزز وتكون جاهزة لقيادة انقلاب أو كما قال أحدهم: إن الحكومة العراقية المنتخبة
اليوم لا تفعل شيئاً، وإن التحرك سوف يجد حاجة ماسّة وضرورية لظهور ذراع قوية
وضاربة لفرض الأمن والنظام في البلد.
ومع ذلك، من غير المحتمل أن يقوى أي تنظيم عسكري يتوقع في العراق أن يحذو حذو ما
فعله الجيش التركي في أوائل الثمانينات. فلقد كان الجيش التركي مؤسسة قوية وذات
استقلالية كافية، يرافقها ولاء كاف ٍ للمثل الوطنية الكمالية (أي كمال أتاتورك)
بحيث يمكنها أن تنفرد بقراراتها مستقلّةً عن تلك الجماعات والكيانات التي كانت
تحاول تقسيم البلاد أو تمزيقها. وعلى الرغم من أنّ الجيش التركي كان يفضّل اليمين
على اليسار، ولكن المواطن التركي كان يرى في هذا الجيش وجوداً مستقلا ً يقف بعيداً
عن مشاهد الاقتتال الطائفي والإثني الحاصل في تركيا آنذاك، وبذلك يمكن اعتباره
بديلاً مقبولاً، أو مبادراً دخيلاً وسيطاً موثوقٌ به. أي على النقيض تماماً مما هو
عليه الحال في العراق، حيث ظهر الجيش العراقي، ومعه الشرطة العراقية كذلك، أقل
استقلاليةً، أو ذات استقلالية قليلة جداً عن المجتمع والكيانات السياسية الفاعلة.
فعناصر الشرطة يظهرون وكأنهم أعضاء في ميليشيات وإن بزيٍّ آخر، وفي بعض الأحيان
يظهرون مع قوات التدريب الأمريكية. الجيش يمكن أن يكون أكثر تراجع أو حياديةً من
الشرطة، إلاّ إنه هو الآخر مهيمن عليه شيعياَ وليس فيه إلاّ القليل من الوحدات
المختلطة مذهبياً. يعلّق عدد من المتابعين والمراقبين بأنّ المراتب العليا في الجيش
العراقي كانوا استدرجوا إن لم نقل إنهم منخرطون بنشاط ما في عمليات التطهير الإثني
الجارية في العراق.
تأسيساً على ذلك، إن أية قوة قادرة على اختطاف السلطة، من قبل أية مجموعة في قيادات
الجيش سوف تقرأ أو ينظر إليها، على أنها قوة اختطاف لفصيل معّين من الفصائل الشيعية،
وبالتالي فإنّها سوف تقود الجيش أو تجره إلى شواطئ طائفية ومذهبية، وربما إلى
محددات ومحاذير تقسيمية محتملة.
الذي حصل في لبنان في العامين 1975م – 1976م ربما يعكس صورة أفضل داخلياً مما يحتمل
أن تعكسه صورة العراق. وكلما راح العنف يتزايد بين الميليشيات المسيحية وفصائل
منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1975 كلما حاولت قيادة الجيش اللبناني أن تبقى في
منأى عن التدخّل في الصراع، مدركةً بأنّ الجيش قد يتفتّت في حال تدخّله. ولكن وبعد
تزايد العنف إلى حدّ غير مقبول كان على الجيش أن يتدخّل أخيراً، ويكون هو الفيصل أو
العازل بين الجانبين. وبعد ذلك دخل لبنان في حقبة طويلة من الصراع حيث راحت مجاميع
من المسيحيين والسنّة والشيعية وميليشيات لمنظمة التحرير الفلسطينية تقاتل بعضها
بعضاً سراً وعلناً، وأحياناً تتقاتل فيما بينها كمجاميع طائفية متناحرة. القوات
العسكرية السورية والإسرائيلية، ساهمت هي الأخرى في إذكاء نيران هذا الصراع،
فأحياناً تعمل على زيادته، وأخرى على تقليله حسب المصالح والظروف. التحالفات كانت
تتبدّل بين فترة وأخرى وبشكل يثير الدهشة والاستغراب أحياناً. فالسوريون مثلاً،
اصطفوا إحدى المرات مع المسيحيين ضد منظمة التحرير الفلسطينية.
نفس السيناريو يعمل به أو ينفّذ اليوم في العراق. فإذا انسحبت قوات الولايات
المتحدة الأمريكية أو بقيت، فإنّ العراق الذي يقع إلى جنوب المناطق الكردية، سوف
يضل أكثر فأكثر تشابهاً بما جرى في لبنان إبان حربه الأهلية الطويلة.
