أهداف نظام الإعلام الإسلامي / 2
د. محمد موسى
البُر(*)

رابعاً :
تجميع طاقات المسلمين:
الإعلام الإسلاميّ لا بُدَّ
أنْ يجعل من أهم أهدافه وأبرزها تجميع طاقات المسلمين. وذلك بعد
أنْ يلح على استنهاضها؛ لأنَّ طاقات المسلمين الآن طاقات مبعثرة
ومعطلّة. والإعلام الإسلاميّ بشتَّى الوسائل المعاصرة
والتَّقليديّة عليه دور هام وهدف سامٍ، وهو تجميع طاقات المسلمين.
والسُّؤال هو: ما هي طاقات
المسلمين، وكيف يمكن للإعلام الإسلاميّ أنْ يقوم بتجميع طاقات
المسلمين؟
والسُّؤال الثَّاني: هل طاقات
المسلمين الآن مشتّتة، وما سبب هذا التَّشتُّت؟
وهو سؤال كذلك يجيب عليه
الإعلام الإسلاميّ من خلال منهج يعرض لأسباب التَّشتُّت وأضراره.
الطَّاقات التي ينبغي أنْ يسعى
الإعلام الإسلاميّ لتجميعها كثيرة ومتعدّدة، وسنستعرض ثلاثاً فقط
من طاقات المسلمين، الطاقات: الثَّقافيّة، والاقتصاديّة،
والسِّياسيّة.
وتقف على رأس هذه الطَّاقات ـ
التي تستحق التَّجميع ـ طاقة المسلمين الثَّقافيّة المنبثقة من
العقيدة الإسلاميّة، وهي التي تُحدِّد هوية المسلمين. وهي قوى
روحية تؤدي إلى تماسك المسلمين فكريّاً، ولا بُدَّ للإعلام
الإسلاميّ أنْ يعمل على تجميع المسلمين وتوحيدهم حول ثقافة واحدة،
وتُعَدُّ من الأهداف الهامة للإعلام الإسلاميّ، إذ لا بُدَّ
للإعلام الإسلاميّ أنْ يحمي الذَّاتيّة الثَّقافيّة للأُمَّة
الإسلاميّة.
إنَّ احتكار دول الشِّمال
لوسائل الإعلام أدَّى إلى تعريض الذَّاتيّة الثَّقافيّة لكثير من
الأُمم للخطر، ولا سيما الأُمَّة الإسلاميّة، وفرض نماذج تعكس
قيماً وأساليب حياة غربية، وهو ما يؤدي إلى السَّيطرة الثَّقافيّة
الأمريكيّة، وتبعيّة دول الجنوب ثقافيّاً لدول الشِّمال، وقد
أكَّدت لجنة "ماكيرايد" أنَّ آثار التَّبعيّة الاقتصاديّة أو
الخضوع السِّياسيّ تمنع من قيام استقلال حقيقيّ فعَّال بدون أنْ
تتوفّر موارد الاتّصال التي تتطلّبها حمايته، وقد قيل بحقّ: إنَّه
لا يحقّ للأُمَّة أنْ تدّعي الاستقلال إذا كانت وسائلها الإعلاميّة
تحت سيطرة أجنبيّة.
إنَّ التَّنوُّع والتَّباين من
أهم خصائص الثَّقافة وأقيمها، ولذلك فإنَّ العالم بأسره هو الخاسر
من إجراء احتكار دول الشِّمال لوسائل الإعلام، واستخدامها
للسَّيطرة الثَّقافيّة على الأُمم الأخرى، لذلك فإنَّ التَّصدي
للسَّيطرة الثَّقافيّة ـ وهو مهمة عاجلة اليوم ـ وعلى الأخص من قبل
الإعلام الإسلاميّ الذي ينبغي أنْ يعمل على تجميع طاقات الأُمَّة
المسلمة وحدها في بوتقة واحدة حتَّى تحقِّق الهوية، وتنطلق من قوس
واحدة، وتضرب بسهم واحد، لا سيما وأنَّ المسلمين يتعرّضون لغزو
ثقافيّ أمريكيّ وغربيّ، يهدف إلى تبديد طاقاتهم الفكريّة
والثَّقافيّة، وإلى استعمارهم ثقافيّاً وفكريّاً، وذلك عن طريق
تخبُّط الشُّعوب الإسلاميّة في قالب الحياة الأمريكيّة والغربيّة ـ
كما هو مشاهد ـ وهي أخطر عملية لتغيير هوية الأُمَّة الإسلاميّة.
