الحداثة النسبية والحداثة القرآنية المطلقة
د. رحيم
الساعدي (*)
(خاص للمعهد)

مقدمة
تعبر كلمة حداثة عما يتضمن
تحديث و تجديد ما هو قديم ، وبرز هذا المصطلح في المجال الثقافي
والفكري ،فإذا فهمنا أن التاريخ الإنساني العام يتكون من الحضارات
القديمة كالسومرية والآشورية والبابلية والفرعونية تبعتها حضارات
اليونان والرومان والحضارة الإسلامية ثم حضارة القرون الوسطى التي
تمثلت بالقديس أوغسطين لتأتي بعد ذلك الحضارة الحديثة على يد
ديكارت ومن تبعه وأخيرا حضارة ما بعد الحديثة(الحداثة) التي تميز
بها القرنان الأخيران . فان كل ذلك يعني خلق جملة من الصور
والنظريات الجديدة للبشر ومسح أو تعديل الصور القديمة،على مستويات
الدين ربما والاقتصاد والقانون والعلم والعمران والبناء الاجتماعي
.
إن البعض من المفكرين يؤرخ
بداية الحداثة في عام 1436، مع اختراع غوتنبرغ للطباعة ، والآخر
يرى أنها تبدأ في العام 1520 مع ثورة لوثر ضد سلطة الكنيسة. مجموعة
أخرى تتقدم بها إلى العام 1648 مع نهاية حرب الثلاثين عام ومجموعة
خامسة تربط بينها وبين الثورة الفرنسية عام 1776 أو الثورة
الأمريكية عام 1789 وقلة من المفكرين يظنون أنها لم تبدأ حتى عام
1895 مع كتاب فرويد "تفسير الأحلام" وبدأ حركة الحداثة (modernism)
في الفنون والآداب.
ومع أن الفكر بشكل عام سلسلة
متصلة من المعارف الفكرية إلا انك تلاحظ تميز الفرد عن الآخر
والبلد عن سواه وحضارة عن حضارة ولا يخفى ان حاجة المجتمع أحيانا
هي من يحدد الابتكار والأفكار على كافة المستويات الفكرية
،العلمية،الثقافية.
لكن العامل الأهم في مسالة
الحداثة إننا لا نستطيع إطلاق هذا المفهوم كما افهم على نموذج
مرحلي أو آني أو يتيم للتطور أو التغيير دونما سواه بل يمكن فهم
الحداثة على نحو من الجانب العام من التغيير والتجديد ،الشامل منه
المؤثر في المجتمع الذي يمثل نقلة نوعية في مسير الحضارة والمغير
لما بعده ،المستلهم للتراث السابق (وإلا كيف نطلق على ما بعده اسم
الحداثة إذا لم يكن عبارة عن تحديث للسابق).
مع هذا فالمسألة تحوي شيئا من
النسبية في الطرح فالحضارة السومرية و الآشورية البابلية تعتبر
(مبتكرة،مغيرة،مجددة،محدثة) بالقياس إلى حضارات سابقة لم تكن تعرف
العجلة أو الكتابة وكذا الحضارة اليونانية مقارنة بسابقاتها أما
الحضارة الإسلامية فقد قدمت ما يماثل مواصفات ) التغيير والابتكار
والتجديد والحداثة) فإذا كان السؤال هل قدمت الحضارة الإسلامية ما
هو جديد؟ سيكون الجواب ،إن التغيير الفعلي لحداثة الإسلام تمثل
بجعل الكلمة الواحدة الثابتة بعد طول انتظار والمنهج الواحد الثابت
هما الأساس الأول للحداثة في الحضارة الإسلامية وهو ما تمثل
بالقرآن الكريم ،أي إن الفكر والتجريد والكلمة وهما الأكثر سمو من
بين العديد من أشياء العالم ،كان الأساس للحضارة الإسلامية .
فكان من خصائص تلك المرحلة ،
شيوع التفكير العقلي والتجريبي والحدسي والشكي والمناهج الجدلية
والتحقيقية والعقلية ....الخ.
وما قصدته بمفردة بعد طول
انتظار ان الحضارات القديمة لم تمتهن الكلمة الثابتة منهجا ثابتا
وطريقة للبناء والتقدم ، والإشارة إلى ان اليونان اتخذت من الكلمة
مشروعا للبناء يعارضها ان اليونان لم يتخذوا منهجا واحدا ثابتا بل
تبنوا عددا من الآراء والجزئيات ومجموعة كبيرة من الكتب الفكرية
المتنوعة صنعت تاريخا لفترة محددة ،كل ذلك مفهوم ولكن قل لي أي من
كتب اليونان يستخدم اليوم على نطاق واسع كدستور ثابت منتج ومثمر
يحتاجه الإنسان في كل حين ليربيه أو ليعطيه المعارف الفكرية
والأخلاقية بشكل تطبيقي وملامس للمجتمع بشكله العام، أي من الكتب
اليوم لا نستطيع الاستغناء عنه لأنه مهم في كل لحظة (مهم في ذاته)
حتى وان لم يستطع المجتمع أن يفهم كل مراميه.
انه القرآن الكريم لكونه
النسيج المعرفي المتعدد الوجهات الثابت في مبادئه الأساسية وصياغته
العامة.
والقرآن حداثة متجددة لان في
كلماته ديناميكية متحركة ،وربما يمكن اعتبار كتاب فرويد ودارون
والأمير لمكيافلي كتبا حداثوية لأنها قامت بالتغيير في المجتمع،نعم
ربما لفترة آنية من الزمن تنتهي بعد حين بطرح نظرية أخرى بديلة
ولكن بالمقابل ألا يمكننا اعتبار القرآن من المؤثرات الهامة في
المجتمع لأنه يحمل الدلالة الثابتة النهائية لمعرفة الأشياء.
