القيم الحضارية الخالدة في الدين الإسلامي
محمد عياد
قربيع(*)

مقدمة:
تمثل القيم الحضارية محور
اهتمام الأفراد والجماعات، ذلك لما يميز العالم من تغيرات وتطورات
سريعة ومذهلة.
وفي هذا العصر أصبحت القيم
الإنسانية نادرة، حتى أصبحت هذه القيم في بعض المجتمعات بالية،
وتنسب إلى العصور الماضية، وتوصف بأنها أفكار قد أكل عليها الزمن
وشرب.
إن ما يرى ويسمع اليوم من
أحداث مروعة من حروب واغتيالات وهتك لحقوق الإنسان، وانتشار
الأمراض الفتاكة، والانحلال الأخلاقي، لهو خير دليل على زيف وبطلان
الشعارات التي ينادي بها أصحاب المذاهب المختلفة، من مثل: حقوق
الإنسان، الديمقراطية، المجتمع المدني، صراع الحضارات، اقتصاد
السوق الحر، والتي عمدت إلى قمع الروح، وإعلاء شأن المادة.
إن السبيل الوحيد للخروج من
هذه المساوئ هو اتباع ما شرعه الله من شرائع لصالح الناس كافة، في
كل زمان ومكان.
وفي سبيل تجسيد القيم
الحضارية، مضى الإسلام يرسم أسس الحياة الجديدة في أركان المجتمع،
فأزال الفروق بين الطبقات والطوائف، وقوّم الحياة الاقتصادية واهتم
بالجوانب العقلية، ولم يقف عند هذا الحد، بل تجاوز الاهتمام إلى
تنظيم الحياة الاجتماعية وتقوية الترابط الاجتماعي والشعور
بالانتماء، حتى تستقيم وتنتظم أحوال المجتمع الإسلامي.
وبذلك يكون الإسلام قد خلق
كياناً متيناً للإنسان المسلم باعتباره حجر الأساس في تجسيد القيم
الحضارية الخالدة على أرض الواقع، فارتقى به روحياً وعقلياً
واجتماعياً وإنسانياً، ودفعه إلى السمو الكامل الذي يحقق له
إنسانيته القة، مما يؤمن له الأمن والعدل والرخاء.
ولإبراز تلك القيم تم اختيار
موضوع هذا البحث، الموسوم بـ(القيم الحضارية الخالدة في الدين
الإسلامي). وبالرغمن من أن موضوعاً بهذا الحجم لا يمكن الإلمام به
في بحث واحد، إلاّ أن الباحث حاول أن يسلط الضوء على أساسيات تلك
القيم، دون الدخول في التفاصيل.
المبحث الأول:
التعريف بمصطلحي القيمة والحضارة:
قيمة الشيء: قدره(1)، وتطلق
القيمة على كل شيء جدير باهتمام الإنسان وعنايته، وقيمة الشيء من
الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعله مرغوباً فيه عند شخص أو فريق
من الناس، ومن الناحية الموضوعية يطلق لفظ القيمة على ما يتميز به
الشيء من صفات ومزايا تجعله جديراً بالتقدير، قلّ ذلك التأثير أو
كثر، وتكون القيمة مطلقة إذا كان الشيء مستحقاً للتقدير بذاته،
كالخير، والحق، والجمال، وتكون القيمة إضافية، إذا كان الشيء
مستحقاً للتقدير من أجل غرض من الأغراض(2).
وفي علم الأخلاق يطلق لفظ
القيمة على ما يدل على لفظ "الخير"، بمعنى أن تكون قيمة الفعل
تابعة لما يتضمنه من خيرية، وتكون قيمة الفعل أكبر، كلما كانت
المطابقة بين الفعل والصورة الغائية للخير أكمل والصورة الذهينة
الغائية تسمى بالقيم النموذجية، وتكل الصور هي الأصل الذي تبنى
عليه أحكام القيم الإنشائية التي تأمر بفعل ما يوافقها وتعده شيئاً
مرضياً، وتأمر بتر ما يخالفها لكونه منافياً، وغير مرغوب فيه(3).
فالقيم الحضارية هي تلك المثل
الروحية، والعقلية، والاجتماعية، والإنسانية والأخلاقية، الجديرة
باهتمام الإنسان، وعنايته، لما لها من مزايا تجعلها تحظى بالتقدير،
وترتبط القيم بالحضارة ارتباطاً وثيقاً.
مفهوم
الحضارة:
باستنطاق اللغة يتبين أن
الحضارة (بفتح الحاء أو كسرها)، وهي الاقامة المتنقلة في
البوادي(4).
فأصل كلمة الحضارة هو
الاستقرار. والاستقرار الذي ينشأ عن زراعة الأرض هو السبيل الذي
تنفسح فيه لأبناء المجتمع مجالات التطور، فإذا ولوجوها تقدموا في
فنون اكتساب العيش، وفي بناء المدن، وفي تحصيل المعرفة، وفي
الانتظام الداخلين والتعامل الخارجي، وكان لهم حظهم من الرفاه، ومن
الإبداع ومن الحضارة بوجه عام. وهذا التمييز بين البداوة والحضارة
عريق عند العرب، يتبين بوضوح فيما وصل من السلف إلى الخلف، من أدب
وتاريخ ونظم وعادات، وما إليها من مقومات التراث الخالد وعناصره؛
ذلك أن التفاعل بين هذين النمطين من الحاية –أي البداوة والحضارة-
كان عاملا من أهم عوامل الماضي، سواء في السياسة، ام في الاجتماع،
أم في الأدب، أم في العقلية العامة.
