نقد
مباني البلورالية الدينية / 2
قراءة في مقولات الدكتور عبد الكريم سرّوش
محمد
الحميداوي(*)
(خاص للمعهد)

عندما يواجه سروش الآيات
القرآنية الكثيرة التي تجعل الوحي ظاهرة خارجة عن شخص النبي نفسه
من قبيل الآيات التالية:
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ
وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)
النساء
(كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ
وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
{ذلك من أنباء الغيب نوحيها
اليك وما كنت لديهم اذ يلقون أقلامهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم
اذ يختصمون}(آل عمران 44)
{تلك من انباء الغيب نوحيها
اليك ما كنت تعلمها انت ولا قومك من قبل هذا فاصبر ان العاقبة
للمتقين }(هود 49)
{ذلك من انباء الغيب نوحيه
اليك وما كنت لديهم اذ اجمعوا امرهم وهم يمكرون } ( يوسف 102)
{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً
أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ
وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ
رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ }
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى
وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (يونس:87)
{نحن نقص عليك أحسن القصص بما
أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين}. [يوسف: 3]
{وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ
أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}
{وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}
{لا تحرك به لسانك لتعجل به .
إن علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا
بيانه}.
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
,,مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ,,وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الْهَوَى ,,إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ,,عَلَّمَهُ شَدِيدُ
الْقُوَى ,,ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ,,وَهُوَ بِالْأُفُقِ
الْأَعْلَى ,,ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ,,فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ
أَوْ أَدْنَى ,,فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ,,مَا كَذَبَ
الْفُؤَادُ مَا رَأَى ,,أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى
,,وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ,,عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى
,,عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ,,إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا
يَغْشَى ,,مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ,,لَقَدْ رَأَى مِنْ
آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}.
قارن هذه الآيات الشريفة التي
ترد تكذيب المشركين رؤية رسول الله ص جبرائيل وبين قوله سروش في
ص17(...في هذه التجربة يرى
النبي وكأن شخصا يحضر عنده ويحدثه في أذنه وقلبه بمضمون الرسالة
السماوية ويكلفه بابلاغ التعاليم والاوامر الالهية للناس),
وهكذا في ص199(...ولااشكال ان
النبي عندما يتحدث عن شيء فانه يتحدث عنه احيانا كأنه يسمعه من شخص
معين او يرى شخصا يتحدث معه ونحن نطلق على هذه الظاهرة الوحي
بالمعنى الاخص)!!!.
وأخيراً نذكر هذه الآيات:
{أم يقولون افتراه قل فأتوا
بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم
صادقين} (2).
ويقول: { قل لئن اجتمعت الانس
والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم
لبعض ظهيراً } (3) .
ويقول: { وان كنتم في ريب مما
نزلنا على عبدنا فأتوا }
بسورة من مثله وادعوا شهداءكم
من دون الله ان كنتم صادقين }
{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان
من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً }
وواضح ان قوله تعالى:{قل لئن
اجتمعت الانس والجن على أن ياتوا بمثل هذا القران لايأتون بمثله
ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} بيّن في ان عموم هذه الآية الشريفة على
مستوى التحدي والنفي شامل للنبي (ص) نفسه اي حتى انه (ص) لايتمكن
من الاتيان بهذا القرآن الكريم ومن الواضح ان هذا لاينسجم مع كون
الوحي من نتاجات النبي ص وعندياته.
اقول عندما يواجه بهذه الآيات
نراه يحاول التعويل على كون البحث في حقيقية الوحي يقع خارج دائرة
الدين وبالتالي لاينبغي ان يحشر الدين في هذه المسألة ومن هنا يقول
في ص195(النقطة الاخرى عندما نتحدث ونبحث في ظاهرة الوحي ففي
الواقع ان بحثنا ينطلق من خارج دائرة الوحي وينظر من الخارج الى
حادثة وظاهرة باسم الوحي الذي تمظهر في المجتمع العربي وألقي في
روع النبي وضميره فلو اردنا اثبات او نقض هذا الادعاء من خلال
القرائن والشواهد فلابد من ان تكون هذه القرائن والشواهد من خارج
دائرة الوحي لان الرجوع في مقام اثبات الادعاء الى النصوص والى
داخل دائرة الوحي نفيا واثباتا لايعتبر عملا سليما وصحيحا من
الناحية المتدولوجية اي لايمكن القول بان الآية القرآنية الفلانية
تقرر بطلان او اثبات هذه النظرية فجميع الآيات تقع ضمن دائرة هذه
النظرية التي طرحناها من خارج الدائرة بشرط ان تكون هذه النظرية
صحيحة في منطق العقل والعلم...).
ونحن نشارك الدكتور في كون
البحث يجب ان يقع خارج دائرة الدين لكن السؤال المطروح اي بحث هذا
الذي يجب ان يقع خارج دائرة الدين؟؟
فهل المعني به اثبات اصل الوحي
الذي القي في روع النبي وضميره ام اثبات حقيقة الوحي وطبيعته؟؟
لا اشكال في كون البحث عن اصل
الوحي وتحققه مما يقع خارج دائرة الدين اذ التعويل على نفس الدين
في اثبات اصل الوحي دور صريح الا ان الكلام في كون طبيعة الوحي
وحقيقته وعلى أي نحو يكون هل هو من الامور التي يمكن للعقل ان يبت
فيها على نحو الجزم واليقين او لا؟؟
معلوم اننا لكي نجعل الحكم
العقلي ضابطة نستهدي بها في استنطاق النصوص الدينية وترجيح حكمه
حتى على ظواهر النصوص التي يشم منها رائحة المخالفة له لابد ان
يكون هذا الحكم قطعيا يستقل به العقل الذي يفترض به ان يكون هو
مرجع حجية الحجج وهذا ما ندعي عدم توافره في طول وعرض كلام السيد
سروش لا لشيء الا أننا نشكك في كون العقل يستقل في ادراك طبيعة
الوحي وحقيقته بدون معونة من النقل الديني وبالتالي ستكون رؤية
سروش حول الوحي اطروحة حدسية مبنية على الاستحسان اكثر منها رؤية
عقلية منشؤها العقل القطعي.
ولا يفوتنا أن نذّكر هنا أن
سروش من المؤمنيين بحقانية الاديان وحينئذ فعليه ان يجد تفسيرا
معقولا لتناقض الكم الهائل من الآيات القرآنية التي ذكرنا قسما
منها مع نظريته -وهي ليست كذلك- حول الوحي ونزعم انها مناقضة لا
يمكن معها ايجاد نتيجة تجمع بين الرأيين، وانا هنا اتحدث عن الرأي
السروشي والرأي الديني.
ولا بدّ من إلقاء نظرة نقدية
حول قرائن سروش الاربع فنقول:
في صدد القرينة الاولى يكفينا
الدكتور سروش نفسه تجشم عناء رد الفقرة المرتبطة بانفصال الله
تعالى عن خلقه اذ يقول في ص214(... وانا بدوري لاارى هذه الفاصلة
بين الله وخلقه في اطار الرؤية الكونية للعالم ولاينبغي ان اقول
بها... وكما قلت ان ماوراء الطبيعة محيط بما في الطبيعة وهذه
الاحاطة هي احاطة شاملة وكاملة وليس هناك مكان يختلف عن مكان آخر
بالنسبة الى الذات المقدسة او عالم الغيب...). وكما لايرى سروش هذه
الفاصلة كذلك لايراها احد له المام بلغة القرآن الكريم الذي يقول:
(يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي
الأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
وَ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَ
اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ
يَعْلَمُ مَا فِي السَّموَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ
مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَ لاَ خَمْسَة
إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَ لاَ أَدْني مِنْ ذَلِكَ وَ لاَ
أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ
يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ
بِكُلِّ شَىْء عَلِيمٌ)
(وَ للهِ الْمَشْرِقُ وَ
الْمَغْرِبُ فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ
اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
ولانعرف ماهو التلازم المنطقي
بين كون كلام الله تعالى بلسان قوم النبي وانطباعه بلون المحيط
الاجتماعي والبشري وبين كون الوحي تابعا لنفس النبي على نحو يكون
هو المنشئ والمؤسس له؟؟
وبكلمة اخرى: اننا لانجد
منافاة بين تناسب الوحي مع الخصائص الاجتماعية والبشرية وبين كونه
إلاهيا ان لم يكن ذلك عين الحكمة.
