أساليب الحرب النفسية في الإسلام وخصائصها
د. علي عيسى
عبد الرحمن(*)

مُقَدِّمَة:
الحرب النَّفْسِيَّة اليوم هي
أحد أفتك أسلحة العصر، حيث تمارس على نطاق واسع بهدف النَّيل من
الخصم والتقليل من شأنه.
مورست الحرب النَّفْسِيَّة منذ
قديم الزمان وتذكر لنا آي القرآن الكريم الممارسة النَّفْسِيَّة
التي ضلَّل بموجبها إبليس ـ عليه اللَّعنة ـ نبي الله آدم [ع]. كما
تبيِّن لنا الآيات القرآنية ما دار من قصص الأنبياء، وكيف كان
الكافرون يقلّلون من شأن الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ.
يتناول هذا البحث تعريف الحرب
النَّفْسِيَّة وتاريخها وأهدافها، كما يتناول أساليب الحرب
النَّفْسِيَّة المستخدمة في الإسلام. وتناول المبحث الأخير من
البحث خصائص الحرب النَّفْسِيَّة في الإسلام، والتي تميِّزها عن
سائر العمليات النَّفْسِيَّة الأخرى.
تطوّرت الحرب النَّفْسِيَّة في
ظل العولمة، وصارت حرب حضارات، وهذا البحث هو جهد متواضع يعكس
جانباً من الفكر الإسلامي فيما يلي الاستخدامات النَّفْسِيَّة.
.. والله من وراء القصد وهو
يهدي السَّبيل ..
المبحث الأول
الحرب
النَّفْسِيَّة: التاريخ والأهداف
تعريف الحرب النَّفْسِيَّة:
يرى الباحثون أنَّ الحرب
النَّفْسِيَّة هي: "جهود سلبية أو إيجابية ذات طبيعة سياسية أو
عسكرية أو اقتصادية تصدر من فرد أو جماعة أو دولة أو عدة دول
متحالفة، وتوجَّه ضد الفرد والجماعة أو الدَّولة الصديقة أو
المعادية على حد سواء، بهدف التأثير على المعنويات، والاتجاهات،
والآراء، والأفكار، والمبادئ، والمعتقدات"([1]).
وتشمل الحرب النَّفْسِيَّة
بمعناها الواسع استخدام علم النَّفس لخدمة الحرب بأساليب:
الدِّعاية، والإشاعة، والمقاطعة الاقتصادية، والمناورة السياسية،
وغسيل الدّماغ.
إنَّ الحرب النَّفْسِيَّة
توجَّه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأحياناً مغلفة بغطاء التسلية
أو الثقافة أو العلم أو غيرها من النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية
أو الرياضية، بهدف التأثير في سلوك الفرد أو المجتمع أو الدَّولة
عن طريق العمل على تحوير أو تغيير أو محو المعلومات التي لديه،
والتشبث بالاستناد إليها بوجه أرادته نحو سلوك معين أو القيام
باتخاذ فعل أو قرار محدد.
وقد تهدف الحرب النَّفْسِيَّة
من خلال ضخ أو توجيه معلومات جديدة أو مغايرة للحقيقة إلى تغيير
معلومات صحيحة راسخة أو التشكيك فيها أو إضعافها أو محوها بغية جعل
فراغ معرفي أو إدخال معارف جديدة أو مشوهة لفكر الإنسان بقصد
التأثير في سلوكه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
يكمن أساس الحرب النَّفْسِيَّة
في أنَّها تعمل على تغيير أو تحوير
أو إضعاف أو طرح معلومات ومعارف جديدة بغية التأثير على معلومات
الطرف الآخر، ومن خلالها يتغيَّر سلوكه وفعله، ويقترن مع الهدف
الذي يقصد إليه الجهة التي وجَّهت الحرب النَّفْسِيَّة([2]).
وتتميَّز الحرب النَّفْسِيَّة
عن غيرها من الوسائل بأنَّها تعمل على تسيير وتوجيه الطرف المعني
من خلال التأثير في إرادته بعد أنْ تكون قد غيَّرت معلوماته
ومعرفته، "وعملية التأثير بوساطة الحرب النَّفْسِيَّة تتجلى في
إحداث التغيير في القيم السائدة والإرادة لدى الفرد، والمجتمع،
والدَّولة، وعلى مراحل يمكن تصنيفها بمرحلة الاهتمام، فالإدراك ثم
التخريب، فالتبني أو الرفض.
