المجتمع المدني الإسلامي قراءة أولية في الإشكاليات المعاصرة
أ. نبيل علي
صالح

إن التأسيس النظري لبدايات
تشكيل وبناء المجتمع المدني الإسلامي في عصرنا الراهن، يجب أن يمر
أولا على طريق فض النزاعات والخصومات الفكرية المعرفية السائدة على
الساحة الثقافية والسياسية العربية والإسلامية حاليا، والتي يمكن
تلخيص جوانبها المختلفة في إشكالية نظرية (وعملية) موضوعية هامة
جدا هي إشكالية «الإسلام والعلمنة، وقضايا الحرية والديمقراطية
والاخلاق الواقعية العملية»، وذلك بعنوان كونها بحسب راي التيارات
والنخب العلمانية من مقومات الانتقال إلى المجتمع الإسلامي
(العلماني).
ويصل الامر بتلك النخب ان تطرح
وتنظر لوجود تصادم وتناقض دائم بين البناء الإسلامي، وبين الحرية
والاختلاف أو تعدد الارا والاجتهادات، بحيث يبدو الإسلاميون وكانهم
في حالة ازدواجية بين قناعتهم الفكرية والنظرية وبين ممارستهم
السياسية العملية. اي بينها وبين ركائز وآليات عمل المجتمع المدني
نفسه.(1) وهذا التعبير نجده واضحا في نقد النماذجالإسلامية،
ومحاولة ايجاد عنصر رابط لكل تجاربها وانماطها، بحيث تلقي التبعة
على قدرة الدين على بنا حياة سياسية جيدة متطورة تناسب ازدهار
وتطور الحياة المدنية.
لا شك بأن هناك اشكالية دائمة
تواجه الإسلاميين تستلزم منهم اجابة شافية ووافية تتمحور حول
السؤال التالي: هل بامكان الإسلام (السياسي!) بنا نظام اجتماعي
مدني ينتج قانونا إسلاميا مدنيا؟! وما هي حدود العلاقة التي يقيمها
هذا النظام المدني مع الآخر ايا كان انتماؤه وتوجهاته الفكرية؟!
وهل هناك علاقة بين هذا النظام الاجتماعي المدني الإسلامي وبين
الآخر العلماني؟! في الواقع، لا تزال المسالة العلمانية تشغل
الأوساط الثقافية العربية والإسلامية التي لم تتفق حتى الان على
تحديد المعنى المصطلح لكلمة «العلمانية»(2)، وربما يعود السبب
الكامن ورا هذا الاختلاف في فهم المصطلح إلى طبيعة الجدل الذي
انطلق من خلال منشا تلك الكلمة بلفظها ودلالتها في البنية المعرفية
الغربية، ومحاولة النخب والقوى الثقافية عندنا ايجاد مناخ مناسب
لها في فضا الثقافة الإسلامية، يمكن ان تنمو فيه «نبتة»
العلمانية. وقد قاد هذا الاختلاف إلى انقسام النهضويين والسلفيين
بشان الاسئلة الكثيرة المثارة حول العلمانية وطبيعة علاقتها بالدين
والدولة، والاشكاليات الناتجة عن طرح هذا الموضوع الفكري في السياق
المعرفي الإسلامي في ظل المتغيرات الاجتماعية والسياسية المحلية
والدولية، التي لا تزال تشهدها امتنا حتى الان.
لقد جا تقديم الاجابات عن تلك
الاسئلة النهضوية من قبل مفكري النهضة ومن جا بعدهم تقريبا دون
مستوى الامال والطموح في كثير من مواقعه واتجاهاته، متاثرا بعوامل
وظروف تاريخية سياسية عديدة، كان من ابرزها الظروف الناشئة من حركة
الاستعمار الأوروبي لقسم كبير من بلاد العرب والمسلمين، وما رافق
ذلك من تحولات اجتماعية واقتصادية وفكرية كبيرة. من هنا انقسمت
الاجابات المتعلقة بالعلمانية بشان نشاتها في بلادنا إلى قسمين:
الأول: قدس العلمانية واعتبرها خشبة الخلاص والانقاذ من بحر
الظلمات والتخلف الذي تعيشه بلادنا في داخلها، بل وغيرها من
البلدان المتخلفة باعتبار ان مسيرة التاريخ الكوني آيلة إلى
العلمانية(نهاية تاريخية!!).
اما الثاني: فقد لعنها ورفضها
واصدر بحقها الفتاوى والتحريمات من دون الوقوف الواعي والمتامل الا
فيما ندر امام هذه الظاهرة التي لا يمكن توصيفها بسهولة ويسر.
باعتبار انها جملة من التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية
والثقافية والايديولوجية المعرفية.
ويبدو لنا ان هذه الثنائية
التناقضية في طبيعة الموقف أو رد الفعل العربي والإسلامي على مسالة
العلمانية قد حرم المشتغلين بقضايا الفكر والثقافة والتراث
الإسلامي من تقديم قراة نقدية موضوعية جادة لمسالة العلمانية
والنتائج التي ادت اليها في مجتمعاتنا في سياق حركة التطبيق والفعل
ولغيرها من المسائل الفكرية التي كانت موضوعا للانقسام الحاد بين
رواد النهضة وبين التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية المشتغلة
بهذه المسائل.
هذا وسنحاول في هذه العجالة
الفكرية تقديم قراة نقدية لمفهوم العلمنة، واشكالية العلاقة بينه
وبين الدين الإسلامي.