ان ماذكره الدكتور سروش هنا
يوحي بأن الكلام لا يكون كلاما إلاهيا الا اذا تجرد عن لون المحيط
الاجتماعي والبشري وكان كلاما بدون هيئة وشكل وصورة مع ان كلمة
المسلمين متفقة على ان معنى كلامه تعالى أصوات و حروف ليست قائمة
بذاته تعالى بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرائيل أو
النبي, ومن الحكمة بمكان ان يكون ذلك الكلام جاريا على وفق عرف لغة
المبعوث اليهم مشتملا على خصائصها والا لتعذر الافهام والتفهيم
ولرأينا الانبياء بدلا من تعليم الناس معالم دينهم عبر لغة جاهزة
سلفا يتجهون الى بيان اللغة الالهية الجديدة بحدودها وتفاصيلها وهو
امر جد عسير فضلا عن بعض الرسالات النبوية جعلت نفس لغة المجتمع
دليل صدقها وربانيتها كما في رسالة الخاتم (ص) وعندما يكون التحدي
بحروف واصوات عايشوها في حياتهم العادية وفطروا على ايصال مكنون
ضمائرهم ورغباتهم بها فسيكون امرا ابلغ في التحدي واكثر دلالة على
الصدق .
يعتبر سروش التفاصيل الجزئية
التي حدثت في مسيرة الاسلام وهكذا تناغم معطيات الوحي مع ما كان
يدور في حياة النبي الخاصة والعامة قرينة ثانية وثالثة على كون
الوحي الالهي من عنديات النبي (ص) وكأن الدكتور يفرق بين الوحي
الالهي والوحي النبوي بخضوع الثاني لمتطلبات الزمان والمكان وما
احتويا من احداث بينما لا بد للاول من أن يستطيل على الزمان
والمكان وان يكون بشكل الوصفة الجاهزة المعدة سلفا والتي تلقى في
ذهن النبي (ص) مباشرا بلاحاجة الى التدرج وانتظار المتغيرات
الزمانية والمكانية.
لم يبين سروش ماهو المحذور
الموضوعي في مراعاة الوحي الالهي لخصوصية الزمان والمكان واخذه
المتغيرات الاجتماعية بعين الاعتبار الامر الذي جعل معه هذه
المذكورات دليلا على عدم ربانية الوحي كما لا نعرف بالضبط من اين
علم الدكتور ان الوحي الالهي لم يكن صيغة جاهزة ومعدة سلفاً غاية
الامر انه كان ينتظر حلول الواقعة نفسها ليرى حكمه النور سواء قلنا
ان هذه الصيغة الجاهزة كانت على مستوى العلم الالهي ام حاضرة في
وجدان النبي وقلبه على أي صورة من الصور؟؟؟
الآن علينا ان نتصور كيف
سيكون الحال عندما يتجاوز النبي الاطر الاجتماعية والاحداث
الزمانية والمكانية واي انقلاب اجتماعي الى حد الفوضى سيصاب به
المجتمع الفتي عندما يذكر ومن اول الامر أن أبا لهب في جهنم وان
عائشة بريئة من الإفك الذي سترمى به وانكم ستطرحون اسئلة في
المستقبل هذا جوابها حتى قبل اوان طرحها وان الاحداث السياسية
والاجتماعية والعسكرية التي ستواجهنا مستقبلا هذه وصفة جاهزة
باحكامها!!
ان هذا امر لا ينسجم مع طبيعة
الاصلاح والتغيير الاجتماعي والمعرفي باي حال من الاحوال.
ان النبي الاكرم وصل الى غاية
الكشف والشهود ذلك الكشف الذي مكنه من الاقتراب من عوالم المعنى
وسماع نداء الغيب كما يقول سروش نفسه في عباراته التالية:
ص24(ومع ذلك فإن نبي الاسلام
هو خاتم الانبياء اي انه نال الكشف التام بحيث لا يتسنى لشخص آخر
نيل مثل هذا الكشف او الحصول على ذلك التكليف الالهي).
ص25(فاذا قلنا ان النبوة تعني
الاقتراب من عوالم المعنى وسماع نداء الغيب وبذلك تحصل للنبي تجربة
بهذا المعنى ....الخ).
ومن هنا فاذا كان النبي (ص) قد
نال هذه المرتبة الربانية العظيمة بحيث صار قريبا من عالم المعنى
وثيق الاتصال بالغيب فهذا يعني انه يعلم من اول الامر بجميع تفاصيل
مضامين القرآن الكريم الفكرية والاجتماعية والسياسية وحتى الشخصية
بناء على تصور سروش لمعنى الوحي والنبوة وعليه فلماذا لم يأت بصيغة
وحيانية جاهزة من اول الامر؟؟ ولماذا انتظر المتغيرات الاجتماعية
والتقلبات الزمانية والمكانية في ابلاغ الوحي؟؟
بكلمة اخرى: ان نفس الاشكال
الذي اورده سروش على من يقول بالوحي الالهي يرد عليه بناء على
تصوره لمعنى الوحي والنبوة واستنادهما الى شخص النبي نفسه لأنه
وبناء على التصور يكون النبي قادرا على استشراف المستقبل بكل
تفاصيله بعد كونه قريبا من عالم المعنى لصيقا بالغيب لاسيما وهو
امر يؤيده تضمن قرآنه الشريف نبؤات غيبية لا توجيه لها عند سروش
الا معلوليتها لنفسه الشريفة وانفتاحه على مجاهل الغيب بلاحاجة الى
وحي الهي.
في القرينة الرابعة يجعل السيد
سروش ورود مفردات غير عربية في القرآن الكريم شاهدا على ما ادعاه
من كون الوحي تابعا لشخصية النبي (ص) وفي تصوري ان هذه القرينة مثل
سابقتها تركز على نفس البناء السالف إذ جعل الدكتور نقطة امتياز
الوحيين الالهي والنبوي في كون الوحي الالهي لابد ان يكون ذا وصفة
جاهزة معدة سلفا ومفردات غريبة تماما عن الواقع الاجتماعي والثقافي
للقبائل العربية وهو امر لم يأت الدكتور عليه بدليل يثبت وجه
التنافي والتلازم بين غرابة المفردة وربانيتها وبين تناسبها مع
واقع الناس الثقافي والاجتماعي وابائها عن ان تكون وحيا الاهيا.
يبقى الكلام في نقطتين:
الاولى: ما ذكره من ان النبي
(ص) هو مشرع الاحكام الفقهية.
الثانية: ان تلك التشريعات
لاينبغي لها الا ان تنسجم مع العدل في اجواء ذلك الزمان لامطلقا.
ازعم ان مآل كلا النقطتين هو
القول بكون التشريعات الاسلامية تشريعات مرحلية ترتبط بزمن نزولها
وتقنينها ولا تمتد الى ابعد من ذلك وعليه يجب رفع اليد عن كثير من
تلك الاحكام بعد كونها غير عادلة بنحو مطلق وتابعيتها لشخص النبي
ومعلوم ان النبي في تشريعاته يجب ان يراعي الخصوصيات الثقافية
والفكرية والاجتماعية لمن شرع لهم وهذه كلها محددات تجعل من حكمه
خاصا بمجتمعه وبمن يحمل خصائص مشابهة لطبيعة مجتمع النص.
لا اشكال لدى المحققين من
العلماء ان النبي (ص) كان يمتلك نوع ولاية تشريعية تخوله تقنين
جملة من الاحكام الفقهية لاسيما تلك المرتبطة بالتدبيرات السياسية
والاجتماعية بيد ان الكلام يقع في سعة هذه الولاية وضيقها, الاعلام
يرون انها لا تشمل الا مجالات محددة وضيقة ولا تمتد بامتداد الفقه
بينما يرى سروش انها من السعة بحيث تشمل كل دائرة فقهية وهذا واضح
بعد تبنيه نظرية تبعية الوحي للنبي (ص) رغم ان هذه النظرية ،وهي
كون النبي مشرعا من قبلها، ليست من ابتكارات الرجل ولا من ابداعاته
وقد سبقه اليهما اقدمون ومحدثون, وهما نظريتان لا تمتلكان قيمة
برهانية ازيد من قرائن سروش الاربع التي اراد من خلالها اثبات
تابعية الوحي للنبي, فاذا كان الوحي تابعا لشخص النبي وهو مبتكره
ومبدعه بحسب الفرض فمن طريق اولى تثبت تابعية الاحكام الفقهية له
(ص) وقد تقدم م افي هذا الكلام فلا نعيد.
