مبادئ الإصلاح السياسي في الإسلام / 2
الدكتور إحسان
الأمين (*)
(خاص للمعهد)

تاسعاً –
تحريم الوسائل غير المشروعة وملاحقة آثارها:
لم يقف الإسلام عند حدود
النصيحة والتوجيه، أو وضع المبادئ وإرساء القيم، بل إنتقل إلى
التعامل السلبي مع كل ما يؤدِّي إلى الفساد أو يُمكِّن السيِّئين
من الإفساد، فعمد إلى تحريم كلّ الوسائل غير المشروعة التي اعتادها
ذوو المصالح الأنانية سبيلاً إلى الوصول إلى غاياتهم الدنيئة،
فأطلق ابتداءً النهي العام {... وأصلح ولا تتّبع سبيل المفسدين} (الأعراف/
142)، ومن ثمّ شدّد في النكير وبالغ في تحريم مُسمّيات وسائلهم، من
الكذب والبهتان والخداع والتزوير والإشاعة والإتهام بالباطل...
وإلخ.
ورتّب الآثار على ذلك من
الملاحقة القضائية وفقدان الصلاحية والأهلية لبعض المناصب
والمسؤوليات القيادية.. فضلاً عن العقوبات الأخروية.
وإذا تعدّت المخالفات إلى
المفاسد نفسها، فإنّها أيضاً تلاحق بأشدّ العقوبات وبأقصى أنواعها،
فمن أكل مالاً حراماً كالرشوة أو السرقة، يسترجع منه المال ويحدّ
أو يعزّر، ومَن اعتدى وقتل يقتص منه، ومَن عمل المفاسد الأخلاقية
يُعاقب بأشدّ العقوبات، وهكذا سائر الجرائم، وهي جميعاً ممّا تخلّ
بعدالة الإنسان وتفسّقه.. وبالتالي تجعله غير مؤهّل لأيّة مسؤولية
فيها نوع من الولاية، كالرئاسة أو التمثيل النيابي وعضوية المجالس
المحلية، وكذلك القضاء والمسؤوليات المالية.
ومن الوسائل غير المشروعة:
إستغلال المال العام وإمكانات الدولة، في الدعاية والحملات
الإنتخابية، أو إنفاقها على المحسوبين على الحاكم والمنسوبين إليه
وهو نوع من أنواع الرشوة لغرض شراء أصوات الناس، فكلّ ذلك ممّا لا
يجوز، لأنّ المال يعود للناس وهم شركاء فيه ولا يجوز التصرُّف فيه
إلاّ بإذنهم وفي ما ينفعهم وبحدود الصلاحيات الممنوحة للمسؤول،
وصرفُ الأموال في غير أمور الدولة وما يعود إلى عامّة الناس.. حرامٌ
ويحاسب عنه المسؤول أمام الله تعالى وأمام القانون، إضافة إلى أنّ
تلك الأساليب تخلّ بالعدالة السياسية وتوفير الفرص المتكافئة لجميع
أفراد المجتمع في الإمكانات وحرِّية الإنتخاب.
قال تعالى: {ولا تأكُلُوا
أموالكم بينكم بالباطلِ وتُدْلُوا بها إلى الحُكّامِ لِتأكُلُوا
فريقاً مِن أموالِ الناسِ بالإثمِ وأنتُم تَعلَمون} (البقرة/ 188).
عاشراً –
إرساء المجتمع المدني على أساس المواطنة:
وهذا المبدأ الذي برزت أهميّته
وكثر الحديث عنه في العقود الأخيرة، أقرّه الإسلام في تجربته
الأولى، ففي الأيام الأولى بعد هجرة الرسول الكريم محمّد(ص) إلى
المدينة وقيامه بتأسيس الدولة، كتب الرسول كتاباً بين المهاجرين
والأنصار، ووادع فيه اليهود وعاهدهم، فأقرّهم على دينهم وأموالهم،
وشرط لهم واشترط عليهم[1].