فالسلطة السياسية المؤثرة سوف تبقى تتنقّل بين المقاطعات والمدن وحتى المناطق
المجاورة. وبعد فترة قد تطول من التطهير الإثني والاقتتال الطائفي التي ترسم خطوطها،
سيأتي دور الموازنة ولو بالحدّ الأدنى ترافقه نوبات أكثر ضراوة للعنف الطائفي
تتصاعد تارةً وتنخفض أخرى، وتأتي جدولتها أو توقيتها من قبل المعسكرات وقوى أكبر
مدعومة طبعاً من قوى أجنبية فاعلة إقليمياً ودولياً.
العنف والابتزاز السياسي بين الطوائف سيزداد سوءاً، مادامت ميليشيات العصابات
والدول المجاورة التي (ترعى) التطهير الإثني تواصل قتالها على قدم وساق، محرّضةً
هذه الفصائل الإثنية على المضي قدماً في التناحر، وتحت دعاوى مختلفة تتنقّل بين
مزاعم الحماية تارةً، وحفظ المال والاستثمارات تارةً أخرى. وكما كان الحال في لبنان
أيضاً هناك احتمالات أكبر للتدخل في العراق من قبل الدول المجاورة، وخاصة إيران،
ولكن هذا التدخل سوف لن ينفع الفصائل المتحاربة كثيراً على المدى البعيد، بل على
العكس، سيجلب لها المزيد من المتاعب والحزن، وربما أكثر مما جلبته أو سبّبته لها
الولايات المتحدة نفسها في هذا المسلسل الدموي.
تعلّم الشراكة Learning To Share
عندما تضع الحروب الأهلية أوزارها، فإنّها غالباً ما تنتهي بالحسم العسكري، لصالح
أحد الطرفين المتحاربين. فمن بين الـ 55 حرب أهلية التي تنازع أتباعها للاستيلاء
على السلطة المركزية (بافتراض استقلالية المتحاربين وعدم تبعيتهم لهذه الدولة
الأجنبية أو تلك) ومنذ سنة 1955م فإنني أستطيع أن أحصى أنّ 75% من تلك الحروب كانت
انتهت بنصر واضح لأحد طرفيها (أي طرفي النزاع). إذ قامت الحكومة في نهاية المطاف
بقمع الثوار وذلك في 40% على الأقل من 55 حالة حرب، بينما أستطاع الثوار أو
المتمردون أن يفرضوا سيطرتهم على المركز في 35% من الحالات المذكورة. أمّا الوصول
إلى اتفاقيات لاقتسام السلطة فإنّها نادراً ما حصلت بين المتحاربين وإنها الأقل
شيوعاًَ في عموم تلك الحروب.
وفي عمل إحصائي كنت أجريته بنفسي اكتشفت أنه لم يكن هناك سوى 9 حالات بين هذه الـ
55 كانت قد وصلت إلى اتفاق، أي ما يساوي 16% فقط من هذه الدراسة. ومن أمثلة ذلك ما
حصل في السلفادور عام 1992، وأفريقيا الجنوبية عام 1994م، وطاجيكستان عام 1997م.
وحين لا يحالف اتفاقيات اقتسام السلطة النجاح لإنهاء الحروب الأهلية، فهذا لا يعني
أنّ الجهود المبذولة لذلك كانت ناقصة أو غير كافية. فالمفاوضات والمحادثات لاقتسام
السلطة عملية شائعة ومعروفة في معظم الحروب الأهلية وفي خضّم اشتعالها، ولكنها
غالباً ما تكون المحاولات فاشلة، كما إنها غالباً ما تقوم بمساعدة التدخّلات
والوساطات التي تقدمها الدول والمؤسسات العالمية بغية التواصل إلى مثل هذه
الاتفاقيات. فبعد مذبحة الراونديين عام 1994 وهجوم الثوار الذي أنهاها مثلاً، يمكن
تسجيل فشل واضح لمسألة اتفاقيات اقتسام القوة بين الروانديين والحكومة، وكذلك أحزاب
الهوتو المتعارضة والمتمردين التوتسيين (التوتو) Tutsi Insurgents.
