|
هل
تقسيم العراق هو استراتيجية الانسحاب الأمريكية الوحيدة؟
[لما تتضمنه هذه القراءة
من إثارات وسيناريوهات خطيرة, لا تزال تدور بنحو أو بآخر في أروقة تصنيع
الاستراتيجية الأمريكية, ارتأينا إعادة نشرها]
إعداد : نزار عبد المعطي الطحاوي(*)
أعلنت إدارة الرئيس
الأمريكي جورج بوش في وقت مبكر من الصيف الماضي اعتزامها سحب آلاف من قواتها
بالعراق في ربيع العام الجاري 2006. واعتبر مراقبون أن تسليم مهمة حفظ الأمن بمدينة
النجف المقدسة لقوات دربها جيش الاحتلال الأمريكي، وكذلك خطط تسليم المزيد من المدن
في الشهور المقبلة، هي جزء من خطة إعادة القوات إلى الأراضي الأمريكية.
الأصوات داخل مبنى الكابيتول مطالبة بالانسحاب الشامل، حيث طلب روسيل فينجولد (السناتور
الديمقراطي عن ولاية ويسكونسن) يوم 17 أغسطس 2005 من البيت الأبيض سحب جميع القوات
بنهاية عام 2006، وانتقد زملاءه النواب الديمقراطيين معتبرا أن معارضتهم للحرب تأتي
على استحياء. ويعد فينجولد ـ الذي يفكر بجدية أن يكون مرشح الديمقراطيين للرئاسة
بانتخابات 2008-أول سيناتور يقترح موعدا محددا لسحب القوات الأمريكية من العراق.
الانسحاب الشامل
وإذا كان فينجولد هو أول سيناتور يطالب بتحديد موعد نهائي للانسحاب، إلا أن أعضاء
آخرين بمجلس الشيوخ قدموا اقتراحاً بقرار يطالب بوش بالانسحاب من العراق في موعد لا
يتجاوز الأول من أكتوبر عام 2006. وطالب السيناتور إدوارد م. كينيدي (ديمقراطي من
ولاية ماساشوسيتس)، الرئيس بوش بسحب جميع القوات في أقرب وقت ممكن من عام 2006،
وذلك في حديث أدلى به في يناير 2005.
وعلى الرغم من ذلك لا يظهر أي ميل لتراجع حجم المقاومة للاحتلال بالعراق، حيث تندلع
المقاومة في مناطق جديدة باستمرار، وتشير التقارير إلى أن المدن التي تمت السيطرة
عليها مثل الفلوجة تمتلئ مرة أخرى بعناصر المقاومة المسلحة. وفي ظل هذه الظروف لا
يتوقع أن يسفر الانسحاب عن فائدة تذكر.
ومنذ البداية الأولى، ساد صخب عام بالدوائر السياسية مطالبا بإرسال المزيد من
القوات للعراق لإنجاز المهمة. وحتى منذ عامين مضيا، لم يتوقف أعضاء بارزون بمجلس
الشيوخ عن الضغط لتحقيق هذا المطلب، وذلك على الرغم من أنهم كانوا على دراية بأن
الولايات المتحدة ليست في موقف يسمح لها بنقل المزيد من القوات للعراق. كان
السيناتور البارز جون ماكين (مرشح الجمهوريين المحتمل بانتخابات 2008) قد دعا في
أغسطس عام 2003 في برنامج واجه الصحافة بمحطة إن بي سي بعد عودته من زيارة قام بها
للعراق، إلى إرسال فيلق إضافي (حوالي 17 ألف جندي) لدعم القوات الموجودة، وبرر ذلك
بالقول: نحن في موقف شديد الخطورة وفي سباق ضد الزمن.
وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، قال جوزيف بايدن (السيناتور البارز وعضو لجنة
العلاقات الخارجية) إن استقرار العراق يتطلب إرسال ما بين 40 إلى 60 ألف جندي
إضافياً، فضلا عن ضخ أموال تقدر بمئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة.
