الحضارية «دراسات اسلامية»

 الإثنين : 14/09/2009  

 

 

دور العلم والمعرفة في الإسهام الحضاري 

 

د. قاسم بشرى حميدان(*)

 

 

لقد استخدم القرآن الكريم كلمه العلم ومشتقاتها استخداماً كثيراً، وفى أولى الآيات التي نزلت على الرسول (ص)  يدور الحديث عن القراءة والقلم وتعليم العلم للإنسان كما قال تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ([1]).

وحين يشير القرآن الكريم إلى خلق آدم u يقول إنَّ الملائكة سجدوا لآدم بعد تعلُّمه الأسماء تصديقاً لقوله تعالى (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)([2]).

وهذا العلم الذي تعلمه آدم  عليه السلام عبارة عن صفات الأشياء ونعوتها وخواصها([3]).

وهذا صميم العلم بالأشياء ومعرفة علاقات بعضها ببعض للاستفادة من ذلك بتطويعها لتيسير الحياة. ولكننا نجد أنَّ عدداً من علماء الإسلام يركزون على معارف دينية خاصة في حين أنهم لا يولون العلوم الأخرى أهمية ولا يعتبرونها ضرورية إلا إذا احتاج إليها المجتمع وساعدت على سد نواقصه لكن والحق يقال إنَّ الإسلام لو كان يهتم بعلم خاص لكان الرسول e صرح به .إضافة إلى ذلك يمكن بالاستفادة من القرآن والسنة إثبات أنَّ العلم الذي يعنيه الإسلام لا يضع حدوداً للعلم لكنه قي الوقت ذاته يدعو المسلمين إلى البحث عن العلوم المفيدة والنافعة وينقل عن الرسول e قوله: (اللهم أني أعوذ بك من علم لا  ينفع)([4]).

فالعلم الذي يساعد الإنسان للقيام بالدور الذي حدَّده له سبحانه وتعالى يُعَدُّ علماً نافعاً وإلاَّ فإنَّه يكون مضراً. ويتضح من خلال القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة أنَّ تعلُّم هذه العلوم يشكل ضرورة للأُمَّة، وذلك من ناحيتين:

[1] دور هذه العلوم في معرفة الله سبحانه وتعالى.

[2] دور هذه العلوم في الإسهام الحضاري.

فالقرآن الكريم كما أنَّه كتاب شريعة؛ فإنَّه أيضاً كتاب لجميع العلوم، ولما كان الإسلام ديناً عالمياً وفق ما ينص عليه القرآن الكريم بقوله عزَّ وجلَّ (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)([5])، وقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)([6]). وبما أنَّ هدف الإسلام هو إقامة مجتمع يقوم على أساس التوحيد؛ فإنَّ مثل هذا المجتمع إذا ما أراد أنْ يحقق مفهوم آية (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا)([7])، بأنَّ على المسلمين ألا يخضعوا لسلطة حضارة ما، وأنْ يكونوا مستقلين ومكتفين ذاتياً من جميع النواحي، كما أنَّ تحقيق كل أمر من شأنه أنْ يقوي ويعزز المجتمع، فإنَّ توفيره يُعَدُّ واجباً كفائياً.

وبما أنَّ كافة الأمور تقوم اليوم على أساس العلم والمعرفة، وأصبح هذان العاملان سبباً لتفوق بعض الشعوب على بعض؛ فيلزم على المسلمين أنْ يتعلموا جميع العلوم والفنون التي تساعد على ضمان تفوقهم، وعليهم إعداد أفضل الاختصاصيين، كما يلزم تهيئة أفضل الإمكانات الفنية لكي لا تكون هذه المجتمعات محتاجة للآخرين، فمثلاً أنَّ الطبابة واجب كفائي، لكن المسلمين في عصرنا هذا قد فاقهم كثير من الشعوب غير المسلمة في هذه المهنة، وهم يبحثون بكل عمق في العلوم النظرية والجدلية، وتمتلئ المدن بالفقهاء الذين يشتغلون بالفتوى والإجابة على أحكام الوقائع، ولا ندري كيف يجيز الدين الانشغال بواجب كفائي انشغلت به مجموعة من الأفراد، وإهمال واجب كفائي آخر متروك. ولهذا نجد أنَّ نسبة المتعلمين في الدول الصناعية 95% من مجموع السكان، فيما تبلغ نسبة المتعلمين في العالم الثالث 55% من مجموع السكان، ولكن هذه النسبة تصل إلى 34% من مجموع سكان العالم الإسلامي.