مما تقدم يمكن القول إن
استخدام كلمة حضارة في اللغة ارتبط بدلالة مكانية تحمل في بعض
مجالاتها معنى الحركة المقصودة والخير، كما في قولهم: رجل حضر، إذا
حضر بخير، وقد تطورت هذه الدلالة المكانية –أي الإقامة في الحضر
التي وردت في أصل كلمة الحضارة- إلى ما يستتبع هذه الإقامة من
التعاون والتآزر، وتبادل الأفكار والمعلومات في شتى شؤون الحياة من
علوم وعمران وثقافة. ولعلّي لا أجانب الصواب إذا قلت: إن ابن خلدون
هو خير من أسهم في تطوير كلمة الحضارة في أصلها اللغوي العام
وصاغها مصطلحاً اجتماعياً واضحاً، وذلك حين قال: "الحضارة أحوال
عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران زيادة تتفاوت بتفاوت
الرفه، وتفاوت الأمم في القلة والكثرة تفاوتاً غير منحصر"(5).
فابن خلدون قد بين أن الحضارة
لا تظهر إلا في المدن والقرى، وأنها غاية العمران البشري، وأنها
تتصل بالتفنن في الترف واستجاة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق
من إصنافه، وسائر فنونه(6).
ومما تقدم يتبين أن الحضارة لا
تظهر في البادية لظروفها القاسية، وأن البدو بسبب الترحل والانتقال
من مكان إلى مكان طلباً لموارد العيش في ربوع الصحراء لا يقيمون
حضارة، مع أن سكان البدو مستعدون للتحضر ككل الشعوب، لأن الإنسان
مدني بطبعه، أي ينشد التحضر والعمران بفطرته، وتطوير أحواله إلى
الأفضل إن وجد إلى ذلك سبيلاً.
ويربط ابن خلدون في هذا المجال
أيضاً بين مفهومي الحضارة والملك –أي نظام الحكم- بوصفه اسيادة
اللازمة لاستقرار النظام وازدهار أحواله(7).
إن ابن خلدون أبرز من تصدى
لموضوع الحضارات في التراث العربي، بل اول من عالج شؤون الحضارة
بصورة منظمة، فاستحق أن يعد مؤس علم الحضارات، أو كما دعاه هو، علم
"العمران البشري واجتماع الانساني"(8).
أما في العصر الحديث، فقد
أطلقت كلمة الحضارة على كل ما يتصل بالتقدم والرقي الإنساني في
المجالات المختلفة، كاللغة والأدب، والفنون الجميلة، والصناعة
والتجارة، وغير ذلك من مظاهر النشاط الإنساني الذي يؤدي إلى التقدم
والرقي، ويسر السبيل إلى حياة إنسانية كريمة(9).
فالحضارة بذلك هي وضع مثالي
وحقيقي في آن واحد، وهي "مجموعة من الخطط والنظم القيمية بإشاعة
النظام والسلام والسعادة، وبتطور البشرية الفكري والأدبي"(10).
كذلك ذهب "ويل ديورانت" إلى
تعريف الحضارة بأنها: نظام اجتماعي يعين الإنسان على زيادة إنتاجه
الثقافي، قائلاً: "الحضار تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه
إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل
الإبداع والإنشاء، وحينئذ لا تنفك الحواجز الطبيعية تستنهضه للمضي
في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها(11).
أما فيما يتعلق بكلمة (مدنية)
التي يميل كثير من الباحثين إلى استخدامها مرادفة لكلمة "حضارة"
فإنها تشير في اللغة أيضاً إلى ارتباط مكاني.
جاء في لسان العرب لابن منظور:
مدن بالمكان أقام به(12). غير أن ابن خلدون قد نظر إلى الحضارة
نظرة تقويمية حين جعلها غاية العمران، ونهاية لعمره، ومؤدية إلى
فساده(13).
ومن هنا، يتضح أن المعنى
الأصلي الذي تنطوي عليه لفظتا "الحضارة" و"المدنية" إنما هو سكنى
الحواضر أو المدن، وما ينشأ عن هذه السكنى أو يصحبها من فنون
الحياة ومظاهرها. وواضح كذلك أن الاستعمال العربي لا يميز بين
هاتين اللفظتين، ولا يخص إحداهما بمعنى دون الأخرى، بل يطلقهما
مترادفتين دون تمييز أو تخصيص(14).
إن ابن خلدون حينما يقول: "إن
الحضارة غاية العمران البشري ونهاية لعمره، ومؤدية لفساده" فلعله
يقصد بذلك أنه يحن يتم للمجتمع كل ما يتطلع إليه من تحضر، وما
يصاحب ذلك من رفاهية اواسترخاء؛ فإن ذلك يكون مؤذناً بختام حلقة
حضارية في تاريخه، وهكذا يستخدم كلمة الحضارة للدلالة على صفة
معينة من حياة المدنية.
ومثلما يفعل الباحثون العرب في
كثير من الأحيان، فيستخدمون كلمتي "الحضارة والمدنية" مترادفتين،
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، يميل كثير من الباحثين الغربيين إلى
استخدام هاتين الكلمتين (أي الحضارة والمدنية) بمعنى واحد، غير أن
بعضاً منهم(15) يرى أن كلمة الحضارة، هي صورة التعبير عن الروح
العميقة للمجتمع، فأما مظاهر التقدم الآلي، فإنه مما يتصل بمعنى
المدنية، ومنهم من مال إلى القول بأن: "الحضارة هي ما عليه
المجتمع، وأما المدنية فهي ما يستعمل ذلك المجتمع"، وبعبارة أخرى،
إن الحاضرة في رايهم تتمثل في الفنون والآداب والديانات
والأخلاقيات، في حين تتمثل المدنية في السياسة والاقتصاد(16).