نعم، إنّ اتفاقيات المحاصصة لاقتسام السلطة نادراً ما تفعل فعلها في الحروب الأهلية،
والسبب واضح، بطبيعة الحال خلاصته إنّ المتحاربين غالباً ما يصبحون منظمين على
امتداد الحرب، لكونهم يعيشون لفترة طويلة في حالة من الهواجس والخوف من جانب، وفي
حالة من الإغراء والتوثّب من جانب آخر. فهم من ناحية يقفون خائفين من احتمال غدر
الطرف الآخر واستخدامه القوة للسيطرة على الحكم، وهم من ناحية أخرى يمنّون أنفسهم
بالقفز إلى السلطة والاستيلاء عليها بالقوة أيضاً، فهم قلقون مرتبكون بين ذلك
الهاجس وهذا النزوع. فإذا كانت إحدى الميليشيات تخشى بأنّ الأخرى تسعى للسيطرة على
الجيش واحتلال هذه المدينة أو تلك، فإنّها ستبقى متوجسة وتعيش نفس الهاجس وتبقى
مستنفرة لتحقيق نفس الهدف، أو للحيلولة دون حصول الأول. وهذه الثانية تعيش نفس
الحالة النفسية، وبالتالي فإنها تسعى لأن تفعل ذات الفعل، وهكذا.
ومن هنا فإنّ أي اتفاق ورقي مكتوب يمكن أن تعقده هذه الفصائل سواء كان على اقتسام
السلطة السياسية أو الاستحواذ على الثروات النفطية أو الشراكة في المؤسسات أو الجيش،
فكلها لا تجدي نفعها، وتبقى في الغالب حبراً على ورق. نعم، في حالة واحدة، يمكن
إحياء هذه الاتفاقيات والتعويل على دورها، وهي تدخّل قوة ثالثة أو طرف ثالث يهدّد
بالضمن كلا الطرفين من اقتناص السلطة عنفياً، كما هو الحال مع الولايات المتحدة،
وما عملته في العراق، ومع ذلك فإنّ هذه الاتفاقيات قابلة للانفراط في أية لحظة.
إنّ إدارة بوش ساهمت في وضع العراق في إطار حكومة قائمة على أساس المحاصصة
واتفاقيات مرسومة لاقتسام السلطة بين الزعماء الشيعة والسنّة والكرد، ولكنها فعلت
ذلك في خضّم حرب أهلية متصاعدة وملتهبة. الشهادة التاريخية على هذه الحالة تشير على
أنها مهمّة سيسفونية صعبة Sisyphean task (2).
الرؤية الماثلة لتصور الحالة الأمنية في العراق والتي جاءت عبر تدخل قوة أجنبية
قديرة حطمت شعور الثقة بالنفس لدى الحكومة العراقية واعتمادها على نفسها في كونها
قادرة على بسط الأمن في غياب دعم الطرف الثالث ومساندته. مثل هذا الشعور بالعجز
تركته القوات المسلّحة الأمريكية لدى الحكومة وذلك لكثرة تدخلها في الشأن العراقي،
الأمر الذي أنتج حكومة محبطة ومحطمة نفسياً أصبح من الصعب إحياؤها سواء بقيت هذه
القوات ثمانية شهور أو ثمانية سنوات في هذا البلد.
خياران أمام اتفاق المحاصصة، وإلاّ؟!
ترى، هل يمكن للعراق أن يكون هو هذه الحالة النادرة التي استطاعت خلالها المحاصصة
واتفاقات اقتسام السلطة أن تحسم حرباً أهلية أو تضع نهاية ناجحة لها؟! من دراستنا
للحروب السابقة المشابهة يبدو أنّ هناك سبيلين واضحين يمكنهما أن يجعلا مسألة
المحاصصة ممكنة أو ناجحة. الأول هو اتفاقية ثابتة يمكن أن يتمّ الوصول إليها بعد
فترة طويلة من قتال متواصل لم يحسم لصالح أحد، وتجلي قدرة الطرفين المتحاربين
وإمكانياتهما العسكرية المتقاربة التي لا يمكنها ترجيح طرف على آخر عسكرياً. وهذا
يعني وصول كل ٍّ من الطرفين إلى قناعة كاملة أنه ليس بإمكانه حيازة كل ما يريده عن
طريق العنف والقوة. مثال على ذلك اتفاقية دايتون Dayton Agreement التي قسّمت القوة
بين الأطراف المتحاربة، وقادت البوسنيين إلى حرب مدمرة لم تستطيع حتى تدخلات حلف
الناتو Nato من جرها إلى مائدة المفاوضات، وفرض الشروط، وإنما استغرقت العملية أكثر
من ثلاث سنوات حرب طاحنة، أجبرت المتحاربين وأوصلتهم مكرهين إلى قناعة لابدّ منها
وإحراج قهري إلى الجلوس والتفاوض وذلك في صيف 1995. وحتى هذه الاتفاقية كان محتمل
أن تلغى في اللحظات الأخيرة، وكان الانقلاب وارد أيضاً لإسقاط الحكومة لولا جهود
حثيثة من طرف ثالث كان أعطى ضمانات من حلف الناتو رافقها هيمنة كاملة من قبل الحلف
وضعت الطرفين تحت السيطرة وعبر دائرة الممثلية العليا المنبثقة عن دايتون.