اما النقطة الثانية ففيها: انه
من المنطقي ان يراعي المشرع في تشريعه الظروف الزمانية والمكانية
ويأخذ المتغيرات الاجتماعية بنظر الاعتبار وبالتالي ينظر الى
التشريع مقيدا بتلك القيود لا معلقا في الهواء وعلى هذا يمكن فهم
ظاهرة النسخ الكاشفة عن كون الحكم مقيدا بقيود مصلحية خاصة ينتفي
بانتفائها وهذا يعني في ما يعنيه ان الحكم المنسوخ لا يمثل افضل
محتملات المسألة لوجرد موضوعها من القيود والمحددات نعم هو يمثل
افضل الاحكام في ظل هذه القيود وتلك المحددات.
ظاهر كلام سروش ان قضية انسجام
التشريعات الفقهية مع اجواء زمن التشريع قضية عامة ولا تختص بحكم
فقهي دون آخر الا اذا ثبت بالدليل عدم ذلك وهذا يعني فيما يعنيه
رفع اليد عن الفقه رأسا الا ما خرج بدليل ولا نعرف كيف خرج الدكتور
بهذه النتيجة وماهي ادلته في هذا الصدد؟ ولماذا خصص حكمه بغير ما
خرج بالدليل مع ان الملاك واحد في الجميع؟؟ ولماذا صار الحكم
الفقهي فقط موافقا لأجواء عدالة ذلك الزمان ولم لا يشمل الامر جميع
التشريعات الدينية في ابعادها المختلفة؟؟ وكيف يوجه سروش الادلة
الدينية التي تنص على خلود القسم الاعظم من الاحكام الفقهية على
قاعدة حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم
القيامة؟؟ ولماذا سكت الشارع عن بيان هذه المسألة المهمة التي نزعم
انها ستغير وجه الفكر الديني على تقدير تمامها؟؟ وكيف يتصرف الناس
من الناحية العملية بعد رفع اليد عن الاحكام الفقهية؟؟ وهل يعني
هذا هدم الشريعة في بعدها الفقهي وترك امر الاحكام الشرعية الى
الناس يشرعون ما يحلو لهم ويتناسب مع مستوى ادراكهم وثقافتهم
ومصالحهم؟؟
لا استبعد هذا بعد ان نعرف ان
سروش يرى الفقه علما بشريا وغالب الاحكام الفقهية والتشريعات
الدينية كانت معروفة بقضها وقضيضها للقبائل العربية و ماجاء به
الاسلام على مستوى التجديد لا يعدل واحد بالمائة!!.
يرتب سروش على كون النبوة
تجربة روحية كشفية جملة من الاثار ذكرناها في طيات كلامنا المتقدم
ولابأس من اعادة ترتيبها :
الاول: ان الدين تابع للنبي و
ما هو الاتجربتة الاجتماعية والروحية( فكل ماجاء به النبي فهو حسن
وجميل وبما ان كلامه لا يصدر عن الهوى فهو عين الهداية ولذلك فان
الدين هو التجربة الروحية والاجتماعية للنبي ومن هنا يكون الدين
تابعا للنبي...)ص36
الثاني: ان الوحي تابع للنبي
وليس النبي تابع للوحي
(.....وبعبارة اخرى ان النبي
بما يملكه من شخصية نقية وطاهرة ومؤيدة من عالم الغيب فإن كلامه
يصدر عن عين صافية ومنهل زلال وبما ان تلك العين طاهرة ونقية فان
كلماته واحاديثه تكون طاهرة ونقية ايضا وفي ضوء هذا يتضح معنى
الكلام الذي قلته من ان الوحي تابع للنبي)ص199
الثالث: تابعية الاحكام
الفقهية للنبي (ص) فهو مشرعها ومؤسسها( ان النبي هو المشرع للاحكام
الفقهية وان النبي نفسه هو المقنن لهذه المسائل وبالطبع فإن الله
تعالى هو امضى القوانين التي شرعها النبي, الهاجس الاساس للنبي في
امر التقنين هو ان هذه الاحكام والقوانين لابد ان تكون عادلة في
اجواء زمانه وتبتعد عن الظلم في عرف ذلك الوقت لاانها تمثل العدالة
المطلقة وفوق التاريخية...)ص201
وإذا كان الوحي بالصفة التي
يذكرها في ص199(... وفي ضوء هذا يتضح معنى الكلام الذي قلته من ان
الوحي تابع للنبي اي متناسب مع شخصية النبي ومتناسب مع كلمات النبي
ومتناسب مع محيط النبي ومتناسب مع الحوادث الواقعة في زمن النبي
ومتناسب مع مزاج وعقلانية قومه.....) فمن باب اولى ان تكون الاحكام
الفقهية وهي جزء من الوحي النبوي الذاتي تحمل الصفة المذكورة لذا
فلا عجب من قوله في ص202(...ومن هنا نفهم حال الاحكام الفقهية ايضا
بانها مؤقتة وترتبط بالمجتمع العربي في صدر الاسلام والمجتمعات
المماثلة له الا ان يثبت بالدليل خلاف ذلك, فنحن يجب ان نثبت
بالدليل القاطع ان هذه الاحكام وضعت للابد وفوق مقتضيات الزمان
والمكان وغير مشروطة بشروط خاصة...).
غير ان سروش لم يبين لنا لماذا
يجب ان تكون الاحكام الفقهية عادلة في خصوص اجواء ذلك الزمان وليست
ذات عدالة مطلقة وفوق التأريخية بعد كون النبي (ص) يصدر في كلامه
وتقنينه من عين صافية لاسيما وان الله تعالى وهو العدل المطلق قد
امضى تلك الاحكام كما يفترض سروش نفسه في كلامه المتقدم؟؟ وهل هذا
الانسجام مع اجواء زمن النص راجع لخصوصية محيط النبي ومتناسب مع
عقلانية قومه ام ان الامر يرجع الى النبي نفسه وشخصيته؟؟
وعلى تقدير الاول لماذا صار
الامر خاصا بالتقنين الفقهي ولماذا لا يطال التشريعات الاخرى
بابعادها العقدية والاخلاقية والتربوية وحتى العبادية مادام الملاك
موجودا اعني خصوصية المحيط والثقافة والعقلية؟؟
الرابع: نفي ختم النبوة وهذا
مايذكره في ص205(... وهنا يثار هذا السؤال: هل يستطيع كل شخص ان
يكون رسولا؟ في الواقع ينبغي الاذعان الى هذه الحقيقة وهي ان كل
شخص بامكانه ان يكون نبيا لنفسه ويعيش حالات خاصة من خلال مايجده
من مكاشفات وذوقيات).
وفي نفس الصفحة يعطي قاعدة
عامة فيقول:( وكل انسان يرتبط فيما بينه وبين الله تعالى برابطة
معنوية خاصة يجب عليه ان يتحرك وفق مسؤوليته فلو احس شخص انه لا
يستطيع بعد الآن التحرك وفق تعاليم شريعة نبي الاسلام وشعر في نفسه
ان له وظيفة اخرى فيجب عليه ان يجيب ربه من موقع الحجة...).