بكل تأكيد لان ذلك يوافق كون
القرآن احدث ثورة أخلاقية وفكرية وثقافية وإنسانية وعلمية في
المجتمع .
فذلك الكتاب لا يزال يحدث
الأثر العلمي والفكري والأخلاقي وهو ما يعني استمرار يته بالقياس
إلى الكتب التي اعتبرت كتبا حداثوية وانتهى مفعولها بعد فترة من
الزمن بتطور الأحداث والعلوم والتجارب والنظريات ،وهذه الوقائع لا
تعني مطلقا تأثيرات البيئة واختلاف الشعوب ،بل تعني القيمة
التأثيرية التغيرية للشيء في ذاته للمجتمع والحضارة .على هذا النحو
يجب القول ان علينا التمييز بين حداثة مطلقة وحداثة نسبية خاصة
بالقرآن الكريم ،وهو موضوع بحثنا المقدم إلى هذا المؤتمر .
المبحث الاول
معنى الحداثة
خصائص الحداثة
الغربية
الفهم
والتأويل الخاطئ لحداثة القرآن الكريم
معنى الحداثة
في المعاجم يرد لفظة حدث بصيغة
الحادث وهو ما يجد ويحدث وهو ضد القديم ،والحداثة بفتح الحاء
والدال هي سن الشباب ويقال اخذ الامر بحداثته أي باوله وابتدائة
،والمحدث ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا اجماع ،والمحدث
بكسر الدال هو المجدد في العلم والفن (1) .
و في اللغات الغربية تكون
الحداثة مقابل لـ “Modernity” و الحداثية لـ “ Modernism” و الحديث
مقابل لـ “ Modern” أ و “Modernistic” و التحديث مقابل لـ
“Modernization” ولفظة Modenzise تعني يجدد أو يجعل الشيء ملائما
لمقتضيات العصر .(2)
نشأت الحداثة في أوروبا منذ
اللحظة التي تفككت فيها الثقافة الدينية و ظهرت الثقافة العلمانية
، مناهضة لجميع مبادئ الميثولوجيا التي قام عليها الدين، أي مع
ولادة النظام الرأسمالي في أوروبا أي المجتمع الصناعي ” Industry
society .
و هكذا خرجت الحداثة من رحم
الإقطاع وكان عنوانها الأساسي في الفكر هو ”التنوير ” و في الحكم
أو السلطة هو ”العلمانية” ( أي فصل الدين عن الدولة). وإذا نظرنا
إلى الحداثة من الناحية التاريخية، استنادا إلى إطار واسع انطلاقا
من التجربة الأوروبية مذ نهاية القرن الخامس عشر وحتى قرن العشرين،
نجد انها تتميز بثلاث خصائص:1- الحداثة بوصفها بنية كلية.2-
الحداثة بوصفها سياقا شاملا.3- الحداثة بوصفها وعيا نوعيا.(3)
ومن الفهم السابق للتعريفات
ربما تستوقفنا مفردة أو تعريف (جعل الشيء ملائما لمقتضيات العصر)،
فمسالة الحداثة تعني تغيير وتطور وتبديل وابتكار وتجديد .......الخ
وهذه أمور تتبدل بتبدل الحاجة الإنسانية أو الفكر الإنساني أو
الأدب وغيره ،ومن هنا فهي نسبية.
فالشعراء الرمزيون في ١٨٨٠
مثلا أحالهم إلى التقاعد الصوريون والسرياليون والمستقبليون
والشكلانيون وسواهم ، بدءا من ١٩١٠ وصاعدا. وفي الدراما نُحي إبسن
وسترينبرج جانبا وساد بريخت للفترة من ١٩٢٠ إلى ١٩٥٠ . (4).
ويمكن القول ان الحداثة هنا هي
امر طبيعي او هو موجود باعتباره حالة طبيعية تسير وفق التطور
الحضاري والفكري والانساني،فلا يمكن اعتباره نسيج من صنع حضارة ما
كما هو الحال في حضارة اليونان والرومان والحضارة الاسلامية لاننا
يمكننا ان نصف القفزة الحضارية للفكر الاسلامي بالحداثة وكذا
بالنسبة الى اراء المعتزلة او الشيعة او اراء ابن سينا والفارابي
وابن رشد والشيرازي .
خصائص الفكر
الحداثوي الغربي
1. بحساسيته المفرطة تجاه
الدين ،فهو يأتي كردة فعل ضد الدين ، ويعتمد على آخر الأفكار التي
ينظرها المفكرون والفلاسفة ،وقد اقتصروا بشكل أساس على خليط من
التجديد يبنى على حداثة المجتمع والفكر والعلوم ولا تجد مطلقا
أفكارا حداثوية في الفكر الغربي بشكلها العام تتبنى الدين بل على
العكس فهي تهاجمه .
2. تبني العلم والفن والأدب
كأهم أفكار الحداثة ،مع إعطاء الأولوية للعلم مقارنة بالأدب والفن
والفكر ،وهذا يجعل الحداثة الغربية تبتعد قيلا عن الشمولية ،ونلاحظ
ألفاظا علمية منها عصر الكومبيوتر، ثورة الالكترونيات، انفجار
المعلومات، ثورة المعلومات، ثورة العلم والتكنولوجيا، ثورة
الاتصالات، و عصر اقتصاد المعرفة. وهناك محاولات عديدة من قبل
الفلاسفة و مؤرخي التكنولوجيا و علماء الاجتماع لإبراز السمة
الرئيسية لمجتمع الغد .