هذا وقد حاول "ويل ديورانت" أن
يستفيد من كلمة المدنية وعلاقتها بالتهذيب ورقة المعاملة، ورأى أن
ذلك: ضرب من السلوك المهذب الذي هو من رأي أهل المدن –وهم الذين
صاغو كلمة الدنية- من خصائص المدنية وحدها، وذلك لأنه يجتمع في
المدينة –حقاً أو باطلاً- ما ينتجه الريف من ثراء، ومن نوابغ
العقول، وكذلك يعمل الاختراع، وتعمل الصناعة في المدنية على مضاعفة
وسائل الراحة والترف والفراغ، وفي المدينة يتلاقي التجار لا
ليتبادلوا السلع فحسب، وإنما الافكار أيضاً، وعندها تتحقق
المثاقفة، ويرهف الذكاء، وتستأثر فيه قوته على الخلق والإبداع.
وكذلك في المدينة يستغنى عن فئة من الناس فلا يطلب إليهم صناعة
الأشياء المادية، فتراهم يتوافدون على إنتاج العلم والفلسفة والأدب
والفن. نعم إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح، ولكنها لا تزدهر إلاً
في المدن(17).
فإذا كان الأمر كذلك فيما ذهب
إليه "ويل ديورانت" من ارتباط التهذيب ورقة المعاملة بكلمة
المدنية، أكثر من ارتباطه بكلمة الثقافة، فإن كلمة الثقافة في
اللغة العربية قد تكون أكثر ارتباطاً بمعاني التهذيب، وما يتصل به
من التقويم والمعالجة. ولقد ساعد هذا الأصل اللغوي على تطور الكلمة
لتفيد عند بعض الباحثين في الصعر الحديث معانياً تتصل بالابداع
الفكري والفني.
ويبدو للباحث بعد هذا كله أن
الحضارة هي "ذلك التراث التاريخي المتمثل في العقائد والقيم، التي
ترسم للحياة غاية مثلى، ومغزى روحياً عميقاً، متعاليا على متناقضات
المكان والزمان. أما المدنية فهي: تراث المعرفة التطبيقية الذي
يرمي إلى السمو بالإنسان، والارتفاع به فوق مستوى الاستسلام
لملابسان الطبيعة".
إذن فالحضارة تركيب وجداني،
يتضمن القيم الروحية العليا التي تحرك مجتمعاً ما، وكل ما يدور حول
ذلك من فلسفات غيبية وأخلاقية وجمالية.
أما المدنية فهي خلاصة ما
تطورت إليه الطاقة العقلية للإنسان، ومدى قدرة ذه الطاقة على
التحكم في طبيعة الأشياء، والمدنية بذلك تشمل جميع الخبرات العملية
المتوارثة جيلاً بعد جيل في مجالات العلوم المختلفة على أن هذه
التفرقة بين المدنية والحضارة التي تبينت من خلال التتبع اسابق، لا
تعني تجاهل التأثير المتبادل بين النشاط الروحي، والنشاط المادي في
الحياة، ذلك أنه لا يمكن الغض من شأن الظروف المادية، وأثرها في
توجيه القيم الحضارية لمجتمع ما. كما لا يمكن عكس الأمر في الغض من
شأن الثانية في توجيه الأولى.
وإذا كانت كلمتا الحضارة
والمدنية تحتفظان بدلالة ارتباط مكاني، بين الإنسان وبيئته من حيث
أصلهما اللغوي العام، الذي أثر في اسخدامهما الاصطلاحي، فإن مادة
(ثقف) ترتبط بالتقويم والتكيف النوعي الخاص، فالتحضر والتمدن
ارتباط بالمان ينشئ أحوالاً خاصة، والتثقف تطور في الذات ينشئ
أحوالا خاصة كذلك.
إذاً الثقافة في اللغة، تعني
الحذق وسرعة التعلم وتقويم المعوج(18). جاء في لسان العرب لابن
منظور قولهم: (ثقف الشيء ثقفا وثقوفة: حذقه، وجل ثقف –بكشر القاف
وفتحها وضمّها- حاذق فهم)(19). ويقال: ثقف الشيء، وهو سرعة التعلم.
وعلى ذلك تتصل الثقافة في
اللغة بمعنى من معاني تقويم الذات، ومعالجتها نحو الكمال
والاستواء.
ومما تقدم يمكن القول: إن
الحضارة هي حياة مجتمع له قسط من الاتساع البشري والمكاني، ومن
الامتداد الزماني، متمثلة في نظمه ومؤسساته، وفي مكاسبه وانجازاته،
وفي القيم والمعاني التي تنطوي هذه الحياة عليها، وهذا المفهوم
للحضارة مناقض لنمط الحياة البدوية، أو البدائية، أو حياة البداوة.
فالحضارة والبداوة طوران
طبيعيان من أطوار تطور المجتمعات، وإن الحضارة آخر هذه الأطوار،
وغاية العمران، ويمكن فهم الغاية هنا بمعنيين: الأول أنها تمثل خير
نتاج المجتمع في شتى المكاسب والإنجازات، ومظاهر الدعة والترف،
والثاني إنها المرحلة الأخيرة للعمران، ونهاية لعمره، وإنها مؤذنة
بفساده، أي إن غاية الحضارة تبعث على الترف الذي قد يؤدي إلى
الفساد فالانهيار الحضاري لأمة من الأمم.