ذكرنا سابقا ان القرآن الكريم
يقدم الدين الإسلامي للناس جميعا على اساس انه عقيدة الهية ناظمة
لحركة الواقع الروحي والمفاهيمي، وينبثق عنها قانون ونظام كامل
للانسان والحياة، لذلك فهو(اي الإسلام) ليس مجرد علاقة روحية بين
العبد وربه وحسب، فيها شي من الروح ونفحة من الاخلاق تنعكس على
الواقع الداخلي للانسان، كما انه ليس جملة تصورات قيمية لا تخضع
للعقل والعلم، ولكنه دين حياتي عملي انزله اللّه من اجل اقامة
العدلبين الناس، وبالتالي ايصال كل انسان إلى كماله الممكن له
بالكلمة الطيبة والقلب المنفتح والروح المتسامية. وهكذا انطلقت
الاديان كلها ومنها الإسلام منذ بداية حركة التاريخ وفجر النبوات
من اجل ان تشرع للانسان القوانين والمبادئ التي تنظم له خط العدل،
عدل الانسان مع ربه، وعدله مع نفسه، وعدله مع الناس وعناصر الحياة
الأخرى من حوله(3). وجعلت له في كل ما يفعل وما يترك قانونا معينا
مبرمجا يستمد حيويته وحركيته مما اراد اللّه من مصالح للانسان
ليقوم بها، وليبتعد عن المفاسد التي نهاه عنها.
من هنا لا يكون الإسلام فكرة
روحية واخلاقية مجردة ومثالية تحلق في عالم الخيال، أو تعيش في
داخل الذات في علاقة الذات باللّه. ومن هنا ايضا يكتمل الجانب
الروحي للإسلام بالجانب السياسي، كونه يمتلك جانبا غيبيا يتصل
بالعقيدة، وجانبا مدنيا يتصل بالحياة والوجود الخارجي، ولا يوجد
فصل أو قطيعة بينهما حتى نتحدث عن اشكاليات ادخال السياسة في الدين
أو ادخال الدين إلى عمق الحياة السياسية والاجتماعية لانه من
المفترض مبدئيا ان يمارس الدين عمله ووجوده في الواقع الاجتماعي
المدني من خلال الاساليب والادوات العقلانية المتوازنة التي لا تسي
إلى خطوطه العامة، وإلى اخلاقياته وقوانينه.
ان هذا الراي صحيح عقائديا
وفكريا لان الإسلام وبخلاف المسيحية التي ساعدت هى(4) نفسها على
احداثالفصل بين الدولة والدين منظومة من المبادئ والاحكام
والضوابط الشرعية التي يلتزمها الفرد المسلم بصفة انها واجب رباني
مقدس في مجال الحقوق والواجبات الشرعية والسياسية، وعلى نطاق
المعاملات، والعقود، والعقوبات، وقوانين خاصة وعامة أو تفصيلية في
مجال الحقوق الفردية والاجتماعية تنظم سلوكية الفرد والجماعة
والامة. ثم ان نبي الإسلام ؟ نفسه كان قائدا للدولة الإسلامية، وهو
الذي عقد التحالفات، وخاض الحروب، ونظم المعاهدات، ووقع المواثيق،
واضطلع بمسؤوليات تنظيم الاجتماع السياسي والمدني الديني.
اضافة إلى ذلك فإن التاريخ
السياسي والاجتماعي الإسلامي لم يشهد ابدا اية حركة قامت على اساس
الفصل بين الديني والدنيوي، أو الفصل بين الدين والدولة، أو بين
الدين ونظام الاجتماع السياسي أو الحقوقي أو المدني (باعتبار ان
الإسلام كان هو الذي اسس للجانب المدني، واكد عليه، وشرع له) على
الرغم من ان نفس هذا التاريخ قد عرف الكثير من ثورات الاصلاح في
داخل الامة، التي قامت غالبا على مبدا ضرورة العودة إلى روحية
المبادئ الإسلامية الاصيلة الأولى في وجه السلطات السياسية الحاكمة
التي استاثرت بالفي، وبالسلطة، والامتيازات لوحدها مدعية انها تحكم
بموجب صك الهي مقدس.
ان البدايات الزمنية الأولى
لتاريخية الصراع الفكري بين انصار مشروع الدولة الإسلامية، وانصار
الصيغة العلمانية لا تكاد تتعدى بضعة عقود من السنين، كان الوعي
الإسلامي قبلها لا يعيش اضطرابا حيال القضية، مفهوما ومشروعا، بل
جل النقد الذي كتب في هذا المجال كان يتطلع إلى ادخال تعديل على
التجربة القائمة فعلا باسم الخلافة أو باسم الدولة الإسلامية.
وبضعة عقود في حساب الوعي التاريخي للامم لا تعطي شرعية للصيغة
العلمانية للدولة اذا اردنا ان ننظر إلى المسالة من زاوية التقادم
الزمني.
فالمسلمون عاشوا طوال قرون مع
صيغة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن نقاشنا لهذه الصيغة ايجابا ام
سلبا دون ان تكون هناك مشكلة نظرية تقود إلى الرفض، واذا كنا قد
شهدنا كثرة الصياغات الاجتهادية، فهي جميعا تلتقي على الايمان
الكامل بالدولة الإسلامية كقاسم مشترك فيما بينها(5).
ونحن قد نفهم العلمانية في
حقيقة مفهومها العلمي الصريح بأنها ليست ضد الدين، وليست الحادا،
بالرغم من وجود فئات ملحدة تتخذ العلمانية شعارا لها.(6) وانها لا
تلتزم في الواقع القانوني دينا معينا، وليست ملزمة في الواقع
السياسي بخطوط دين معين. اي ان يغرق الدين والمتدينون في تسابيحهم
وطقوسهم وصلواتهم وغيبياتهم في داخل الكنيسة والمسجد والقلب
(باعتبار ان عرش الدين ليس له مكان سوى القلوب والضمائر) وتترك
الحياة في الخارج للناس كي يدبروها وفقا للتشريعات والقوانين
الوضعية التي يرونها مناسبة وصالحة لمعيشتهم الدنيوية المتطورة
باستمرار.