والناظر في الكتاب، والذي
يُسمّى بـ"وثيقة المدينة"، يجده قائماً على أساس إنشاء مجتمع مدني،
يشترك فيه المسلمون واليهود، وغيرهم ممّن يلتحقون، في مواطنة هذه
الدولة التي يتساوون فيها أمام القانون من دون ظلم أو تعسُّف لأي
فرد، فلكل دينه وحقوقه وحمايته ونصرته، أسوة بغيره – مسلماً كان أو
غيره – ما لم يأثم بعمل سيِّئ كالقتل وغيره، فلا يبوء إلاّ بذنبه
ولا يحاسب غيره، بجريرته.. فبعد أن ذكر الرسول الكريم في كتابه
المذكور حقوق المسلمين ومساواة كل طائفة منهم في الواجبات
والإمتيازات مع غيرهم، ليكونوا أُمّة واحدة على أساس من القسط
والمعروف.. ذكر حقوق المواطنين اليهود وتمتّعهم بنفس الحقوق
ماداموا ملتزمين بالعهد والشراكة مع المسلمين في دولتهم ومجتمعهم،
فقال(ص): "وإنّ الذين تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير
مظلومين ولا متناحرين عليهم...".
وهكذا فهم يُشكِّلون مع
المسلمين دولة واحدة، يدافعون عنها ويدفعون عن أنفسهم العدوان،
ولكل دينه وماله، إلاّ المُسيء فيحاسب على إساءته، فقال (ص): "وإنّ
اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإنّ يهود بني عوف
أُمّة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم،
إلاّ مَن ظلم وأثم، فإنّه لا يُوتغ – يهلك – إلاّ نفسه وأهل بيته..
وإنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأنّ بينهم النصر
على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النُّصح والنصيحة والبرّ
دون الإثم، وإنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإنّ النصر للمظلوم...
وإنّ بينهم النصر على مّن دهم
يثرب، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنّهم يصالحونه
ويلبسونه، وإنّهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنّه لهم على المؤمنين،
إلاّ مَن حارب في الدين، على كل أناس حصّتهم من جانبهم الذي قبلهم،
وإنّ يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع
البرّ المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البرّ دون الإثم لا يكسب كاسب
إلاّ على نفسه، وإنّ الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه،
وإنّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنّه مَن خرج آمن، ومَن
قعد آمن بالمدينة، إلاّ مَن ظلم أو أثم، وإنّه مَن خرج آمن، ومَن
قعد آمن بالمدينة، إلاّ مَن ظلم أو أثم، وإنّ الله جار لمن برّ
واتّقى، ومحمّد رسول الله(ص)"[2].
والناظر في هذه الصحيفة (الوثيقة)
يجد أنّها أُرسيت على أرقى معالم المجتمع المدني، وعلى أساس من
المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات وتطبيق مبدأ حكومة القانون،
وضمان حرِّية المعتقد وحفظ الحقوق المالية، وحرِّية السكن والسفر،
وضمان الحماية القانونية والأمنية لكافة المواطنين، مع إلتزام
الجميع بواجباتهم في حماية الدولة وحفظ سلامة المجتمع.. والتأكيد
على الصُّلح والسلام مع الآخرين، إلاّ في حالة العدوان، فإنّ
الدفاع حق مشروع، في سائر الأديان والأنظمة الوضعية.
وهكذا سبق الإسلامُ العالمَ في
الدعوة لقيام المجتمع المدني وإرساء حقوق المواطنة والمساواة أمام
القانون، بقرون عديدة، ولا يغُرَّنّك ما نقل عن المجتمع المدني في
الرُّوم، لأنّه وإن دعا إلى الديمقراطية، إلاّ أنّه غفل عن
المساواة بين الناس، إذ كان مجتمعاً طبقياً بحتاً، قائماً على الرقّ
والإستعباد.
ولم تكن تلك التجربة النبويّة
تجربة شخصية مُنبتّة الجذور، وإنّما استمدّت روحها وقوامها من
الوحي الكريم وقرآنه العظيم، فالقرآن دعا منذ إنطلاقته الأُولى إلى
إلغاء الفوارق الطبقية والإجتماعية والمساواة بين البشر جميعاً،
على إختلاف ألوانهم وأوضاعهم ومعائشهم ومشاريعهم.