المبحث
الثاني: القيم الحضارية الخالدة في الدين الإسلامي:
يحدد القرآن الكريم أن الطبيعة
البشرية واحدة في أي شعب، أو مكان، أو أو زمان، وليس بين طبيعة
وأخرى تميز، وإنما يقع التفاوت وراء إمكانات هذه الطبيعة، ويعود
إلى ما تحقق من هذه الامكانات في دائرة الطبيعة البشرية نفسها. قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(20).
إن كل طبيعة بشرية لها القوى
النفسية التي تتمثل في الإدراك، والوجدان، والإرادة، وإن اختلاف
طبيعة فردية عن طبيعة أخرى، لا يعود إلى الزيادة أو النقص في هذه
القوى، وإنما إلى الإفادة من هذه القوى في التوجيه.
والتقوى التي جعلت في القرآن
الكريم سبب المفاضلة، هي حسن توجيه هذه القوى النفسية، بإدراك الله
سبحانه وحده، وبالمحبة، والأخوة بين الناس، وبالعمل الصالح لخير
الفرد والبشرية كلها، فإدراك الإنسان في أصله يمكن أن يتجه به إلى
الإيمان بالله الواحد، أو إلى إنكاره. ووجدانه يحكم، لكن يتجه به
إلى المحبة، أو إلى ما يقابل المحبة من بغض وكراهية، وإرادته يمكن
أن تحمله على كبت الهوى أو على الاسترسال فيه. وهنا يتصور في
الاسنان من حيث طبيعته البشرية، إما أن يكون ذات تقوى، أو يكون غير
تقي(21).
إن المتأمل في التشريعات
الاسلامية يدرك أنها تهدف في غاياتها إلى تحقيق القيم الإنسانية،
وهذا ما تهدف إليه بشكل غير مباشر جميع صنوف العبادات، وقواعد
المعاملات، والعلاقات الأسرية، إنها جميعها تدفع إلى بقاء الإنسان
في دائرة العدل، والارتفاع إلى دائرة الاحسان، التي تليق بخليفة
الله سبحانه في هذه الأرض.
إن الرسول الكريم [ص] استطاع
في مدة لا تتجاوز 23 سنة أن يغير وض الجزيرة العربية تغييراً
جوهرياً، وأن يصنع من قطاع الطرق والسلابين أشخاصاً أمناء، ومن
عباد الأوثان والأصنام، موحدين بارزين، يبنون حضارة عظيمة، وذلك
بفضل قيم الدين الإسلامي الخالدة.
من هذا المنطلق كانت أول لبنة
في بناء الحضارة الاسلامية الإنسانية، هي قوله تعالى (اقْرَأْ
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)(22)، فكانت مفتاح الحضارة
الإنسانية العلمية الموصولة بالله سبحانه، خالق الإنسان، ومربيه،
والمتصرف في أموره. فالقراءة فيها طريق لمعرفة الله تعالى، ومعرفة
الإنسان، ومعرفة الكون، وهي معرفة مؤمنة، تبني ولا تهدم، تنفع ولا
تضر، معرفة لخير الإنسانية لا لتدميرها، ومنذ ذلك اليوم المبارك
الذي أشرق فيه نور الوحي على الأرض فأنارها بعد ظلمة وأرسى القيم
الحضارية الخالدة، ومنها: القيم الروحية، والعقلية، والاجتماعية،
والإنسانية.
1. القيم
الروحية:
كانت شبه جزيرة العرب، قبل
البعثة المحمدية، تموج بكثير من المعتقدات والشرائع، المتناقضة في
بعض الأحيان، فهناك من يتخذ من التماثيل (الأصنام) شفاعة لله،
وهناك الحنيفية(23)، كما كانت تنتشر اليهودية والنصرانية والصابئة
وفرق قليلة من المجوسية أو المانوية(24).
والإسلام هو الدين الذي نزله
الله سبحانه على سيدنا محمد [ص]، وهو المهمة التي كلف بها الأنبياء
والرسل [ع] بدعوتهم إلى توحيد الله تعالى، وعبادته وحده، ولفظ
الإسلام يعني فيما يعنيه، إظهار الخضوع والقبول، وقد تكررت
اشتقاقات الكلمة في القرآن الكريم بهذا المعنى، ولذلك أطلقت على
الدين الحنيف، قال تعالى: (الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي
مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ)(25).
والإسلام هو الدين المكمل
للديانات السماوية السابقة، والتشريع الإسلامي هو التشريع الالهي
الذي نسخ ما قبله من الشرائع السماوية، والركنان الأساسيان اللذان
يقوم عليهما الإسلام هما: العقيدة والعمل، فالعقيدة أساسها
الإيمان، من الأمن بمعنى طمأنينة النفس، وتصديقها بما جاء به
الرسول [ص] والإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى من أهم أصول
العقيدة الاسلامية، فلا عبودية لغير الله والله ليس إله فريق معين
من الناس، بل هو رب العالمين، بل هو رب كل شيء في الكون، وعلمه
محيط بكل شيء، وقدرته تبسط سلطانها على كل ما في العالم، وهو برغم
قدرته وسلطانه وعقابه للمجرمين، رحيم بعباده.
ومع الرحمة تقترن المحبة التي
يفيضها الله على عباده، قال تعالى: (قُلْ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(26).
ومن محبة الله للناس، ورحمته
بهم، أن اصطفى لهم من خلقه أنبياء يوحى إليهم بما فيه سعادتهم في
الدنيا والآخرة.
ويؤكد الإسلام أن وراء هذا
العالم المادي عالماً غيبياً به نوعان من الأرواح خير وشرير.