انني ارى من خلال المقاربة
السابقة ان نقطة الخلاف الوحيدة بين العلمنة المؤمنة(7) وبين
الإسلام هي في علاقة الدين بمسالة التشريع والسياسة التي يعتقد
العلمانيون بعدم وجود اية صلة للدين بتنظيم المجتمع سياسة وتشريعا،
في حين يرى المسلمون ان الدين الإسلامي اساس في عملية التشريع
والسياسة والتدبير، باعتبار ان العدل يختزن في داخله عدل الحكومة
والسلطة والحاكم، وعدل الشعب وعدل المجتمع والامة. وعندما يكون
الامر كذلك فكيف يمكن ان تتحرك مسالة العدل في الواقع الاجتماعي
والسياسي؟! في الواقع لا بد من وجود ادارة تمارس العدل من خلال
الشخصيات التي تتولى تنظيم وتسيير امور المجتمع والناس، والشخصيات
التي تراقب الذين يتولون ادارة شؤون الناس، والشخصيات التي تراقب
الساحة التي يتحرك فيها هؤلا وأولئك..
هل هذا الا الحركة السياسية في
الواقع؟! لا سيما اذا عرفنا ان هناك عدلا في الامن، وعدلا في
القانون، وعدلا في الحكم، وعدلا في السياسة. اما اذا اردنا من
السياسة، مفهوم اللعبة الشيطانية التي تسمى «اللعب على الحبال»
وممارسة الالتوا والانحراف، فهذه السياسة لا يرفضها الدين وحسب،
ولكن ترفضها كل المواقع والاتجاهات والحركات الحضارية التي تريد
للانسان ان ينفتح على قضايا الانسان والحرية والعدالة بالطريقة
المسؤولة الواعية التي تؤسس لوجوده الفعال وتبني له انسانيته، بدلا
من ان تسقط له انسانيته من خلال ممارستها لاساليب وفنون اللعبة
السياسية بالمفهوم المتداول حاليا في مختلف الأوساط الفكرية
والسياسية. واذا كان هدف السياسة الدينية اقامة العدل بين الناس،
وايصالهم إلى ما يصلح امورهم واحوالهم، ويبعدهم عن الانخراط في
اجوا الفساد والانحراف، وبالتالي يحثهم على السير في خط اللّه
والخير والعدل. واذا كانت السياسة في اعلى تعابيرها واصدق معانيها
تهدف إلى اقامة العدل والتوازن والمساواة بين الناس.. فلماذا نفرق
بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي، يتسال الإسلاميون؟! اذا، ليس
للعدل معنى في الواقع العملي من دون سياسة، كما ان الدين ليست له
اية واقعية او فائدة من دون عمل.. فلماذا اذا تريد العلمانية وهذا
هو لسان حال الإسلاميين فرض دينها وتشريعها الوضعي الجديد علينا
كمسلمين، ونحن نزعم بأننا نمتلك قانونا متكاملا ندين به ونحترمه،
ونقدسه، ونلتزمه في مسيرتنا الحياتية والانسانية بكل مفرداتها
وعناوينها، من خلال تشريعات اللّه الدينية والمدنية الواردة في
القرآن الكريم والسنة الشريفة؟! ولماذا يصر عليها (على العلمانية)
اصحابها بعد ان ادت إلى تحطيم التكوينات السياسية والاجتماعية
والثقافية التقليدية في بلدانها، وخلخلت التوازنات الاجتماعية
المادية والروحية، الامر الذي كشف لنا بوضوح عجزها الفاضح عن صياغة
معايير ونظم جديدة يمكن ان تكسبها ولا الجماعة، وشرعيتها، واجماعها
كشرط اساسي لانها التناقضات الاجتماعية والتوترات السياسية
المتفجرة في كل حدب وصوب من عالمنا الإسلامي، والاسراع في معالجة
الازمة الحضارية المفتوحة التي من مظاهرها تدهور المناخ الفكري،
ومصادرة الحريات العامة، وتراجع مناخ الحوار العقلاني والمسؤول.
اننا نريد ان نؤكد هنا على
وجود خلاف ثانوي(أو اساسي) حول فكرة أو نظرية، أو واقع معين بين
التيارات والنخب السياسية والثقافية المختلفة يجب ان يكون قاعدة
للالتقا، ومنطلقا للبدء بحوار جدي فيما بينها، بهدف استبعاد
الاشكاليات والتعقيدات الساخنة المتحركة هنا وهناك التي قد تتحول
إلى مصدر للنزاعات الدموية، كما يحصل حاليا، بدلا من ان تكوناساسا
للتفاهم وتحكيم لغة العقل والحوار النقدي الموضوعي الذي كان لغيابه
عن ساحتنا الاثر الاكبر في جعل العلمانية اكبر موضوع سوء تفاهم على
الاطلاق في الفكر السياسي العربي الحديث.
لقد كانت محصلة ذلك التعقيد
بين العلمانيين والإسلاميين ان انتفت علاقات الوعي والحوار
المتواصل بين القوى والنخب الفكرية والسياسية العربية والإسلامية
التي تورط فرق منها في اقصا ونفي الإسلام نفيا كاملا من دائرة
الاجتماع السياسي لظنه خطا بأن هذه الطريقة الاستبعادية المازومة
هي السبيل الوحيد لاقامة الدولة الحديثة بجنتها العلمانية
الموعودة، فيما تورط قسم كبير من الفريق الآخر بمعاداة الدولة
الحديثة لظنه بأنها بديل عن الإسلام، أو على الاقل لظنه بأنها بديل
عن قيم الإسلام وشرعيته في المجال السياسي والاجتماعي.