وبمرور الوقت تراجع التعبير العلني عن مطلب إرسال المزيد من القوات أمام الرأي
العام، لكنه عاد للظهور مرة أخرى، حيث يتحدث معظم السياسيين الأمريكيين في الوقت
الحاضر بوسائل الإعلام عن غياب القانون بالعراق والشعور بعدم القدرة على تقديم
المساعدة.
ونظرا لأن العديد من رجال السياسة البارزين أيدوا حرب الصدمة والترويع ضد العراق،
فإنهم يعانون من الشعور بالذنب. ومما لا شك فيه أنهم يتمنون أن يروا القوات عائدة
إلى أرض الوطن بطريقة لا تعود بالضرر على بلادهم. وعلى الرغم من ذلك إلا أن بعضهم
ليست لديه أدنى فكرة عن كيفية جعل ذلك التحول هادئا، ولا عن الآثار المترتبة عليه
سواء في العراق أوفي المنطقة.
وهناك فهم، على الرغم من ذلك، بأن العملية الانتخابية التي تحدث بالعراق لن تصمد
طويلا بدون الوجود العسكري الأمريكي في كل يوم وفي كل مكان. وبصورة ما، تعد المعضلة
التي تواجه الولايات المتحدة في العراق مشابهة إلى حد كبير لتلك التي تواجهها في
أفغانستان. ولكن هناك فرقاً بيناً في النتائج المترتبة على ذلك حيث إنه، بخلاف
أفغانستان التي لا يؤثر الفشل فيها على المصالح الأمريكية تأثيرا يذكر، يمثل العراق
ركيزة أساسية في السياسة غير المعلنة لإدارة بوش بالسيطرة على حقول النفط والغاز
الكبرى في العالم.
والقضية المطروحة أمام واشنطن للبت فيها هي إقامة حكومة عراقية تخدم المصالح
الأمريكية, وفي نفس الوقت تكون ذات فاعلية في السيطرة على الدولة بصفة عامة وعلى
حقول النفط بصفة خاصة. وظلت واشنطن لفترة طويلة تبحث عن نموذج شبيه بالرئيس
الأفغاني حامد قرضاي بالعراق. وربما وجدت ضالتها في جلال الطالباني وإبراهيم
الجعفري، ولكن ما يستطيعان إنجازه على المدى الطويل لن يقابل بالارتياح في الولايات
المتحدة.
انشقاقات متزايدة داخل الولايات المتحدة في الشهور الأخيرة، وخصوصا بعد إجراء
الانتخابات العراقية في يوليو 2005، أشار عدد من المحللين السياسيين الأمريكيين إلى
الخلاف المتزايد داخل الولايات المتحدة حول حرب العراق. وتحدث عن الحرب هنري كسينجر،
الذي شغل منصب وزير الخارجية الأمريكي ورئيس مجلس الأمن القومي بنهاية الستينيات
وأوائل السبعينيات، في حوار مع محطة (سي ان ان) الأمريكية يوم 14 أغسطس 2005 حيث
قال: إن لديه شعوراً هائلاً بعدم الارتياح لأن بعض من العوامل التي أدت إلى إضعاف
المساندة المقدمة للحرب الفيتنامية ظهرت مرة أخرى في حرب العراق.
وفي وقت سابق على حديثه لمحطة (سي ان ان)، ظهر مقال لهنري كسينجر في صحيفة الواشنطن
بوست الأمريكية يوم 12 أغسطس 2005. وفي ذلك المقال تحدث كسينجر، الذي تولى شأن
محادثات السلام الفيتنامية في أوائل السبعينيات لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي
فيها، حول استراتيجية الانسحاب من العراق. وقال إنه بعد الهجوم الذي شنه الفيت كونج
في عام 1968، والذي كشف عن ضعف سيطرة القوات الأمريكية على الأرض التي تنتشر فيها
بالرغم من التصريحات الروتينية التي يطلقها مسئولو البنتاجون، دخلت الولايات
المتحدة في مفاوضات جادة في ما يسمى العملية الفيتنامية. وأدى نجاح العملية إلى
انسحاب أكثر من 500 ألف جندي أمريكي بين عامي 1969 و1972. وأشار كسينجر إلى أن
الخسائر البشرية الأمريكية تراجعت من 400 جندي أسبوعيا في المتوسط عام 1968وأوائل
1969إلى حوالي 20 أسبوعيا عام 1972.