والخير هو الملائكة الذين يتنزلون بالوحي على قلوب الرسل، ومن مهام
هؤلاء الملائكة نصرة المؤمنين والاستغفار لهم، وكتابة أعمالهم، أما
الأرواح الشريرة فهي الشياطين المطرودة من الملأ الأعلى، وهم
ينفثون غواياتهم فيمن ضلوا عن الصراط المستقيم.
ومن أهم القيم الروحية التي
جاء بها الإسلام واضحة مؤكدة عقيدة المعاد، فالناس جميعاً مبعوثون
بعد موتهم، وفي يوم الحساب كل يحاسب على أعماله، ويؤكد الإسلام أن
الإنسان مشدود إلى إرادة الله العليا ومشيئته الربانية، وأنه ينبغي
أن يتدبر إرادته الصغرى بجانب هذه الإرادة الكبرى، فلا يتبع هواه،
بل يراقب ربه في كل ما يأتي يودع، فهناك مشيئة مطلق هي مشيئة الله
التي تسيطر على كل ما في الكون، وبجانبها مشيئة الإنسان التي تجعله
مسؤولا أمام ربه عن عقيدته وعمله، وما كسبت يداه(27).
وبجانب أصول العقيدة أعمال من
العبادات يجب على المسلم أداؤها، وترجع إلى أربعة أركان هي: الصلاة
بما يسبقها من طهارة الضوء، وبما فيها من تلاوة القرآن الكريم،
والتسبيح والاستغفار، وصوم شهر رضمان في كل عام لتربية الإرادة،
وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، مرة في العمر، وفي
أشهر معلومات، ثم الزكاة التي تعني أن يردّ من مال الغني على
الفقير، وعلى المصلحة العامة للأمة، قال تعالى (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ
سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا
عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى
أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ
أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا)(28). وقال تعالى: (الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)(29)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(30)،
وقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ
بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ
مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(31)، وقال تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ
كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(32)، وقال جل ذكره: (وَأَقِيمُوا
الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ
الرَّاكِعِينَ)(33).
ولم يكتف الاسم بهذه الأسس
وحدها، بل رسم للمسلمين طريق الفضيلة وما ينبغي أن يتحلوا به في
سلوكهم وأخلاقهم، في مقابل ذلك حرم الفواحش كبيرها وصغيرها، ومن
المحرمات تحريماً قطعياً الخمر والقمار، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(34).
ويستدل من كل ذلك، أن الرحمة
والمحبة والعفة والطهر من قيم الدين الإسلامي الروحية، التي أقام
من خلالها حضارة إنسانية رشيدة، كان القرآن الكريم فيها منهج حياة
الفرد والمجتمع، فسعد فيها الإنسان المسلم، وأمن فيها كل على دينه
ونفسه، وماله، وحقق فيها الأفراد أقصى طموحاتهم وآمالهم.
2. القيم
العقلية:
إن للعقل الإنساني مكانة خاصة
في رؤية الإسلام ونظره، وذلك لأن ما يميز الإنسان عن سائر الأحياء،
بل ويجعله مفضلاً عليها، هو عقله، ومدى قوته التفكيرية. ومن هنا
دعي البشر –في آيات عديدة من القرآن الكريم- إلى التفكر والتأمل
والتعقل، إلى درجة عدت تنمية القوة العقلية، والتفكر في مظاهر
الخلق، من علائم العقلاء، الذين قال فيهم الله عز وجل (الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا
مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً)(35) وعلى هذا فإن القرآن الكريم ينهي
عن التفكير الأعمى.
إن القرآن الكريم يقود –في
كثير من مواضعه الشريفة- إلى حكم العقل وقضائه، ويدعو الناس إلى
التفكر والتدبر العقلي في عجائب الخلق، ويستعين هو كذلك بالعقل
لإثبات مضامين دعوته، وليس ثمة كتاب سماوي كالقرآن الكريم الذي
يحترم المعرفة العقلية. قال تعالى (وَاللَّهُ
أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(36).
والمراد من الأفئدة في الآية
الكريمة، بقرينة لفظتي "السمع والبصر" هو العقل البشري مع الأمر
بالشكر والإفادة بأن على الإنسان أن يستفيد من ذلك.
العلم قيمة حضارية أعلى
الإسلام من شأنها من خلال امتداحها وذم نقيضها "الجهل"، وكذلك
ارتقى بعقل الإنسان، إذ خلصه من الخرافات، واحتكم إليه في معرفة
الكائن الأعلى الذي أنشأ الكون، ودبر نظامه، ودعاه دائماً إلى أن
يتأمل في ملكوت السماوات والأرض، فإن من يمعن النظر في هذا الكون
ونظامه يعرف أنه لم يخلق عبثاً، وأن له صانعا سوّى كل شيء وقدره.
واتجه القرآن الكريم إلى العقل
في دعوته إلى الإيمان بوجود الله، ووحدته، وتدبيره، وقد فضل الله
سبحانه الإنسان على سائر مخلوقاته، وما كان لهذا الذي فضّل على كل
ما في الوجود أن يعبد أشياء خلقها الله تعالى، وسخرها لفائدته، قال
تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي
رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)(37)، وقال تعالى: (وَمِنْ
آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا
تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ
الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)(38).
كما يحتكم القرآن الكريم إلى
العقل في الدلالة على صحة البعث والنشور، فإن من يبعث الحياة في
الكائنات قادر على أن يردها إليها، قال تعالى: (يَوْمَ
نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا
أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا
فَاعِلِينَ)(39).