ويلحظ أنَّ جزئية وشمولية
التغيير تتوقَّف على ظروف المرحلة السائدة في هذا البلد أو ذاك،
والعوامل الاجتماعية القطرية، والخصائص الاجتماعية والفردية
المختلفة، وكذلك تغيير النسبة من حيث الزمن بين فترة قصيرة،
ومتوسطة، وطويلة([3]).
وهي بلا شك تُعَدُّ أقل
الأسلحة كلفة إذا ما أحسن استخدامها، كما أنَّها تؤثر تأثيراً
فعَّالاً في تقليل أمد الحرب العسكرية. كما أنَّ إغفالها وعدم
إدراك أهميتها يؤدي إلى التفريط بالأسلحة العادية الفعَّالة، وهي
عملية مستمرة، لا يقتصر استخدامها وقت الحرب فقط؛ بل قبلها وبعدها
بوقت طويل، كما وأنَّه لا يمكن معرفة النجاح أو الفشل فيها إلاَّ
بعد أشهر، أو ربما سنين من شنها([4]).
تاريخ الحرب النَّفْسِيَّة:
سيدنا آدم [ع] ـ أبو الأنبياء
ـ أول من مورست ضدّه الحرب النَّفْسِيَّة من قبل إبليس ـ عليه
اللَّعنة ـ، وتبيِّن الآيات بوضوح العمل الذي يقوم به الشيطان في
التضليل، وهو شكل من أشكال الحرب النَّفْسِيَّة، كما تتناول الآيات
صوراً وأساليب مختلفة للحرب النَّفْسِيَّة.
يبيِّن القرآن أنَّ الشيطان هو
الذي يوسوس ويحرِّك دوافع الشرّ والانحراف، قال تعالى: (وَيَا
آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ
شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ
لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا
نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ
تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)
فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ
لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ
وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا
عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ
لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا
أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23))[الأعراف: 19-23].
ومعنى قوله تعالى:
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) "أي جراهما إلى المعصية"([5]).
إنَّ ممارسات الشيطان
التضليلية ضدّ البشر بدأت منذ أنَّ دَلَّ سيدنا آدم [ع] على أكل
الشجرة المحرَّمة "وكان آدم [ع] قد قال الله له: لا تأكل من هذه
الشجرة، وعيَّن له شجرة، فلما وصفها له إبليس أنَّها شجرة الخلد،
التي من أكل منها كان ملكاً مخلَّداً؛ عمد آدم [ع] فأكلها، بتأويل
أنَّ النَّهي كان للنَّدب لا على التحريم، وسارعت إلى ذلك حواء، ثم
نَصَّ الله تعالى على آدم أنه عصى"([6]).
إنَّ الإنسان قد تعتريه بعض
التطلُّعات لتحقيق الذات، وقد يَعْبُرُ طرقاً مستقيمة لتحقيقها أو
منحرفة، وما فعله آدم [ع] هو مخالفة الحقّ بعد تزيين الشيطان له
وتضليله، "إنَّ الله تعالى قد هيّأ كل أسباب الرفاهية والنَّعيم
لآدم [ع] في الجنَّة، إلاَّ أنَّ نزعاته البشرية، وتطلُّعاته
المادية، لم تتوقّف، فما كاد الشيطان يوسوس له حتى انحرف إلى
الخطيئة، وعصى أوامر الخالق"([7]).
وكما تحدّث القرآن الكريم عن
عمل الشيطان في الغواية والتضليل، فقد تحدّثت السُّـنَّة عن العمل
ذاته، فعن رسول الله [ص] فيما يرويه عن ربه: (إنَّ كلَّ مال منحت
عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلَتُ لهم،
وأَمَرَتْهُم أنْ يشركوا بي ما لم أنزِّل به سلطاناً، وإنَّ الله
نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاَّ بقايا من أهل
الكتاب)([8]).