وليت الامر بقي في حدود
الامكان كي يقال هو اعم من الحدوث وان قضية النبوة من القضايا
الممكنة بل وصل الامر الى القول في ص67(ان ديوان المثنوي كتاب ملهم
بلا ادنى شك حيث يستشم من بعضه رائحة الوحي والكشف الالهي...) طبعا
هذا كله اذا لم نجد له تأويلا معقولا من قبيل وحي ام موسى ومريم
عليها السلام والا فالمشكلة عسيرة لاسيما بالالتفات الى فقرات من
كلامه حول النبي وتكليف اتباعه فهو يقول في ص38(...فلو ان النبي
استمر في حياته وكان له من العمر اكثر مما كان وواجه من الحوادث
والتحديات اكثر مما وقع فمن الطبيعي ان تزداد ممارساته ومواجهاته
للحوادث وهذا يعني ان القرآن كان بامكانه ان يكون اكثر في حجمه من
هذا القرآن الموجود) لذا يدعو انصاره واتباعه في ص50 قائلا(ينبغي
لنا في هذا العصر عرض الدين كتجربة متحركة في حال تحول وتفاعل
وتوالد مستمر....بل نتحرك باختيار تام ومن خلال ماتفرزه التجربة
الكشفية لا فقط على مستوى الفقه بل على مستوى جميع المعارف
والتجارب الدينية...) , فاذا اضفت الى هذا كلامه السالف :( فلو احس
شخص انه لا يستطيع بعد الان التحرك وفق تعاليم شريعة نبي الاسلام
وشعر في نفسه ان له وظيفة اخرى فيجب عليه ان يجيب ربه من موقع
الحجة...) فازعم ان النتيجة ستكون سافرة في كون الرجل لا يقول بختم
النبوة لاسيما مع تأكيده على ان المشكلة ليست في ختم النبوة واغلاق
باب الوحي بقدر ماهي مشكلة (... المجتمع الديني الاسلامي-الذي-
سيتصدى لمثل هولاء الافراد فيما لو اعلنوا نبوتهم من موقع القساوة
والشدة والخصومة في الحقيقة ان النبي عندما قال((لا نبي بعدي))
فانه امر اتباعه بايصاد وغلق هذا الباب وان لا يعتنوا بمن يدعي هذا
الادعاء...)ص205
وغريب ان تكون هذه النتيجة مع
انه نفسه يقول في ص24(ومع ذلك فان نبي الاسلام هو خاتم الانبياء اي
انه نال الكشف التام بحيث لا يتسنى لشخص آخر نيل مثل هذا الكشف او
الحصول على ذلك التكليف الالهي).
وهكذا الامر في ص19(اجل فإن
النبوة تتضمن في معناها وذاتها عنصر المأمورية والتكليف وهذا هو
الشيء الذي نفتقده في تجارب العرفاء والمتصوفة وهذه المأمورية
السماوية انتهت بالخاتمية ولكن اصل التجربة والمكاشفة باق في حركة
الشعور الداخلي لأفراد البشر على امتداد التاريخ).
اجزم اننا لو تنزلنا عن اعتبار
الرجل من المعتقدين بعدم ختم النبوة فان اقل ماسنخرج به ان موقفه
منها متهافتا متناقضا.
سروش والديمقراطية الدينية
يرى عبدالكريم سروش ان
الديمقراطية سواء كانت على مستوى نفس الفكرة بما هي فكرة او على
مستوى الجمع بينها وبين الدين من الامور التي تقع خارج اطار الدين
لذا من الخلط المنهجي ان نقوم ببحث هاتين المسألتين من داخل الدين
وبالتالي الحكم عليهما سلبا او ايجابا
لذا يقول في كتابه الدين
العلماني المقالة 6 ص198. (ان الجمع بين الدين والديمقراطية هو
تدبير يقع خارج دائرة الدين ولا اقل من كونه بحثا معرفيا
ابستمولوجيا للعلاقة بين الدين والديمقراطية ولذلك لامعنى للتحرك
على مستوى انكار او تأييد الدين الديمقراطي من خلال الاستدلال
بالاحكام والاجتهادات الفقهية من داخل دائرة الدين).
بل نراه يتعامل مع المفاهيم
الديمقراطية تعامل المسلمات العقلية التي يجب ان تشكل ضابطة
ومعيارا يوزن بها الدين لفهم واقعه واستجلاء حقيقته وجوهره لذا
يقول في نفس الصفحة:
(ان الديمقراطية سواء قلنا
انها منهج موفق لتحديد السلطة ونيل العدالة وتأمين حقوق الانسان او
كانت مبدأ يتضمن هذه القيم ففي الصورتين ينبغي ان يتطابق الفهم
الديني مع هذه القيم لا ان نتحرك من موقع تطبيق هذه القيم على
فهمنا الديني لان العدل ليس بالضرورة ان يكون دينيا بل ينبغي للدين
ان يكون عادلا وهكذا بالنسبة الى المنهج فانه لايستخرج من ذات
الدين بل ان الدين يستفيد من عملية تفعيل عنصر العقيدة وترشيد
المسار الديني للفرد والمجتمع وعلى اية حال فالبحث في الديمقراطية
وعلاقتها مع الدين لابد ان يقع خارج دائرة الدين من وحي ان
المعطيات العامة لهذا البحث بمثابة المقدمة لفهم الواقع والحقيقة
في جوهر الدين وكذلك البحث في حقوق الانسان او البحث في مسألة
الجبر والاختيار فهي من الابحاث الكلامية والفلسفية التي تتجاوز
دائرة الدين والنصوص الدينية وتؤثر في كيفية قراءتنا للدين
والمعارف الدينية).
وفي صدد التعليق على هذا
الكلام نقول: كون الجمع بين الدين والديمقراطية يقع خارج الدين
امرا يكتنفه الغموض والابهام اذ ما المقصود بالخارج عن الدين
تحديدا ؟؟ بكلمة اخرى ان الجمع بين الدين والديمقراطية لابد ان
يكون متأخرا عن مرحلة حقانية الدين والديمقراطية وقطعية مفرداتهما
ومن هنا نسأل عن الفضاء الذي ثبت فيه صحة مقولة الديمقراطية وهو
قطعا غير الدين بحسب الفرض فماهو يا ترى؟؟؟
فهل يقصد يا ترى ان المسألة
من المسائل العقلية التي يستقل العقل بادراكها بلا ادنى حاجة للدين
وبالتالي فهي متقدمة من حيث قيمتها المعرفية عن بحثها دينيا بعد
كون الشرع لايعدو ان يكون مؤيدا للاحكام العقلية التي يستقل العقل
بادراكها؟؟.
او ان المقصود هو الاستناد الى
سيرة العقلاء وارتكازهم وسلوكهم ولو بلحاظ النتائج المهمة التي
تحققت على الواقع العملي حينما سارت الانسانية في طريق الديمقراطية
ومفرداتها وماحققت في هذا الطريق من نتائج باهرة على المستويات
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها؟؟
وسواء كان الاحتمال الاول هو
المقصود ام الثاني فإن الامر لا يخلو من تحفظ بل تحفظات على كلا
الاحتمالين لوضوح انه لو قصد أن تلك القيم هي نتاج العقل القطعي
فإن هذا سيكون محض ادعاء يحتاج الى اثبات ولا اقل ان العقل لايستقل
في تحديد طبيعة الحكم السياسي وشكله وانه باية صورة يجب ان يكون
فضلا عن ان اكثر القيم المذكورة والتي تتحدث عن العدل وحقوق
الانسان وسواها يمكن للعقل ان يدركها على مستوى المفاهيم بيد انه
لا يمكن ان يحدد يقينا اكثر مصاديقها وتطبيقاتها الحياتية ومن هنا
وجدنا اختلافا كبيرا بين العقلاء وبين المجتمعات في اكثر القضايا
المطروحة ولم تصل الانسانية فيها الى الآن رغم طول المدة الى حكم
جازم غير قابل للتغيير ولا خاضع لتأثيرات القبض والبسط ما يدلل
بالتالي على ان هذه القضايا ليست من مفردات العقل القطعي لا اقل من
وجهة نظر تطبيقية.
اما اذا اريد الاستناد الى
سيرة العقلاء وسلوكهم فإن هذا بحد ذاته ليس دليلا يمكن الركون اليه
ولا بد لاتمامه من ارجاعه الى دليل معتبر سواء أكان دليلا عقليا
يقع خارج الدين ام دليلا نقليا يقع داخل دائرة الدين والامر متعذر
في الفرضين فانك قد عرفت مافي الدليل العقلي قبل قليل ويبقى طلب
التأييد من داخل الدين امرا غير متصور بعد كون اصل ادعاء الدكتور
ان مقولة الديمقراطية سواء كانت على المستوى المنهج او المبدأ تقع
خارج مساحة الدين وهو يوحي بأنها لا تستند في اثبات صدقيتها الى
الدين اصلا فكيف نعود الآن ونطلب اثباتها من داخل الدين؟؟؟
وغني عن الكلام ان سيرة
العقلاء وارتكازهم وعادتهم الجارية تحتاج الى اثبات موافقة
الشريعة الاسلامية لها حتى تحظى بالمشروعية وهو امر لايمكن ان يدعي
اي باحث تحققه.