كما يهدف الغزو الثَّقافيّ إلى تثبيت فكرة "سيادة الجنس الأبيض
وتقدّمه"، وبالتَّالي ضرورة التَّسليم بالسَيادة الأمريكيّة على
العالم، وأنَّ هذه السّيادة الأمريكيّة هي نهاية التَّاريخ، وليس
هناك أيّة فائدة في تجميع طاقة المسلمين الثَّقافيّة لمقاومة هذه
السّيادة. ولذلك لا بُدَّ أنْ تكون من أهم أهداف الإعلام الإسلاميّ
ومسؤوليّاته أنْ يواجه الغزو الثَّقافيّ الأمريكيّ وأنْ يقاومه،
وذلك بتجميع طاقة الشُّعوب الإسلاميّة الثَّقافيّة، وإثارة اعتزاز
المسلمين بهويتهم وذاتيتهم الحضاريّة، ومقاومة عقيدة وعقدة
الدُّونيّة([1]).
في مجال الثَّقافة لا بُدَّ
للإعلام الإسلاميّ أنْ يعيد صياغة العقل المسلم وتشكيله، والوصول
إلى العقل المرتَّب اليوم، وهي دعوة مزدوجة أو ذات هدفين رئيسين:
[1] تصحيح التَّصوُّر ؛ وذلك
بالقدرة على الرُّؤية للخطوط الإسلاميّة والمسارات، وأنْ تكون
متواصلة متكاملة متوازية لا يصطدم بعضها بالبعض بالآخر، لتأخذ
بعدها بضبط وربط. والقدرة على تكوين العقليّة التي تمتلك أبجديّات
الثَّقافة الإسلاميّة، التي تستطيع من خلالها أنْ تفسِّر الظَّواهر
الاجتماعيّة تفسيراً إسلاميّاً. وتصدر عن تصوُّر شامل للكون
والحياة والإنسان، ولا تقع فريسة للتفسيرات غير الإسلاميّة، كما
أنَّها لا تبقى مهوشة غير قادرة على التَّوازن والاعتدال.
[2] تخليص العقل من التَّركيز
على النَّظرة الجزئيّة؛ لأنَّ التَّركيز عليها يؤدي إلى آفات
عقليّة أقلّها العجز والانحسار، كما يؤدي إلى تضخيم دور بعض الفروع
والجزئيّات، الأمر الذي يقتل الإبداع، ويصيب قدرة العطاء عند
الإنسان، ويوقع في التَّقليد ويحرم صاحبه من الإفادة من جهود
الآخرين، سواء كان ذلك بالتَّعامل مع التُّراث أم بالقدرة على
استلهام الكتاب والسُّـنَّة لمواجهة حاجات العصر المتجدّدة([2]).
تجميع طاقات المسلمين
الثَّقافيّة وتوحيد مشاربهم الثَّقافيّة يؤدي إلى وحدة فكريّة،
وإلى تجميعهم وتجميع طاقاتهم الثَّقافيّة، وبالتَّالي يؤدي إلى
وحدة فكريّة، والوحدة الفكريّة تؤدي بالطَّبع إلى وحدة عضويّة.
وهذا كُلّه من أهم أهداف الإعلام الإسلاميّ.