وفي جزء تالٍ من مقاله استدرك كسينجر أن عقد المقارنة بين فيتنام والعراق ليس صحيحا،
وقال موضحا: كانت فيتنام ميدانا للصراع في إطار الحرب الباردة، بينما تمثل العراق
أحد مشاهد الحرب على الإسلام الراديكالي.
واستطرد كسينجر قائلا: مردود الحرب الباردة كان يفهم على أنه الوجود السياسي لدول
قومية مستقلة حليفة للولايات المتحدة حول تخوم الاتحاد السوفيتي. بينما الحرب في
العراق تعد صراعا جيوبوليتيكيا بدرجة أقل من كونها صداما بين الأيديولوجيات
والثقافات والمعتقدات الدينية. ونظرا للانتشار الواسع للتحدي الإسلامي، فإن النتائج
المترتبة على الحرب في العراق سيكون لها تأثير أعمق من تلك التي كانت في فيتنام.
فإذا ظهرت حكومة عراقية على غرار طالبان أو إذا أقيمت دولة أصولية ثورية في بغداد
أو في أي جزء من العراق، ستجتاح موجات من المد الثوري العالم الإسلامي. وستعمل على
تشجيع القوى الثورية في البلدان الإسلامية والأقليات المسلمة في البلدان غير
الإسلامية في هجومها على الحكومات القائمة. وستتعرض السلامة الوطنية والاستقرار
الداخلي لكل المجتمعات التي يطالها الإسلام الجهادي للخطر.
وأشار كسينجر كذلك إلى أنه بخلاف عملية الفيتنمة الناجحة، التي أدت إلى تطوير موقف
يسمح للقوات الأمريكية بالانسحاب من فيتنام، فإن الموقف العسكري في العراق شديد
التعقيد. وأوضح أنه لا توجد جبهة محددة للقتال بين الجانبين المتحاربين، فالقتال
ينتشر في كل جزء من أنحاء العراق. واستطرد أن العدو الغامض يسعى لتحقيق عدة أهداف
أساسية هي :
(1) طرد الأجانب من العراق، (2) معاقبة العراقيين الذين تعاونوا مع الاحتلال، (3)
خلق حالة من الفوضى تنشأ على أثرها حكومة إسلامية منهم، (4) وجعل العراق قاعدة
للتدريب للجولة المقبلة من القتال الذي من المحتمل أن يكون في الدول العربية
المعتدلة مثل مصر والسعودية والأردن.
وبينما تمسك كسينجر بأن النصر على المقاومة هو استراتيجية الانسحاب الوحيدة التي
يضمن عواقبها، إلا أنه قال إن فعالية القوات في فيتنام اعتمدت بدرجة كبيرة على
الروابط الجغرافية، لكن أقاليم الدولة لم تكن تعتبر نفسها في حالة صراع مع بعضها
البعض. أما في حالة العراق، فقد خلقت العداوات الإثنية والدينية بين السنة والشيعة
والأكراد مواجهات وخلافات حادة ومسلحة في بعض الأحيان. ولدى كل جماعة منها ما يمكن
اعتباره ميليشيات مركزة جغرافيا في إقليمها. ففي المنطقة الكردية على سبيل المثال
تقوم قوات كردية بحفظ الأمن، بينما تتواجد قوات الأمن القومية عند الحد الأدنى، وهو
نفس الأمر تقريبا ولكن على مستوى أكبر في الإقليم الشيعي.