3- اتصافها بالنسبية ،وذلك
يعني انه كلما جاءت امة لعنت أختها على مستوى المدارس والفنون
والأدب،وهي لعبة تبدو اقرب إلى الاستثمار والسباق منها إلى الوصول
إلى القيم الحقيقية في مختلف المجالات والفكرية والأدبية والثقافية
.كما ان هذه المسالة تفقد الأشياء قيمتها المعنوية .
4- ان الحداثة و النزعة
الحداثية، هي بنية المجتمع الحديث و وعيه لذاته،و ترتكزان على
عملية التحديث، اي على جدلية التغير و التحول، فالحداثة كالتحديث
اي تمرد دائم على كل ما يحجر أدوات انتاج المجتمع و علاقاته في
قيود التي تعني التخلف، والتحديث كالحداثة تطلع دائم الى المستقبل
، لذا من الممكن القول بانه لا حداثة بدون تحديث. (5)
5- ذكرنا سابقا ان الحداثة
الغربية تبنت الحداثة بـ 1- بوصفها بنية كلية.2- بوصفها سياقا
شاملا. 3- والحداثة بوصفها وعيا نوعيا.
6- الحداثة الغربية تسعى إلى
التحرر من التبعية من كل شيء ،ومنها المبادئ
7- يتبين معالم الحداثة
الغربية بعلاقتها غير التوافقية مع ما يسمى بالتقليد أو التراث أو
الماضي، فالحداثة هي حالة خروج من التقاليد وحالة تجديد وكسر
للجمود ،فهي تتعارض مع كل ما هو تقليدي، و تنفي الثقافات السابقة
عليها.
8- أنها تعني التغيير المستمر،
وإن كان هذا التغيير يؤدي في كثير من الأحوال إلى أزمات داخل
المجتمعات التي تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة القديم على أساس من
العقلانيّة، والعقلانية هي التي تؤدي إلى الحداثة وليس العكس .
9- تقرر الحداثة الغربية أنّ
الحقائق تستمد قيمتها من كونها نتاجاً للعقل البشري، وتقرر أيضا
حرية الاختيار للقيم والأساليب، ومن ثم فهي تستبدل العلم محل
الإله.
10- والحداثة هي الوجه الذي
ينصرف الى الانشاء والابتداء على المستوى الفكر والابداع، بينما
التحديث هو الوجه الذي ينصرف الى تغير أدوات الانتاج المادية في
المجتمع الذي هو سياق التحول الاقتصادي والتكنولوجي.
الفهم
العربي الخاطئ لحداثة القرآن الكريم
يطالعنا بعض الباحثين بأفكار
متعددة ينطلق البعض منها زاوية الجهل بالتفسير أو التأويل بينما
ينحدر البعض الآخر إلى نوع من القصدية في التحريف والاستنتاج ،ففي
كتاب التراث والحداثة لمحمد عابد الجابري الذي يحاول فيه ان يقطع
لفظة التراث ويحيلها إلى جماد لا فائدة منه ، نراه يخطئ في تحليل
مفردة (تأكلون التراث أكلا لما)باعتبار ان لفظة التراث (كما يورد)
لم ترد في القرآن سوى بهذا الخصوص وإنها مرتبطة بالمادة وان التراث
الثقافي والأدبي والديني والفكري لم يكن موجودا عند الأسلاف
،والحال ان ذلك يدل على محدودية الفكر القرآني فلا حاجة إلى اعتبار
الأسس الفكرية القرآنية نسبية تتغير باستمرار أو اعتبارها من
التراث الذي يتبدل وينتهي وهو هنا يسير بفهم واحد بالاعتماد على
مفردة واحدة دون النظر إلى بقية المفردات التي تشير إلى ضرورة
النهضة العلمية والفكرية ،والنتائج التي جاءت فيما بعد تؤكد هذه
النهضة (6).
والجابري يحاول ان يفصل بين
فكرة الأنوار والنهضة والحداثة من جهة وبين فكرة التراث التي استند
فيها إلى لفظة قرآنية وحيدة من جهة أخرى ، فالـ (الحداثة) عنده لا
تشكل مراحل متعاقبة تمتد إلى التراث الإسلامي القديم بل ان
بداياتها تمتد إلى مئة عام . (7)
أما محمد أركون فقد اعتبر
القرآن مجرد مدونة وان نظرية الكتاب السماوي او بتعبيره (القرآن
ليس الا رمزا لكليانية كلام الله (ام الكتاب )او اللوح المحفوظ)(8)
، وهو هنا يحاول ان يخفف من قدسية الكتاب بالإشارة إلى الحقيقة
النهائية الموجودة في أم الكتاب أو اللوح المحفوظ .
ويخرج لنا طه عبد الرحمن بفكرة
غريبة حول الآيات القرآنية والقراءات الحداثية في كتابه روح
الحداثةالصادر عن(المركز الثقافي العربي 2006) ،ومحور هذه
الحداثة تتمثل كما يرد عنه (9) بـ (تهدف القراءات الحداثية للآيات
القرآنية إلى انتقاد هذه الآيات، وقد سلكت في هذا النقد خططا ثلاث،
هي: "خطة التأنيس" و"خطة التعقيل" و"خطة التأريخ".
• اختصت خطة التأنيس بنقل
الآيات من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري، قاصدة إلغاء القدسية
عنها، فأدى هذا النقل إلى تقرير المماثلة اللغوية بين القرآن
وغيره من النصوص البشرية.