إنَّ تجميع طاقات المسلمين
وتوحّدهم هدف هام لا بُدّ أنْ يسعى إليه الإعلام الإسلاميّ من خلال
طرقه وطرحه لقضيّة الوحدة العضوية التي تقودها الوحدة الثَّقافيّة
والفكريّة، فتجميع طاقة المسلمين الثَّقافيّة والفكريّة هي مقدمة
طبيعيّة لوحدتهم الكبرى المطلوبة والمفقودة الآن. وتجميع بقية
الطَّاقات السِّياسيّة والاقتصاديّة كُلّها طاقات يقع على عاتق
الإعلام الإسلاميّ تجميعها، ذلك لأنَّ هذه الطَّاقات كُلّها
تعرَّضت إلى التَّشتُّت والتَّفرُّق جراء الهجمات الاستعماريّة
المعاصرة. الأمر الذي ألحق أضراراً بالمسلمين على كافّة
المستويّات، وبدَّدت طاقات المسلمين، وكان لا بُدَّ للإعلام
الإسلاميّ أنْ يقوم بتجميع هذه الطَّاقات من خلال الوسائل الحديثة
والتَّقليديّة.
كما أنَّ تجميع طاقات المسلمين
الاقتصاديّة أمر هام، ويُعَدُّ من أهداف الإعلام الإسلاميّ. وهنا
لا بُدَّ أنْ يدعو الإعلام الإسلاميّ إلى التَّكامل الاقتصاديّ
والوحدة الاقتصاديّة في الوطن الإسلاميّ، لا سيما وأنَّ الوطن
الإسلاميّ له مناخات متنوعة وبيئات متنوعة سواءً أكانت زراعيّة أم
معدنيّة، وهي طاقات اقتصاديّة هامة تحتاج إلى التَّجميع
والتَّوحُّد والوحدة الاقتصاديّة في العالم الإسلاميّ. وهي هدف هام
من أهداف الإعلام الإسلاميّ.
الإعلام الإسلاميّ لا بُدَّ
أنْ يبشِّر بهذه الوحدة، ويهتم بتجميع طاقات المسلمين الاقتصاديّة،
ويوضِّح ما يمكن أنْ يترتّب على تجميع طاقات المسلمين الاقتصاديّة.
إذا كان الإعلام الإسلاميّ من أهدافه تجميع طاقات المسلمين، فلا
بُدَّ أنْ يكون من أهدافه تفجير هذه الطَّاقات المعطلّة. وعلى
الإعلام الإسلاميّ أنْ يوضِّح أنَّ النِّظام الاقتصاديّ الإسلاميّ
يقوم على أساس العدالة الاجتماعيّة والمساواة والعلاقات المعتدلة
والمتوازنة. إنّه نظام عالميّ بما يحتويه من قيم أزليّة تؤمَّن
حقوق الإنسان الفرد، وتذكّره بواجباته تجاه نفسه ومجتمعه، فالإسلام
يحرِّم كافّة الاستغلال، ويحترم العمل الشَّريف، ويحدِّث المسلم
دائماً عن كسب قوّته بالوسائل المشروعة والاعتدال في إنفاقها، قال
تعالى : ]وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا
تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا[
[الإسراء: 29].
والإطار العام للنِّظام
الاقتصاديّ الإسلاميّ يتلّخص فيما يلي:
[1] إنَّ مصادر الثَّروة
تُعَدُّ أمانة منحها الله تعالى للإنسان، وجعله سبحانه وتعالى
أميناً عليها مستخلفاً فيها، وعلى ذلك يُحدِّد المسلم جهوده ونشاطه
الاقتصاديّ داخل نطاق هذه الأمانة والثِّقة التي أولاها له الله
تعالى.
[2] إنَّ الثَّروة لا بُدَّ
أنْ تكون مكتسبة بالعمل والجهد وبوسائل مشروعة، ويجب حمايتها
والمحافظة عليها واستخدامها طبقاً لما أمرنا به الله تعالى ورسوله
[ص].