يقول تعالى: {إنّا خَلَقناكُم
من ذَكرٍ وأُنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لِتَعارفوا إنّ
أكرَمَكم عندَ اللهِ أتقاكُم...} (الحجرات/ 13).
وجاء في الحديث الشريف: (الناس
سواسية كأسنان المشط ولا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى)[3].
والتقوى، وإن كانت تُمثِّل
حالة من الإرتباط بالله تعالى وطاعته وعبادته، فإنّها في العمل:
إجتناب حرامه، من كل سوء وفاحشة وفساد، بما يشمل ذلك من الإلتزام
بالقانون ورعاية حقوق الناس والعدل والإنصاف، والعمل للنفع العام
وخدمة المجتمع لقوله(ص): "خير الناس أنفعهم للناس"[4]،
ولذا قال بعض العُرفاء: (أقرب طريق للحق – تعالى – خدمة الخلق).
وبذلك استطاع الإسلام تحويل
مجتمع الجزيرة القائم على أساس العصبية الجاهلية والهمجية البربرية،
والتمييز بين الناس، والتفاضل والتفاخر بينهم على أساس الأعراق
والأموال والأنساب والأحساب.. إستطاع أن يلغي كل هذه الفروق
والأعراف البائدة ويقيم مجتمعاً يتساوى فيه بلال الحبشي الأسود
وصهيب الرومي وسلمان الفارسي مع سائر الناس من أشراف قريش وسادة
العرب، وتكون الأفضليّة بالتقوى والجهاد بين يدي رسول الله(ص)
وإكتساب علومه والعمل الصالح.. وهو ميدان المواطنة الصالحة التي
تشرِّف الإنسان، ولكن من دون إمتيازات عن الآخرين، فالكل سواسية
كأسنان المشط، وإنّما الجزاء والتفاضل في يوم القيامة، كل بحسب
عمله {كُلّ نَفسٍ بما كَسَبَت رهينة} (المدّثر/ 138).
وكان من عظمة الإسلام، أن
استطاع بسنين قلائل من فك هذه العُقد الإجتماعية ونفي الأحقاد، في
الوقت الذي عانى العالم، ومنه الغرب وحتى أرقى دوله، من التبعيض
والتمييز، حتى سنين قريبة، ولازالت الآثار باقية ليومنا هذا.
وإذ يقوم المجتمع المدني على
أساس المواطنة، فإنّ فرص الحياة وإمتيازات الدولة ستوزّع بالتساوي
بين الجميع بشرط أن تتكامل الحلقة بالتكافؤ الإقتصادي، والمنع من
إنحصار الإمكانات بيد طبقات أو أحزاب معيّنة، وبالتالي فإنّ هذا
المجتمع المدني يتّجه نحو خلق توازن منصف بين الحقوق والمسؤوليات،
بين سائر المواطنين، ويدعم خطوات الإصلاح في سائر المرافق، كما
إنّه يُضيِّق من مساحة الفساد، بإلغائه الفوارق والإمتيازات غير
المشروعة.
حادي عشر –
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهو فريضة شرعية على سائر
المسلمين – المواطنين – وفي كل المجالات ومرافق المجتمع، وسائر
الأمكنة والأزمنة، لكي تكون هناك رقابة دائمة من الأمة للتصدِّي
للمنكر، صغيراً كان أو كبيراً، من شخص عادي أو رئيس أو مسؤول،
وللدعوة إلى المعروف وإلتزام القوانين والحدود.
يقول تعالى: {والمؤمنون
والمؤمنات بعضُهُم أولياءُ بعضٍ يأمُرُون بالمعروفِ وينهونَ عنِ
المُنكر} (التوبة/ 71).
فلا يستثنى من هذه المهمّة ذكر
أو أُنثى، ولا يعلو عن الأمر والنهي، ولي أو مولى، فكل يمارس دوره
صاعداً أو نازلاً، وهذا يعني أنّ المجتمع سيمارس حرِّية النقد في
كل المستويات، وهذه الحرِّية لها دور كبير في تقدُّم المجتمع
وإرتقائه والحد من ظواهر الفساد والإنحراف.