وهناك اختلاف في هذه النسب، ففي أمريكا والاتحاد السوفيتي واليابان تصل نسبة المتعلمين إلى 99%، أمَّا في الباكستان؛ فإنَّ هذه النسبة تقل عن الـ 50% كثيراً([8]).

ولعل السبب في ذلك ـ كما يبدو لي ـ أنَّ هؤلاء قد عرفوا منهجاً يتعاملون به مع الطبيعة وغفل المسلمون عن هذا المنهج، مع أنَّ القرآن الكريم قد نبه إلى هذا المنهج ليستفيد منه الناس في حياتهم ومعاشهم بما يؤهلهم للقيام بأعباء الخلافة في الأرض. ويجدر بنا أنْ نبيِّن هذا المنهج من ناحيتين:

[أ] منهج معرفة الطبيعة:

توجد في القرآن الكريم أكثر من (750) آية تشير إلى الظواهر الطبيعية، حيث إنَّ القرآن الكريم في أغلب هذه الآيات يوصي بمطالعة كتاب الطبيعة والتدبر فيه، ومن الطبعي أنَّ القرآن كما أكَّد ذلك كثير من العلماء لم يأتِ كتاباً يستعرض العلوم الطبيعية وإنما هو كتاب هداية، فإذا وجدنا أنَّ القرآن الكريم يتحدث عن الظواهر الطبيعية فإنَّ ذلك لكي يدفع الناس من خلال البحث والتعمُّق والتدبُّر في الموجودات الطبيعية للوصول إلى عظمة الخالق المدبر للعالم، وبالتالي التقرُّب إليه، والموجودات الطبيعية من وجهة نظر القرآن الكريم، آيات للحق تبارك وتعالى، والباحث الطبعي يجب أنْ ينظر إليها باعتباره باحثاً في الآيات الإلهية يعمل على أنْ يوصلنا من خلال هذه الآيات إلى خالق الآيات([9]).

ومن أمثلة هذه الآيات قوله تعالى(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[10])، (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)([11])، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)([12])، (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)([13])، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)([14])، (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ)([15]).

وغيرها من الآيات كثير، كلها تلفت النظر إلى الطبيعة والتدبُّر والتفكُّر فيها، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد أودع في النفس الإنسانية القدرة التي تستطيع بها من خلال السعي والاستعداد من الفيض الإلهي أنْ تصل بالتدريج إلى الكثير من الآيات الأفقية والنفسية الحقة لقوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)([16]).

وهذه الآية تتكفل مسألة الهداية الإنسانية في جميع المجالات الحيويّة، ولذا فمن الطبيعي أنْ يكتسب الإنسان المبادئ الهادية في مجال التحقيق في العلوم الطبيعية، ولذا فإنَّ الهدف من البحث في العلوم الطبيعية يجب أنْ يتلخص في رؤية آثار القدرة الإلهية والاستفادة من الإمكانات المتوافرة لصالح الإنسان وإيصاله إلى السعادة الأبدية.

إنَّ البحث في الطبيعة لمجرد إشباع حب الاستطلاع في الإنسان ليس أمراً مقبولاً من وجهة نظر القرآن، لأنَّ عملية معرفة الطبيعة يجب ألا تقف عند حد الوسائط فقط، بل يجب أنْ تذكِّر بالله تعالى دائماً.

إنَّ الاعتقاد الراسخ بالتوحيد يبعث الباحث على ألا ينظر للطبيعة وكأنها مركبة من أجزاء منفصلة بل يراها في ترابط تام ناشيء من صانع واحد، وقد أظهرت تجارب القرون السالفة أنَّ العلماء كانوا يسعون دائماً للكشف عن أطروحة تعبر عن مجموع الطبيعة، فكان لليونانيين تفسيراتهم عن العالم كله، وفي العالم الإسلامي كانت هناك مدارس تسعى لتعطي نماذج تعبر عن ترابط أجزاء الطبيعة، وفي السنين الأخيرة انصبت جهود العلماء والمتخصصين في الفيزياء النظرية على إرجاع الطبيعة إلى أصل واحد، والاختلاف الموجود بين الماديين وغيرهم هو وقوف الماديين عند الظواهر، في حين رأى غيرهم أنَّ وحدة التدبير تعبر عن وحدة المدبر.