ويبقى الاستفهام الابرز وهو
اننا لو اذعنا بقطعية مقولة الديمقراطية ومفرداتها وقلنا بضرورة
توافق الفهم الديني معها فكيف نفسر غيابها بالكامل عن الموروث
الديني بشقيه النقلي والعملي ولو على مستوى التأييد؟؟
ان الناظر في القيم التي تحكم
الواقع السياسي الذي يروج له صاحب المقالة سيجدها قيما غريبة عن
بيئة النص الديني ان لم تكن عن الواقع الانساني التأريخي برمته
خصوصا وهي حديثة الولادة في اكثر مفرداتها ونحن اذا دققنا تأريخ
الامم لاسيما الحاضنة للاديان فسنرى شيوع قيم ومفاهيم الى حد
الرسوخ والاستحكام هي بالضد تماما مما يدعيه الدكتور ويدعو اليه
ومن هنا لماذا سكت الدين ولم ينطق ببنت شفة لادانة هذه المفاهيم
الخاطئة وترك الانسانية في التيه والضلال طيلة اجيال متلاحقة
لاسيما وان تلك المفاهيم ترتبط ارتباطا مباشرا بالعدل ومعلوم قيمة
العدل واهميته لدى الاديان؟؟
لقد ألفنا الدين يتكلم حتى في
البديهيات فضلا عن القضايا النظرية التي يستقل العقل بادراكها
واثباتها , فقد تكلم في التوحيد والنبوة والمعاد والامامة والعدل
والجبر والاختيار وصفات الحق وعشرات من القضايا الكلامية والفلسفية
والتي تقع خارج دائرة الدين فلماذا سكت يا ترى عن الاشارة الى شكل
الادارة بالصورة التي يراها دكتور سروش مع انها اساس المجتمع وحجر
الزاوية فيه؟؟
ولو كان النظام الديمقراطي هو
النظام الذي يقتضي ان يكون الفهم الديني متطابقا معه فلماذا غابت
حملات التوعية للامة من لدن القادة الدينيين لتركيز هذا النظام
وبيان اسسه الشرعية والعقلية.
وحدوده وتفاصيله، وإعطائه
طابعا دينيا مؤيدا، وإعداد المجتمع إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا
النظام مع العلم ان المجتمع الذي احتضن التجربة الدينية لم يمر
بتجربة سياسية مشابهة ولو بالحد الادنى لطبيعة النظام الذي يؤسس له
الدكتور؟؟
نعم قد يوجه الاساس العقلي
الذي يكون منطلقا للحكم بضرورة المفاهيم الديمقراطية بشقيها
المبدئي والمنهجي بتوجيه اخر: وهو اننا لاندعي ان العقل يحكم بهذه
الضرورة ابتداء وبصورة مباشرة حتى تكون مؤاخذاتكم تامة بل ندعي ان
العقل حاكم بذلك بعد اجرائه سلسلة من المقايسات والمقارنات يسلط
فيها الضوء على معايب ومحاسن النظم السياسية والاجتماعية فيتوصل
بعد ذلك الى ان النظام الاصلح هو ذلك النظام المبني على الاسس
الديمقراطية بمحاسنه التي ذكرها الدكتور سروش ومن هنا يحكم
بضرورته اما وفقا للقاعدة العقلية القاضية بارتكاب اقل الضررين او
اختيار النظام الذي يضمن تحقق اقصى درجة ممكنة من العدل وتحجيم
الظلم بافضل درجة ممكنة او غيرها من القواعد العقلية التي يستطيع
الانسان ادراكها بلاحاجة لبيانات الدين.
وهذا التوجيه لا يجيب عن
الاستفهام الذي طرحناه قبل قليل والذي تحدث عن السر المستتر وراء
خلو الموروث الديني-على غير عادته- من اية اشارة ولو صغيرة الى هذا
الحكم العقلي في هذه المسألة التي قد لا تعدلها مسألة اخرى
باللحاظين النظري والتطبيقي, ويكفي شاهدا على ذلك ان نطلع على
الواقع التاريخي للمجتمع الاسلامي واشكاليات التطاحن الفكري
والعملي في مسألة السياسة والحكم.
على ان الديمقراطية الدينية
وادواتها على وفق فهم الدكتور سروش ليست مطلوبة لذاتها بل بماهي
وسيلة وحيدة لضمان حقوق الانسان وتحديد القدرة وتحقيق العدل وغير
ذلك ومعلوم ان هذا الفهم لا يتفق مع عقيدة الامامية واشتراط كون
الامام معصوما ومنصوصا عليه فانه وبناء على هذه العقيدة لايبقى اي
احتمال لمكان الاستبداد او الظلم حتى يقال بفصل السلطات وتحديد
القدرة وضمان تحقق العدل وغير ذلك من دواعي واسباب المناداة
بالنظرية الديمقراطية.
وكيف كان فلو سلمنا بأن نظرية
الديمقراطية الدينية والتي يؤسس لها خارج دائرة الدين هي افضل
اشكال النظم السياسية واكثرها تحقيقا للعدالة الاجتماعية فإن هذا
الحكم يبقى حكما استثنائيا لايمكن للعقل ان يجعل منه ضابطة كلية
صالحة لجميع الظروف والاوضاع بعد عدم ابائه-اي العقل- عن وجود نظام
اخر يكون على وزن هذا النظام-ان لم نقل افضل منه- في تحقيق قيم
العدالة مادام لجأنا الى النظام الديمقراطي باعتباره افضل الموجود
لا باعتباره ضرورة عقلية وحيدة.
والنقطة الجديرة بالتأمل هي
قول الدكتور في المقطع الذي نقلناه عنه: (وعلى اية حال فالبحث في
الديمقراطية وعلاقتها مع الدين لابد ان تقع خارج دائرة الدين من
وحي ان المعطيات العامة لهذا البحث بمثابة المقدمة لفهم الواقع
والحقيقة في جوهر الدين).
والذي نفهمه من هذا الكلام ان
الدكتور يجعل المعطيات العامة والثمرات المترتبة على بحث
الديمقراطية ضوابط حاكمة على مفاهيم الدين وعلى الدين نفسه ألا
يخالفها او يتقاطع معها وكل مايكون كذلك ظاهرا يجب تأويله تأويلا
صحيحا او يجب طرحه تماما كما نفعل مع المفاهيم الدينية التي يوحي
ظاهرها بمخالفة حكم العقل بعد عدم معقولية تهافت العقل والنقل
لوضوح ان النقل ما كان ليثبت لولا العقل.
ومحل التأمل في هذا الكلام انه
يجعل معطيات الديمقراطية على منوال الاحكام القطعية العقلية التي
يجب رفع اليد معها عن الاحكام الدينية التي يشم منها رائحة التعارض
لتلك المعطيات بل هي الاداة التي نستجلي من خلالها واقع الدين
وحقيقته وجوهره الذي ينبغي ان يتفق مع نتاجاتها بينما هي-اي
الديمقراطية- لاتعدو كونها تجربة انسانية خضعت وتخضع للصيرورة
الاجتماعية والفكرية وليست هي نتاج العقل القطعي كما انه ليس من
الضروري ان يكون الفهم الديني متناغما معها بعد عدم قطعية احكامها
ومفرداتها التي من الممكن ان تطالها يد التعديل والحذف والزيادة
وفقا لتكامل الرؤى البشرية بل ان للاستحسان والذوق الانساني تأثيرا
كبيرا في تحديد مفاهيم العدالة وحقوق الانسان والحرية وغيرها، ومن
البين وضوح المجازفة في جعل المفاهيم الدينية تابعة لمعطيات قابلة
للتغيير اولا ومبنية على الاستحسانات الذوقية في اكثر مفرداتها
ثانيا.