ويمكن لهذه المسؤولية الخطيرة
أن تمارس بواسطة المؤسسات الشعبية الرقابية، كالبرلمان والمجالس
المحلية ومجالس البلديات... إلخ، وكذلك بواسطة منظمات المجتمع
المدني والصحافة، ووسائل الإعلام، وينهض بها قبل غيرهم: العلماء
والمثققون، ممّن يستطيعون تشخيص موارد الخطأ والإنحراف ويعرفون
سُبُل التصحيح والإصلاح.
ولا تتوقف العملية عند التذكير
والنصيحة، بل قد يتطلّب معالجة الأوضاع إلى المؤاخذة والمحاسبة،
وإذا لم يرضخ الحاكم أو المسؤول يتمّ العمل على عزله وتغييره لأنّه
ليس بلائق لقيادة الناس وتحمّل مسؤولية الإدارة والحكم.
ومن ذلك الجهر والتشهير
بالمظالم لمن وقع عليه الظلم ولم ينصف، لقوله تعالى: {لا يُحبُّ
اللهُ الجَهرَ بالسُّوءِ منَ القَول إلاّ مَن ظُلِمَ...} (النِّساء/
148).
ومن ذلك، الأمر والنهي للسلطان،
ولو تطلّب ذلك التضحية والفداء، لأنّ التضحية تتناسب هنا مع حجم
الإنحراف الذي من الممكن أن يُغيِّر مجرى التاريخ ويُحوِّل الدين
إلى أكذوبة، والمجتمع إلى ألعوبة بيد الطغاة، وفي الحديث عن رسول
الله(ص): "سيِّد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه
فقتله"[5].
فإذا بلغ الأمر بالحاكم الظالم
إلى الصدّ عن سبيل الله والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، سقطت
طاعته وارتفعت ولايته، فالأصل النافذ هو: (لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق)[6].
فلا ولاية للكافر الفاجر
والفاسق الظالم، لأن شرطها الإيمان والعدالة، فإن فقدا افتقدت
الولاية، ويعمل على تغييره بالوسائل المتاحة.
ومن الطبيعي أن لكلّ مقام مقال،
فإذا كان الحكم في المجتمع شورى أو ديمقراطية، وكانت الوسائل
القانونية والسلميّة متاحة للمساءلة والمحاسبة، ومن ثمّ التغيير
والعزل عند ثبوت التقصير وعدم الكفاءة، فإنّ طريق الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر يمرّ بها ويتحرّك من خلالها كشكل مؤسس ومنظم يضمن
أداء الواجب بشكل حضاري حديث، دون أن يسقط ذلك التكليف عن أداء
المهمّة بالمراتب والمرافق الأخرى من المجتمع، فقد يحتاج نواب
البرلمان أنفسهم إلى التذكير بمهامهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن
المنكر.. فالمهمّة شاملة ومتكاملة، كما تشير الآية: {والمؤمنونَ
والمؤمناتُ بعضهم أولياء بعضٍ يأمُرون بالمعروف ويَنهَونَ عن
المنكر... } (التوبة/ 71)، والتذكرة مطلوبة، كما يقول تعالى: {وذَكِّر
فإنّ الذِّكرى تَنفَعُ المؤمنين} (الذاريات/ 55)، لأن من طبيعة
الإنسان الغفلة والنسيان، ولا أحد بمنأى عن ذلك.
وقد حدّدت السنّة مراتب النهي
عن المنكر فيما روي عن رسول الله(ص): "مَن رأى منكم منكراً
فليغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
أضعف الإيمان"[7].