وقد عبَّر القرآن الكريم عن الموقف الأول في الآية الشريفة (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)([17])، في حين عبَّرت الآية التالية عن الموقف الثاني بقوله عزَّ وجلَّ (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)([18])، وقد أكَّد القرآن الكريم بشدة على النظام في الظواهر والنظم الطبيعية والتناسق التام بين الأجزاء المختلفة للطبيعة بقوله (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)([19])، وبقوله (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)([20]).

إنَّ الإيمان بوجود النظام في الطبيعة يشكل عاملاً قوياً في تشجيع الباحثين على كشف الطبيعة، وبدونه فإنَّ أي نوع من السعي للكشف عن العلاقات والقوانين في الطبيعة يعد عبثاً، لأنه لا يملك قيمة عامة عالمية، فهو في الحد الأقصى يملك حينئذ قيمة مؤقتة لا غير ([21]).

[ب] ضرورة المنهجية العلمية في مجال البحث والفكر:

انطلاقاً من قوله تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)([22])، ومن قوله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)([23]).

وفي هاتين الآيتين إشارة واضحة إلى ضرورة اتباع المنهجية العلمية في مجاليْ النظر وإجالة الفكر. وإذا كان ذلك كذلك؛ فلا بُدَّ إذاً من ضرورة قيام منهجية علمية محكمة في مجالات العلوم الطبيعية والفكرية، لأنَّ تلك إنَّما هي من صنعة الله الواحد الأحد ـ كما سلف ـ مدللة عليه وعلى وحدانيته، والمنهجية العلمية هي الآلية التي يستضاء بها في كشف المجهول للوصول إلى المطلوب.

وفي عصرنا الراهن تُعَدُّ الجامعات هي المراكز الأساسية لهذا النشاط العلمي المهم، بما لها من وظيفة رئيسة في تشجيع البحث العلمي وتنشيطه وإثارة حوافزه وفق قانون يحكم أي محاولة للدراسة أو التعليم على أسس سليمة.

فالبحث العلمي لا ينطوي فقط على جانبه الشكلي المتمثل في ضرورة اتباع قواعد معينة، وإنَّما هو يعني بالدرجة الأولى التجرد من الأهواء واتباع الموضوعية في الحكم وتقييم النتائج ونبذ الإنشائية والعاطفية في التفكير والتعبير على السواء.

ويرتبط المنهج العلمي في تاريخه الطويل بمحاولة الإنسان الدائبة للمعرفة وفهم الكون الذي يعيش فيه، وقد ظلت الرغبة في المعرفة ملازمة للإنسان منذ المراحل الأولى لتطور الحضارة. وعندما حمل المسلمون شعلة الحضارة للإنسان ووضعوها في مسارها الصحيح كان هذا إيذاناً ببدء العصر العلمي القائم على المنهج السليم.

وأضاف العلماء المسلمون إلى الفكر الإنساني منهج البحث العلمي القائم على الملاحظة والتجريب بجانب التأمُّل العقلي، كما اهتموا بالتحديد الكمي واستعانوا بالأدوات العلمية في القياس.

وفي العصور الوسطى بينما كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل كان الفكر الإسلامي يفجر ـ في نقلة تاريخية كبرى ـ ينابيع المعرفة، ثم نقل الغرب التراث الإسلامي وأضاف إليه إضافات جديدة، حتى اكتملت الصورة وظهرت معالم الأسلوب العلمي السليم في إطار عام يشمل مناهج البحث المختلفة وطرائقه في مختلف العلوم([24]).

وإذا كانت هذه الأُمَّة تستند إلى مصادر معرفية تتسم بالثبات والشمول والإطلاق والتجديد والاستيعاب وإحتواء التنوُّع، فإنَّ النسق الفكري لهذه الأُمَّة ينبغي أنْ يكون على درجة عالية من الضبط والتجديد، سواء في مجال المفاهيم أو المصطلحات أو الأصول والمنطلقات، ومن هنا فإنَّ دخول مفاهيم من خارج هذه المنظومة الفكرية أو استبدال مضامين ومفاهيم أخرى بمفاهيمها واصطلاحاتها أو إثارة قضايا وأسئلة لا تنطلق من ذاتها ولا تعبِّر عن مشاكلها يثير أزمة كبرى داخل عقل هذه الأُمَّة، فالعقل السليم لم يطرح في تاريخه الطويل مناقضة بين منهجه العلمي وإيمانه بوحدانية الله جلَّ وعلا، وذلك لأنَّ العلم والإيمان في البنية المعرفية الإسلامية لا يمكن أنْ يتعارض، إيماناً بقوله تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)([25]).