[3] عندما تفي ثروة الفرد
كافّة حاجاته الضَّروريّة والمشروعة دون تقتير أو إسراف فإنَّ عليه
إنفاق الفائض لسد حاجات المحتاجين.
[4] إنَّ التَّطوُّر
والتَّقدُّم من المتطلبات الضَّروريّة، وإنَّ المشاركة في النَّشاط
الاقتصاديّ أمر أوجبه الله تعالى على كُلّ مسلم، فعليه أنْ يعمل
بجد في سبيل إنتاج وكسب ما يفيض عن احتياجاته الفرديّة حتَّى
يتسنَّى له إخراج الزكاة ويساهم في النُّهوض بمجتمعه.
[5] لكُلّ فرد الحقّ في أنْ
ينال أجراً عادلاً جزاء عمله دون أيّ تمييز قائم على أساس الجنس أو
العرق أو اللَّون أو الدِّين.
[6] الكسب الحلال والإرث
المشروع هما أساس الدَّخل الذي يعترف به الإسلام، إنَّ تنمية
الثَّروات وكافّة وسائل الإنتاج يجب أنْ تكون مطابقة لنصوص الشريعة
الإسلاميّة. فالرِّبا، والمقامرة، واكتناز الأموال دون استثمارها
في التَّنمية، وما شابه ذلك من الأمور التي يحرّمها الإسلام كمصدر
للدَّخل.
[7] إنَّ مبادئ المساواة
والأخوة في الإسلام توجب تطبيق حقّ المشاركة العادلة في حالة اليسر
أو العسر، فحقّ الزَّكاة، والصَّدقات، والعفو، والميراث، من مبادئ
التَّوزيع العادل للثَّروة في المجتمع الإسلاميّ.
[8] إنَّ التَّكافل الاجتماعيّ
يعطي المحرومين والمستضعفين والعاجزين الحقّ في ثروات المجتمع،
الذي يُعَدُّ مسؤولاً مسؤوليّة كاملة عن تزويدهم بالمسكن، والملبس،
والمأكل، والتَّعليم، والرِّعاية الصَّحيّة، دون تمييز في السِّن
أو الجنس أو اللَّون أو الدِّين.
[9] يجب إقامة الثَّروة
الاقتصاديّة للأُمَّة الإسلاميّة على أسس من التَّعاون والتَّكامل
لصالح أبنائها([3]).
من أهم أهداف الإعلام
الإسلاميّ تجميع طاقات المسلمين السِّياسيّة وتوحيدها تجاه قوى
البغي والعدوان، وتوحيد المواقف السِّياسيّة، وأنْ يُبشّر بأنْ
يساهم كُلّ مسلم في بناء المصير السِّياسيّ الإسلاميّ على أنْ يقوم
بممارسة السُّلطة مَنْ هو أهل لها إذا توافرت لديه الشُّروط
الفقهيّة المعروفة التي أقرّتها الشَّريعة الإسلاميّة، وأنْ يوضِّح
الإعلام الإسلاميّ أنَّ طاعة السُّلطة الشَّرعية الحاكمة أمر واجب
على كُلّ مسلم طالما أنَّ هذه السُّلطة تطبّق شريعة الله تعالى
وسنة نبيّه [ص]. وعلى الإعلام الإسلاميّ أنْ يوضِّح أنَّ الإسلام
ضمن للأقليّات غير المسلمة الحماية لها ولجميع حقوقها المدنيّة
وحُرِّيَّتها في ممارسة شعائرها([4]).
إنَّ للمسلمين طاقات عديدة في
مجالات مختلفة إذا تم تجميع هذه الطَّاقات يمكن أنْ يقودوا أنفسهم،
ويمكنهم أنْ يقودوا العالم إلى الخير والأمن والرَّفاه والسَّلام.
ومناط الإعلام الإسلاميّ أنْ يقوم بتجميع طاقات المسلمين، وأنْ
يفجّر هذه الطَّاقات حتَّى لا تكون معطلّة، وهي الأخرى من أهداف
الإعلام الإسلاميّ، فإذا كان تجميع طاقات المسلمين واجباً فأنه لا
يتم إلاَّ بتفجير هذه الطَّاقات، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو
واجب.