ثاني عشر –
إصلاح المجتمع ومنع الفساد:
وهو الهدف من رسالات الأنبياء،
وجهاد الأئمّة والأولياء، فالفساد ظاهرة رافقت المجتمع البشري، منذ
أوائل وجوده على الأرض، فهذا قابيل يقتل هابيل، ليكون أوّل فاسد،
وتتوالى الجرائم من الفتن والحروب وإهلاك النسل والحرث، وإفساد
العقائد والأخلاق، ونهب الثروات والأموال.. حتى يومنا الحاضر،
ولابدّ أن يواجه ذلك بإرادة الإصلاح، كهدف أساسي، من قبل الأُمّة
وأولياء الأمور، وملاحقة الفساد في سائر مرافق البلاد والمجتمع.
فالإنسان الذي استخلفه الله في
الأرض، واجه منذ اللحظة الأُولى تهمة الإفساد، التي طبعت التجارب
السابقة، وهو مؤهّلٌ للوقوع فيها، لطبيعته وغرائزه: {وإذ قال ربّك
للملائكة إنِّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها مَن يُفسدُ
فيها ويَسفكُ الدماء ونحن نُسبِّح بحمدك ونُقدِّس لك قال إنِّي
أعلم ما لا تعلمون} (البقرة/ 30).
ولمواجهة هذه الحالة وتلافي
تلك النتائج: بعث الله تعالى الأنبياء والرُّسُل، لإصلاح الناس
وإزالة الفساد، فكانت دعوة شعيب: {إنْ أُريد إلاّ الإصلاح...} (هود/
88)، وكانت وصية موسى لخليفته هارون: {وأصلح ولا تتّبع سبيل
المفسدين} (الأعراف/ 142).
فالدين، في مجمله وتفاصيل
أحكامه، يهدف إلى تحصين الإنسان ذاتياً، والحفاظ على المجتمع عملياً،
دون الفساد أو الإفساد، ولذلك كان من أوليات مهام الحكومة في
الإسلام، تهيئة الأجواء التي تحافظ على سلامة المجتمع وتقوي فيه
العامل الديني، الذي يحفظه من المفاسد والآثام.
يقول تعالى: {الذين إنْ
مَكَّناهُم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمَروا بالمعروف
ونَهَوا عن المنكر ولله عاقبةُ الأمور} (الحج/ 41).
فكان إقامة الحكم سبيلاً
لتقوية إيمان الناس وصلاحهم ومثاله إقامة الصلاة، وعملهم على إصلاح
أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية، من خلال التكافل الإقتصادي الذي
تُوفِّرهُ الزكاة، ومنع المفاسد والمظالم الإجتماعية، بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذكّر الآخرة كعامل إعتقادي يمنع
الإنسان عن الإنحراف، وهذا كلّه: إصلاح لدين الناس ودنياهم، إصلاح
ديني وإجتماعي وسياسي وإقتصادي، والآية تتعرّض للعناوين الأساسية
لهذه المجالات، وهناك تفاصيل لكل منها زخرت بها آيات القرآن الكريم.
ثالث عشر –
التوعية الشاملة ضدّ الفساد:
تضمّن منهج الإصلاح السياسي في
الإسلام، والقرآن دستوره وكتابه، عدّة مستويات من المعالجة،
المباشرة وغير المباشر، كان من أولاها توصيف وتعريف الفساد لغرض
تعريته ومن ثمّ مواجهته، عقائدياً وثقافياً وسياسياً وإجتماعياً
ليكون صورة قبيحة وكريهة في نظر المجتمع، وقد سبق لنا أن استعرضنا
بعضاً من صور التعريف والتوصيف، ولا بأس أن نتوقف قليلاً عند خطوات
المواجهة، التي قام بها الإسلام في مقابلة الفساد ومحاربته، روحياً
وثقافياً وتربوياً، فمن ذلك:
أوّلاً: وضع الفساد والمفسدين
في موضع البُغض والكراهية من قبل الله تعالى، وبالتالي: من قبل
عباده وسائر الناس أجمعين.
فنقرأ في القرآن: {واللهُ لا
يُحبُّ المُفسدين} (المائدة/ 64).
{إنّ اللهَ
لا يُحبُّ المُفسدين} (القصص/ 77).
{واللهُ لا
يُحبُّ الفَسَاد} (البقرة/ 205).