• اختصَّت خطة التعقيل
بالتعامل مع الآيات القرآنية بجميع المنهجيات والنظريات الحديثة،
قاصدة إلغاء الغيبية منها، فأدى هذا التعامل إلى تقرير المماثلة
الدينية بين القرآن وسواه من النصوص الدينية.
• اختصت خطة التأريخ بوَصْل
الآيات القرآنية بظروفها وسياقاتها المختلفة، قاصدة إلغاء الحُكمية
فيها، فأدَّى هذا الوصل إلى تقرير المماثلة التاريخية بين القرآن
وما عداه من النصوص.
• القراءات الحداثية قراءات
مقلِّدة اقتَبَست كل مُكوِّنات خططها من واقع الحداثة الغربي في
صراعه مع الدين.
• ضرورة إيجاد قراءة حداثية
للآيات القرآنية تكون قراءة مبدعة بفضل ترشيد التفاعل الديني مع
النص القرآني وتجديد الفعل الحداثي.
•امتياز القرآن بمضمونه العقدي
يَدْحَض المماثلة اللغوية، وامتيازُه بتوجهه العقلي يدحض المماثلة
الدينية، وامتيازُه بوضعه التاريخي يدحض المماثلة التاريخية.
ولكن هذه الفكرة تذكرنا– بفكرة
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماز في كتابه الشهير «القول الفلسفي
للحداثة»، فكلاهما يجرد الحداثة «واقعها» وتجلياتها التاريخية، غير
ان طه عبد الرحمن وظف كل التطبيقات الحداثية على الإسلام وهي
تطبيقات حداثية منقولة مقلّدة، منسوجة على منوال التاريخ والثقافة
الغربية، أي على «واقع الحداثة» لا روحها.
,ان قوله «لا دخول للمسلمين
إلى الحداثة إلا بحصول قراءة جديدة للقرآن الكريم» كما يقول
المؤلف، هذا صحيح إلى حد كبير، ولكن ما قدمه في خطته «للقراءة
المبدعة» لا يعتمد إلا على بلاغة لفظة الإبداع ليس إلا .
ثم ان ما يشرحه طه عبد الرحمن
حول ما سماه «القراءات الحداثية المقلدة» مفهوم واضح، لكنه عندما
يستند الى مفهوم الحداثة ذاته فإنه يقوم بالنقل والتقليد، ومبرراته
في ذلك في مطلع الكتاب لا تقنع، إذ يبقى المصطلح مأخوذاً من مجال
تداولي أفرزه «واقع الحداثة» الغربي (على حد اصطلاحه) ولا ينفك
عنه، .(10).
إن طه عبد الرحمن يوغل في
استخدام المنطق بكل تأكيد ولكن في مجال مجاراة القرآن أجد ان منطقه
يخذله ،فليست الحداثة أو التجديد عبارة عن مسخ الثابت وهنا لم يفهم
الباحث ان حداثة القرآن ثابتة أي ان التجديد يوجد ضمنا في ذلك
الكتاب المقدس والعيب بكل تأكيد في قراءته وما فعله عبد الرحمن هو
عدم فهم أو سوء فهم ذلك التجديد من خلال فكرته تلك .
ولكن الانطباع الذي يتميز به
أصحاب هذه الدعوات هو انهم يميلون إلى ان يصبحوا لوثر ماثيوس
المسلمين ويحاول البعض ان ينادي ببرتستانت الإسلام من دون الانتباه
إلى اختلاف الموضوع والفكر المسيحي عن الفكر الإسلامي فالقرآن ذو
الحتمية القائلة ({إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَحَافِظُونَ }الحجر9 ،لا يمكن أن يقارن بالكتب السماوية أو
نصف السماوية الأخرى .
وفي مجال التفسير يزعم
الحداثيون أنّ النص القرآني ليس حكراً على الإسلاميين، وأن بإمكان
كل إنسان أن يفسر القرآن، وأن يجتهد في الدين.
ولهم في النظريات الغربية التي
افترضت موت المؤلف ، وما يعرف بالنص المفتوح ما يجترئون به على
دراسة النص القرآني بمعزل عن القواعد التي مضى عليها علماء التفسير
والتي تعتمد إلهية النص القرآني.
بشكل عام قد نجد في الفكر
العربي من يطالب بإعادة قراءة التراث العربي عموما والقرآني خصوصا
وهو يحمل أهدافا غير معلنة ، وهي عموما تحمل نوايا سيئة تتعدى
البحث المجرد والدراسة إلى مهاجمة التراث عامة بما يحويه من
موروثات دينية وهم يفعلون ذلك تقليدا للغرب ولكن ليس كل ما يصلح
للغرب تجاه موروثاتهم يصلح لنا لأن موروثنا يندرج فيه الكتاب
والسنة وآراء الصالحين، ومن ثَم فليس من حقنا التعامل معه على
إطلاقه كما يتعامل الغرب مع موروثه، فالموروث الغربي لا قدسية له
لأنه من صنع البشر والتراث الإسلامي يحتاج إلى تفصيل فما كان مصدره
الوحي فله كامل التقديس وما كان من عند غير الله فليست له قدسية
،ولذا فان حداثته نسبية ووقتية .