وتوصل كسينجر من ثم إلى أنه من غير الممكن تطوير جيش عراقي في ظل الظروف الحالية.
وبالرغم من أنه لم يعلن صراحة أنه لا توجد بدائل أخرى تمكن الولايات المتحدة من
الانسحاب من العراق بجانب التقسيم، إلا أنه سار في تحليله لهذه البدائل إلى نهايتها
المستحيلة. ومغزى ذلك أنه ترك للمراقبين مهمة التوصل إلى إدراك ما لم يفصح عنه في
مقاله.
الانشقاق الكردي
إذا كان كسينجر ليس مستعدا للكشف عن أطروحاته، فإن هناك آخرين بدءوا بالفعل في
إثارة الضجيج مطالبين بتقسيم العراق. وأكبر المطالبين بذلك هو بيتر جالبريث الذي
يعمل حاليا أستاذا بكلية الدفاع الوطني بواشنطن العاصمة.
وخدم بيتر من عام 1993 إلى عام 1998 كسفير للولايات المتحدة في كرواتيا، حيث انغمس
عمليا في عملية السلام الكرواتية-البوسنية. وبعد ذلك خدم كوزير للشئون السياسية
وشئون بحر تيمور في الحكومة الانتقالية الأولى بتيمور الشرقية. وفي تلك الأدوار كان
أحد المهندسين الرئيسيين لاستراتيجية التحول السياسي للإقليم التي تضمنت تهيئة
الظروف لإقامة حكومة انتقالية وجمعية منتخبة لإعداد دستور جديد للبلاد. وأجرى
السفير جالبريث مفاوضات ناجحة مع أستراليا لإعداد اتفاقية أخرى تحكم عمليات استكشاف
واستغلال البترول والغاز في بحر تيمور.
وقبل ذلك بعدة أعوام، وتحديدا في أواخر الثمانينيات، كشف جالبريث بالوثائق عن حملة
الإبادة التي قام بها صدام حسين تجاه الأكراد العراقيين. وقادت التقارير التى أعدها
ـ ومن بينها تقرير يكشف بالوثائق عن استعمال أسلحة كيميائية ضد القرى الكردية ـ إلي
قيام مجلس الشيوخ الأمريكي بفرض عقوبات شاملة على العراق عام 1988. وأثناء
الاضطرابات الكردية عام 1991، سافر جالبريث إلى العراق وقام بجولة في الإقليم
الكردي المتمرد، وأصبح أحد كبار الداعين إلى استقلال الأكراد عن عراق صدام حسين.
وعقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، التقط جالبريث على الفور خطته القديمة التي
تطالب بإقامة دولة كردستان. ويرى جالبريث، وكذلك بعض المحللين السياسيين بالولايات
المتحدة، أنه من الصعب إحكام السيطرة على سنة العراق في المدى المنظور على الأقل.
ولهذا السبب يرون أن التقسيم سيعمل على حصر الفوضى في منطقة محددة مما يجعل مهمة
حفظ السلام أيسر على القوات الأمريكية من الوضع الحالي.
والراعي الثاني لفكرة تقسيم العراق هو ليزلي جيلب، وهو الرئيس الحالي لمجلس
العلاقات الخارجية وأمين منحة كارنيجي للسلام العالمي، وأمين جامعة تافتس، وكان
يعمل محررا بصحيفة نيويورك تايمز في الفترة من 1988 حتى 1990.
ونظرا لتبنيه وجهات نظر المحافظين الجدد، تولي جيلب منصب مساعد وزير الخارجية (مدير
مكتب الشئون السياسية-العسكرية) في الفترة من عام 1977 وحتى يوليو 1979، وأخيرا
مدير إدارة التخطيط السياسي وضبط التسلح وشئون الأمن الدولي بوزارة الدفاع ومدير
مشروع دراسات البنتاجون.