لقد نتجت تلك الورطة التي وقع
فيها فريق من الإسلاميين في اطار موقفهم الرافض مطلقا لفكرة
العلمنة عن وجود خلل منهجي وفكري في طريقة وعيهم واستيعابهم لمدلول
ومصطلح «العلمنة» من خلال عدم التفريق إسلاميا بين موضوعة السلطة
كشان بشري خاضع للتصورات والمفاهيم والتحولات والتغيرات البشرية
بكل عناوينها ومفرداتها، وبين موضوعة الشريعة التي تعتبر شانا
الهيا لا دخل للانسان فيه مطلقا.
ان الإسلام يؤكد في هذا السياق
على ضرورة عدم تدخل السلطة أو المؤسسة الدينية كسلطة الهية تدعي
لنفسها العصمة وعدم الخطا في حركة المجتمع والناس، طبعا فيما يخص
السلطة والحكم وطرق (آليات)تداول السلطة التي يجب ان ترتكز في
الوعي الإسلامي على مبدا الحرية والاختيار، وحق المعارضة في النقد،
وحرية التعبير وابدا الراي الذي ضمن الإسلام وجوده وهيأ له اجواءه
الخاصة.
وهذا ما تؤكده العلمنة المؤمنة
في واقعها النظري في تركيزها على اهمية حق المجتمع في اختيار نوعية
الحكم والممارسة السياسية التي يرتضيها لنفسه من اجل ادارة مختلف
شؤونه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والفصل في خصومات ابنائه
وخلافاتهم.
ان الإسلام لا يلغي كسب
العلمانية الغربية في ما انجزت من تحرير للعقل، وابداعات علمية
تقنية، وحريات ديمقراطية، بل يرحب بها، ويهب لها الرؤية التكاملية
والفكرة الموجهة، بما لا يجعل منها وسائل للتسلط والتدمير، انما
مجرد وسائل لعبادة اللّه تعالى والتقرب اليه، عبر تسخيرها لخدمة
العائلة البشرية كلها، والمحافظة على الكون، واعداد الانسانية لنيل
رضوان اللّه (خالق الكون والانسان) والسعادة في الدنيا والآخرة،
وتحقيق التعارف والتعاون والعدل بين البشر استجابة للندا الالهي
لكل البشر؟يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا انا اكرمكم عند اللّه اتقاكم؟ (البقرة:13). كذلك
فإن العلمنة نفسها لا تفترض ولم تفترض في اي مكان فصل الدين عن
السياسة، أو المعارضة بين قيمهما، فقيم السياسة لا يمكن ان تصدر عن
شي آخر غير معتقدات المجتمع وايمانه، والا اصبحت السياسة نفيا
لهويته الوطنية.. هذه هي وجهة نظر فريق الإسلاميين.
ويبقى علينا هنا ان نفكر بعد
المقاربة السابقة بعقلانية متسائلين: كيف نحل اشكالية الإسلام
والعلمنة؟! في الواقع ان الانسان المسلم محكوم بفكرة (وفطرة)
التوحيد..
اي التنزيه المطلق للّه تعالى.
هذه الفكرة تحظى على ما يبدو بالأولوية المطلقة في فكره، وعقيدته،
وجميع تصوراته عن الحياة والوجود لتشكل من خلال ذلك الاساس الأولي
لكيان الامة المسلمة الواحدة. لكن هذا الفرد المسلم يواجه كغيره من
افراد البشرية واقعا تعدديا متناقضا في عناصره ومعطياته وابعاده..
في طبيعة الواقع الدنيوي
الاجتماعي والحضاري، فكيف يوفق والحال هذه بين عقيدته التوحيدية
ودنياه التعددية المتنوعة؟! كيف يرضي ربه من خلال الالتزام بأوامره
ونواهيه، ويعمل في الوقت نفسه على فتح امكانات واقعية جديدة له في
الحياة الاجتماعية التي يعيش بين جوانبها بمستجداتها ومتغيراتها
المتناقضة والمناقضة في كثير من مناحيها لعقيدته وفكره الديني؟! ما
هو الحل؟ وكيف يحسم الامر، اذا كانت هناك امكانية للحسم في واقعنا
السياسي والاجتماعي المتخلف الراهن؟! باعتقادي انه لن تكون هناك
ثمة امكانية لاي حسم معرفي عملي لازماتنا المتتالية، طالما اننا لا
نزال مستغرقين في ثقافة تقليدية مهيمنة على الروح والجسد معا،
وطالما اننا نلف وندور حول ما تعكسه تلك الثقافة في الواقع من
اعمال وانتهاكات لابسط القيم الانسانية، والانسان في عالمنا
الإسلامي لم ينخرط بعد بفعالية في عملية التنمية والابداع الحضاري
التي لا يمكن ان تتحرك من دون توفر شرط الحرية ليكون باستطاعة
مكونها الحقيقي السير والاستفادة الفعالة والمنتجة من القدرات
والطاقات الهائلة الموجودة داخل هذه الامة، من خلال ضرورة تعبئة
امكانياتها ومواهبها في معركتها الحاسمة ضد كل مواقع تخلفها
واهترائها وانهيارها الحضاري الاجتماعي والسياسي، والواقع العملي
يثبت صحة ذلك.
اننا نهدف من خلال الطرح
السابق إلى اطلاق سراح الاجتماع المدني والسياسي الإسلامي، وتحرير
عناصره ومنطلقاته الموضوعية المحاصرة بين علمنة تتسع للإسلام
ولكنها تصر على استبعاده وعزله ونفيه، وبين إسلام يتسع للصيغة
المدنية المؤسساتية المبنية على الديمقراطية والحريات العامة وحقوق
الانسان، ولكنه يصر على استبعادها من خلال سلوكيات وتنظيرات كثير
من منظري ومنتجي ثقافة الإسلام المعاصرة.. ولعل في هذه الحقيقة
المرة ما يسلط ضوءا على ذلك الانشطار العدائي الحاد في داخل
المجتمعات العربية والإسلامية بين المجتمع المدني والسياسي.