السبب الثاني لتمشية صفقة المحاصصة هذه هو كون الطرفين المتنازعين مصرّان على
موقفهما وبنفس النسبة من التماسك والعناد. إذ كيف يمكن لأحد الفريقين أن يتوقع
تنازلاً من الفريق الأول أي الخصم، إذا لم يكن له هيمنة كاملة على أعضائه. هناك
محاولات عديدة لعقد صفقات كان يمكن أن تقود إلى إنهاء حروب أهلية في بروندي
والصومال مثلاً، ولكنها تفجّرت لسنين أخرى، بسبب التشرذم الداخلي للمحاربين في صفوف
تلك المجموعات نفسها. وعلى العكس من ذلك، إن تثبيت القوة عبر اتحاد أو تلاحم فصيل
متمرّد مع آخر يمكن أن يقود إلى اتفاقية سلام، كما حدث قبل الصفقة الأخيرة في
السودان، حيث تمّ إنهاء الحرب الأولى بين الخرطوم والمتمردين السودانيين الجنوبيين
عام 1972.
في العراق لم يتوفـّر أيٍّ من هذين السبيلين أو الشرطين بعد. فهناك أولاً، عدة
جماعات سنيّة مهمة وناشطة ومسلحة تسليحاً جيداً ويبدو أنها تعتقد بقدرتها على
استعادة السلطة في حال رحيل القوات الأمريكية، وإنها قادرة على السيطرة على بغداد
وبقية المحافظات في البلد. كما أنّ هناك عدة جماعات شيعية مسلّحة هي الأخرى، وتعتقد
بما أنها الأغلبية، بأنّ لها القدرة في السيطرة على العراق والهيمنة عليه سياسياً.
إضافة إلى ذلك، تعتقد جماعة أخرى شيعية، وهي جماعة مقتدى الصدر بأنها قادرة على
انتزاع السيطرة من خصومها في حال جلاء القوات الأمريكية عن الأراضي العراقية. وفي
الحقيقة، إذا انسحبت الولايات المتحدة من العراق، فإن حدّة النزاعات والعنف ربما
تتزايد بين الميليشيات الشيعية نفسها. وإذا ما حصلت مواجهات مفتوحة بين هذه
الميليشيات، فإنّ هذا بدوره سوف يعزّز ثقة المتمردين السنّة بأنفسهم وبقدرتهم على
إمكانية استعادة السلطة والتحكم بالأمور مرة أخرى.
هذا أولاً، وثانياً: إن كلا الفريقين من السنة والشيعة في العراق منقسمين على
نفسيهما انقساماً كبيراً، وعلى مستويين: مستوى السياسة الوطنية لكل منهما، ومستوى
العلاقات مع دول الجوار والعصابات المسلحة. فالسياسيون الشيعة منقسمون على الأقل
إلى أربع مجاميع رئيسية، فواحد منها وهو الدعوة مثلاً (هي حزب رئيس الوزراء نوري
المالكي) منقسم تاريخياً إلى ثلاث فصائل رئيسية. مقتدى الصدر هو الآخر الذي يوصف في
وسائل إعلام في الولايات المتحدة الأمريكية دائماً بأنه قائد أكبر التجمعات الشيعية
وقائد أكثر الميليشيات عنفاً وعناداً، إلاّ أنه من غير الواضح أن يكون قادراً على
تزعّم الميليشيات التي تمتدحه وتحمل اسمه وإن كان يشك فيما إذا كانت هذه الميليشيات
فعلاً ستنصاع له في لحظات الفعل الحقيقية. السنة العراقيون من جانبهم أيضاً منقسمون
بين قبائل وفصائل داخل وخارج بغداد، وحتى المنظمة الثورية الإسلامية السنية، لا
يبدو أنها منسجمة، ويبدو أنها تشق طريقها بصعوبة في الوسط السنّي العريض المتعدد
الاتجاهات والواجهات.
لو كان نوري المالكي يمتلك سلطة أو (كارازمية) نيلسون ماندلا، أو تنظيم حزبي متماسك
نسبياً وله هيمنة ونفوذ، كما كان لمانديلا في البرلمان الوطني الأفريقي في صراعه ضد
التمييز العنصري، لكان بإمكانه التحرك أكثر والتأثير على الزعماء السنة المختلفين،
والتنسيق معهم داخل الحكومة دون الخوف من احتمال إضعاف أو تضعيف قواه الذاتية من
قبل خصومة السياسيين من القوى الشيعية المختلفة الأخرى.