توصَّل علماء الاجتماع إلى كون
الإنسان كائن حي يتفاعل مع بيئته، فيؤثّر ويتأثّر بها، إيجابياً أو
سلبياً، فمنذ القدم اعتمد الإنسان على فطنته وقدرته الذاتية لتطوير
حدسه، وتمكَّن من تحليل ما يدور حوله من صراعات.
ومن خلال المعايشة الميدانية
والمراقبة؛ استطاع الإنسان أنْ يتوصَّل إلى استعمال الوسائل
النَّفْسِيَّة في التأثير على أعدائه، وبثّ الرُّعب والفزع لديهم،
حتى أصبح لديه ـ ومن خلال التراكم الزمني ـ ما يعرف بـ (الحرب
النَّفْسِيَّة).
ومنذ أقدم العصور استخدم
العراقيون القدماء الحرب النَّفْسِيَّة، والمنحوتات والألواح
الجدارية شاهد على ذلك. حيث استعمل الآشوريون([9])
الهدايا في محاولة لكسب ودّ الأعداء، وكذلك الاستعراضات ذات الطابع
العسكري، الذي يُراد به بثّ الرُّعب والخوف لدى الأعداء، وكذلك
استعمال الخدع المباغتة.
وقد برع الصِّينيون في الحرب
النَّفْسِيَّة منذ أقدم العصور، وقد أدركوا أهمية العلاقات الفردية
في تكوين التحالفات، وأعطوا للتثقيف الذاتي أهمية كبرى([10])،
وقد أصبحوا بذلك الرواد في تقويم الأفكار وتحويل الاتجاهات.
وقد لجأت (جنكيز خان) إلى
أسلوب إرسال الجواسيس في بداية القرن الحادي عشر الميلادي([11])،
لبثّ الرُّعب في نفوس الأعداء، من خلال التهويل، وإطلاق الشائعات،
ومحاولة إضعاف معنويات المقاتلين.
لقد كانت كل هذه الأساليب
المتبعة آنذاك عبارة عن أساليب بدائية، إلاَّ أنَّ التقدُّم العلمي
والتكنولوجي، وقيام الثورة الصناعية، التي أحدثت ضجة في كل
العلاقات الاجتماعية وفي عموم الحياة، واختراع الطباعة؛ كان له
الأثر الكبير في تطوير الأساليب والطرق المتبّعة في الحرب
النَّفْسِيَّة. فكان للصحف والمنشورات الأثر الكبير في التأثير على
سلوك وعقول المجتمع، وخير مثال على ذلك ما قام به (نابليون
بونابرت) أثناء حملته على مصر 1798م، من خلال المنشورات التي وزعت
على المصريين، للتأثير على العقل العربي المسلم في مصر، واستمالة
عطفه، وعدم مقاومته كفاتح مستعمر، وما ادّعاؤه الإسلام وبأنَّه لا
يعارض النَّصرانية إلاَّ محاولة للتأثير على الفرد المصري.
وعند دراساتنا للحربين
العالميتين نجد أنَّ الدُّول قد وضعت للحرب النَّفْسِيَّة المكانة
الكبيرة، وذلك للاتصال الجماهيري عن طريق الدِّعاية، فكانت لـ
(بريطانيا) أساليبها المعروفة كدولة، وهي التي أنشأت في وزارتها
الخارجية عام 1914م مكتباً للدِّعاية، حيث نقلت تجربتها إلى
ألمانيا الهتلرية، والولايات المتحدّة، وتبعها الاتحاد السوفيتي([12]).
استغلت النازية هذه التجربة
أكبر استغلال، فأسَّس الدكتور/ غويلز سنة 1939م وزارة الدِّعاية،
لمراقبة الشعب الألماني، وكذلك الدِّعاية النازية: (الألمان فوق
الجميع)، و(الجيش الذي لا يُقْهَر)، وقد استسلمت للألمان جيوش
بكاملها بدون قتال([13]).