المبحث الثاني
مفهوم الحداثة
المطلقة في القرآن الكريم
خصائص الحداثة
القرآنية المطلقة
مفهوم الحداثة
المطلقة في القرآن الكريم
سوف انطلق في هذا المحور من
عدة زوايا أولاهما يجب القول ان القرآن الكريم كتاب لا يموت لان
صاحبه لا يموت ، والثاني ان القرآن هو كتاب يتصف بعدة مفاهيم سوف
نناقشها منها الشمول والبلاغة والحتمية والبعد المستقبلي
والميتافيزيقي والأخلاقي ويتميز بعدم اتصافه بالنسبية ،وذلك يعني
ان الإطلاق والكمال هو الأساس الذي يتصف به القرآن الكريم وعدم
الوعي بهذا الإطلاق لا يحيله أبدا إلى كتاب جزئي أو نسبي .
ويدل عدم اكتشاف كليته وتمامه
على ضعف قابلية الفكر الإنساني ، ولنأخذ مثال الروح التي لم
تكتشفها الحداثة أو العلم الحديث بالرغم من تقدمه الكبير قال تعالى
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }الإسراء85 .
ان هذا النص يمكن تسميته بما
بعد بعد الحداثة ، فالعلم القليل الذي يتمتع به الإنسان لا يمكن له
الوصول إلى معرفة كنه الروح ،واجد هنا ان التجديد والابتكار
والتحديث لا معنى له إزاء هذا النص القرآني ،ومن المسائل التي تؤكد
ان القرآن كتاب ودستور أساسي للتجديد نأخذ السؤال التالي : (هل
النص القرآني نص حداثوي) ؟
والجواب سيكون التأكيد على
انه نص حداثوي مطلق سواء في وقت نزوله أو لاستمراره إلى يومنا
هذا ، وهو يختصر المسافات الفكرية والعلمية والحياتية من خلال
الشعر والنثر مع انه ليس بالشعر أو النثر ،والعلم والفن والإدارة
والطب والإلهيات والنظريات والأخلاقيات إلى ما لا نهاية من العلوم
.
والحداثة تنطبق بكل تأكيد
على القرآن الكريم ، من خلال الإعجاز اللغوي والتعبيري الذي يتبدى
في نسق الآيات وترتيبها ، وفي طريقة سرد قصص الأنبياء المكثفة ،أو
من خلال الإعجاز الميتافيزيقي أو البحث في نهضة الإنسان وأخلاقياته
أو من خلال حركة التصحيح التي ينادي بها لانحرافات البشرية
المتكررة .
ان قوله تعالى في كتابه
الكريم {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ
وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} الفرقان33.
لهو دلالة واضحة على التقدم
المعرفي للقران الكريم على مر الأزمان ،في كل الجوانب التي يعرفها
الإنسان ،ولا مجال للقول ان نهضة ما ستسبق القرآن الكريم . فلقد
تحدى الله تعالى كل أجيال البشرية منذ البعثة وحتى قيام الساعة
وليس في زمن النزول حسب على أن يتمكنوا من مواجهة علمية القرآن
وبراهينه وحججه (11).
خصائص الحداثة
القرآنية المطلقة
ان القرآن الكريم لا يمكن
اعتباره حدثا او كتابا جزئيا لانه ثقافة مستمرة ،منهجية ،ثابتة
وشاملة ،كما تؤكد النصوص العديدة التي تفترش ذلك الكتاب المقدس
،وجملة من خصائص التجديد والابتكار والتواصل يمكن استعراضها في
القرآن على النحو الاتي :
1- ان حداثة
القرآن هي حداثة مطلقة مستمرة :
أي ان ذلك الكتاب لا يتعرض الى
الافكار والحلول الجزئية او التي يمكن انتقادها على اساس جزئيتها
ولا يمكن وصفه بكتاب المرحلة فقط في مختلف الاطاريح التي يطرحها
،بل بكتاب كل المراحل فهي حداثة مستمرة مطلقة لا يمكن ان تبدل مع
تغير الازمان ،لانها مستمدة من الله سبحانه .
قال تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ
فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً } الأحزاب62 وقال سبحانه { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ
اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }يونس64 . ويورد القرآن
الكريم قوله تعالى { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ
الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } فاطر43.
ومن مجمل الاحاديث يتضح ان
منهج الله سبحانه لا يبدل او يحول وبقوله سبحانه لا تبديل لكلمات
الله ،يفهم ان تلك الكلمات القرآنية ثابتة ،ولكن اليس هذا ثباتا
واطلاقا في المنهج من زوايا سير الحياة وطريقة الخالق في تسيير
الاشياء ،اننا لا نجد في نصوص الحداثويون الحاليون من يؤكد انهم
يملكون المنهج النهائي والكلمات التامات التي لا نقص فيها في فرع
واحد من فروع العلوم او المعارف او غيرها ،لكن القرآن الكريم يؤكد
هذه الحقيقة بل ان القرآن يخرس المقدرة العلمية الحداثوية بقوله
تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا
ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ } الحج73.
و هنا يجب أن نناقش القرآن على
انه كتاب يحمل فكرا ثابتا مطلقا ،ومن بعض ايات الاطلاق في القرآن
والتي تخص صاحب هذا الكتاب المقدس سبحانه بعض المعاني المهمة
التالي :
1- القدرة : (إن الله على
كل شيء قدير)(العنكبوت/20)
2- الإحاطة :(وكان الله بكل
شيء محيطا)(النساء/126)
3- العلم :(وأتقو الله
واعلموا أن الله بكل شيء عليم)(البقرة/231)
4- التقدير:قال تعالى:(وخلق
كل شيء فقدره تقديرا)الفرقان/25.
5- الحفظ:قال سبحانه(وربك
على كل شيء حفيظ)21/سبا.