أو قل: لكان بإمكانه أيضاً أن يكون أكثر مصداقيةً في التزاماته بتنفيذ الوعود التي
يقطعها للزعماء السنة، ولكن الحاصل هو أنّ الخصومات الشيعية الداخلية هي التي تعوّق
العمل الحكومي وتحدث الاختلالات داخل الكيانات الشيعية نفسها وداخل الكيانات
الأخرى. ولذلك يرى هؤلاء المتخاصمون إنّ أفضل خيار لهم هو أن يستمروا على هيئة
ميليشيات مرعية، أو ذات علاقة مع هذه الميليشيات تحسباً لأي طارئ مستقبلي سواء كان
على مستوى المعارك المحتملة، أو خطط الابتزاز والمناورة المتوقعة، أو عمليات
التهريب القائمة على قدم وساق.
هل الحرب الأهلية هي الحلّ؟
المأساة، والكارثة أنّ الحرب الأهلية سوف تبقى الطريق الوحيد لإيصال الناس إلى
قناعة كاملة بأنّ المحاصصة واقتسام السلطة هي الحل الممكن لمشكلة الحكم في العراق.
المزيد من القتال والمعارك هو وحده الذي سيحمل أفق الموازنة وتوضيح المسار لجميع
الفصائل المتناحرة، وهو وحده القادر على تسليط الضغوط على جميع الأطراف للتماسك
والاندماج بغية توفير الأرضية اللازمة إما لانتصار أحد الأطراف أو الإعداد لقرار
تفاوضي ثابت ومقبول من الجميع. فهل سيكون الخيار الآخر (أي خيار التفاوض) هو الحل
الأمثل المنظور؟! تبقى الحاجة قائمة طبعاً إلى وسيط خارجي، أو قوة حفظ سلام إقليمية
أو دولية للمساهمة في وضع هذا الخيار موضع التنفيذ. إنّ التقرير الذي قدمته لجنة
دراسة العراق (أي تقرير لجنة بيكر – هاملتون) The Iraqi StudyGrpup Report كان على
صواب تماماً عندما أكّد أنّ واشنطن وحدها هي القادرة على إيجاد آليات دبلوماسية
فاعلة لمثل هذه النهايات (المأساوية) إن عاجلاً أو آجلاً.
الإجراء الموازن Balancing Act
بلغة تفاؤلية يمكن أن يكون هذا التحليل غارقاً في التشاؤم، فربما يعمل السياسيون
العراقيون المنتخبون على لخبطة الواقع، وربما يفعل الجيش العراقي ذلك، بواسطة الدعم
الأمريكي، ويقومون بتطوير الوقائع واستنهاض الهمم على تنفيذ شيء فاعل ومقبول ضد
كافة المتمردين والميليشيات ومن كافة الفصائل والجهات. ورغم أنّ هذا السيناريو
المتفائل ليس محتملاً كثيراً، لكن صنّاع القرار السياسي يجب أن يأخذوا بنظر
الاعتبار أنّ توظيف الحرب الأهلية سوف يستمر ويتصاعد وأن التورّط فيها سيبقى
مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
نفترض أنّ التطهير الطائفي في بغداد سوف يستمر، وان جماعات التمرّد السنية
والميليشيات الشيعية سوف تواصل قتالها ضد بعضها، وضد القوات الأمريكية وضد
المدنيين. وإذا ما أصّرت إدارة الرئيس بوش على مقولاتها في «منهج البقاء في العراق
حتى تحقيق النصر» والذي أصبح خيار المتمرّد هو الصورة الأخيرة أو التجسيد الأخيرة
له، فسوف يصبح من الواضح تماماً أنّ هذه السياسة سوف لا تقوم إلاّ بدعم هذه الحرب
السنية الشيعية القذرة. نعم، يمكن أن تقوم القوات الأمريكية بدور إيجابي في منع بعض
الانتهاكات لحقوق الإنسان التي تمارسها بعض قطاعات أو وحدات الجيش العراقي، ومواجهة
بعض حالات العنف والتطهير الطائفي التي قد تحصل هنا أو هناك، ولكن مادامت الولايات
المتحدة متعهدة بالتزاماتها على إنجاح الحكومة العراقية - كما هي تصريحات الرئيس
بوش دائماً - فلا مفرّ من حقيقة الدور المركزي والرئيس لهذه القوات، وان وظيفتها
ستبقى دائماً محصورة في دعم حكومة المالكي ومن سيعقبه.