واستخدمت الحركة الصُّهيونية
في حربها ضد العرب الحرب النَّفْسِيَّة في محاولة التأثير علي
العرب والمسلمين، فالحرب النَّفْسِيَّة ليست ظاهرة حديثة كما
يُظُنُّ بعضهم، ولا هي ظاهرة معاصرة برزت في القرن العشرين؛
لأنَّها ـ في الواقع ـ ممارسة قديمة جداً، عرفها البشر ولجأ إليها
الحُكَّام، والقادة الأذكياء، والبارعون منذ قديم العصور، إلاَّ
أنَّ وجه الحداثة يكمن في التسمية فقط؛ لأنَّها استخدمت أول مرة في
الحرب العالمية الثانية ـ على وجه التَّحديد ـ، ثم دخلت القواميس
الحربية من عام 1955م في الولايات المتحدة الأمريكية([14]).
أهداف الحرب النَّفْسِيَّة:
تهدف الحرب النَّفْسِيَّة إلى
تحقيق مكاسب دعوية أو عسكرية بأقل ما يمكن من الجهود وبأقل كلفة،
كما أنَّ الهدف العام للحرب النَّفْسِيَّة هو عقل الإنسان، وفكره،
ونفسيته، وليس جسمه. كما تهدف إلى إحداث التغيير في ذات الإنسان،
وبالذات في أفكاره واتجاهاته، وإلى تحطيم الروح المعنوية، وتقليل
أمد الحرب العسكرية، حيث تكون الحرب النَّفْسِيَّة عاملاً فعَّالاً
يمارس الهجوم على الأفكار والاتجاهات.
ويمكن إجمال أهداف الحرب
النَّفْسِيَّة بما يأتي:
[1] زرع عدم الثَّقة في
معتقدات العدو، قال تعالى: (مَا جِئْتُمْ
بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)[يونس: 81]، وقال تعالى:
(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)[طه: 79].
[2] زعزعة إيمان العدو بأهدافه
ومبادئه، قال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ
سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ
آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[التوبة: 19].
[3] إظهار عجز العدو عن تحقيق
طموحاته، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ)[الأنفال: 36].
[4] غرس بذور الفرقة بين العدو
وحلفائه، وعرقلة أي تقارب سياسي أو عسكري، ويتضَّح ذلك من خلال
نشاط نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب([15]).
[5] تقوية أواصر التعاون بين
القوات المتحالفة، وبناء علاقات وطيدة مع الجهات الصديقة
والمحايدة، والعمل على تعاون سكان المناطق المختلفة، قال تعالى:
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ
يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)[التوبة: 4].
وكما ورد في سورة الروم حيث
نرى استمالة القرآن لأهل الكتاب، كما في قوله تعالى: (الم
(1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ
بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ
الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) فيه تقارب بين أهل الكتاب والمسلمين.
[6] الحفاظ على الروح المعنوية
للمجاهدين، قال تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[آل عمران:
139].
المبحث الثاني
أساليب الحرب
النَّفْسِيَّة في الإسلام
تحصين الرَّسول [ص] ضدّ
العمليات النَّفْسِيَّة المضادّة:
قال تعالى: (اقْتَرَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا
يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا
اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
(3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ
أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا
بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: 1-5].
هناك كثير من الآيات التي
تتحدّث عن العمليات النَّفْسِيَّة ضد الرسول [ص]، الذي يمثِّل رمز
الهداية ومحور الحق، فقد أراد الكفار النَّيل منه، والنَّيل من
التوجيهات الدَّعوية التي سفَّهت معتقداتهم، فكان لا بُدَّ من
التَّصدّي للرسالة الخاتمة، انتصاراً للمعتقدات.
وكما قيل: (إنَّ الحرب أولها
كلام)، فلا بُدَّ أنْ تبدأ جولات الكلام المتمثلة في الحرب
النَّفْسِيَّة على الرسول [ص]، فقد عبَّر المولى عزَّ وجلَّ عن
ذلك، قال تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً
يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا
وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ)[القمر:
2-3].
كثيراً ما يقع الجدال بين
الحقّ والباطل فتتدخل السماء، فعندما استهدف المشركون الرسول في
نفسه؛ تعرَّضوا له بالأذى المعنوي، فاتهموه بـ (الأبتر)؛ لأنَّه
ليس لديه أبناء ذكور يخلّدون ذكره، إذ مات جميع أبنائه صغاراً،
فردّ عليهم القرآن بقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ
هُوَ الْأَبْتَرُ)[الكوثر: 3]، أي: إنَّ مبغضك وكارهك هو الذي
سينقطع ذكره.