6- الإتقان لكل الأشياء:قال
تعالى(صنع الله الذي أتقن كل شيء)(88/النمل)
7- الرقابة:قال سبحانه(وربك
على كل شيء رقيبا)52/الأحزاب)
8- الاقتدار:قال
سبحانه(وكان الله على كل شيء مقتدرا)(45/الكهف)
9- الحساب:قال تعالى(إن
الله على كل شيء حسيبا)(86/النساء)
10- والمقادير:قال سبحانه(وكل
شيء عنده بمقدار)(8/الرعد)
11- الإحصاء لكل الأشياء:قال
عز من قائل(وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)(12/يس) وقال
تعالى(وأحصى كل شيء عددا)(28/الجن)
12- الشهادة:قال تعالى (إن
الله كان على كل شيء شهيدا)(33/النساء)
13- الإحاطة بكل الأشياء:قال
الله سبحانه(وكان الله بكل شيء محيطا)(126/النساء)
وهذه الآيات تمثل دلالة واضحة
على مصاديق منها :
1. التفوق والاقتدار المطلق
لكل ما هو موجود في هذا الوجود.
2. المعرفة والعلم المطلق
والاحاطة التامة بكل ما هو موجود في هذا الوجود
3. الاتقان والتقدير لكل
الاشياء
4. الابتكار المطلق لكل
الاشياء .
ومن خلال هذه القوة المطلقة
التي تخرج افعالا مطلقة ، لا مهرب من القول بان كل الحداثات
تتمتع بالنسبية البسيطة (باعتبار ان الحداثة هنا هي تغيير
وتجديد)وهي ما ينادي بها ينادي بها بين الحين والاخر مجموعة من
الافراد .
ولعل لفظة المحدث ترد بصيغة ما
في القرآن الكريم فقد قال تعالى {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن
رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
}الأنبياء2 وقال سبحانه {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ
الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ }الشعراء5
.
إن هذه الآيات كما في لفظة
(الذكر المحدث) تؤكد دلالة النسبية الزمنية(بالنسبة للأحداث) والتي
يضيفها القرآن الكريم للإنسان كجزء من مرحلته التي يعيشها .
2- ان
القرآن يتصف بالشمولية والموضوعية :
فهو يناقش القضايا كل القضايا
من جميع الزوايا والمعالجات ويعطي ارائه النهائية من دون النظر
للطبقة او الطائفة او الجنس ،ومن دون التقييد بالزمان او المكان او
اعتماد انصاف الحلول .
ويزعم الحداثيون العرب أن النص
القرآني جاء لزمن معين، ومن ثم فإنه ينبغي أن نفسره على ضوء الواقع
التاريخي، هكذا يزعمون ولا شك أنهم يقصدون بذلك أن يترك لهم مطلق
الحرية لإسقاط آرائهم ووجهات نظرهم على النص، فيكون لهم حرية
تأويله بعيداً عن دلالات النصوص القطعيّة والظنيّة كما تقدم من
آراء طه عبد الرحمن ،وهو أمر ينم عن شعور بعقدة النقص التي لازمتهم
تجاه الحضارة الغربية وبالتالي فلا يجدون ما يمكن ان يطبقوا عليه
تجاربهم المستوحاة من الحداثة النسبية الغربية سوى الالتصاق بالنص
القرآني ،والواقع ان مهاجمة القرآن نتيجة العجز عن اكتشاف خباياه
ينطوي على اثرين الأول نفسي وهو محاولة لتحريك الآراء حتى وان كانت
تمس المقدس والثاني غرائزي يتمثل بمحاولة البروز إلى الساحة
الفكرية بطريقة تحمل شيئا من الضوضاء .
3- صفة
التوازن :
فالقرآن نظام عادل ودستور ثابت
لم يوضع لامة معينة لتحميلها بامتيازات خاصة ولم يوفر للرجل
الامتيازات على حساب المراة ولم يرفع قوم على قوم ،كما انه لا يحمل
القوي والضعيف بالواجبات نفسها فلا يطلب من المراة ان تقوم بافعال
الرجال لخصيصة كل منهما وهو يقيس مقدرة الانسان بناءا على الرحمة
والرفق وايضا على اساس مقدرته الحقيقية في تحمل الواجبات ،وكل هذا
من الحداثة القانونية والانسانية والاخلاقية والفكرية والاجتماعية
،وهو امر شامل لكل البشر بلا استثناء قال تعالى {إِنَّ اللّهَ
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ }النحل90 .وقال تعالى {
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
}الأنعام152 .وقال سبحانه { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
}المائدة8 .
4- انسانية
وعالمية الحداثة القرآنية :
لانه كتاب لكل البشر ومنهج لكل
الامم وهو كتاب عصري يناقش القضايا الوقتية ويعالجها فهو هنا مواكب
لازمنة الانسان ومشاكله وهو يتنوع لتجديد كل فروع المعرفة والثقافة
.قال تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ
النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا
اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ
أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ
فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ
إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} البقرة213 .
وقال تعالى في تلك الصيغة
الجمعية { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
}المائدة32 .وقال سبحانه { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ }الأنعام12 ،وما من
شك ان تلك الرحمة لا وجود لها بين المخلوقات جميعا ،وهي ايضا رحمة
مستمرة لا تنقطع للحظة واحدة .
والقرآن وقبل كل شيء يركز على
مسئولية الناس جميعا افرادا وجماعات ، قال تعالى {وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ } الصافات 24 ، وذلك هو الاهتمام الذي
يوليه الاسلام لان تصبح الانسانية حرة ومسئولة عن تاريخها ويشير
هذا الامر الى المكانة العالية لمسالة الحرية والتي تفوق ما عداها
وهذه بالطبع من اهم سمات الحداثة الاصيلة (12).