وأشار جيلب، الذي يعد أحد كبار الراعين الأوائل لفكرة تقسيم العراق، في مقالة
نشرتها صحيفة نيويورك تايمز يوم 23 نوفمبر عام 2003 بعنوان الحل القائم على ثلاث
دول، إلى أن العراق ظل موحدا في الماضي عن طريق الاستخدام الوحشي للقوة من قبل نظام
صدام حسين. وأضاف أنه نظرا لأن الولايات المتحدة لا يمكنها استعمال نفس الوسائل
الوحشية التي كان يستعملها صدام حسين للإبقاء على العراق موحدا، فإن الاستراتيجية
الوحيدة القادرة على البقاء ربما تكون هي تصحيح الخطأ التاريخي والتحرك تدريجيا نحو
الحل القائم على فكرة إنشاء ثلاث دول: دولة كردية في الشمال، وسنية في الوسط،
وشيعية في الجنوب.
واستطرد أن هذا الحل سوف يوفر للولايات المتحدة إمكانية توجيه معظم أموالها وقواتها
على الفور إلى حيث تتركز مصالحها: في الإقليم الكردي بالشمال والشيعي في الجنوب.
ويوفر هذا الحل للولايات المتحدة كذلك إمكانية انتزاع معظم قواتها مما يطلق عليه
المثلث السني في شمال وغرب بغداد وتجنيبها حربا مكلفة، ومن غير المحتمل كسبها.
ويستطيع المسئولون الامريكيون عندئذ أن ينتظروا إلى أن تقوم المشاكل المحيطة بالعرب
السنة، فضلا عن حرمانهم من البترول، بتحجيم طموحاتهم وجعلهم معتدلين أو تركهم
يعانون من عواقب سلوكهم.
قطيعة للماضي
وأشار جيلب إلى أن فكرة تقسيم العراق بهذا الشكل كانت مرفوضة في واشنطن لعقود مضت.
فبعد الثورة الإيرانية عام 1979، كان ينظر إلى العراق الموحد كأمر ضروري لمواجهة
إيران المعادية للولايات المتحدة. ومنذ حرب الخليج عام 1991 اعتبر العراق الموحد
أمرا ضروريا، كذلك لمنع دول الجوار مثل تركيا وسوريا وإيران من السطو على أجزائه
وإشعال حروب أوسع مدى. واحتج جيلب بأن الوقت قد تغير، ورأى أن على واشنطن أن تتحلى
بالتصميم والشجاعة لإعادة تشكيل المنطقة. واستطرد أن مثل هذا الأمر من الممكن
تنفيذه، فضلا عن أنه ضروري، لأنه سيقدم للعراق مستقبلا وسيفصله عن ماضيه غير
الطبيعي عندما تم تجميعه من عدد من المستعمرات البريطانية.
وتوصل جيلب إلى أن الاستقلال الذاتي ليس غريبا عن الأكراد في الوقت الحاضر حيث
تمتعوا به لسنوات طويلة بالاستقلال، كما تعايشت الحكومة التركية مع ذلك الوضع.
وأضاف أنه بينما سيقوم شيعة العراق في يوم من الأيام بوضع أيديهم في أيدي شيعة
إيران، إلا أن هذا الأمر ليس من المحتمل حدوثه في المستقبل القريب على الأقل.
وفي المرحلة الأولى من خطة تقسيم العراق والتحرك نحو حل الدول الثلاث وفقا
لاستراتيجية جيلب، سيكون هدف الولايات المتحدة هو تدعيم وضع الأكراد والشيعة وإضعاف
السنة. ويمكنها أن تنتظر بعد ذلك لترى إذا ما كانت ستتوقف عند الحكم الذاتي أم
ستشجع قيام الدول.
والمرحلة الثانية من استراتيجية جيلب تقضي بجعل الشمال والجنوب أقاليم ذات حكم ذاتي،
مع الأخذ في الاعتبار عند ترسيم حدودها أن تكون متطابقة بقدر الإمكان من خطوط
التماس العرقية والإثنية. واقترح جيلب إعطاء الأكراد والشيعة معظم الأموال التي صوت
أعضاء الكونجرس على تخصيصها لإعادة إعمار العراق والتي تقدر بمليارات الدولارات.