وقد أمرت آيات كثيرة النَّبي
[ص] بألاَّ يضيق ولا يحزن فيما يوجه إليه من حرب نفسيَّة، فقال
تعالى (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا
تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النمل: 70]، وقال تعالى:
(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)[النحل:
127].
هذه الآيات وغيرها بمثابة
تحصين نفسي للرسول [ص] والدَّعوة الإسلامية، حتى لا تتداعى أمام
حرب الكفار النَّفْسِيَّة في ذلك الوقت، وقد كان تشديد القرآن
الكريم علي النَّبي الخاتم [ص] بألا يضعف أمام حربهم
النَّفْسِيَّة، قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى
إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)[هود: 12].
كما يزوِّد القرآن الكريم
سيدنا محمد [ص] بجرعات نفسيّة كبيرة، فيتحدّى الكفار، فيعجزوا عن
مسايرة منطقه، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ
افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا
أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[هود: 13-14].
غسل المخ (الدّماغ):
إنَّ مصطلح (غسل الدماغ) يقع
ضمن المصطلحات التي تُسْتَخدم في الحرب النَّفْسِيَّة، وأول ما
أطلق بعد الحرب العالمية الثانية، من قِبَل الصَّحفي الأمريكي
(إدوارد هنتر)، عن طريق ترجمته للكلمة الصينية (هي تاو)، التي
معناها ـ لدى الصينيين ـ: اصطلاح الفكر، ويُراد به: تجريد العقل من
ذخيرته ومعلوماته ومبادئه، وهو أيضاً تشكيل التفكير بطريقة
التفجير، وتغيير الاتجاهات النَّفْسِيَّة، وهو محاولة توجيه الفكر
الإنساني أو العمل الإنساني ضدّ رغبة الفرد أو ضدّ إرادته أو ضدّ
ما يتفق مع أفكاره، ومعتقداته، وقيمه، فهو عملية إعادة تعليم، وهو
عملية تحويل الإيمان أو العقيدة التي كفر بها، ثم الإيمان([16]).
وقد اقترنت عملية (غسيل
الدماغ) بالعالِم النَّفسي الروسي (بافلوف)، حيث ركَّز في أبحاثه
على نظام الإشارات لإثبات نظرية (الفعل المنعكس الشرطي)، وتعني
القيام بسلوك معيَّن نتيجة لمؤثّرات خارجية، ويمكن تمييز طبيعة
الفرد الذاتية من بيئته([17]).
ويمكن تلخيص طرق (غسل الدماغ)
التي تتبّع حديثاً في الخطوات التالية([18]):
[1] عزل الفرد اجتماعياً
ومناداته برقم وليس باسم، واستغلال مؤثّرات الجو، والتَّعب،
والجوع، والألم، والأساليب الأخرى مثل: الصدمات الكهربائية،
واستخدام العقاقير المخدّرة، مثل: الكحول والمواد الكيميائية. وهذه
كلّها تضعف قدرة الفرد على التحكُّم في إرادته، ثم إيجاد صراع وخوف
أساس، بحيث تصل حالة الفرد إلى درجة أنْ يكون فيها متلهّفاً
للخلاص، ويرافق ذلك نتيجة الإحساس بالذنب، وجعل حالة التشكيك لديه،
وتعريضه للمرض الجسمي، والعقلي، والضغط الفسيولوجي.
[2] تستخدم مع الفرد اللين،
والمهادنة، والتساهل، والدِّقة، والاعتذار عن المعاملة السابقة،
وإظهار الصداقة له.
[3] يفهم الفرد بعد ذلك إذا ما
اعترف، فإنَّ المعاملة له ستزداد تحسُّناً، ويمكن أن يعيش.
[4] وتأتي بعدها عملية
الإقناع، وهي عملية إعادة تعليم الفرد، بحيث ينقد نفسه إلى أنْ يصل
إلى الاعتراف النَّهائي.
[5] ثم يحدث تغيُّر مفهوم
الذَّات لدى الفرد باستخدام أساليب مثل: التقويم الإيحائي، أو
الإيحاء النَّفسي.