ان ظاهر عبارات الدكتور سروش
هو التعاطي مع نتاجات الديمقراطية سواء كانت على مستوى المنهج او
على مستوى المبدأ تعاطيا قطعيا رأينا تأثيره مثلا في جعل مقولة
حقوق الانسان مقيدة لاطلاق الكثير من الاحكام الشرعية ومخصصة
لعموماتها بل ومحددة لظرفية هذه الاحكام الزمانية والمكانية حتى
ولو كانت هذه الاحكام واضحة وضوحا لا لبس فيه في الشمول لافراد
الانسان جميعا على مستوى الزمان والمكان كما في قضية:(للذكر مثل حظ
الانثيين) وهكذا في قضية الارتداد , وقد حاول الدكتور المذكور
اقحام العدل والظلم لاثبات لامعقولية هذه الاحكام التي ظاهرها
الظلم ومعارضة حقوق الانسان كما هو واضح من ايراداته ومناقشاته مع
ان المناقشة ليست في العدل والظلم كمفهومين بل فيهما كمصاديق
وتطبيقات وجميع ايرادات الدكتور كانت على النحو الثاني وهو امر لا
يوافقه عليه الكثيرون ممن لايرون في هذه التشريعات اي نقض للعدل او
تشييد للظلم فضلا عن ان اكثر مفردات حقوق الانسان ليست عقلية حتى
يحتج بها ويجعلها مقدمة لرفع اليد عن كثير من الاحكام الدينية.
وبكلمة اخرى ان الدكتور سروش
حينما يقول في ص199:(...ان بحث الحكومة الدينية ينبغي ان ينطلق من
زاوية التأصيل لمقولة حقوق الانسان والعدالة وتحديد السلطة ....ثم
محاولة تطبيق فهمهم ونظرتهم للدين على هذه المعايير والقيم) حينما
يقول هذا فهو يحتاج في الرتبة السابقة ان يثبت ان مقولاته السالفة
احكام عقلية قطعية وليست ذوقية استحسانية ثم بعد ذلك يمكن النظر في
تأويل المفاهيم الدينية التي ظاهرها خلاف المقولات القطعية
السالفة, وهو امر اعترف سروش نفسه بضرورته حيث قال في ص200:(وعلى
هذا الاساس فان كشف واستنباط المناهج العادلة للسلطة وتحديد القدرة
وتعيين المصاديق القطعية لحقوق الانسان تعد في المرتبة الاولى
ضرورة منطقية ولابد ان تكون مستوحاة من منبع العقل لا الدين), وهذا
الكلام تام ومنطقي لو حاول الدكتور تحديد ماهية حقوق الانسان
ومصاديقها فضلا عما اسماه المناهج العادلة للسلطة وتحديد القدرة
للنظر بعدها في قطعيتها وعقلانيتها من عدمه كي نقبل النتائج التي
رتبها سروش في نفس الصفحة بقوله:(...مما يمهد بالتالي لبروز
العقلانية الجمعية واستخدام المناهج النظرية والعملية والتأريخية
في مقام فهم الدين وقبول الدين وتكريس ادوات العقلانية في اطار
المنظور الديني للمساهمة في عملية عقلنة الدين وفق مستجدات المعارف
والعلوم البشرية ما يساهم ايضا في فتح الطريق امام بلورالية معرفية
في دائرة المذاهب والاديان والتي تعد احد الاركان المهمة في
العملية الديمقراطية).
يقول الدكتور سروش في
ص204:(...ليس من السليم ان نضع آراء الفقهاء الى جانب اراء
الفلاسفة في الحكم والسياسة ولكن مع الاسف نرى ان الفكر الاسلامي
الفقاهتي يعمل على تسخير الذهنية المسلمة ليضفي على الابحاث
الابستمولوجية صبغة فقهية الى درجة ان الفقهاء جعلوا الديمقراطية
في عداد افعال المكلفين وتحدثوا عن حرمتها او حليتها)!!
والحقيقة اننا نتعجب من كلام
الدكتور ربما بنفس الدرجة التي تعجب هو فيها من كلام الفقهاء!
اما لماذا التعجب؟
فهذا راجع الى كون مسألة
السياسة والحكم من المسائل الكلامية التي دأب المتكلمون المسلمون
على طرحها في الابحاث الكلامية للبحث في اصل الحكم وشكله , على ان
المتتبع سيجد في طيات استدلاتهم-لااقل المتكلمون الشيعة- اعتمادهم
الدليل العقلي لااثبات اصل الحكم وشكله نعم يبقى الكلام في ان هذه
المسألة العقلية هل لها امتدادتها الفقهية اولا؟؟
وواضح ان الجواب سيكون
بالايجاب بعد كون تشاور الامة او اهل الحل والعقد منها وافراز ذلك
حاكم سياسي -بناء على الشورى- واجبا تكليفيا شرعيا, كما ان التسليم
لنتيجة الشورى يقع ضمن دائرة الافعال التكليفية للعباد وهكذا غيرها
من المسائل المتفرعة على القول بنظرية الشورى.
كما ان الامر يجري حتى في
نظرية النص الالهي فمع التسليم بالنص يجب شرعا على الامام اظهار
نفسه فيما لو اكتملت الشرائط ويجب على الامة مساعدته وتمكينه من
الحكم وهكذا مع ان هذا كله داخل في دائرة الاحكام التكليفية.
وهكذا الامر تماما فيما لو
بنينا على نظرية الديمقراطية الدينية فحتى لو كان حكمها مأخوذا من
خارج الدين وان العقل يحكم بها بمعزلة عن الدين فان وجوب تشكيل
مجتمع ديمقراطي هو حكم تكليفي يقع في دائرة افعال المكلفين وهكذا
التسليم لنتائج الاليات الديمقراطية والحفاظ على هذا النظام
الديمقراطي وغير ذلك كلها مسائل تكليفية, على اننا حتى لو قلنا ان
هذه المسائل وغيرها يمكن ان يستقل العقل بادراكها-رغم ان العقل
لايطال الجزئيات- فان ابداء الفقه رأيه فيها يصلح ان يكون مؤيدا
لحكم العقل وبالتالي لاضير في جعل فقهاء الديمقراطية في عداد افعال
المكلفين كما ذكرنا. ويمضي سروش قائلا في ص2007:(ان مايتنافى مع
الديمقراطية هو الاكراه على دين معين واستخدام ادوات العنف في عقاب
الاشخاص الذين لايلتزمون بالاحكام الدينية فلو افتى القائمون على
الحكومة الدينية الفقهية بجواز هذه الممارسات والسلوكيات فحينئذ
يمكن القول بعدم امكان الجمع بين الديمقراطية والحكومة الدينية).
ونحن ل انتفهم فكرة معارضة
تطبيق القوانين الاجرائية والجزائية مع الديمقراطية!! ولماذا يختص
الامر بالحكومة الفقهية الدينية على تعبير سروش؟؟ ولم لا يعم جميع
الحكومات الدينية وغير الدينية التي تطبق القوانين الجزائية
والاجرائية وتكره مواطنيها على الالتزام بالقانون؟؟ وكيف صارت
العقوبة على مخالفة القانون انتهاكا للديمقراطية؟؟
بين منتظري وسروش ومقولة
الارتداد
اذا رجعنا الى مضامين مناقشة
الدكتور سروش لآية الله الشيخ المنتظري في قضية تجريم المرتد التي
كانت تحت عنوان:((الفقه في الميزان ضمن كتابه الدين العلماني في
ص91ومابعدها )) فسنجد ان مجمل مناقشاته تتمحور حول نقطتين
اساسيتين:
الاولى: ترتبط بهدم محور
ارتكاز مبنى الشيخ اعني بذلك حجية خبر الثقة الذي يستدل عن طريقه
باحاديث آحاد ل اتفيد اليقين كما يفترض الدكتور. والثانية: ترتبط
بحاكمية اللوازم الباطلة على اصل هذه الفتوى بعد معارضتها لحقوق
الانسان وابتعادها عن فهم حقيقة الانسان نفسه وتعاطيه مع المفاهيم
الفكرية فضلا عن ابتناء هذه الفتوى (في بعض الوجوه)على التمسك ببعض
الحقوق ونفي الاخرى مع ان هذه الحقوق جميعها في عرض واحد وترجيح
احدهما على الاخرى ترجيح بلامرجح كما ان صاحب الفتوى قد استعان
بأمور وتمثيلات قد لايقره عليها الفقهاء ولايرتضيه مسلكهم.