إنّ هذه السياسة سيكون من الصعب الدفاع عنها أو التعاطي معها على أسس أخلاقية أو
وطنية. بمعنى إنّ السياسة الحالية التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية سوف لا
تقود إلى نصر عسكري فوري حاسم بالتأكيد، لا الآن ولا لاحقاً - إذا حصل - وحتى لو
حصل، فهل سترضى واشنطن به؟!
إن بروز مثل هذا الوجود الوحشي الطائفي، سوف يسمح باتساع نفوذ إيراني متصاعد
وامتداده وسيطرته على المنطقة، وهذا يعني ظهور قوة إقليمية جديدة ونافذة. بالإضافة
إلى ذلك، إنّ الدعم الأمريكي لمثل هذا الوجود الإقليمي، أو لمثل هذه الحكومة سوف
يدفع العراقيين السنة، ومعهم الأقطار العربية المحكومة سنياً في الشرق الأوسط إلى
دعم القاعدة واعتبارها حليفاً لها في العراق لمواجهة مثل هذا التطور. ولكن، من
ناحية أخرى، إنّ أي تحريض لهذه الدول على دعم القوات السنية لمقاتلة الحكومة
الشيعية، سوف يورّط الولايات المتحدة الأمريكية ويجرها بالتأكيد إلى مواجهة هذه
الدول، وهذا يعني الانزلاق إلى حرب سنية شيعية ستضطر أمريكا لخوضها بالوكالة.
ولتفادي تنفيذ مثل هذه الالتزامات، أو الابتعاد عنها، على أمريكا في البداية أن
تنقل قطعاتها القتالية عن الميدان المركزي، وهذا سوف يعيد لها بعض مصداقيتها في
التعاطي مع كافة الفصائل والمكوّنات المؤثرة والفاعلة بشكل متوازن.
ومع رحيل القوات الأمريكية، فإنّ جماعات التمرّد السنية سوف تبدأ تنظر إلى الولايات
المتحدة على أنها أقل إلتزاماً مع حلفائها (الفرس) وانها أصبحت أكثر حيادية في
تعاطيها مع قضايا الدعم المالي وحتى العسكري، وفي هذه الحالة أيضاً سوف يكون
لواشنطن نفوذاً أو تأثيراً أكبر على كل من سوريا وإيران لأنّ القدرة العسكرية
الأمريكية سوف لا تكون مستنزفة بالكامل في مستنقع كل من بغداد والأنبار، ولأنّ كلاً
من هذه البلدين له مصالح مباشرة في العراق ويعمل على تجنيبه المزيد من الفوضى
والفلتان. ومرة أخرى، وحتى مع تحقيق كل ذلك، يبقى القول إنه ليس هناك إمكانية كبيرة
لوضع نهاية سريعة للحرب الأهلية المستعرة، والتي سوف تستغرق مدة أطول في كل
الأحوال. ولكن مثل هذه الخطوات سوف تمكن الولايات المتحدة على التحرك لاتخاذ دورٍ
أكثر توازناً وأكثر رياديةً في بلورة قرارٍ متين لإشراك السنة والشيعة والكرد،
وضمان مصالحهم أو على الأقل إشعارهم بتمثيل تلك المصالح في حكومة عراقية متوازنة
ومرضية للجميع.
ويبقى هناك أمل
وعلى الرغم من العنف المروّع الذي يمزّق العراق حالياً ويحيله إلى أشلاء، ولكن،
وعلى المدى الطويل، هناك أمل كبير بدولة عراقية نامية وقابلة للحياة تعتمد على عقد
صفقة سياسية، بين زعماء المكونات الثلاث السنة والشيعة والكرد. وإنهم (أي هؤلاء
القادة) قادرون فعلاً وسوف يخلصون في نهاية المطاف، إلى التنسيق فيما بينهم ووفق
دستور واضح كما هو الدستور المعمول به اليوم، وإنْ بعد فترة من الاقتتال والاحتراب
قد تطول.
إن السعي لإنشاء دولة عراقية هو القاسم المشترك بين الجميع، وهو المصلحة التي تلتقي
عندها كافة الأحزاب والفصائل. وخاصةً النخب السياسية التي تدعو إلى استثمار كفوء
للمصادر النفطية. كما أن استمرار الحرب الأهلية سوف يقنع القادة الشيعة بأنهم
لوحدهم غير قادرين على التمتع بالثروة النفطية العراقية الكبيرة، كما ليس بإمكانهم
لوحدهم السيطرة على القرار السياسي بدون استمالة الجماعات السنية واحتوائها والتي
أثبتت التجربة أن هذه الجماعات قادرة على قيادة وتفعيل تمرّد مكلّف وباهض الثمن على
الجميع. الحرب الأهلية أيضاً سوف تقنع السنة بأن عودة الهيمنة السنية على الحكم
باسكات الشيعة أو تغييبهم عن السلطة أمر مستحيل. الزعماء الكرد الذين تذوقوا حلاوة
الاستقلال، والذين لهم مصالح فيه بالتأكيد، سوف يستمرون في الحفاظ على ما حصلوا
عليه، ولكن مع السماح لأنابيب النفط الفاعلة بالامتداد إلى الجنوب.