فالمنهج المتبع في هذه الحالة هو البحث المستمر في تقويم التجربة إذا عارضت ما صحَّ من النقل خلافاً للمنهج الأوروبي الكنَسِيّ الذي قدَّم العقل على النقل، وفصل بين العلم والدين، بل وجعلهما نقيضين، وعندما تواصل العقل المسلم مع الفكر الأوروبي في مرحلة ضعف الأول وتراجعه وقوة الآخر وهيمنته، نقل العقل المسلم عن العقل الأوروبي كل منظومته الفكرية وتلبس بخبرته التاريخية فاعتبر القضايا التي عاشها الفكر الأوروبي في تاريخه هي قضاياه وإشكالاته المنهجية هي إشكالاته حتى ظنَّ بعض الناس بل ربط التقدُّم العلمي المادي الأوروبي بفصل العلم عن الدين ورفض الدين إذا تعارض ظاهرياً مع ما توصل إليه العلم وإعطاء العلم سيادة مطلقة، ونسي أنَّ العلم والدين شيء واحد وليس الخلل في أحدهما، بل الخلل في منهجه هو، ألم يسمع بقول الله تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)([26]).

وقد بيَّنت هذه الآية أنَّ الله سبحانه وتعالى هو خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرِّف فيها، وكلٌ تحت تدبيره وقهره، وأنَّ مفاتيح هذه الأشياء بيده سواء أكانت في السموات أو في الأرض([27]).

وزعموا أنَّه ينبغي للمسلمين لكي ينهضوا من جديد أنْ يتركوا الدين للأفراد وعلاقتهم بالله ليصبح قضية فردية، وأنْ يسعوا للوصول للعلم كما تفهمه الخبرة الغربية بمعزل عن الدين وقضاياه، وحقيقة إنَّ المنهجية الفكرية تقتضي منظومة مفاهيمه تنظيم العلاقات كلها بين الله تعالى والكون والإنسان تنظيماً ينعكس على سائر شئون الحياة، ولذلك فإنَّ مفهوم الدين في حد ذاته يشمل العديد من محتويات مفهوم العلم وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل، ولذا فالمفهومان متداخلان وغير متقابلين، ومن ثم فالفصل بينهما فصلا لا ينبع من العقل السليم الذي يدرك طبيعة العلم والدين([28]).

وليس المهم في هذا المقال وجود العقول المفكرة؛ ولكن المهم كيف توجه هذه العقول لتؤتي أكبر قدر من الفعالية في ظل كيان حضاري له سماته وخصائصه العقدية والفكرية؟ وإذا سلمنا أنَّ كل نشاط إنساني يخضع لمجال الأفكار سواء في دوافعه أو في وسائله العملية، فمن الجدير بالملاحظة أنَّ كل نشاط علمي تكمن في أساسه الفكرة، وإذا عددنا حالات القصور في مجتمع ما أو في حالات فعاليته فإننا نقرر في الحقيقة النتائج الموضوعية لعالم أفكاره في حالته الراهنة وأنه من خلال بعض التصرفات ينشأ الزيغ من جيل إلى جيل، والفكرة التي من هذا القبيل هي دائماً فكرة خذلت نموذجها المثالي وينعكس المرض على المجتمع الذي يصاب بنتائج أي انحراف في الفكر، وبهذا تصبح الأفكار في أوسع معانيها نظاماً للإدراك الجماعي الذي لا بُدَّ من أنْ يعبِّر عن الانتماء لهوية ما لها أسسها ومقوماتها، وكلما اقترب الإنسان من هذا النموذج المثالي الذي تحدده هويته وانتماؤه الحضاري كلما ازداد توغلاً في فعالية نشاطه الفكري في محيط مجتمعه وأمته([29]).