خامساً:
التَّصدي للحملات التي تواجه المسلمين:
واجه الإسلام على مدى تاريخه
الطَّويل ـ ولا يزال ـ تحديّات وحملات عديدة تستهدف الإسلام
والمسلمين، وتستهدف حقيقة وجود الإسلام، والسَّيطرة الكاملة على
كُلّ أرضه، وكُلّ أرض يذكر فيها اسم الله تعالى، ويصلى فيها على
رسوله محمد [ص].
وبلغت هذه التَّحديّات
والحملات حداً كبيراً من القسوة والبشاعة وصلت إلى حدّ ممارسة
الإبادة الجماعيّة للمسلمين، مثلما يحدث اليوم في: فلسطين، وفي
البوسنة والهرسك، والبلقان، وكشمير، والشيشان، وغيرها كثير من بلاد
المسلمين.
[...]
هناك حملات عديدة ومتنوعة ضدّ
الإسلام والمسلمين إذا أراد الإعلام الإسلاميّ تصحيح المعلومات
الخاطئة عن الإسلام التي تستند عليها الحملات يجب عليه أنْ يبحث عن
الجذور الفكريّة التَّاريخيّة للمواقف المعادية للإسلام والمسلمين،
حتَّى تكون مواجهته لذلك كُلّه مواجهة سليمة مبنيّة على دراسة
عميقة تكشف عن الأسباب الحقيقية للمواقف الغربيّة إزاء الإسلام ولا
تكتفي بدراسة الظَّاهرة من سطحها. ويبرز هنا مجال من أهم المجالات
الجديرة بالدَّراسة وحملة من أهم الحملات التي يتصدَّى لها الإعلام
الإسلاميّ، وهو موضوع الإسلام في تصوُّر علماء الغرب وفلاسفته([5]).
الإعلام الإسلاميّ لا بُدَّ
أنْ يعرف أسباب إساءة الغرب غير المسلم إلى الإسلام والمسلمين، وهي
تتمثَّل في ما يلي:
[1] هناك جدل كبير يدور بين
المسلمين حول ما إذا كانت الشَّريعة الإسلاميّة تتيح للمسلمين
الانخراط في منظمات وهيئات غير المسلمين أم لا.
[2] تأثُّر غير المسلمين في
الخارج بكتب التَّاريخ التي تعكس 1400 عام من الكتابات المسيحيّة
التي تعبِّر عن الجهل بحقيقة الإسلام، كما أنَّها في كثير من
الأحيان تمثِّل تحيُّزاً ضدّ الإسلام وتحاملاً عليه، فتتهمه بأنَّه
دين ضدّ العلم، والثَّقافة، والعقل، والانفتاح، والتَّنوير، ويرفض
القيم الدّيمقراطيّة.
[3] هناك مفهوم خاطئ عند غير
المسلمين مضمونه ومحتواه أنَّ المسلمين كافّة مسؤولون في نظر وسائل
الإعلام في أيّ مكان في العالم عن أيّ عمل مخالف لتعاليم الإسلام
يقع من بعض المسلمين ويُعدّونه يمثِّل وجهة نظر جميع المسلمين في
العالم كُلّه.
[4] يعتقد غير المسلمين أنَّ
تراث المسلمين يتحامل على المرأة، ويفرِّق بينها وبين أخيها الرجل.
والغريب أنَّ الكثيرين من الذين يردّدون تلك الأقاويل يرفضون أيّ
حوار في هذا الشَّأن([6]).
ومن خلال هذا الفهم دخلت إلى
العالم الإسلاميّ ظاهرة التَّغريب التي لا بُدّ للإعلام الإسلاميّ
أنْ يتصدّى لها بوصفها واحدة من الحملات التي تواجه المسلمين.