هناك آثار أخرى سيئة محتملة يمكن أن تترتب على ضوء استمرار الحرب الأهلية في العراق
قد تشتمل تقسيم الطرق بشكل رسمي إذا ما قيّض للمكونات العراقية السنية والشيعية
تحقيق نصر حاسم في الوسط والجنوب، الأمر الذي يقود إلى فرض دكتاتوريات فظّة في هذه
المحافظات. ولكن، ومادام للولايات المتحدة الأمريكية التأثير الأكبر على مجمل
العملية السياسية الجارية في العراق، فسوف لن يكون هذا الخيار أفضل من خيار
المحاصصة واقتسام السلطة في المدى المنظور. وكما رأت لجنة بيكر- هاملتون في تقريرها
المعروف حول العراق، فإنّ أي إغراء يفرض نوعاً من التقسيم يمكن أن يقود إلى المزيد
من القتل والتصفيات. إضافة إلى ذلك، ليست هناك حدود واضحة تفصل بين السنّة والشيعة،
ناهيك عن أنّ السنة سوف لا يقتنعون بالانفصال في منطقة فقيرة نفطياً غرب العراق،
وليس معلوماً أيضاَ أن تكون الدويلات السنية أو الشيعية أو الكردية المحتملة أكثر
استقراراً وأمناً مما هي عليه الآن، كما إنها لن تكون متكافئة من الناحية
الاقتصادية باعتبارها تشظياً لدولة في ثلاث دويلات متباينة الإمكانات والقدرات،
نعم، يمكن أن يكون مقبولاً يوماً ما، بأن الحرب الأهلية إذا ما استمرت ستجعل
المتقاتلين يصلون إلى قناعة (مرة) بتقسيم بلدهم كأسوأ الحلول، ولكن تحوّل هذه
القناعة إلى قرار مسألة تخصّ العراقيين أنفسهم قبل غيرهم.
معظم الحروب الأهلية تنتهي إلى نصر عسكري حاسم. وهذه الحرب يمكن أن تكون كذلك. ولكن
هذا النصر الذي سيعزّز قيام دكتاتورية سياسة سنية أو شيعية لا يستهوي أهداف السياسة
الأمريكية في العراق والمنطقة على المدى الطويل. إن أي انتصار عسكري حاسم لفصيل
شيعي يمكن أن ينال رضا إيران والقاعدة على حد سواء. كما أن انتصاراًَ حاسماً
لمتمردين سنة سيقود إلى تحكّم أقلية ظالمة وحكمٍ ظالمٍ، وهذا هو السبب الرئيس
للمأزق الحالي الذي تضيق أمامه خيارات الحل.
هناك حلاّن آخران أو حصيلتان أخريان يمكن أن تكونا أفضل لعموم العراقيين، وللسلام
والاستقرار الإقليميين ، ولعموم المصالح الأمريكية في المنطقة. الأول: هو اتفاقية
محاصصة أو اقتسام السلطة (أي خارطة طريق) بين عدد من القوى والكتل الصغيرة التي لها
واقع وحضور عسكري على الأرض، لأن تتحالف ولو مبدأياً على أن يجري دعمها ومساندتها
عبر عملية سلام عالمية. والثاني: هو بروز قوة عسكرية مهيمنة يمتلك قائدها خصوصيتان:
أن يكون له الاستعداد الكافي، بل القدرة والإقدام الكافيين، لأن يقطع علاقاته مع
(أمراء الحرب) War Lords، والقادة السياسيين لجميع الكتل والجماعات الأخرى على
الساحة. ولكن أيٍّ من هذين الاتجاهين لا يمكن فرضهما على الواقع لأنهما لا يحضيان
بتأييد الولايات المتحدة، على الأقل في الظروف الحالية. ولكن كِلا الحلّين يمكن
الوصول إليهما عبر القتال فقط، وعبر صفقات لا يمكن أن يكون غير العراقيين طرفاً
فيها.