في صدد النقطة الاولى يرى
الدكتور ان اهم دليل اتبعه الاصوليون في القول بحجية خبر الثقة
الذي يمهد الطريق للعمل باخبار الاحاد والتي لاتفيد اليقين عادة هو
التمسك بسيرة العقلاء وهذا واحد من ادلة متعددة تذكر بل لعله اهم
دليل عندهم وعليه جعله الدكتور محلا لأخذه ورده وهو في ذلك يستعين
بمقولة حقوق الانسان لكبح جماح التوسعة الفقهية المترتبة على القول
بحجية خبر الثقة بعد ان رأينا الفقهاء يستندون اليها في مختلف
الابواب الفقهية مهما كانت خطيرة ومهمة ومن هنا يقول الدكتور صحيح
ان خبر الثقة حجة في نفسه وصحيح ان سيرة العقلاء انعقدت على العمل
به لكن اذا تقاطع الخبر مع حقوق الانسان فان هذه السيرة نفسها توجب
الاحتياط ولزوم السعي لتحصيل ادلة اقوى وقرائن أكثر.
والذي أراه ان هذه المناقشة من
الدكتور غير موفقه ربما لانها لامست موضوعا تخصصيا بحتا كان موردا
لتلاقح افكار المئات من الفقهاء والاصوليين وبالتالي فمالم نتحرك
في طريق التخصص وصولا الى هضم المطالب فسنكون غرباء عن هذه الاجواء
البحثية ونحن اذ نقول هذا الكلام يمكننا ان نعضده بشواهد نقاشية
يمكن ان ترد على مافاده المفكر سروش:
الاول:ان دليل سيرة العقاء ليس
دليلا مستقلا بحد ذاته وانما مبني على امضاء الشارع المقدس وجعله
وهو لولا هذا الامضاء وذاك الجعل لن يكون ذا قيمة اصلا ومن المعلوم
ان امضاء ظاهرة ما يتطلب تحققها زمن النص ونحن نعرف ان مقولة حقوق
الانسان متأخرة بزمن طويل جدا عن عصر النص وبالتالي تحتاج الى
امضاء وهو مفقود كما هو واضح.
اللهم الا اذا تبرعنا للدكتور
بأن نقول : صحيح ان مقولة حقوق الانسان حادثة ومتأخرة عن زمن النص
وعصره بيد ان الحادث منها هو هذه التطبيقات الحالية التي مرت
بمراحل زمنية طويلة حتى وصلت الى ماوصلت اليه ونحن لا نتحدث عن هذه
التطبيقات والتشريعات بصورتها الحالية وثوبها الجديد وانما نتحدث
عن العنوان الجامع الذي كان موجودا على طول الخط وهو حقوق الانسان
التي نعتقد انها وجدت مذ وجود الانسان على سطح هذه المعمورة حتى
وان كان وجودها وجودا ساذجا وبسيطا لارتباطه بظروف عقلية وثقافية
وغيرها وحينئذ قد يقال بانعقاد سيرة العقلاء على الاحتياط وتجميع
القرائن فيما يتعلق بحقوق الانسان ومعلوم ان هذه الحقوق متجددة
ومتطورة الا ان هذا التجدد وذاك التطور لن يؤثر على اصل الاستدلال
بالسيرة لاننا نعتقد(كما اعتقد الفقهاء في موضوعات مشابهة) ان
الامضاء جاء للنكتة لا للمصاديق المادية والمعنوية وبكلمة اخرى: ان
العقلاء جرت سيرتهم على الاحتياط في كل مايخص حقوق الناس لا لشيء
الا لانها حقوقهم سواء كانت ذاتية او مكتسبة وقد امضى الشارع هذه
السيرة ومعلوم ان هذا الامضاء امضاء حتى للنكتة التي من اجلها
امتنعوا عن تناول الحقوق وهذه ضابطة عامة ومتجددة في نفس الوقت.
هكذا يمكن ان نقول في تبرعنا
لتوجيه كلام الدكتور سروش رغم انه قد يسجل هنا تحفظ تخصصي بان
يقال: ان ماذكرتموه تام لولم يثبت ردع من الشارع عن هذه السيرة في
خصوص الدائرة التي تتكلمون عنها وقد وردت عشرات الاخبار التي تؤسس
وبألسنة متعددة للعمل بالظنون المعتبرة حتى في موارد حقوق الانسان
منها لسان تأسيسي ومنها لسان يحكي عمل القادة المعصومين _ع_ فضلا
عن انعقاد سيرة المتشرعة(وهي اخص من سيرة العقلاء) لاسيما في
القضايا الحقوقية والجزائية على العمل بما ذكرنا وهو امر غير قابل
للانكار,مع الاشارة هنا الى ان ان دعوى امضاء النكتة دون اثباتها
خرط القتاد بعد عدم توفر الضوابط الشرعية المؤيدة لذلك.
الثاني:اننا قد نسلم بما ذكره
الدكتور سروش من تحفظ العقلاء واحتياطهم في كل مايتصل بحقوق
الانسان بيد ان هذا لايعني مطلقا عدم العمل بالظنون المتولدة من
اخبار الاحاد وضرورة تحصيل اليقين بعد ان راينا القوانيين
الاجرائية والجزائية ومنذ فجر التأريخ الى يوم الناس هذا لاسيما في
البلدان التي تنظر وتطبق حقوق الانسان في اجلى مظاهرها اقول
رأيناها تكتفي في سلب حقوق الانسان(الى حد اعدامه) بظنون قد تكون
اقل بكثير مما تولده اخبار الثقات ولابد من التذكير هنا انهم في
هذا الصدد يرجحون بعض الحقوق على بعضها رغم اجتماعها في ان واحد
لكن تراهم يضربون كل هذه الحقوق عرض الجدار حفظا على حق حفظ
المجتمع المرجح على كل حق وهذا يصلح ان يكون ردا على ماافاده
الدكتور سروش من ان حفظ حق العقيده ليس الحق الوحيد وان هناك حقوقا
اخرى الى جواره وترجيح احدها على الاخر ترجيح بلامرجح.
الثالث: اذا تكلمنا بخصوصية
اكثر وقصرنا الموضوع على قضية الارتداد تحديدا فستكون القضية سالبة
باانتفاء الموضوع كما يقولون بعد كون اخبار تجريم المرتد اخبارا
متواترة خارجة عن دائرة الظنون ومعطيات اخبار الاحاد فلن يكون
للحديث عن حجية خبر الثقة حينئذ اي موضوع.
في صدد النقطة الثانية التي
تتمحور حول روح الفتوى واثارها السلبية فيرى الدكتور ان اية الله
منتظري لم يكن موفقا في تحديد اسسها الشرعية لانه قد استعان
بتمثيلات وتشبيهات وحتى ضوابط كلها يمكن المناقشة فيها وردها جملة
وتفصيلا ويمكننا ادراج هذه الضوابط وتلك التشبيهات ضمن عنوانات
متعددة:
الاول: الاستدلال بالاستعانة
بتمثيل المرتد بالغدة السرطانية .
الثاني:الاستدلال بمنطق
المؤامرة.
الثالث:الاستدلال بمنطق الدفاع
عن الحق.
الرابع:الاستدلال بمنطق الدفاع
عن العقيدة.
الخامس:ان حكم قتل المرتد حكم
سياسي.
هكذا قد عنون الدكتور الوجوه
التي استدل بها الشيخ او قريبا من ذلك ثم حاول رد هذه الوجوه كلها
باثارات قد لاتخلو من مناقشة بل مناقشات لغرابة الكثير منها ويتضح
ذلك بعد ان نطرح تساؤلا اساسيا هنا:وهو هل حقا ان الشيخ المنتظري
يريد ان يجعل هذا الوجوه التي ذكرها الدكتور سروش اساسا شرعيا
لحكمه بتجريم المرتد وقتله؟؟؟ وان الحكم الشرعي هذا يدور مدار تلك
الاسس وجودا وعدما؟؟
اعتقد ان من له ادنى إلمامة في
الفقه واصول الاستدلال سوف يجيب جازما بالنفي بعد كونها امورا
استحسانية ذوقية لايخلو الكثير منها من خطابية قد تصل حد الانشاء
فضلا عن مخالفتها لاصول الاسنباط الشيعي ومنابعه البحثية واعتقد ان
هذا شيء ربما يستوحى من كلمات سروش نفسه الذي رد على منتظري فيما
رد عليه ان الفقهاء يوجبون قتل المرتد بلا اي عنوان زائد على
ارتداده رغم ان الشيخ قد يجيب عن هذا قائلا(ان كان يرى ان ماذكره
من اسس تصلح ان تكون علة للحكم) ان هذا رأيي الفقهي وانا لااتعبد
بما يقوله الاخرون.