والأمر لا يتوقف على الارتباط بين عالمي الأفكار والأشياء، ولكن لا بُدَّ من ارتباط الأفكار التي تسهم في صياغة الحدث الحضاري فيما بينها، وأنَّ كل تلف يطرأ على روابط الأفكار فيما بينها لا بُدَّ من أنْ يتولد عنه اضطراب في الحياة الاجتماعية، ولا سيما عندما يصل انفصام هذه عن نماذجها المثالية في منتهاه، وعندما تفقد قوالب الأفكار شكلها الأصلي في النفوس وتصبح الأفكار الموضوعية والمنصهرة في هذه القوالب بدون شكل وبدون تناسق فعندئذ تموت الأفكار وتظل العقول خاوية، ويعود المجتمع للطفولة من جديد، وتظهر في هذا المجتمع الذي عاد إلى الطفولة ظواهر غريبة لتعويض قصوره في أفكاره، ويكون هذا المجتمع مرغماً الاستعاضة ببدائل ولا سيما في أوجه نشاطه الفكري. وإذا حدث في الوقت ذاته أنْ فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ساحقاً، أما إذا استطاع أنْ ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء أو أنه يستطيع أنْ يعيد بناء (عالم الأشياء)([30]).

وقد حدث هذا عندما غابت المنهجية الفكرية، وتحولت المنجزات والكشوف العلمية إلى سلاح يشهر في وجه الإنسان وليس لصالح الإنسان، لأنَّ إنتاج القنابل الذرية والهيدروجينية واستعمالها في اللحظات الصعبة ـ كما حدث في هيروشيما ونجازاكي ـ ليؤثر بشكل واضح على الكارثة التي يمكن أنْ يساق إليها الإنسان والبشرية إذا أتيح للفكر أنْ ينطلق من غير منهجية فيخرج عن مطالب الإيمان العليا، ولا ينضبط بالقيم والموازين الإلهية العادلة التي تجعل القوة والحكمة ـ دوماً ـ في كفتي ميزان. إذاً إنقاذ الأفكار والمنهجية الفكرية ضرورة قصوى لا بُدَّ منها، لأنَّ تقليد الفكر الغربي أو استيراده لا ينشيء حضارة أو يعيد بناءها بعد تفككها ودمارها. إنْ هذا حدث يصنع في أفضل حالات نجاحه عالماً ثالثاً يدور في فلك حضارة الغير، وقد يتقدم في سلم المدنية المادية، ولكنه على المستوى الحضاري لا يملك خرائطه الثابتة المتميزة على سطح الكرة الأرضية.

إنَّ اليابان والصين مثلاً إذا قدرتا على تجاوز المرور في هذه القناة الضيقة، خرجتا من معركة التحدي وهما أكثر قوة وتملكان في عالمنا المعاصر ثقلهما وحضورهما وتميُّزهما الملحوظ([31])، وما ذلك إلاَّ لأنَّ الكون يخدم الإنسان مجاناً إذا فهم الإنسان كيف يوجه الأوامر إلى الكون، وتزداد قدرة الإنسان على تسخير الكون كلما زاد فهم الإنسان لكيفية توجيه الأوامر إلى الكون، وتوجيه الأوامر هو: معرفة السنن ـ ودليل هذا أنَّ إنتاج الأرض والحيوان والنبات والحديد ـ كل هذا يزداد إذا فهم الإنسان سننه، أي تزداد طاعة الكون له، وكأنَّ هذا الكون خلقه الله خادماً مطيعاً للإنسان، ولكن شرط الله على الكون ألا يطيع الإنسان إلاَّ إذا دعاه عن طريق معين، فإذا دعاه من غير هذا الطريق فلا يستجيب الكون ويظل معرضاً صامتاً أمام الإنسان.

إنَّ الذي لا يعرف كيف يحرك الكون هو إنسان جاهل للنداء الذي يستجيب الكون على نغمته، وهذا النداء هو كشف السنن واستخدامها، وهو تفاعل مع النداء الإلهي الذي يدعو إلى الاستفادة مما خلق الله تعالى لتسخيره لنا، لقوله عزَّ وجلَّ (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)([32]).

فإنَّ القفل كما يستعصي أنْ يفتح بغير مفتاحه، كذلك الكون لا يستجيب إلاَّ بعد سماعه كلمة السر. وكذا السيارة مهما كانت مستعدة للحركة فإنها لا تتحرك مع من لا يعرف فن قيادتها، بل كل الآلات لا تتحرك للإنسان الذي يجهل كيف يحركها([33]).