والتَّغريب هو: مجموعة من
الدِّراسات والثَّقافات والنُّظم التي تجري حول المسلمين وتُطبَق
على مجتمعاتهم وتؤدي بهم في النِّهاية إلى أنْ يتشبّعوا بالفكر
الغربيّ والحضارة الغربيّة المعادية للإسلام، فتغريب المسلمين هو
تحويل ولائهم للغرب ونظمه وعاداته وتقاليده بعد صرفهم عن الإسلام،
الذي شوّه لهم([7]).
والغزو الفكريّ ـ كما هو معروف
ـ حملة خطيرة، إنَّه التَّغيير الذي يجري ـ أول ما يجري ـ داخل
العقول والقلوب، ثُمَّ ينتقل إلى الأخلاق والتَّقاليد والعادات،
ويُخطِّط لهذا التَّغيير علماء النَّفس والاجتماع فوق أجهزة
التَّخابر والإحصاء العامّة المختلفة، ويُعَدُّ الغزو الفكريّ كما
تقدم من أخطر الحملات التي تواجه الإسلام والمسلمين.
والإعلام الإسلاميّ لا بُدَّ
أنْ يكون واحداً من المصدات التي تواجه هذا الغزو، وذلك بشتَّى
وسائل الإعلام. وبما أنَّ الغزو الفكريّ للعالم الإسلاميّ دخل عن
طريق الإعلام لا سيما الصّحافة ـ التي كانت رائدتها الصّحافة
المصريّة ـ؛ فلا بُدَّ أنْ يكون الإعلام ـ لا سيما الإعلام
الإسلاميّ ـ هو الذي يتصدَّى للحملات الفكرية الغازية للعالم
الإسلاميّ .
لقد كان للصّحافة المصريّة دور
طيّب في التَّصدي للحملات ورياح التَّغريب التي كانت تهبّ على مصر
والمجتمع الإسلاميّ خلال الاحتلال الإنجليزيّ على البلاد المصرية
آنذاك، حاربت الصّحافة العادات والتَّقاليد والمظاهر التي كانت
تحاكي عادات وتقاليد الأوربيين، وندَّدت بالمواطنين الذين انزلقوا
إلى الارتماء في أحضان الغرب أو الذين قاموا بتقليد الغرب
والانتصار لحضارته أو ما كان يطلق عليهم في هذه الفترة بـ
"المتفرنجين". والصّحافة وهي تقوم بالتَّصدي للتغريب وحملاته؛ وهي
صحافة إسلاميّة تحقِّق أهداف الإعلام الإسلاميّ في التَّصدي
للحملات التي تواجه الإسلام والمسلمين([8]).
ومن الحملات الضَّارية التي
يتعرَّض لها المسلمون حملات التَّبشير بالنَّصرانيّة، الذي يصحّ
أنْ يقال له: "التَّنصير"، أطلق اسم "التَّبشير" على الحملات
الحديثة المنظمة، وعلى المنظمات الدِّينيّة الغربيّة التي تهدف إلى
تعليم الدِّين المسيحيّ ونشره، وخاصّة في دول العالم الإسلاميّ([9]).
[...]
وحتَّى يمكن للإعلام الإسلاميّ
التَّصدي لهذه الحملات التي تواجه الإسلام والمسلمين كان لا بُدَّ
أنْ يحاول الإعلام الإسلاميّ تشكيل العقل المسلم، ويعيد صياغته
وَفقاً للمفاهيم الإسلاميّة الصَّحيحة في العقيدة والشَّريعة، وذلك
لأنَّ العقل المسلم لحق به كثير من الغزو الفكريّ المعاصر، ولكن
للإعلام الإسلاميّ أنْ يدعو لصياغة العقل المسلم في بعدين:
[1] تصحيح التَّصوُّر :
وذلك بالقدرة على رؤية الخطوط
الإسلاميّة والمسارات الإسلاميّة متواصلة متكاملة متوازية، لا
يصطدم بعضها بالآخر، لتأخذ بعدها بضبط وربط. والقدرة على تكوين
العقليّة التي تمتلك أبجديّات الثَّقافة الإسلاميّة، فتحسن القراءة
الإسلاميّة التي تستطيع من خلالها أنْ تُفسِّر الظَّواهر
الاجتماعيّة تفسيراً إسلاميّاً، وتصدر عن تصوُّر شامل للكون
والحياة والإنسان، ولا تقع فريسة للتَّفسيرات غير الإسلاميّة، كما
أنَّها لا تبقى مهوشة غير قادرة على التَّوازن والاعتدال.