ويلوم القرآن الكريم الذين لا
يستخدمون عقولهم فيشبههم بالأنعام التي لا تعقل، بل إنهم لا
يمتازون في شيء عن الصم البكم العمي.
قال تعالى: (وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ
قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ
بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ
كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(40).
الإنسان كائن حر الإرادة مخير،
يعني أنه بعد أن يدرس النواحي المختلفة لموضوع ما في ضوء العقل،
يختار فعله أو تركه، دون إجبار. قال تعالى: (إِنَّا
هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(41).
وقال جل جلاله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(42).
إن القيم الأخلاقية التي تمثل
–في الحقيقة- أسس الهوية الإنسانية، ولها جذور فطرية، هي أسس ثابتة
لا تتغير بسبب مضي الزمان أو التحولات والتطورات الاجتماعية. وقد
أشار القرآن الكريم إلى بعض هذه القيم والأسس العقلية الأخلاقية
الثابتة، قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ
الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)(43)، وقال أيضاً: (مَا
عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ)(44)، وقوله: (فَإِنَّ
اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(45)، وقوله:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ
ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ)(46).
والقرآن الكريم يدعو كل مسلم
إلى أن يستغل عقله فيما خلق له من التدبر، فيتأمل وينظر، ويحكم عن
دليل ناطق، وشهادة صحيحة ومن ثم كانت المعرفة المستبصرة ركنا
أساسياً في الإسلام، فمن أسلم من غير فهم وتبصر كان إسلامه
منقوصاً، ا الإسلام الصحيح يقوم على الفهم والإقناع، لا على
التقليد والمحاكاة للآباء.
والعقل فضيلة وهبها الله
سبحانه للإنسان، وأدوع فيها خواص تمكنه من السيطرة على جميع
المخلوقات في الكون، وتسخيرها لمصلحته ونفعه، قال تعالى: (اللَّهُ
الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ
بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ)(47).
وتقترن الآيات الأولى من
القرآن الكريم بالدعوة إلى العلم، قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
(4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(48)، فالعلم قيمة
حضارية أعلى الإسلام شأنها من خلال امتداحها وذم نقيضها الجهل.
لذا فإن الشريعة الإسلامية لا
تفرض أي تعارض بين الدين وبين العلوم النافعة، بعكس ما كانت تفعل
الكنيسة في افتراضها هذا التعارض في أوروبا قبل الثورة على سلطان
الكنيسة، بل الشريعة الإسلامية تدعو إلى تلك العلوم وتحض عليها،
وكلما كان العالم ملتزماً بالإسلام كان أزكي عقلاً فيها، وأعظم
نفعاً للناس.
وكان للقيم العقلية في الإسلام
أثر واضح في تطور الإسلام في المجالات المتمشية مع تطور الحياة،
وذلك باستثناء الأصول العقدية الثابتة أبداً، وهي الأصول المتفقة
مع العقل.
3. القيم
الاجتماعية:
كانت الحالة الاجتماعية في شبه
الجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية، أخلاطاً متنافرة وأمشاجاً
متناثرة، لا انسجام بينها ولا توافق أو تقارب. ذلك أن سكان شبه
الجزيرة كانوا مختلفين اختلافاً شديداً في أحوال الحضارة والمدينة
والبداوة.
كما كانت فكرة القبيلة تسيطر
على العرب قبل الإسلام، فكانوا يعيشون قبائل متناحرة، لا يعرفون
فكرة الأمة، وكل قبيلة تتعصب لأفرادها تعصباً شديداً، فإذا ارتكب
أحدهم جناية شاركته في مسؤوليتها، وإذا قتل لها أحد أبنائها هبت
للأخذ بثأره.
وعندما جاء الإسلام استبدل
القيم الاجتماعية الجاهلية، بقيم جديدة، وأكد فيها فكرة الجماعة
الواحدة التي هي الأمة، قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(49)، وقال جل
ذكره: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)(50).
وقضى على العصبية القبلية، كما
قضى على القانون الجاهلي "الثأثر للدم"، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ)(51).
إن الإسلام دين التسامح
والمصالحة. فمن الناحية التاريخية يمكن إيجاتد هذه الحقيقة بارزة
واضحة تماماً. فالنبي الكريم [ص] لما أذن له الله بالهجرة إلى يثرب
(المدينة المنورة) أخذ على الأنصار عهداً في العقبة، ووضع فيه
أركان النظام، فقال [ص]: "بايعوني على الاّ تشركوا بالله شيئاً"
وهنا يعني خضوع الدولة لما أراد الله، "ولا تسرقوا" وهذا لعصمة
الأموال، "ولا تزنوا" لعصمة الأعراض، "ولا تقتلوا أولادكم" لعصمة
الدم، "ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم" وهذا لأمن
المعاملات ومنع الغش، "ولا تعصوني في معروف" وهذا لإشاعة الخير
وفعله.
ولما هاجر الرسول الكريم [ص]
إلى المدينة، أصدر الصحيفة لأهلها من الأنصار والمهاجرين واليهود،
أكد فيها على حرية العقيدة في الدين والتسامح الديني.
كما نظم الإسلام القواعد
الاجتماعية للأمة، بحيث تكون أمة مثالية، يتعاون أفرادها على
الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، يسودهم البر والتعاطف،
كأنهم أسرة واحدة، زالت بين أفرادها كل الفوارق القبلية والجنسية،
وفوارق الشرف والسيادة الجاهلية.