ثانياً: التنبيه والتأكيد على
أنّ جميع أعمال البشر تقع تحت نظر الباري تعالى، والمفسدون بشكل
خاص لا تخفى أعمالهم عن الله تعالى، بل هو عليم بهم ومحيط بهم من
كل جانب، حتى لا يشعر الإنسان بأن ما يفعله – وإن كان في السر – لا
يعلمه أحد، وإنّ الفساد الذي يكتمه ويظهره بمظهر الإصلاح لا يخدع
به الله وهو فاضحه.
يقول تعالى: {... فإنْ
تَوَلَّوا فإنّ الله عليمٌ بالمُفسدين} (آل عمران/ 63).
ويقول: {ومنهم مَن يُؤمنُ بِهِ
ومنهم مَن لا يُؤمنُ بِهِ وربُّكَ أعلمُ بالمُفسدين} (يونس/ 40).
ويقول أيضاً: {... واللهُ
يَعلَمُ المُفسدَ من المُصلِح} (البقرة/ 220).
ثالثاً: التأكيد على أنّ أعمال
الفاسدين باطلة، وأنّها لا تؤدِّي بهم إلاّ إلى سُوء العاقبة،
وشديد العقاب، حتى يكون لدى الناس رادع من تقوى ووازع من ضمير
يمنعهم من الميل إلى الظلم وإلى الإقتراب من الفساد، فالوازع
الديني أقوى من أي عامل آخر، حتى القانون، لأنّ القانون إن غاب أو
ظنّ الإنسان أنّه بمنأى عنه، لم يرتدع عن إرتكاب الجريمة والوقوع
في الجناية، إلاّ مَن رحم الله.
يقول تعالى: {الذين يَنقُضُونَ
عَهدَ اللهِ مِن بَعدِ مِيثاقِهِ ويَقطَعونَ ما أمرَ اللهُ بِهِ أنْ
يُوصلَ ويُفسِدون في الأرض أولئك هُمُ الخاسرون} (البقرة/ 27).
وفي آية أخرى بنفس المعنى:
{... ويُفسدونَ في الأرضِ أولئك لهُمُ اللَّعنةُ ولهُم سُوءُ الدار}
(الرَّعد/ 25).
ويقول تعالى: {... إنّ اللهَ
لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسدين} (يونس/ 81).
رابعاً: التذكير بأنّ عاقبة
المفسدين ليست سيِّئة في الآخرة فحسب، بل هي في الدنيا مُخزية
ونكرة أيضاً، فَليَسِر الإنسان في الأرض ولينظر مصير الأُمم
الفانية وليقرأ التاريخ ويتّعظ بسيرةِ الجبابرة والطغاة وعاقبتهم،
وكيف سقطت عروشهم ولم يخلفوا إلاّ الذِّكر السيِّئ تلاحقهم اللعنات
في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: {وجَحَدوا بها واستَيقَنَتها
أنفُسُهم ظُلماً وعُلُواً فانظُر كيفَ كان عاقبةُ المُفسدين} (النمل/
14).
ويقول تعالى: {قُل سِيروا في
الأرضِ فانظُرُوا كيفَ كان عاقبةُ المُجرمين} (النمل/ 69).
وقال تعالى مبيّناً نهاية
المفسدين المشينة السيِّئة والمُدمّرة لهم، بالرغم من قوتهم
وجبروتهم: {ألم تَرَ كيفَ فَعَلَ ربُّكَ بِعادٍ * إرَمَ ذاتِ
العِمادِ * التي لم يُخلَقْ مِثلُها في البلاد * وثَمُودَ الذين
جابوا الصَّخرَ بِالواد * وفِرعَونَ ذي الأوتاد * الذين طَغَوا في
البلاد * فأكثَروا فيها الفَساد * فَصَبَّ عليهم ربُّك سَوطَ عذاب
* إنّ ربَّك لبالمرصاد} (الفجر/ 6-14).