[2] تخليص العقل المسلم من
التَّركيز على النَّظرة الجزئيّة:
لأنَّ التَّركيز على النَّظرة
الجزئيّة يؤدي إلى آفات عقليّة أقلّها العجز والانحسار، كما يؤدي
إلى تضخيم دور بعض الفروع والجزئيّات، الأمر الذي يقتل الإبداع،
ويصيب قدرة العطاء عند الإنسان، ويوقع في التَّقليد ويحرم صاحبه من
الإفادة من جهود الآخرين، سواء أكان ذلك بالتَّعامل مع التُّراث أم
بالقدرة على استلهام الكتاب والسُّـنَّة لمواجهة حاجات العصر
المتجدّدة([10]).
ومتابعة للحملات التي تواجه
المسلمين تبرز واحدة من أهم الحملات المعاصرة التي تواجه الإسلام
والمسلمين، وهي الحملة الصُّهيونيّة المعاصرة، التي استطاعت أنْ
تقيم لها دولة في الوطن الإسلاميّ، وكان ـ ولا يزال الإعلام ـ من
أهم أسلحة هذه الحملة. ولذلك من أهداف الإعلام الإسلاميّ التَّصدي
لهذه الحملة.
[...] ولا بُدّ من تفنيد
ادّعاءات اليهود حول حقّهم المزعوم في أرض الإسلام، وكشف زيفهم
وخططهم. وذلك يكون من خلال التَّخطيط المكافئ لهذه الحملة الجائرة
التي تولَّى كبرها اليهود بما لهم من قوّة في مجال الإعلام، لا
سيما تلك الأكذوبة التي تقول: إنَّ قوّة إسرائيل تفوق قوّة الدُّول
العربيّة مجتمعة. فقد ثبت أنَّ هذا تضليل إعلاميّ يهوديّ لم يجد له
ما يردّه ويكذبه.
ولذلك من أهداف الإعلام
الإسلاميّ كسر هيبة الدَّولة اليهوديّة، وجعلها في نظر المسلمين
الدَّولة التي يمكن أنْ تُغْلَب إذا اتّحد المسلمون ضدّ هذا الكيان
الصَّغير، وهو هدف من أهداف الإعلام الإسلاميّ لا بُدّ أنْ يتخذ له
الوسائل المشروعة المعاصرة والتَّقليديّة.
من الحملات المعاصرة التي
تستهدف الإسلام ما يسمى بـ "قضايا المرأة" إذ إنَّ هناك اتّهاماً
للإسلام بأنَّه متحيّز للرِّجال ضدّ النِّساء، ومسقط لحقوق المرأة.
الإسلام متهم بإهانة المرأة واستضعافها، فهل في كتاب الله تعالى
وسُنَّة رسوله [ص] ما يبعث على التُّهمة؟
القرآن بين أيدينا لم يتغيَّر
منه حرف، وهو قاطع بأنَّ الإنسانيّة تطير بجناحين الرَّجل والمرأة
معاً، وأنَّ انكسار أحد الجناحين يعني التَّوقُّف والهبوط.
ويمكن للإعلام الإسلاميّ أنْ
يرد كيد هذه الحملة بما يورده من القرآن والسُّـنَّة النَّبويّة
الصَّحيحة.