فالناس جميعاً سواء في الصلاة،
وفي جميع المناسك، وفي الحقوق والواجبات، ينبغي أن يعودوا إخوة،
يشعر كل منهم بمشاعر أخيه، باذلاً له ولمصلحة هذه الأمة كل ما
يستطيع، فهو لا يعيش لنفسه وحدها، وإنما يعيش أيضاً للجماعة، ومن
ثم وضع نظام الزكاة، وعدها ركناً أساسياً في الدين، فواجب كل فرد
أن يقدم من ماله سنوياً قرضاً مكتوباً عليه للفقراء، وللمصلحة
العامة(52).
وبذلك أصبح للفقير حق معلوم في
مال الغني، يؤديه إليه راضياً، ومدّ القرآن الكريم هذا الحق، فدعا
إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى، لا الزكاة فحسب، بل كل ما يهبه
الإنسان تقربا إلى الله سبحانه، ورغبة في حسن المثوبة، قال تعالى:
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ
لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(53)، وقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ
يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ
وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ)(54).
وعني الإسلام فضلاً عن ذلك
بتنظيم العلاقات العامة بالميراث، وتنظيم المعاملات التبادلية في
السلع والمنتوجات، ونظم حقوق المرأة، ورعاها خير رعاية حيث كانت
مهضومة الحقوق في الجاهلية، كما حرم البغاء، ونظم الزواج، وجعله
فريضة محببة إلى الله سبحانه وتعالى، ونعمة من نعمه، قال تعالى: (وَمِنْ
آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(55).
هذه بعض من القيم الاجتماعية
التي دعا إليها الإسلام، وحث على ضرورة الأخذ بها؛ حتى تستقيم
وتنتظم أحوال المجتمع الإسلامي.
4. القيم
الإنسانية:
إن الدين الإسلامي يعنى
بالإنسان، ويهتم بالمجتمع. لذا فإن تاسيس الدول ليس من صميم الدين،
ولكنه من طبيعة البشر وظروف المجتمعات البشرية، وعندما ترتقي
الطبيعة البشرية ويسمو المجتمع الإنساني، سوف يصبح المجتمع الدولي
كله مجتمع الإنسان. ودليل اهتمام الدين الإسلامي بالإنسان أولاً،
أنه ظل فترة طويلة يأخذ المسلمين يكبح النفس ويعودهم الصبر على
المكاره، ولا يأذن لهم بالقتال إلا عندما جاءهم المشركون
لمحاربتهم، قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ)(56).
إن الدين الإسلامي فرض السلام
أصلاً ودعا إليه كقيمة عظيمة تميز المسلمين، قال تعالى: (وَإِنْ
جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(57).
فالإنسان هو الكائن المكرّم،
المفضل على سائر المخلوقات، خلق في أحسن تقويم، وسوي وركب وعدل في
أروع صورة، ووهب من الخواص الذهنية ما يحيل بها كل عنصر في الطبيعة
إلى خدمته، قال تعالى: (وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى
كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(58).
والإنسان خليفة الله سبحانه في
الأرض، ووكيله فيها، خلقه ليسودها، ويخضع كل ما في الوجود لسيطرته،
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي
مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)(59).
وجاء الإسلام والاسترقاق راسخ
متأصل في جميع الأمم، فدعا إلى تحرير العبيد، وتخليصهم من ذلّ
الرق، ورغب في ذلك ترغيباً واسعاً، فأخذ كثير من الصحابة [رض]
يفكون رقاب الرقيق بشرائهم ثم عتقهم وتحريرهم، وجعل الإسلام هذا
التحرير تكفيراً للذنوب مهما كبرت، قال تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا
وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ)(69).
واحترم الإسلام حقوق الإنسان،
ووسعها، وأكدها في الدين نفسه، فنصّ القرآن الكريم على أنه (لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
الْغَيِّ)(61) والناس لا يكرهون على الدخول في الإسلام، بل يتركون
أحراراً وما اختاروا لأنفسهم، وبذلك يضرب الإسلام أروع الأمثلة
للتسامح، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ
تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(62)، والحرب
في الإسلام لم تكن حرباً عدوانية، بل كانت دفاعاً عن دين الله
تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ)(63)، والإسلام دين سلام، يدعو إلى السلم، قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُبِينٌ)(64).
يحظى الإنسان –حسب رؤية القرآن الكريم- بكرامة خاصة، وحيث إن جوهر الحياة
الإنسانية يكمن في حفظ الكرامة والعزة، لهذا منع الإسلام أي عمل
يضر بذلك. وبعبارة أكثر وضوحاً منع منعاً باتاً التسلط على الآخرين
أو إذلالهم، لكي يعيش المرء حراً كريماً بعيداً عن أي شكل من أشكال
الذل والهوان والتسلط.
فالإسلام دين سلام للإنسانية كلها، يريد لها الأمن والطمأنينة، ومن
تتمة ذلك ما وضعه من قوانين في معاملة الأمم المغلوبة سلماً
وحرباً، تلك القوانين التي تقوم على العهود والوفاء بها، وإخلاص
النية في التزامها(65).
بهذه القيم انتشر الإسلام، ولا يزال ينتشر بقوته الذاتية، وذلك
برغم تكالب أعدائه عليه من كل جانب.
هكذا يمكن القول أن الحضارة في الإسلام، تستمد وجودها، وبقاءها،
وأسباب نموها، وازدهارها من القيم الإنسانية الخالدة النابعة من
معين روحي، هو العقيدة الصالحة، التي تحرر الإنسان من نزعاته
الفردية، وتحفظ عليه خصائصه الإنسانية، وتعصمه من الانحراف في
توجيهها أو في ممارستها.
هوامش البحث:
...........................
(1) ابن منظور: لسان العرب، مادة (قوم).