فالتسخير يزداد بازدياد العلم، وهو يأتي نتيجة للعلم بسنن الله في خلقه، فالعلم والتسخير والسُّنَّة (القانون) كلها أمور مرتبطة بعضها ببعض، فالسُّنَّة قانون الله، والعلم هو معرفة هذه السنن، والتسخير نتيجة هذه المعرفة.

ومن هنا نعرف أهمية العلم، فإذا فهم المسلم معناه جيداً فسيشهد هذا العلم بصدق الإيمان بالله وباليوم الآخر وضرورتهما، كما شهد العلم بصدق قوانين الجاذبية. حيث تمكًّن الإنسان من التعامل معها ورؤية عاقبة هذا التعامل، وكيف أنَّ من يخرج على قوانين الجاذبية ويحاول أنْ يقفز من السطح أو الطائرة دون أنْ يراعي قوانين الجاذبية فإنه يتحطم.

وكلمة السر التي تجعل الكون مستنفراً لخدمة الإنسان يبدأ الحصول عليها باستخدام السمع والبصر والفؤاد، وإنَّ الذين لا يستخدمون أجهزة الوعي التي منحها الله لهم، لا يسخر لهم الكون، بل ينظر إليهم بسخرية. ولو قدر له أنْ يتكلَّم لقال لهم: كيف أتسخر لكم وأنتم لا تزالون مثلي، ولم تستخدموا مزاياكم ـ السمع والبصر والفؤاد ـ التي ميزكم الله بها عن سائر المخلوقات([34]).

إنَّ استخدام هذا الجهاز الثلاثي هو الذي جعل الإنسان خلقاً آخر غير بقية المخلوقات يبني ويعمر ويرتقي في سلم الحياة ليصل إلى السعادة الأبدية.

 

 

..........................

(*) أستاذ مساعد، عميد كلية القرآن الكريم بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية (السُّـودان ـ أم درمان).

 


 

الهوامش:
.................................

   ([1]) سورة العلق، الآيات (1-5)

([2]) سورة البقرة، الآيتان (31-32).

([3]) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، للإمام فخر الدين الرازي، طبعة جديدة مصححة ومخرَّجة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1411هـ، 1990م، 1/161.

([4]) مسند الإمام أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت، بدون طبع، 2/167. جزء من حديث: (اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، وقلب لا يخشع..).

([5]) سورة الأعراف، الآية (158).

([6])سورة سبأ، الآية (28).

([7]) سورة التوبة، الآية (40).

([8]) القرآن ومعرفة الطبيعة، د. مهدي كلشني، منظمة الإعلام الإسلامي، طهران، ط/1، 1405هـ، 1985م، ص 47.

([9]) المرجع السابق، ص 59.

([10]) سورة يونس، الآية (101).

([11]) سورة الذاريات، الآيتان (20-21).

([12]) سورة العنكبوت، الآية (20).

([13]) سورة الطارق، الآية (5).

([14]) سورة السجدة، الآيات (7-9).

([15]) سورة الروم، الآية (48).

([16]) سورة فصلت، الآية (54).

([17]) سورة الجاثية، الآية (24).

([18]) سورة النمل، الآية (88).

([19]) سورة الرعد، الآية (8).

([20]) سورة الفرقان، الآية (2).

([21]) انظر: القرآن ومعرفة الطبيعية، ص 110.

([22]) سورة يونس، الآية (101).

([23]) سورة الحج، الآية (46).

([24]) البحث العلمي مناهجه وتقنياته، ص 10.

([25]) سورة الإسراء، الآية (85).

([26]) سورة الزمر، الآيتان (62-63).

([27]) ابن كثير، 4/62.

([28]) العلم والإيمان، مدخل إلى نظرية المعرفة في الإسلام، د. إبراهيم أحمد عمر، المعهد العالي للفكر الإسلامي، ط/2، 413هـ، 1992م، ص 3.

([29]) فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي، دراسة إسلامية في ضوء الواقع المعاصر، د. سليمان الخطيب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط/1، 1413هـ، 1993م، ص 160.

([30]) المرجع السابق، ص 162.

([31]) مدخل إلى إسلامية المعرفة، عماد الدين خليل، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط/2، 1412هـ، 1991م، ص 19.

([32]) سورة الجاثية، الآية (13).

([33]) العمل قدرة وإرادة، جودت سعيد، دمشق، ط/2، 1404هـ، 1984م، ص 56.

([34]) المرجع السابق، ص 59.