ومن قصص القرآن ذات الدلالات
المعتبرة بهذا الشأن، قصة قارون، الذي كان من قوم موسى، ولكنه بغى
واستكبر، مغترّاً بماله وكنوزه، التي تنوء بالرجال الأقوياء حمل
مفاتيحها، ولكنه لم يحسن ولم يتصرّف بماله بما ينفع الناس، بل كان
من الفاسدين المغرورين بأنفسهم، فكان عاقبة أمره كما نقرأها في
القرآن: {فَخَسَفنا بهِ وبِدارهِ الأرضَ فما كان لهُ من فئةٍ
يَنصُرُونه من دونِ اللهِ وما كانَ من المُنتصرين * وأصبحَ الذين
تَمَنَّوا مَكانهُ بالأمسِ يقولونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبسُطُ
الرِّزقَ لمن يشاءُ من عبادهِ ويَقدِرُ لولا أنْ مَنَّ اللهُ علينا
لَخَسَفَ بِنا وَيْكأَنَّهُ لا يُفلح الكافرون * تلك الدارُ الآخرةُ
نَجعَلُها للذين لا يُريدون عُلُواً في الأرض ولا فَساداً والعاقبةُ
للمُتّقين} (القصص/ 81-83).
ولقد شهدنا في عالمنا المعاصر
عاقبة كثير من الطغاة، وكيف أنّهم لم تغنهم أموالهم ولا جيوشهم ولا
قصورهم الرئاسية المتعددة من غضب الله، فلهم اللعنة وسوء العقاب.
خامساً: الوعيد والتهديد بأغلظ
العقاب وأشدّ الحساب، فالمفسد محارب لله تعالى ولرسوله (المائدة/
33)، وهو يستحق بذلك أسوأ معاملة لأنّه يتجاوز بعمله كلّ القيم
السماويّة والمعايير الأخلاقية ويعرض بذلك للخطر حياة البشر، بل
الحياة الطبيعية، فهو يُهدِّد مصير العباد ومستقبل البلاد، فيستحق
بذلك الوعيد والتنكيل، حفاظاً على المجتمع، وإنقاذاً لأرواح الناس
ومعائشهم.
سادساً: مرّ علينا في باب
تعريف الفساد وتوصيف مظاهره أنّه يكون على شكل القتل والتشريد
والإستبداد والإستعباد والعلو والطغيان والبغي والعدوان والفتنة
وشنّ الحرب، والإرهاب وقطع الطريق، والكفر والصدّ عن سبيل الله،
وأيضاً: السرقة والإحتيال، وأخذ الرشوة والإحتكار وأكل أموال الناس
بالباطل والتطاول على المال العام.. ومنه أيضاً: الجور في الحكم
والإخلال بالقوانين والرشوة في القضاء.. وغير ذلك مما سبق ذكره.
وقد شدّد القرآن الكريم النكير
وأغلظ الوعد والوعيد على مرتكبي تلك الجرائم وأصحاب تلك الجنايات
في آيات كثيرة ومواضع عديدة، بذكر عذاب الآخرة وعاقبة السُّوء
غالباً وكذلك الخزي في الدنيا وعقابها، وكل ذلك يُشكِّل جوّا خانقاً
على المُفسدين ويُضيِّق المجال أمام الفساد ونشاطاته.
نذكر فيما يلي نماذج منها على
سبيل المثال، لا الإستقصاء، لأنّ الموارد والشواهد كثيرة، لا يمكن
إستيعابها بهذا البحث، من ذلك:
قوله تعالى: {... مَن قَتَلَ
نَفساً بغير نَفسٍ أو فَسادٍ في الأرض فكأنّما قَتَلَ الناسَ
جميعاً...} (المائدة/ 32).
وقوله تعالى: {والسّارقُ
والسّارقةُ فاقطَعوا أيديهُما جَزاءً بما كَسَبا نَكالاً منَ اللهِ
واللهُ عزيزٌ حكيم} (المائدة/ 38).
وقوله تعالى: {وتَرى كثيراً
منهم يُسارِعون في الإثمِ والعُدوان وأكلِهِم السُّحتَ*
لبئسَ ما كانوا يَعمَلون} (المائدة/ 62).
.....................
(*) كاتب وباحث من العراق ، معهد الأبحاث والتنمية
الحضارية .
الهوامش :
..........................