مبادئ الإصلاح السياسي في الإسلام / 1
الدكتور إحسان
الأمين (*)
(خاص للمعهد)

أهم ما يُحدِّد ويُوجِّه
العملية السياسية، المبادئ الحاكمة التي تلزم الناس العمل بها لكي
يكون بناء المجتمع من ناحية سياسية سليماً ومعافىً وعادلاً
وسويّاً، لأنّ على المبادئ تبنى الأفكار ومنها تستنبط المفاهيم
والأحكام وتسنّ القوانين والنظم، فإن ضمنت العدل والإنصاف حفظت
حقوق الناس وعاشوا بسعادة وهناء.
وهذه المبادئ تُشكِّل قيم
الحكم وروح القوانين السياسية، أمّا شكل الحكم فيمكن أن يتغيّر من
زمان لآخر ومن مكان لغيره، بحسب تطوّر كل مجتمع ورضا أهله، وبما
يناسب وضعهم الإجتماعي وتكوينهم الشعبي.. فإذا ما تغيّرت الأنظمة
وأشكال الحكم وحافظت على حقوق الناس وضمنت كرامتهم وسيادتهم
وإختيارهم، كانت النتائج متماثلة والعدالة متوفرة، والعكس صحيح
أيضاً.
وأهمّ المبادئ التي يقوم عليها
منهج الإصلاح السياسي في الإسلام، هي:
أوّلاً -
ولاية الأُمّة على نفسها:
فالأُمّة هي صاحبة الحق
والسيادة على نفسها، فإليها يرجع تقرير مصيرها بنفسها لتنتخب مَن
تشاء ليكون وكيلاً عنها في إدارة الأُمور، ويكون مسؤولاً أمامها في
أداء أمانته والقيام بمسؤولياته، ولها الحق في محاسبته، وعزله، كما
كان لها الحق في نصبه.
يقول تعالى: }والمؤمنونَ
والمؤمناتُ بعضهم أولياء بعضٍ يأمُرون بالمعروف ويَنهَونَ عن
المنكر ويُقيمون الصلاة ويُؤتونَ الزكاة ويُطيعون الله ورسولهَ
أولئك سَيَرحَمُهُم اللهُ إنّ الله عزيزٌ حكيم{ (التوبة/ 71).
وبذلك يثبت الإسلام مبدأ ولاية
الأُمّة لنفسها، ولتكون الأُمّة – بعد الله تعالى ومَن نصبه الله –
هي مصدر السلطات ومرجع الصلاحيات، والحاكم أيّاً كان – ملكاً أو
رئيساً أو غيره – يستمد من الأُمّة سلطته وهي التي تُحدِّد
مسؤولياته، ويكون مسؤولاً أمامها، وهي التي تنصبه أو تعزله، وهذا
المبدأ هو أساس "الديمقراطية" حين يكون الشعب مصدر السلطات، وكلمته
هي الفصل، ولا كلمة – بعد كلمة الله تعالى – أعلى من كلمة الناس.
ثانياً – مبدأ
الشورى:
وهو أمر قرّره الإسلام أيضاً
وثبّته مع وجود المعصوم، كالرسول والنبي، ومع غيابه، لقوله تعالى:
}... وشاوِرهُم في الأمر فإذا عَزَمت فتوكّل على اللهِ إنّ الله
يُحِبُّ المتوكلين{ (آل عمران/ 159)، ولكن قد يرى البعض أن نتيجة
الشورى غير ملزمة للمعصوم، وملزمة لغيره.
ولكنّ المبدأ ثابت، ولابدّ مع
عدم وجود المعصوم، الإلتزام بالشورى، كإمتداد للمبدأ الأوّل من
ولاية الأُمّة على نفسها، وتأكيد على نفي الإنفراد والإستبداد في
الحكم، وهو ما يُسبِّب الإستعلاء والطغيان، وذلك ما حذّر منه
القرآن في مواضع عديدة، لذا يُثبِّت القرآن، مبدأ الشورى كوقاية
وعلاج في آن واحد، فلا يتفرّد الحاكم برأيه، بل لابدّ له من الرجوع
إلى الشورى، وإذا استبدّ فإنّ الشورى تُصحِّح وضعه وتضع حدّاً له..
يقول تعالى: }والذين استجابوا لربِّهم وأقاموا الصلاة وأمرُهُم
شُورى بينهم وممّا رزقناهم يُنفِقون{ (الشورى/ 38).