وفي الوقت نفسه يؤيد جيلب تخفيض عدد القوات الأمريكية في المثلث السني وطلب إشراف
الأمم المتحدة على تسليم السلطة لحكومة مستقلة في الإقليم. ومن المتوقع أن يستغرق
هذا الأمر من ستة إلى تسعة شهور: وبدون المال والسلطة من المتوقع أن يتسبب السنة في
إثارة المتاعب.
واستطرد جيلب بأنه من الممكن أن تأتي مثل هذه المتاعب في صورة قيام السنة بإشعال
المقاومة في الإقليمين الكردي والشيعي. ولمواجهة ذلك ستكون الولايات المتحدة قد
قامت بالفعل بإعادة توظيف معظم قواتها شمال وجنوب المثلث السني، حيث يمكنها
المساعدة في تسليح وتدريب الشيعة والأكراد إذا طلبوا ذلك.
أما الجزء الثالث من استراتيجية جيلب فإنه يتمحور حول الدبلوماسية الإقليمية. حيث
ستحتاج الأحزاب إلى تظمينات بشأن أمنها، وإذا ما قررت الولايات المتحدة تحويل
الأقاليم الثلاثة المتمتعة بالحكم الذاتي إلى دول، فإنه يجب أن يتم بالتراضي مع دول
الجوار الجغرافي للعراق.
قسموا العراق الآن!
أما ثالث كبار المؤيدين لتقسيم العراق فهو اللفتينانت كولونيل رالف بيترز، وهو ضابط
سابق بالجيش الأمريكي، ومشارك منتظم في صحيفة أكاديمية الحرب الأمريكية باراميترز
ويعد واحدا من المحافظين الجدد المتشددين. ودعم بيترز فكرة تقسيم العراق في عمود
كتبه لصحيفة نيويورك بوست في عدد 20 يوليو 2003 بعنوان قسموا العراق الآن محتجا بأن
حدود العراق تم ترسيمها من قبل مجموعة من الدبلوماسيين الأوروبيين الجشعين منذ قرن
تقريبا بدون الأخذ في الاعتبار تطلعات-أو خلافات- السكان المحليين. وتوصل إلى أنه
من غير الطبيعي في هذه الحال اعتبار العراق أمة موحدة.
وأضاف بيترز أن تفكيك العراق يجب أن يتم على مرحلتين، وأوضح قائلا: علينا أن نعمل
ابتداء على تقسيم العراق إلى اتحاد فيدرالي مكون من ثلاث ولايات، حتى نعطي العرب
السنة فرصة أخيرة لتطبيق الإصلاح.
ولكن بيترز كان واضحا في إعلانه في أي موقع يقف، حيث قال إن الأكراد يستحقون التمتع
بالحرية وإنشاء دولة مستقلة لهم. وبرر ذلك بأن الشعب الكردي يعد أكثر جماعة إثنية
تعرضت للاضطهاد خلال المائة عام الأخيرة بعد اليهود والأرمن، وذكر من ألوان
الاضطهاد: حرمانهم من حق إنشاء وطن قومي مستقل، وتعرضهم لإطلاق الرصاص والغاز
القاتل، وتهجيرهم من منازلهم وقتلهم لمجرد أنهم يتكلمون لغتهم المحلية. وزعم بيترز
أن رغبة العالم في إنهاء مأساة الشعب الكردي لا يمكن الاعتذارعنها.
وأكثر من ذلك كان بيترز متطلعا إلى المستقبل في تأييد الشعب الكردي عموما، حيث أشار
إلى أنه على الولايات المتحدة ألا تضيع أي فرصة سانحة لدعم مسيرة الحرية لعشرات
الملايين من الأكراد المحتجزين كرهائن خلف الحدود التي فرضها الأوروبيون في تركيا
وسوريا وإيران.