يقول الشَّيخ محمد الغزاليّ:
(نبيّنا [ص] يوصي بأنْ تذهب النِّساء إلى المساجد (تفلات)، أي غير
متعطرات ولا متبرجات. وفي البخاريّ أنَّ النَّبيّ [ص] أجاز أنْ
يُسلِّم الرِّجال على النِّساء، وجاء فيه أنَّ الرَّسول الكريم [ص]
قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: (هذا جبريل يقرأ عليك السَّلام،
وكان في صورة رجل)([11]).
الإعلام الإسلاميّ في مجال
التَّصدي للحملات التي تواجه الإسلام والمسلمين لا بُدَّ أنْ يعرض
الإسلام وتعاليمه عرضاً يخرج من الوجه الدَّميم، ليخدم هدفه في
التَّصدي للحملات التي تواجه الإسلام.
وفي مجال قضايا المرأة يمكن
للإعلام الإسلاميّ أنْ يستدلَّ بما كفله الإسلام للمرأة من حقوق.
فقد كان لها شخصيّة مقدرة وأثر يحسب، يقول المحدّثون: لما نزل قوله
تعالى: ]وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [[الشُّعراء: 214]
صعد رسول الله [ص] الصَّفا ونادى: (يا بني عبد المطلب اشتروا
أنفسكم من الله، يا صفيّة عمّة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله
اشتريا أنفسكما فإنّي لا أغني عنكما من الله شيئاً، سلاني من مالي
ما شئتما) نداء للنِّساء بصوت عال وجهير، وبأسمائهنّ مِمَّا يدلُّ
على الاحترام والتَّقدير.
والحملات التي ينبغي أنْ
يتصدَّى لها الإعلام الإسلاميّ كثيرة ومتجدِّدة. والتَّصدي لها
يظلّ من أهداف الإعلام الإسلاميّ، ولا بُدَّ للإعلام الإسلاميّ وهو
يتصدَّى للحملات هذه من وضع الخطط والأفكار والمناهج، فهي تساعده
عند التَّنفيذ.
الهوامش :
......................
([1]) انظر: أخلاقيّات الإعلام: سليمان صالح، ط/1،
(الكويت: مكتبة الفلاح، 2002م)، ص 289-290.
([2]) حول إعادة تشكيل العقل المسلم: عماد الدِّين خليل،
ط/2، (قطر: رئاسة المحاكم الشَّرعيّة والشُّؤون
الدِّينيّة، بدون تاريخ)، ص 10.
([3]) الإسلام والطَّاقات المعطلّة: مُحَمَّد الغزالي،
طبعة جديدة ومنقحة، (القاهرة: نهضة مصر، 1998م)،
ص 161-162.
([4]) المرجع السَّابق نفسه، ص 161-162.
([5]) مسؤوليّة الإعلام الإسلاميّ في ظلّ النِّظام
العالميّ الجديد: رشدي شحاتة أبو زيد، ط/1، (القاهرة: دار
الفكر العربيّ، 1999م)، ص 236.
([6]) المرجع السَّابق نفسه، ص 245-246.
([7]) الغزو الفكريّ وأثره على المنهج الإسلاميّ المعاصر:
علي عبد الحليم محمود، بدون طبعة، (الكويت: دار البحوث
العلميّة، 1979م)، ص 123.
([8]) صحافة الاتّجاه الإسلاميّ في مصر: جمال عبد الحي عمر
النَّجّار، ط/1، (المنصورة: دار الوفاء، 2000م).
([9]) المرجع السَّابق نفسه، ص 209.
([10]) حول تشكيل العقل المسلم: عماد الدِّين خليل، ط/1،
(الولايات المتحدة الأمريكيّة، بدون دار نشر، 1991م)، ص
17-18.
([11]) قضايا المرأة: مُحَمَّد الغزاليّ، ط/1، (بيروت: دار
الشُّروق، 1990م)، ص 6.
..............
المصدر : مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ، الـعـــدد
السَّـــادس عشر 1429هـ ـــ 2008م ، ص : 299-323