وهذا المبدأ يُكمِّل المبدأ
الأول، فقد تنتخب الأمّة وتُنصِّب: ملكاً أو رئيساً، ولكنها تطلق
له العنان ليحظى بكلّ الصلاحيات، من دون حدٍّ أو قيد، فيتحوّل
بتخويل الناس وبإختيارهم إلى حاكم مطلق يحكمهم كما يشاء.. ولكن مع
وجود الشورى، وما يطلق عليه اليوم إسم البرلمان، أو مجلس الشعب، أو
أي إسم آخر.. فإنّ لهذا المجلس دورَ التقنين ودورَ الرقابة،
والحاكم ملزم بالرجوع إلى المجلس في إتخاذ القرارات المهمّة أو
إصدار التشريعات الملزمة، والمجلس يراقب ويحاسب الحكومة، وإذا ما
وجد إنحرافاً أقامه أو ظلماً تصدّى له، ولو تطلّب الأمر إزاحة
الحاكم وتغييره فعل، فهو الممثل للشعب، وهو الذي وكّل الحاكم، فإن
لم يؤدِّ أمانته وتخطّى حدود وكالته، إسترجع الناس – عبر ممثليهم –
الوكالة، وعزلوا الحاكم ونصبوا غيره.
وللمجالس حق التشريع، وقد يشكل
على ذلك بأنّ التشريع من حق الله تعالى، وهو صحيح من حيث أنّ الله
تعالى شَرَّع الأحكام وحَدَّد الحلال والحرام، والمجلس المسلم –
كتحصيل حاصل – لا يتعدّى حدود الله تعالى، ولكن هناك أيضاً مساحة
فراغ كبيرة من القوانين والأنظمة العامّة تركت لكي تملأ من قبل
الناس لتنظيم حياتهم وفقاً لمتطلبات العصر والزمان والمكان، وبما
لا يتعارض مع أهداف الشريعة ومبادئها الأساسية، في إقامة العدل
والمساواة والمجتمع الصالح.. كما إنّ هناك مرونة في التطبيق أعطيت
لولاة الأمور للتحرُّك بواقعية، لدرء المفاسد ورعاية المصالح من
خلال قواعد شرعيّة متحرِّكة، لا تُكلِّف الناس بما لا يطيقون ولا
توقع البلد أو الأمّة في حرج.
ثالثاً –
إقامة العدل:
وهو هدف أساسي لسائر التشريعات
الدينية التي تهدف إلى إنصاف الناس، على إختلاف مشاربهم، من دون
تفرقة أو تمييز، والكل شركاء في الوطن، لا يُفرِّق بينهم لون أو
عرق أو طائفة.
يقول تعالى: }إنّ اللهَ
يأمُرُكم أن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حَكَمتُم بين الناس
أن تَحكُموا بالعدل...{ (النِّساء/ 58).
والحُكم أمانة الناس بيد
الحاكمين، فلابدّ من رعاية الإنصاف والحكم بالقسط، ورعاية حقوق
الناس وحفظ ذممهم.
وإقامة العدل ليس شعاراً أو
مبدأ فضفاضاً، بل هو أصل وميزان ومعيار يجب أن يسود كلّ القوانين
والتشريعات، بما في ذلك الأوضاع السياسية، والتي يجب أن يعمل فيها
على أساس إعطاء فرص متساوية لجميع الناس في الإنتخابات والدعاية
والإمكانيات، لكي لا تبقى الساحة حكراً على أحزاب حاكمة أو أفراد
متنفذين، أو قطاعات رأسمالية، لتستغل إمكانياتها، من المال العام
أو الثراء الخاص، فتسيطر على أجواء الإنتخابات بالإعلام والدعاية
الفائقة التي لا تدع مجالاً للآخرين، ممّن يمتلكون الرأي والخبرة
والتجربة اللازمة، ولكنهم لا يمتلكون المال أو الدعم الخاص، فيجب
أن تسن القوانين لكي تكون الفرص متكافئة في السياسة، ومن ذلك تيسير
الإعلام الحكومي لسائر الناخبين وتحديد مجالات الدعاية والإعلام،
حتى لا يصادَر الرأي العام، أو يُموَّه أو يُوجَّه بإتجاه خاص.