وقال موضحا: وبالنسبة للأمريكيين المعنيين بحقوق الإنسان والحرية يجب أن تعد
كردستان الكبرى هدفا على المدى الطويل.
والنسخة التي قدمها بيترز للعراق المقسم يمكن ان تشبه النموذج التالي:
* دولة تضم الإقليم الشيعي بالجنوب، وتضم جميع حقول النفط الجنوبية.
* والثانية ستكون دولة كردستان المتسعة وتضم المدينتين الكرديتين التاريخيتين كركوك
والموصل، فضلا عن حقول النفط العراقية في الشمال.
* أما الثالثة فهي دولة العرب السنة المحصورة بين الدولتين الأخريين.
* ومدينة بغداد يجب أن تكون إقليما مستقلا.
وهناك مؤيد آخر حديث لتقسيم العراق هو إيفان إيلاند، وهو عضو بارز ومدير لمركز
السلام والحرية في المعهد المستقل، ومدير الدراسات الدفاعية بمعهد كاتو، ومحلل بارز
للشئون الدفاعية بمكتب الميزانية التابع للكونجرس. وإيلان الذي عارض فكرة تقسيم
العراق مبكرا، غير موقفه حاليا.
تفكيك العراق
وفي مقالة حديثة بعنوان: أهم عشرة أسباب لتفكيك العراق على وجه السرعة، قال إيلاند
إن مسودة الدستور الأخير بالعراق وضعت البلاد على طريق التقسيم. فالمسودة الجديدة
تسمح للأكراد بالتمتع بإقليم مستقل وغني بالبترول في شمال العراق، وتتيح للشيعة
الحصول على نفس الميزة بالجنوب. ومن المحتمل أن يشعل الدستور المقاومة السنية لأن
السنة يخشون من أن يجدوا أنفسهم محصورين في إقليم فقير بوسط العراق لا توجد به ثروة
بترولية. ولتقليل فرص نشوب حرب أهلية حول هذه القضية فور انسحاب القوات الأمريكية،
أشار إلى أنه على الولايات المتحدة أن تكف عن رفض واقع محتم، وأن تقوم برعاية اتفاق
مقبول لتقاسم عوائد النفط بين كل الجماعات الإثنية في العراق بحيث يكون مرضيا للدول
الثلاث المستقبلية. وبرر ذلك بأن اتفاقا مثل هذا تم التوصل إليه بين شمال وجنوب
السودان في يناير 2005، نجح في إنهاء حرب أهلية دموية امتدت لما يزيد عن 20 عاما.
وأشار إيلاند إلى أن انسحاب القوات الأمريكية يمكن أن يضعف من قوة المقاومة السنية.
وأوضح أن المقاومة السنية مدفوعة ولو جزئيا بالرغبة في طرد الغازي الأجنبي،
وبالتالي لن تستطيع الولايات المتحدة تفادي استمرار القتال في العراق. واستطرد أن
المستنقع العراقي قد كلف دافعي الضرائب بالفعل 218 مليار دولار، وعلى المدى الطويل
يمكن أن يصل هذا المبلغ إلى ما بين 700مليار، إلى ما يزيد عن تريليون دولار.
وعلى الجانب الإيجابي لتقسيم العراق، ذكر إيلاند أن العراق المقسم يمكن أن يطور
مجموعة متميزة من القيم السياسية والاقتصادية التي تتسم بالعبقرية والاستمرارية.
وحيث إن الولايات المتحدة توقفت عن محاولة فرض الديمقراطية بتهديد السلاح، فمن
الممكن أن يساهم العراق المقسم في تطوير مناطق تتمتع بالحرية الدائمة النابعة من
الجذور. وبالإضافة إلى ذلك، كلما امتد بقاء الولايات المتحدة بالعراق كلما زاد عدد
الجهاديين الإسلاميين في العالم.