5- صاحب كلمات
القرآن سبحانه لن يموت :
ان هذه المسالة تذكرنا بكلمات
نيتشه القائل بفكرة موت الاله ولكن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد
الذي لا يموت صاحبه ،يشير الى جملة من الامور التي تعني ان الله
ليس كمثله شي وهو حي لا يموت وهذه بعينها هي روح الحداثة المتجددة
فالله القديم قبل الازل هو نفسه الباقي بعد الازل وذلك يعني ان
كتابه المقدس باق ببقائة .
والسبب ان مؤلفه هو الله
سبحانه والله لم ولن يموت سبحانه وبالتالي فالله ليس بشرا تنتهي
ولايته الفكرية في يوم ما .
6- الموسوعية
والتنوع :
يلاحظ ان إعجاز القرآن تنوّع
بتنوّع العصور، فكان منه اللغوي، التشريعي، الغيبي، الصوتي،
النفسي، القصصي، والعلمي، وهذا الأخير يُقسّم بدوره إلى أصناف
العلوم المختلفة ومنها العوم الهندسية والعددية والرياضية
والإحصائية والتي زخرت بذكرها آيات الكتاب الكريم:قال تعالى
:(وأتقو الله واعلموا ان الله بكل شيء عليم)(البقرة/231)وقال
سبحانه (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) (الجـن: من الآية 28)
وقال تعالى(لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً) (مريم:94).وقال
تعالى في اشارة الى المعرفة المطلقة {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ
مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن
تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً
}الكهف109.
7- ما بعد الحداثة في البعد
المستقبلي الميتافيزيقي القرآني:
ان مفهوم ما بعد – الحداثة ظهر
لاول مرة عند المؤرخ البريطاني توين بي (1959)، الذي جعل المفهوم
يدل على ثلاث إمارات ميزت الفكر والمجتمع الغربيين بعد منتصف هذا
القرن، وهي اللاعقلانية والفوضوية والتشويش ،اما في القرآن فكثيرة
هي الاشارات التي تدل على البعد المستقبلي ، وهي تحمل من دون شك
تنويها الى (المابعد القادم ) والذي يعلمه الله .
ومع ان اللفظة تحمل بعض
الغرابة لان دلالة كلمات الله المطلقة لا يمكن ان تقنن في مفاهيم
وقتية او انية سواء في لفظة الحداثة السابقة ام في لفظة ما بعد
الحداثة الا ان الكثير من المسائل الانسانية تحمل فكرة الانية
وبالتالي فان النص القرآني يتحدث عن هذه الانية التي يعلمها
بالتاكيد علم الله الازلي ،ولانريد الدخول في مشكلة الفعل الانساني
او القضاء والقدر بقدر ما اردنا توضيح فكرة ما بعد الحداثة
القرآنية ،والتي تبينها الآيات العديدة في القرآن قال تعالى
(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ
أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [فصلت:53] .
وهي وغيرها من الآيات تحمل
رؤية مستقبلية تنبؤية يزخر بها القرآن الكريم ،البعض منها يتعلق
بالعلوم وبالاحداث والوقائع والنظريات وكلها تعبر عن ما بعدية يؤمن
المسلم بحدوثها وكثير منها لم يكتشف بعد لقصور الادوات المعرفية
.
8- نهاية الحداثة في القرآن
(الحتمية).
لا اعلم ما لذي قادني إلى
اختيار هذا المفهوم ولكنه بالتأكيد يحمل تصورا وافيا لنهاية
الأشياء ،فليس من المعقول بقاء الحداثة إلى ما لانهاية والمسلم
بشكل عام يؤمن بنهاية الأشياء في يوم ما ،لهذا فأن الأهوال التي
ذُكرت في القرآن عن يوم الساعة والتي سببها دكة القمر ومنها تفجير
البحار وتسجيرها, الزلازل, بس الجبال, جمع الشمس والقمر, انتثار
الكواكب, دك الأرض, حمل الأرض, مد الأرض, إلقاء الأرض لما فيها
وتخليها, الرجف, الرج, الردف, وغيرها الكثير, كلها سببها دكة
القمر, وكأن القمر هو فتيل يوم الساعة.
أن يوم الساعة هو اليوم الذي
يتم فيه تدمير الأرض والنظام الشمسي, ويوم القيامة هو اليوم الذي
يتم فيه الحساب, يتضح أن يوم الساعة يلغي الأشياء والأفكار والآراء
والنظريات فلا نجد من ينظر لحداثة ما قال تعالى {كَلَّا إِذَا
دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً }الفجر21.
النتائج
والتوصيات
إن القرآن حداثة متجددة لان في
كلماته ديناميكية متحركة ،وربما يمكن اعتبار كتاب فرويد ودارون
والأمير لمكيافلي كتبا حداثوية لأنها قامت بالتغيير في المجتمع،نعم
ربما لفترة آنية من الزمن تنتهي بعد حين بطرح نظرية أخرى بديلة
ولكن بالمقابل ألا يمكننا اعتبار القرآن من المؤثرات الهامة في
المجتمع لأنه يحمل الدلالة الثابتة النهائية لمعرفة الأشياء.
بكل تأكيد لان ذلك يوافق كون
القرآن احدث ثورة أخلاقية وفكرية وثقافية وإنسانية وعلمية في
المجتمع ولازال .