ولذلك، قد يساهم ذلك العلاج
الوسطي التقريبي اذا صح التعبير في تطوير الواقع السياسي
والاجتماعي للمسلمين، ويدفع باجتماعهم المدني إلى المواقع الضرورية
من التقدم، والدرجات العالية من الرقي، وامتلاك شروط الحياة
المعاصرة، ومواجهة تحدياتها من خلال ضرورة التجديد والاجتهاد في
فهم الدين، ومواكبة متغيرات العصر والحياة بما ينسجم ويتوافق مع
المعطيات والاسس الحضارية الدينية الإسلامية، مع المحافظة طبعا على
الفكر الذي ينطلق من صميم قلب الحقيقة بعيدا عن خصوصيات البيئة،
وجزيئات الثقافة والجوانب العاطفية لانه يمثل فكر الحياة.
وهذا الامر لا يعني بالضرورة
بقا القيم والمعايير التي يفرزها هذا الفكر مطلقة ومثالية في آليات
تطبيقها في حركة الواقع، ولكن ان تكون نسبية وواقعية في طرحها
وممارستها من قبل الانسان خصوصا في ظروفنا الحالية المليئة
بالتقلبات والتحولات اليومية المتزايدة.
ان ذلك يتطلب من القيم
الاخلاقية في المجتمع المدني السياسي ان تكون واقعية، مرنة، ترتبط
ارتباطا مباشرا بالممارسة العملية للانسان، تخاطب مشاعره واحاسيسه
في أوضاعه الطبيعية المختلفة في الحياة، ثم نحاول بعد تنمية وعيه
وارادته الارتفاع به إلى المثل الذي لا يقترب من خلاله الانسان إلى
ذروة الحتميات التي تعزله عن واقعه، ولكن ان تدفعه إلى تقصير
المسافة بين القيمة كنظرية وبين القيمة كتطبيق لان القيم لم تصنع
اساسا ليبلغها الانسان، ولكن ليقترب منها، ولتكون قاعدة لحمايته من
الانحراف، وتحديد خط سيره الواقعي.
ان المسالة التي يريد الإسلام
للمسلمين ان يحركوها في كل التزاماتهم ومواقفهم العملية في الحياة
هي ان يكونوا واقعيين فيما يطلقونه من احكام، وفيما يحركونه من
قضايا، لا بمعنى ان تسقط الواقعية قيمة اخلاقية هنا وقيمة اخلاقية
هناك، ولكن ان تكون هناك حدود وضوابط لحركة القيم الإسلامية، تنطلق
من الوعي بحاجات الناس الطبيعية في الارض في اطار تنظيماتهم
المدنية الاجتماعية، والتفكير بحجم طاقاتهم وقدراتهم الذاتية لان
القيمة المثالية (غير الواقعية) عقيمة وغير منتجة، انها تشل حركة
الانسان، وتمنحه شيئا من الاستقرار والسكون في فكره، وسلوكه،
ووعيه.
على هذا الاساس، تكون القيمة
الاخلاقية نسبية حتى في الاديان، ولهذا يقول الاصوليون(مراجع الفقه
والتشريع الإسلامي): «ما من عام الا وقد خص». لذلك يجب عدم اثارة
القيمة الاخلاقية الإسلامية بطريقة مطلقة لانها تجمد المسلم في
مواجهته للتحديات التي تقف امامه وما اكثرها اليوم.
ان القيمة في الإسلام لها قدرة
على ممارسة الضبط والتحديد لحركة الانسان المسلم. ولكنها تمنحه
بالمقابل مساحة واسعة يستطيع فيها ان يملك حرية الحفاظ على قضاياه
الكبرى. وهذا ما يفرض على العاملين في الخط الإسلامي التعامل مع
الوقائع المستجدة والتحديات الخطيرة بعقلية واهية متسامحة، وبفكر
انساني منفتح مرن واع لحسابات الواقع المحلي والعالمي، من اجل
اتخاذ المواقف المدروسة والمتوازنة على اساس مصالح ضمان مصالحهم
ومصالح ناسهم ومجتمعاتهم التي تنوء تحت قيود هائلة من الكبت
والتخلف والاستبداد.
من هنا، تكون واقعية المبادئ
والقيم (كالحرية مثلا) ان نحاول اكتشاف وسائل وخيارات واساليب
عملية واضحة المعالم والخطوط لحركة القيمة في الواقع بما يتلام مع
الافاق الجديدة. اي ان نتحرك عمليا لتغيير الواقع بادوات الواقع
التي تحتاج إلى من يصنعها، ويفهمها،وينفتح عليها، ويطورها،
ويحركها، ويصبر عليها وعلى ثمنها الباهظ.
هذا هو المعنى الحقيقي لواقعية
ونسبية القيمة في الإسلام..