وأشار إيلاند إلى أن القوات الأمريكية اعترفت بأنه لا يمكن هزيمة المتمردين
العراقيين بقوة السلاح. وعلى الجانب السياسي من المرجح ألا يتيح الدستور الجديد
للولايات المتحدة إمكانية إدماج السنة في العراق الجديد لتجريد المقاومة من بعدها
السياسي. وفي الواقع، من الأرجح أن الدستور الجديد سيعمل على تكثيف المقاومة السنية.
وقد يكون الوقت الحاضر هو الأكثر ملاءمة للولايات المتحدة لوقف خسائرها والانسحاب
قبل بدء الحرب الأهلية، وحذر إيلاند من أن العنف تتزايد معدلاته باستمرار، فضلا عن
أن النافذة التي يمكن من خلالها الانسحاب بشرف تضيق شيئا فشيئا، ويجري بالتدريج
استبدالها بالهروب من النيران.
وفي أبريل 2005، وطبقا لتقرير نشر في العاصمة الأمريكية، صرح دونالد رامسفيلد
لجنوده أثناء زيارة مفاجئة لبغداد قائلا: ليست لدينا استراتيجية للانسحاب، لكن ما
لدينا هو استراتيجية للنصر.
وهدفنا هو مساعدة القوات العراقية على تطوير مهاراتها وقدراتها للحفاظ على أمن
بلادها بنفسها.
وعلى الناحية الأخرى توجد مؤشرات على أن إدارة بوش بدأت في التفكير بالانسحاب من
العراق، وتقسيمه لجعل الانسحاب ممكنا.
ومن جانبه قال ديفيد إجناتيوس، في مقال بعنوان دروس للعراق من جيتيسبرج نشرته صحيفة
الواشنطن بوست الأمريكية يوم 4 مايو2005، إن مسئولي البنتاجون التقوا لعقد مؤتمر
حول الخروج من الأزمة. وكانت الأجندة الخاصة بالمؤتمر تتعلق بكيفية إعادة السلام
للعراق في مواجهة الحرب الأهلية. وقام على تنظيم المؤتمر منتدى يمثل حلقة نقاشية
يرعاها وزير الدفاع الأمريكي وجهاز البحوث بالبنتاجون وهو: وكالة المشروعات البحثية
الدفاعية المتقدمة. وعادة ما تركز اجتماعات الحلقة النقاشية على التطبيقات العسكرية
للتكنولوجيا الحديثة.
وأضاف إجناتيوس أن الدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة من الحرب الأهلية التي جرت
على أراضيها بين الشمال والجنوب في القرن التاسع عشر، والتي تمت مناقشتها على
امتداد الاجتماع هي: أولا، الأفعال التي تصدر بعد انتهاء المواجهات مباشرة في غاية
الأهمية، والأخطاء التي تقع عندئذ ربما يتعذر إصلاحها مستقبلا.
وتوصل المشاركون إلى أن محاولة إحداث تحولات شاملة في مجتمع آخر بدون توفر القوات
العسكرية والإرادة السياسية لفرض تلك التحولات تعد ضربا من العبث، وفوق ذلك، يعد
إطلاق العنان للكراهية العرقية والدينية لكي تدمر المؤسسات السياسية الديمقراطية
نوعا من تدمير الذات.
وأضاف إجناتيوس أن الامتناع عن إعادة بناء الجنوب الأمريكي بعد الحرب الأهلية أدى
إلى مأساة اجتماعية واقتصادية استمرت قرابة قرن من الزمان، ويجب عدم تكرار مثل هذا
الخطأ عند التعامل مع القضية العراقية.
الهوامش:
ـــــــــــــ
(*) كاتب من مصر.
الموضوع :Is Partition of Iraq the Only US Exit Strategy?
المؤلف :Ramtanu Maitra
المصدر :AAKROSTL, Asian Journal on Terrorism & Internal Conflicts, Vol. 8, No.
29
تاريخ النشر :October / 2005
|