[6] يتم محو الأفكار المراد
محوها نهائياً.
[7] تقديم الأفكار الجديدة،
ويشجِّع الفرد على تعلُّم معايير سلوكية جديدة وأدوار اجتماعية
جديدة، وبذلك يتم تحويله إلى فرد جديد.
ولما كان الإسلام هو دين
الفطرة؛ فإنَّه لا يحتاج إلى اتّباع هذه الطرق التي تمتهن كرامة
الإنسان؛ بل خاطب الإنسان خطاب الفطرة ليهتدي. وبالرجوع إلى
الإسلام نجد أنَّ القرآن الكريم هو كتاب موحى إلى الرسول الخاتم
[ص] ليغسل أفكار البشرية من معتقدات محرَّفة، وأخرى وضعها الإنسان.
ولعلَّ أسلوبه في الدَّعوة يعبِّر عن قوته في الإقناع، قال تعالى:
(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ)[النحل: 125].
إنَّ الحكمة والموعظة الحسنة
جديرة بأنْ تغسل المخ، لا الممارسات الراعنة التي تمارس ويُراد بها
غسيل المخ.
إنَّ مجاهدات الرسول [ص]
الدَّعوية على امتداد فترات الصراع بين الحقّ والباطل ما هي إلاَّ
عملية محو لآثار وثنية جاهلية، لتحلّ محلّها أفكار الحق، قال
تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)[الإسراء: 9]، وقال تعالى: (هَذَا
بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)[آل
عمران: 138].
الهوامش
.........................
(*)
أستاذ مساعد بكلية الإعلام ـ جامعة أم درمان الإسلامية
(السُّـودان).
([1]) الحرب النَّفْسِيَّة وأساليب مواجهتها: وهيب
الكبيسي، حوليّات الإعلام العسكري، العراق، 1993م.
([2]) الرَّأي العام والحرب النَّفْسِيَّة: د. مختار
التهامي، دار المعارف، مصر، بدون تاريخ، ص 102.
([3]) مجلة الأمن والحياة: العدد 50، سنة 1989م، ص 18.
([4]) مجلة سلسلة الثقافة الثورية: العراق، العدد 290، سنة
1994م.
([5]) فتح القدير: الشوكاني، دار المعارف، بيروت، 1978م.
([6]) المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لابن عطية
الأندلسي، مؤسسة العلوم، الدوحة 1988م، المجلد العاشر، ص
105.
([7]) الدّراسة العلميّة للسُّلوك الإجرامي: د. نبيل
توفيق، دار الشروق، جدة، 1983م، ص 287.
([8]) صحيح مسلم، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، برقم
63.
([9]) تخطيط وإدارة الحرب النَّفْسِيَّة في الجيوش: جاسم
محمد جاسم، مطبعة الكلية الحربية، (د. ت)، ص 16.
([10]) الحرب النَّفْسِيَّة: فخرى الدباغ، دار
الحُرِّيَّة، بغداد، 1979م، ص 6.
([11]) دراسات في الاتصال والدِّعاية: أحمد بدر، دار غريب،
القاهرة، 1977م، ص 63.
([12]) الحرب النَّفْسِيَّة: صلاح نصر، القاهرة، بدون
تاريخ، ص 8.
([13]) الحرب النَّفْسِيَّة: أكرم إسماعيل الدباغ، مطبعة
الشعب، بغداد، 1979م، ص 13.
([14]) دراسات في الحرب النَّفْسِيَّة: د. حميد تميم، دون
ذكر المطبعة، 1982م، ص 3.
([15]) انظر ضمن هذا البحث إلى: أسلوب الخدعة ودور نعيم بن
مسعود t.
([16]) الرَّأي العام وطرق قياسه: فؤاد دياب، القاهرة،
الدَّار القوميَّة، 1962م، ص 7.
([17]) غسل الدّماغ: د. فخرى الدباغ، بيروت، المؤسسة
اللبنانية للنشر، بدون تاريخ، ص 34.
([18]) مراسلات في الإعلام والحرب النَّفْسِيَّة: فريق
أيار، مطبعة الأديب البغدادية، 1973م، ص 68.