إن ذلك الكتاب لا يزال يحدث
الأثر العلمي والفكري والأخلاقي وهو ما يعني استمرار يته بالقياس
إلى الكتب التي اعتبرت كتبا حداثوية وانتهى مفعولها بعد فترة من
الزمن بتطور الأحداث والعلوم والتجارب والنظريات ،وهذه الوقائع لا
تعني مطلقا تأثيرات البيئة واختلاف الشعوب ،بل تعني القيمة
التأثيرية التغيرية للشيء في ذاته للمجتمع والحضارة .على هذا النحو
يجب القول ان علينا التمييز بين حداثة مطلقة وحداثة نسبية خاصة
بالقرآن الكريم .
ومن المنصف القول ان في الفكر
القرآني ثلاثة مفاهيم هي الحداثة لأنه كتاب تجديدي وما بعد الحداثة
لأنه يشير إلى الغيب والى الاستكشافات المقبلة وأخيرا فالكتاب
المقدس يشير إلى موت الحداثة لأنه يؤكد على نهاية الكون والعالم .
وفي هذا الاستعراض البسيط
لفكرة الحداثة في القرآن تناولت مفهوم الحداثة وخصائص الحداثة
الغربية وآراء بعض الكتاب الخاطئة في القرآن وفي المبحث الثاني
تناولت خصائص الحداثة القرآنية المطلقة في القرآن .
ومن التوصيات التي أرجو أن
تؤخذ بعين الاعتبار :
1. أن تعقد المؤتمرات العلمية
الخاصة بالقرآن الكريم في العراق على نطاق عالمي .
2. تكريس البحوث في المؤتمرات
لتناول موضوع محدد ومركز في القرآن .
3. مشاركة اغلب مراكز
الدراسات في العراق ومنظمات المجتمع المدني المختصة .
4. يجب نقل هذه المؤتمرات
بشكل مباشر على الفضائيات ووسائل الإعلام .
5. ان تعطى الحوافز الكبيرة
لكي تقدم البحوث الجادة والمهمة .
6. طرح طرق جديدة للتنمية
الخاصة بالقرآن الكريم .
7. تنمية الدراسات المستقبلية
الخاصة بالقرآن الكريم .
8. محاولة استنباط وابتكار
العلوم المختلفة بدلا من انتظار خروجها على يد الدول الأخرى.
9. وأخيرا البدء بتصنيع الوعي
القرآني الجاد على مستوى الأفراد والمؤسسات واستخدام الطرق الجديدة
في تبني ذلك الوعي .
الهوامش:
..............
(1)
المعجم الوسيط ،مجمع اللغة العربية ،مكتبة الشروق الدولية ،ط4
،1425هـ-2004م ،ص160.
(2)
انظر قاموس اكسفورد الحديث ،ص 482.
(3)
فريد باسيل الشاني ،الحداثة وما بعد الحداثة ، الحوار المتمدن -
العدد: 2190 - 2008 ،http://www.ahewar.org/debat/show.art.
(4) رايموند ويليامز، طرائق الحداثة ضد المتوائمين الجدد ، مراجعة:
فارق عبدالقادر ،سلسلة عالم المعرفة ،العدد 246،الكويت،1999 ،ص49.
(5) فريد باسيل الشاني،المصدر السابق .
(6) د.محمد عابد الجابري ،التراث والحداثة –دراسات ومناقشات ،مركز
دراسات الوحدة العربية ،ط1،بيروت ،1991،ص17 وص32 .
(7) المصدر السابق ،ص17.
(8) محمد اركون ،العلمنة والدين –الاسلام والمسيحية والغرب ، ط3 ،
دار الساقي ،بيروت ،1996م،ص86.
(9) انظر موقع ملتقى الحكمة : nahfab@mountadalhikma.com
(10)عبد الرحمن الحاج ،موقع الملتقى ،info@almultaka.net : Email
(11) خالد العبيدي ،موقع الوقت
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=84522
(12) د.مصطفى الشريف ،الإسلام والحداثة –هل يكون غدا عالم عربي ،ط1
،دار الشروق ،1419هـ-1999م ،القاهرة،ص12.
المصادر
.....................
1.
القرآن الكريم
2.
المعجم الوسيط ،مجمع اللغة العربية ،مكتبة الشروق الدولية ،ط4
،1425هـ-2004م .
3.
قاموس أكسفورد الحديث .
4.
فريد باسيل الشاني ،الحداثة وما بعد الحداثة ، الحوار المتمدن -
العدد: 2190 - 2008 ،http://www.ahewar.org/debat/show.art.
5.
رايموند ويليامز، طرائق الحداثة ضد المتوائمين الجدد ، مراجعة:
فارق عبدالقادر ،سلسلة عالم المعرفة ،العدد 246،الكويت،1999.
6.
د.محمد عابد الجابري ،التراث والحداثة –دراسات ومناقشات ،مركز
دراسات الوحدة العربية ،ط1،بيروت ،1991.
7.
محمد أركون ،العلمنة والدين –الإسلام والمسيحية والغرب ، ط3 ، دار
الساقي ،بيروت ،1996م .
8.
موقع ملتقى الحكمة : nahfab@mountadalhikma.com .
9.
عبد الرحمن الحاج ،موقع الملتقى ،info@almultaka.net.
10. خالد العبيدي ،موقع الوقت
http://www.alwaqt.com/art.php?aid=84522.
11.
د.مصطفى الشريف ،الإسلام والحداثة –هل يكون غدا عالم عربي ،ط1 ،دار
الشروق ،1419هـ-1999م ،القاهرة
......................
(*)
المركز العلمي العراقي للدراسات - مؤسسة الشهيدين الصدرين العامة