انه معنى ينفتح على تعابير
وتجليات المجتمع المدني الحديث في أوضح معالمه، وسماته، وخصائصه
التي نعتقد انها لا تتعارض في ديناميكيتها وتطورها وحركتها
المستمرة مع القيم الإسلامية الواقعية باعتبارها قيما ثابتة لان
الحركة ضمن الثابت وفي اطاره العام لا تعني تجميد الحركة.. والقول
بوجود عناصر للقيم والثقافة تتسم بالثبات لا ينفي وجود عوامل تغير
(محركة) يمكن ان تؤثر في هذه القيم وتلك الثقافة، بحيث تعيد
تشكيلها في سياق التفاعل الايجابي مع الحركة الاجتماعية، فتنشا
نتيجة ذلك منظومة جديدة للقيم والثقافات والمعايير، تختلف قليلا أو
كثيرا عن المنظومة التقليدية. وقيمة وجود تصور ثابت للقيم (نسبيا)،
هو ضبط للحركة البشرية مع وجود الاصيل والمحور الثابت الذي يرجع
اليه الانسان بكل ما يعرض له من مشاعر وافكار وتصورات، وبكل ما يجد
في حياته من ملابسات وظروف. ومن ثم فهناك ثبات في الغايات،
والاهداف والنتائج، ومرونة في الوسائل والاساليب. اي ثبات على
الاصول والقيم الدينية والاخلاقية الانسانية، ومرونة في ايجاد
الاشكال المؤسسة في الواقع المعاش. اما بالنسبة للتغير كعنوان
للحركة التي تعد جوهرا ثابتا للوجود وقانونا اساسيا في الحياة فإنه
يشمل العناصر المتغيرة بفكرها ومعارفها وقيمها من اجل بروز عناصر
اخرى جديدة تطلبت ظروف الحياة المستجدة ظهورها بغية تحقيق
الاستقرار والانسجام في مكوناتها وعناصرها بين القيمة والفكر
والواقع، بما يؤدي في النهاية إلى كمال الانسان المسلم في ساحة
الوجود ومعترك الحياة في اطار احساسه العميق بوجوده الحر المسؤول.
والحرية كمفهوم وفكرة انسانية
صميمية ترتبط باصل القيم الإسلامية المطلوب تمثلها وتجسيدها في
اطار التجربة الانسانية الواقعية، والتحقق من واقعية تطبيقها،
وتحويلها إلى حقيقة قادرة على النمو والانطلاق في المجال السياسي
الغربي والإسلامي كدافع عملي حيوي اصيل لاقامة المجتمع المدني
الإسلامي، ان ذلك المفهوم السحري (الذي يشكل احد اهم ركائز واركان
المجتمع المدني الحديث) لا يعتبر اشكالية معيقة لبنا مجتمع مدني
متطور وفق التصور والرؤية الإسلامية، بل على العكس من ذلك لقد
جعلها الإسلام اي الحرية قيمة اخلاقية واقعية نبيلة، اعترف بوجودها
كمقابل خارجي لكرامة الانسان، يحرر طاقاته وملكاته من استعباد
الصنميات والوثنيات المنتشرة هنا وهناك، ويجعل تلك الملكات
والطاقات خالصة للّه ؟يا ايها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول
اذا دعاكم لما يحييكم؟ (الانفال: 23) فكانت رسالته في العقيدة
والشريعة تحرير الانسان، وذلك حتى تتحرر فيه هذه الملكات، وتخرج
تلك الطاقات إلى الواقع ؟الذين يتبعون النبي الامي..
ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي
كانت عليهم؟ (الاعراف: 157) فجميع احكام شريعة الإسلام اذا تحرير،
حتى عندما تحرم الخبائث والكبائر لان اجتناب هذه الخبائث تحرير
للانسان من العبودية لها، ومن ثم فكل الإسلام احيا بالحرية، يضع
على المؤمنين به القيود والاغلال المادية، والقانونية، والخلقية،
وينمي ويزكي الطاقات الخيرة لتغالب وتتغلب على الاغلال والقيود
والاثقال، فتصبح قمة العبودية للّه هي ذروة الحرية والتحرير
للانسان.
وبهذا التأسيس العملي لقيمة
الحرية في الإسلام الذي يلحظ، باهتمام بالغ، دور الجوهر والمضمون
الانساني في عملية التنمية، وبنا الانسان الحر من خلال تنميته
لارادته، ووعيه لمقومات شخصيته الذاتية في ضوء ايمانه بخالقه
العظيم تنفتح امام الانسان مجالات واسعة للمساهمة المركزة الفاعلة
في البنا الحضاري للمجتمع المدني القائم اساسا على مبدا الحرية
كقيمة واقعية فردية واجتماعية عبر تحريك طاقته ومواهبه على طريق
التنمية والانتاج والابداع. ونحن عندما نتحدث عن مسالة التعامل
الايجابي للإسلام مع قضية الحرية، فإننا لا نهون ولا نقلل من حجم
التاثيرات السلبية الكثيرة التي قد تنجم عن سوء فهم واستخدام
وممارسة هذه الحرية في مجالنا التاريخي الإسلامي، الذي اضحى
الاستبداد الفكري والسياسي طابعا ثابتا فيه، بحيث اصبحت الطرق
المؤدية إلى جنة الحرية الباسقة والمثمرة في تربتنا السياسية
والاجتماعية وعرة وشائكة ومملوءة بالاخطار الداهمة والمقيمة، خصوصا
اذا ما عنينا بالحرية هنا الحرية الفكرية والثقافية كاساس لحرية
تنظيم مفردات السياسة والواقع الاجتماعي الخارجي.
ضمن هذا الاطار يفترض
(بالنخبة!!) الفكرية والسياسية العربية والإسلامية ان تمتنع قليلا
عن الجدل القائم فيما بينها حاليا حول البحث عن مثال وحيد وفريد
للحرية يمكن ان يتحول إلى نموذج يحتذى ويقتدى، ويصلح للتعميم على
الامم جميعا، وذلك كشرط رئيسي من شروط وعي مسالة الحرية، ودورها
الهام في هيكلية المجتمع المدني والسياسي الإسلامي.. وعليها ايضا
ان لا تتعامل معها (مع قضية الحرية) بعقل لاهوتي خلاصي، حيث راينا
كيف دفعت شعوبنا الاثمان الباهظة لتاليه فكرة الحرية، ولا عجب في
ذلك فمن يقدس شيئا بهذا المعنى يقع ضحية له..