(2) منشورات رسالة الجهاد: ندوة الدين والتدافع الحضاري، مجلة
رسالة الجهاد، (جمعية الدعوة الإسلامية)، 1989، ص82.
(3) صليبا، جميل: المعجم الفلسفي ط1، (بيروت، دار الكتاب
اللبناني)، 1973م، ص82.
(4) ابن منظور: لسان العرب، مادة (حضر)، مرجع سابق.
(5) ابن خلدون "عبد الرحمن أبو زيد ولي الدين": المقدمة، ط1
(بيروت، دار الكتاب اللبناني) 1947، ص168.
(6) المرجع السابق، والصفحة نفسها.
(7) المرجع السابق، والصفحة نفسها.
(8) ابن خلدون: مقدمة، مرجع سابق، ص38.
(9) ندا، طه: فصول من تاريخ الحضارة الإسلامية، ط1، (بيروت، دار
النهضة)، 1976م، ص9.
(10) كروزيه، موريس: تاريخ الحضارات العام، ترجمة عويدات،
ج1، (بيروت، دار الكتاب العربي)، 1964م، ص17.
(11) ديورانت، ويل: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، ج1، ط1،
(القاهرة، دار المعارف)، د. ت.، ص3.
(12) ابن منظور: لسان العرب، مادة (مدن)، مرجع سابق.
(13) ابن خلدون: المقدمة، مرجع سابق، ص371.
(14) زريق، قسطنطين: في معركة الحضارة، ط1، (بيروت، دار
العلم للملايين)، 1964م، ص32.
(15) الشرقاوي، عفت: في فلسفة الحضارة الإسلامية، ط4 (بيروت،
دار النهضة العربية)، د. ت.، ص17.
(16) صابر، محي الدين: التغيير الحضاري وتنمية المجتمع، ط1،
(بيروت)، 1962م، ص41.
(17) ديورانت، ويل: قصة الحضارة، ج1، مرجع سابق، ص5.
(18) ثقفته: إذا ظفرت به، قال تعالى: (فإما تثقفنهم في
الحرب) سورة الأنفال، الآية 58. وثقف الخل: حذق وحمض جداً. وثقف
الرجل: ظفر به. الثقاف والثقافة: العمل بالسيف. والثقاف حديدة تكون
مع القواس والرماح، يقوّم بها الشيء المعوج، والثقاف ما تسوى به
الرماح، وتثقيفها: تسويتها. انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة
(ثقف)، مرجع سابق.
(19) ابن منظور: لسان العرب، مادة (ثقف)، مرجع سابق.
(20) سورة الحجرات، الآية: 13.
(21) منشورات رسالة الجهاد: ندوة الدين والتدافع الحضاري،
مرجع سابق، ص84-85.
(22) سورة العلق، الآية: 1.
(23) الحنيفية: لفظ مأخوذ من لفظ حنيف العبري، كان اليهود
يطلقونه على كل من يختتن دون أن يعتنق اليهودية. كما كان العرب
يطلقونه على الإنسان المستقيم. للمزيد من المعلومات، يراجع: تاريخ
اليهود في بلاد العرب، للدكتور إسرائيل ولفنسون، ص: 79.
(24) وكلتاهما جاءت من بلاد فارس، والمانوية تنسب إلى
(لماني) الذي يشربها في القرن الثالث الميلادي، وأعلن نبوته سنة
242م. وهي متأثرة بالبوذية والغنصوية تأثراً واضحاً.
(25) سورة المائدة، الآية: 4.
(26) سورة آل عمران، الآية: 31.
(27) المرجع السابق، ص86.
(28) سورة النساء، الآية 43.
(29) سورة البقرة، الآية: 2.
(30) سورة البقرة، الآية: 182.
(31) سورة الحج، الآية: 25.
(32) سورة آل عمران، الآية: 97.
(33) سورة البقرة، الآية: 42.
(34) سورة المائدة، الآية: 92.
(35) سورة آل عمران، الآية: 191.
(36) سورة النحل، الآية: 78.
(37) سورة الأنعام، الآية: 166.
(38) سورة فصلت، الآية: 36.
(39) سورة الأنبياء، الآية: 103.
(40) سورة الأعراف، الآية: 179.
(41) سورة الإنسان، الآية: 3.
(42) سورة الكهف، الآية: 29.
(43) سورة الرحمن، الآية: 60.
(44) سورة التوبة، الآية: 91.
(45) سورة يوسف، الآية: 90.
(46) سورة النحل، الآية: 90.
(47) سورة الجاثية، الآيتان: 11 و12.
(48) سورة العلق، الآيات: 1-5.
(49) سورة الأنبياء، الآية: 91.
(50) سورة آل عمران، الآية: 110.
(51) سورة الحجرات، الآية: 13.
(52) منشورات رسالة الجهاد: ندوة الدين والتدافع الحضاري،
مرجع سابق، ص89.
(53) سورة البقرة، الآية: 243.
(54) سورة البقرة، الآية: 260.
(55) سورة الروم، الآية: 20.
(56) سورة البقرة، الآية: 19.
(57) سورة الأنفال، الآية: 61.
(58) سورة الأسراء، الآية: 70.
(59) سورة الأنعام، الآية: 167.
(60) سورة النور، الآية: 33.
(61) سورة البقرة، الآية: 254.
(62) سورة يونس، الآية: 99.
(63) سورة البقرة، الآية: 189.
(64) سورة البقرة، الآية: 206.
(65) أسد "محمد": منهاج الحكم في الإسلام، ط1، (القاهرة- دار
المعارف) د.ت.، ص101.
..........................
(*)
كلية المعلمين- جامعة السابع من أبريل- ليبيا