ولتحقيق أيٍّ من هاتين النتيجتين، على الولايات المتحدة أن تنتهج سياسة توازن دقيقة
على عدة أصعدة، تستخدم فيها كافة الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية في
الحالات الضرورية الملحّة وكل ذلك من أجل تشجيع الاستنتاج القائل: إن ليس بإمكان
أية جماعة أو فصيل عراقي لوحده ربح المعركة بدون الإقرار بضرورة المحاصصة واقتسام
السلطة والثروة.
السياسة المتوازنة هذه يمكن أن تنتهج بعيداً عن التماسّ المباشر Offshor مع الفصائل
المتناحرة ولکنها مدعومة بشكل رئيسي وعبر غطاء مالي ومادي من قبل حلفاء تكتيكيين
قريبين جاهزين لأن يوجّهوا ضربات جوية أو يقوموا بتدخلات عسكرية إما من قواعد داخل
العراق أو قواعد في دول مجاورة قريبة.
إن الآلة الحربية لابد أن تعتمد، وبالضرورة على حزمة من الأفعال الدبلوماسية
والسياسية وحتى العسكرية المدروسة لمواجهة الطوارئ والأحداث غير المتوقعة.
الإشكالية الحقيقة والمهمة أمام أي بديل لهذا التوازن السياسي أو السياسة المتوازنة
هو دعم لانتصارٍ حاسم لأيٍّ من الطرفين المتحاربين، إلاّ أنّ هذا البديل غير مرحّب
به أو غير مرغوب فيه، حتى بافتراض إنه سيصير فعلاً أو بالإمكان إيجاده.
وحتى في غمرة استقدام المزيد من القوات المقاتلة الأمريكية التي تسعى جاهدة لتقليص
نسبة القتل في بغداد، فإنَّ التجارب القليلة الوثيقة الصلة بمثل هكذا حقائق على
الأرض تشير إلى أنّ هذه القوات سوف لا تبقى ثابتة في العراق إلى عقود، تاركة ً
القوى الطائفية والإنقسامية تتقاتل في المرفأ، فيما تنأى هي بنفسها بعيداً عن
الهجمات الجهادية والوطنية التي لن تتوقف. إذن السيناريو الأكثر احتمالاً في
استمرار التزام إدارة بوش بتحقيق نصر أو نجاح لحكومة المالكي سوف يجعل الولايات
المتحدة شريكاً سلبياً من شأنه أن يحسب على المعسكر المستقوي المستمر بمشروع
التطهير الإثني الجاري. أما التراجع عن هكذا انجرار وتبنّي سياسة أكثر اعتدالاً في
حرب أهلية. يستعر أوارها فيمكن أن يكون مشروعاً أو منهجاً أكثر تعقلاً أو مقبولية،
ويمكن الدفاع عنه.
ولتفعيل مثل هكذا مشروع أو تبنّيه في الإدارة الأمريكية الحالية بزعامة بوش أو التي
ستعقبها، يجب التخلي عن فكرة إرسال المزيد من الفرق العسكرية الأمريكية، وإن قلّت،
كما إنّ تغيير التكتيكات الأمريكية المعدّة للعراق سوف تبقى هي الفكرة الأمثل
لتحقيق كلمات الرئيس بوش في عراق حر «يحكم نفسه، ويدعم نفسه، ويدافع عن نفسه» وكل
ذلك حينما يأتي وقت جلاء أو رحيل القوات الأمريكية عن العراق والمنطقة.
الهوامش:
ـــــــــــــــ
(*) جيمس د.فيرون هو أستاذ بروفسور في مدرسة الإنسانيات والعلوم، وأستاذ بروفسور
أيضاً في العلوم السياسة في جامعة ستانفورد. Stanford University.
(1) وهي لجنة مهمة أطلق عليها اسم لجنة بيكر- هاملتون وكانت أعدّت دراسة مفصلة أو
تقريراً مفصلاً حول الحرب في العراق أسمته: تقرير لجنة دراسة العراق The Iraqi
Study Group Report وتركت فيه 79 توصية حول ما يمكن فعله ضمن الإستراتيجية
الأمريكية الجديدة للخروح من أزمة العراق.
(2) أسطورة يونانية تسمى باسم امرأة تدعى سيسيفوس Sisyphus الذي حكم عليها برفع
صخرة كبيرة من أسفل الجبل إلى أعلاه لعدّة مرات، وهي مهمة شاقة وصعبة وربما
مستحيلة. قاموس بريتانيكا Britanica Encyclopadia أو الموسوعة البريطانية.
من (شؤون أجنبية) آذار – نيسان 2007
From Foreign Affairs, March/April 2007
|