فكان عشاق الحرية و«لاهوتيوها»
اذا جاز التعبير هم أول ضحاياها، وهم أول من اسهم في ضربها
واسقاطها عبر نماذجهم العقائدية التراثية والحداثوية.. اي بين تسلط
مستحاثات (ديناصورات) التاريخ ومسوخ الحداثة.
ومع ان جوهر الحرية واحد، لكن
ما اكثر الشعوب التي تستطيع ان تجرب وجوها مختلفة للحرية بلحاظ
تفاوت واختلاف الأوضاع التاريخية والاجتماعية، حتى يكون لها خيارات
مختلفة ومتعددة في طريق الحرية، وتحديد أولويات مراتبها.. اي ان
يتم التعاطي مع الحرية ليس كبعد ثابت (هوية مغلقة وثابتة، أو قيمة
مطلقة عالية) ولكن كبعد متغير نمارس من خلاله قدرتنا العملية على
التحول والابتكار والابداع بما نجترحه من فضاات وامكانات وصيغ
ومعادلات جديدة.. ولن نستطيع الوصول إلى ذلك ما لم نعمل على ايجاد
رؤية واضحة، وتصور سليم، وتفسير مقنع يخلق ارادة الفعل، ويفتح افق
العمل، ويبعث في الانسان الامل والحيوية والفاعلية والنشاط.
ان التحولات الايجابية الكبرى
والمؤثرة في حركة المجتمع الإسلامي التي يجب ان تنطلق فيه استجابة
عملية فاعلة ومنتجة للواقع الخارجي الملي بالتحديات المحدقة للامة
لا يمكن ان نضمن انطلاقتها الواعية تلك من دون وجود الحرية،
ورسوخها في جوانب هذا المجتمع.. اعني بها حرية الفكر والراي، وتوفر
عناصر الامن والضمان الواقعي في ابرازه والتعبير عنه، وتهيئة
المقدمات الكفيلة بالحفاظ على هذه الحرية، وضمان امن الاحرار
واصحاب الفكر وحملة الاقلام الرسالية. كما اعني بها ايضا الحرية
الاجتماعية التي تعبر عن الطاقة والقدرة التي يكسبها الانسان من
المجتمع على القيام بفعل شي معين، وتعني هذه القدرة ان المجتمع
يوفر للفرد كل الوسائل والشروط التي يتطلبها القيام بذلك الفعل.
وكما قلنا سابقا من الافضل لنا
في هذا المجال الا نكون مثاليين في طرحنا لفكرة وقيمة الحرية في
المطلق، كما لو كنا نعيش في واقع مثالي لا حدود فيه ولا حواجز أو
تحديات.
اذ اننا نمارس وجودنا في مجتمع
ارضي نسبي يجب ان نتعامل فيه مع حياتنا ووجودنا بلون من الواقعية
العملية فيما يتصل بطبيعة حركة القيم الانسانية، وسبل انجازها أو
الوصول اليها في ظروف كظروفنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية
والفكرية.
اننا نحتاج إلى تحليل علمي
وموضوعي للقيمة الذاتية لمعنى الحرية بعيدا عن التعابير الفضفاضة
والرنانة لان ذلك وحده يوفر التربة المناسبة لاستنبات ونمو بذرة
الحرية المطلوبة.
وبهذا المعنى الموضوعي
المتوازن لا تكون الحرية وفق التصور الإسلامي عائقا أو مانعا امام
بنا متطلبات وركائز المجتمع الإسلامي الحديث، بل تصبح عاملا اساسيا
دافعا لوجوده وتكونه، وشرطا ضروريا من شروط قيامه وتطوره، ونجاح
مسيرته، وتنمية مختلف مواقعه التي ترتبط بقضية الحرية من حيث انه
لا تنمية يحتاجها مجتمعنا الحديث مع فقدان الحرية والامن،
والاستقرار النفسي والمادي..
ولا تنمية مع عدم وجود اعتراف
مبدئي بحقوق الانسان وضمان ممارسته لحرياته العامة، حيث انه مع
وجود الانسان المضطهد والمقموع لا يمكن ان تتحقق التنمية
المرغوبة.. كما انه لا تنمية مع الاستبداد السياسي المعيق للتطور
الثقافي والحضاري..
ولا تنمية مع استغلال خيرات
البلاد لصالح فئة خاصة أو حاكم معين.. ولا تنمية مع وجود عقدة
الانبهار بالغرب وحضاراته ومنجزاته، وعدم الثقة بالنفس، واهتزاز
الهوية والخجل من التراث. ان الشرط الاساسي لنجاح واقلاع التنمية
عندنا هو اشراك الامة كلها والشعب كله في صلب العملية التنموية،
ودمجهم فيها، واستحصال رضاهم الطبيعي (لا القسري) عن فعاليات
التنمية، ونشاطات وتوجيهات انظمتهم وحكوماتهم السياسية القائمة
وتفاعلهم معها لان فعل التنمية يستهدف الحفاظ على الهوية، وتحقيق
التقدم بالتوافق مع النسيج الحضاري للامة.
مما تقدم من تحليل وقراة لبعض
الاشكاليات التي ظن الكثيرون انها يمكن ان تشكل مانعا من التطور
الاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي باتجاه المدنية والعصرنة يمكن
ان نخلص إلى اننا نتطلع بشوق إلى ممارسة دور حضاري رائد بين امم
وحضارات العالم كلها. ولا سبيل امامنا نحو ذلك الهدف الكبير سوى
البدء الفوري بتربية انساننا المسلم على قيم انسانية عملية جديدة
تنطلق من الوعي الفعال بالتراث الإسلامي، والاستفادة من ايجابيات
العصر الراهن، من خبرات وتجارب الشعوب الآخرى.. والا فإن الفشل
ينتظرنا، تماما كما حدث لنا من فشل لكل السياسات التي اتبعت لتطوير
الواقع منذ عهود الاستقلال وحتى الان. ولم يكن الدين ابدا في جوهر
فكرته الانسانية الراقية هو المسؤول عن سقوط وفشل تلك المشاريع
التحديثية برمتها، كما تزعم بعض التيارات القائمة.