وقد تسال اذا كان الامر كما
ذكرت فما معنى تضمينها مقال الشيخ منتظري؟؟ ولماذا ذكرها اساسا؟؟
وفي صدد الاجابة نقول:
اولا- ان هذا راجع الى التفرقة
في الفقه بين مصطلح الحكمة والعلة , ويفرقون بينهما في كون الحكم
يدور مدار العلة وجودا وعدما بينما الامر ليس كذلك في الحكمة التي
قد توجد وباعداد كثيرة في مورد من الموارد الا انه لن يكون مشمولا
بحكم معين وهذا الذي كان على الدكتور سروش سؤاله من الشيخ المنتظري
واغلاق الباب من اساسه انك عندما تذكر هذه الوجوه وتلك الاسس فهل
هي حكم(جمع)ام علل لاافتائك بتجريم المرتد وقتله؟؟فان كانت حكما
فهي ليست اساسا شرعيا ولافقهيا عند الشيعة للحكم بذلك وان كانت
عللا فما هي ادلتها ومنابعها الفقهية التخصصية فضلا عن ايراد
ماسجله من ملاحظات هنا فهي نافعة على اي حال.
ثانيا- ان هذا النوع من
التوجيه الوارد في كلام الشيخ منتظري توجيه رائج ومتبع في كلمات
غير واحد من المفكرين الذين يريدون باسلوبهم هذا ازالة استغراب
المتلقي او عقلنة افكارهم فيصرون على ان تلك الافكار وهذه الطروحات
ليست بدعا في بابها وليس تعليلها تعليلا غيبيا لايمكن ان يدرك كنهه
او يتلمس واقعه لانه يبتني على اسس عقلائية معاشة من قبيل مواقف
العقلاء تجاه المؤامرات والمتأمرين والدفاع عن الحق والعقيدة وغير
هذا رغم ان هذه التعليلات لن تكون في النهاية(علة)للحكم الشرعي كما
بيننا الا انها تنفع في ازالة الاستغراب وعقلنة الفكرة واخراجها من
اطارها الغيبي المجهول الى عالمنا الحسي المعاش.
وهذا الامر بالضبط يجري في
مانقله الدكتور عن الشيخ من ان هذا الحكم هو(نظير تحجيم عمل بعض
الفئات المناوئة لئلا تسري عقائدهم واخلاقهم السيئة الى مفاصل
المجتمع الاسلامي وهذا الامر اي تحجيم عمل القوى المعادية هو من
الامور الرائجة في سياسية عالم اليوم) لكن الدكتور سروش اعتبر هذا
الكلام دليل ابتناء هذا الحكم الفقهي على جنبة سياسية وعمم المقولة
ليناقش العلاقة بين الدين والسياسة!!!.
رغم ان الشيخ المنتظري كان في
صدد ماذكرنا من نفي كون الاسلام بدعا من جميع النظم الاخرى التي
تحاول تحجيم اعدائها وابعاد خطرها عن مجتمعها ,ولو اصر الدكتور
سروش على كلامه من كون هذه المقولة تعكس وبالضرورة الصبغة السياسية
للفتوى فيمكننا ان نوجه كلام الشيخ منتظري توجيها اخرا رغم انه
خلاف ظاهره وهذا التوجيه له اسسه الفقهية والشرعية في الفكر
الاسلامي الشيعي وان كان متاخرالظهور وتحديدا على يد المفكر الشهيد
السيد محمد باقر الصدر مع وجود بذوره الاولى في روايات اهل البيت
عليهم السلام,ويقوم هذا التوجيه على التفريق بين الاحكام الصادر من
النبي ص بين كونه نبيا مرسلا او قائدا سياسيا اذ تمثل الحالة
الاولى حالة ثبات الاحكام وعدم تغيرها الا في حالات استثنائية يعبر
عنها بالعناوين الثانوية بينما تمثل الحالة الثانية حالة التبدل
والتغير اخذا للمصلحة السياسية والاجتماعية بنظر الاعتبار على ان
تكون صلاحيات ذلك بيد القائد السياسي سواء كان اماما معصوما او
فقيها نائبا في عصر الغيبة وهذا مانجد له الكثير مما يصلح ان يكون
اساسا شرعيا في التراث الفقهي الامامي ,ومن هنا يصح كلام الدكتور
سروش ان لو كان هذا الحكم حكما سياسيا فيجب الالتزام بأثاره
ولوازمه التي ابرزها كونه عرضة للتبدل والتغير وفقا للظروف
والملابسات الاجتماعية والسياسية ولكن يبقى الكلام في مايستفاد من
الروايات التي هي عمدة الادلة في كلام الشيخ المنتظري وكيف يوجه
اطلاقها او عمومها الظاهر في كون هذا الحكم ليس حكما سياسيا مؤقتا
قابلا للاسقاط رأسا تبعا للواقع وملابساته!!
يبقى الكلام فيما افاده
الدكتور حول الانسان الفطري والتأريخي وكيف ان الفقهاء خلطوا
احدهما بالاخر بعد ان تعاطوا مع الانسان كانسان فطري له حاجات
ثابتة وكانها لوازم لاتنفك عن ذاته بحيث الغوا فكرة الملابسات
الثقافية والتربوية والبيئية وسواها والتي لها دور بارز في صياغة
الانسان وتحديد معالم شخصيته وهذا الكلام يمكن ان يكون حقا وتاما
على المستوى العملي رغم ايماننا بان المفكرين الاسلاميين قد ميزوا
بين الامرين ولكن تمييزا نظريا في الغالب اذ لم يلق بظلاله
وبالمستوى المطلوب على الحالة الاستنباطية بل اصبحت الاحكام
الثابتة المستطيلة على الواقع وافرازاته هي العلامة الفارقة في
مسيرة الفقه بعد ان أوطرت باطار القضية الحقييقة بحسب اصطلاحهم رغم
انهم وفي اطار التأصيل النظري يرون: ان الانسان والمركب الاجتماعي
له احتياجات ثابتة لاتتغير ابدا والى جوارها احتياجات متغيرة
تتفاوت تبعا للعصور والامكنة والازمان وقد جاءت الشريعة لتمثل
الجزء الثابت الذي لايتغير من الاحكام الاسلامية وهذا الجزء يتعامل
مع الجزء الثابت في الوجود الانساني والاجتماعي اما الجزء المتغير
من الوجود الانساني والاجتماعي فيقابله في الاسلام الجزء المتغير
القائم على اساس مجموعة من الاحكام المتغيرة الا ان كل ذلك بقى في
مجمله ترفا فكريا او تأصيلا نظريا لم ياخذ طريقه الى الواقع في
احايين كثيرة,نعم قد يكون المفكر الصدر والسيد الخميني ساهما
مساهمة هامة في تحريك هذا الواقع واعطاء الفقه ادوات مرنة الى حد
كبير الاول عبر التفكيك بين الاحكام الشرعية والسياسية في تعاليم
المعصوميين ومااصطلح عليه بمنطقة الفراغ التشريعي والثاني عبر
مفهوم المصلحة الذي ذاع صيته في التجربة الايرانية الاسلامية الا
ان كل ذلك يبقى في اغلبه نوعا من الحلول الترقيعية وغير النافعة ,
وربما يعود هذا الى حالة البعد عن الواقع المعاش بحكم حالة الوضع
الاستثنائي الذي مرت به الشيعة و عاشه فقهاؤها على طول الخط ومن
المعلوم ان التجربة العملية وافرازات الواقع تفتح افاقا جديدة
للبحث وتطرح مشكلات كثيرة تتطلب تأصيلات علمية حادثة ولعله لهذا
وغيره غاب فقه الدولة عن الفكر الشيعي الامامي الى وقت متأخر وشاع
بدلا عنه فقه الفرد قبل ان يعيشوا تجربتهم الاخيرة رغم اعتقادنا ان
الخلط بين الفقهين مازال موجودا لاسيما في الاتجاه التقليدي
المحافظ .
..............
(*) باحث في الفكر الإسلامي -العراق