وانما الفشل موزع بين هؤلا
جميعا، وبخاصة السياسة والقيادة (الدينية ام العلمانية، لا فرق)
التي اخذت على عاتقها مهام التنظيم والتوزيع والاستثمار والادارة
في المجتمع، بما في ذلك ادارة المرافق والراسمال الروحي.. ان
السياسات الراهنة هي نفسها المسؤولة عن تطور الأوضاع الدينية،
والسياسية الدينية إلى ما هي عليه اليوم، بما في ذلك اعاقة حركة
التجديد الديني، وحرمان الدين من امكانيات التطور العقلاني
والروحي.
ولذلك فإننا نتصور ان تحميل
الدين في جوهر فكرته الانسانية مسؤولية الفشل والخراب المادي
والمعنوي الهائل الذي تعانيه مجتمعاتنا، هو امر خطير للغاية لانه
يحجب النظر عن حقائق الامور، ويغطي على اصحاب المسؤوليات
الحقيقية، ويضعف لدى هؤلا (ولدى غيرهم من النخب) الشعور
بالمسؤولية، كما انه يساعد على زيادة مساحة واقع الفساد والافساد
في بلادنا ومجتمعاتنا.
من هنا ياتي تاكيدنا الدائم
المستمر على ان من اهم العوامل الواقعية في نجاح وضمان استمرارية
صعود المناهج والفعاليات التي تتخذ لتنظيم الحياة الاجتماعية، وبنا
مجتمع عصري متقدم حديث، هو احترام وتقدير الناس لها، وايمانهم
بحقها في التجسد، والتنفيذ، والتطبيق، والاجرا. وهذا المعطى
الحضاري النفسي الرائع لن يتحقق الا بتوفير ظروف نجاحه
واستمراريته، التي لن تتاتى الا بازالة التناقض بين الاطار المفروض
للتنمية والتنظيم، وبين فكر الانسان المشارك أو غير المشارك في
التنمية، حيث نجد ان الفرد المسلم لا يزال يعتز ويفخر بالانتما
النهائي لعقيدته الدينية، ويعتبرها محورا اساسيا لحركته الفردية
والاجتماعية. بل، انه يجد فيها سندا قويا وكبيرا، وعاملا مساعدا
على انجاح التنمية الموضوعية في اطاره× لان اساس النظام الإسلامي
احكام الشريعة الإسلامية، وهي احكام يؤمن المسلمون عامة بقدسيتها
وحرمتها، ووجوب اتباعها وتنفيذها وتطبيقها بحسب عقيدتهم الإسلامية،
وايمانهم بأن الإسلام دين نزل من السما على النبي محمد ؟، وهو
عقيدة الهية ونظام اجتماعي وفكري وسياسي تنبثق عنه اطارات وآليات
التنمية الحقيقية الشاملة القادرة على خدمة الانسان، وتلبية
متطلباته المتجددة، وبنا مجتمع مدني حضاري متطور.
الهوامش والمصادر:
......................
1-
يعتبر بعض المثقفين والنخب الفكرية والسياسية أن الاديان عموما
والطوائف والعشائر والقبائل تقف على تضاد (وطرفي نقيض) مع صيغة
الدولة باعتبارها مؤسسة حديثة. وتبعا لذلك، فإن هذه الانتماءات ما
قبل الوطنية والقومية (والتي ترتد بحسب زعمهم إلى منطقة القاع
الحضاري الماضوي الجامد للامة) تشكل بمجملها حواجز ومعيقات عملية
تحول دون الانتقال إلى المجتمع المدني.
2-
طرح هذا المفهوم (العلمانية) نسبة إلى العلم: العالم (الدنيوي أو
المذهبي الدنيوي) في سياق المواجهة التي دارت بين الكنيسة
ورجالاتها من جهة وبين القوى الزمنية والعلمية الممثلة بالامراء
والملوك من جهة أخرى.
3-
لاحظ قوله تعالى: ؟لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب
والميزان ليقوم الناس بالقسط؟ (الحديد:22) الذي يعني أن مسألة
الدين تساوي وتوازن مساءلة العدل. أي أن الرسالات السماوية كلها
تختصر حركتها بهدف واحد هو العدل.
4-
تخلو المسيحية من المبادئ والشرائع الخاصة بتنظيم الاجتماع البشري
على صعيد السياسة والحقوق والمعاملات. فمملكة المسيح ليست في هذا
العالم، وهي في الاساس فصلت بين اللّه وبين القيصر.
5-
خالد توفيق، موقف التيار العلماني من الدولة الإسلامية .. مجلة
التوحيد الايرانية، العدد 93، ص 30، 1998م.
6-
يرفض الإسلام رفضا قاطعا مفهوم العلمانية الملحدة، ويتنافى قطعا مع
موجباتها ومنطلقاتها وركائزها الفكرية. وهذا عائد إلى طبيعة
العقيدة الإسلامية بوصفها نظام فكري وعقائدي ديني.
21-
مصطلح فكري يشير إلى العلمانية التي تقول بالتصرف وفق المقتضى
العقلي، وفصل الدين عن الدولة،
لكن
من دون التورط في مواجهة حادة مع الدين من خلال نفيه.
................................
المصدر : مجلة المنهاج ، العدد 42، من الموقع :
http://www.islamicfeqh.com/al-menhaj/ALMEN42/hp_almen42a.htm