وكذلك الأمر في الإقتصاد
والإجتماع والتعليم وسائر المجالات، التي يجب أن يُراعى فيها تكافؤ
الفرص وتمكين الناس من مختلف المدن والقصبات للحصول على حقوق
متساوية ومتكافئة مع أصحاب المال أو ساكني المدن المتقدِّمة،
وبدونه ستكون الإمكانيات والفرص دوّارة بين الأغنياء والمرفهين دون
سائر الناس، فيكون ابن الغني غنياً، وابن المتعلِّم متعلِّماً،
ممّن يعملون براحة ويدرسون في مدارس مرفهة، ويبقى الفقراء فقراء
لأنّهم يدرسون في مدارس تفتقد لأدنى لوازم التعليم.. فلابدّ أن
يتمّ القبول في الجامعات على أساس من العدالة وتوزيع الفرص المنصف
للإرتفاع بمستوى المناطق الفقيرة أو المُتخلِّفة إلى مصاف المناطق
المُتقدِّمة والقطاعات المتموِّلة.
وهذا المبدأ يوجه المبدأين
السابقين ويعضدهما حتى تكون تشريعات الشورى وقراراتها بإتجاه العدل
والإنصاف.
رابعاً – حكم
القانون ومساواة الجميع أمامه:
وهذا أيضاً مبدأ أساسي، فليس
في الإسلام – والقرآن دستوره – تفرقة أو تمييز بين هذا وذاك، لأي
إعتبار كان، من سابقة في جهاد، أو نسب أو حسب، أو إنتماء قومي أو
طائفي، أو منصب ومسؤولية في الدولة، فالكل عباد الله، والكل
متساوون أمام القانون، حيث يقف أمامه الرئيس والملك جنباً إلى جنب
أي مواطن، متميزاً كان أو شخصاً عادياً من سائر الناس.
قال تعالى: }إنّا خَلَقناكُم
من ذَكرٍ وأُنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لِتَعارفوا إنّ
أكرَمَكم عندَ اللهِ أتقاكُم...{ (الحجرات/ 13).
وفي الحديث الشريف: (الناس
سواسية كأسنان المشط).
ولازم المساواة أمام القانون،
إستقلال القضاء عن الدولة، حتى يكون بمنأى عن التأثيرات السياسية
وبعيداً عن الضغوط والميول والأهواء، وأن يكون القضاة في وضع إداري
وإجتماعي ومالي مرموق، يُحصِّنهم عن الضعف أمام كل وعد أو وعيد،
ويُمتِّعهم بالقوّة والإحترام المطلوب لنفاذ كلمتهم وسطوة حكمهم.
ونقرأ في التاريخ الإسلامي كيف
وقف أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب أمام القاضي عندما
اتّهمه يهودي – زوراً – بأنه أخذ درعه.. وكيف أنّ علياً امتعض
عندما خاطبه القاضي بأمرة المؤمنين وخاطب اليهودي بإسمه، فلم يساوِ
بينهما في الخطاب.. في أروع صورة من العدالة والمساواة أمام
القانون وهو ما دعا اليهودي إلى أن يعترف بكذب مُدَّعاه ويعلن
إسلامه.
ولذلك فلا حصانة – في الإسلام
– لأحد أمام القانون، رئيساً كان أو ملكاً أو نائباً في البرلمان
أو غيره، فلا يُحتاجُ إلى قرار لرفع الحصانة عنه إذا ما إرتكب
جرماً أو واجه تهمة، فعليه أن يحضر أمام القانون ويدافع عن نفسه..
نعم، هو حُر في رأيه ولا يحاسب لموقفه السياسي، الذي تقتضيه طبيعة
عمله، ولكنه مسؤول عن تصرُّفاته الجنائية، وهو ملزم برعاية حقوق
الناس، كسائر أفراد المجتمع، بلا إستثناء.
خامساً – ضمان
الحرِّيّات السياسية:
فلا يجوز إكراه الناس على
إتباع حزب أو تأييد سلطة أو إنتخاب أحد، كما لا يحق لأحد أن يسلب
الناس حرِّيتهم في إبداء آرائهم السياسية وإنتقاد مواقف الآخرين،
مع الإلتزام بحدود القانون، من منع الكذب والإفتراء والتشهير.
وقد مرّت علينا سابقاً الآيات
المقرّة لولاية الأُمّة على نفسها، ولحقِّها في الشورى، وهناك آيات
تجعل الأُمّة مسؤولة عن مهمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ومن ذلك: بيان الأخطاء ونقدها ومعارضة الآراء السقيمة والدعوة إلى
تصحيح الأوضاع الإجتماعية وإصلاحها.
يقول تعالى: }ولتكن منكم
أُمّةٌ يَدعونَ إلى الخير ويأمُرُون بالمعروف ويَنهون عن المُنكر
وأولئك هُمُ المُفلحون{ (آل عمران/ 104).
وفي الحديث الشريف: (سيِّد
الشُّهداء حمزة ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله)[1].
وفي هذا المجال أيضاً نجد
الإمام الحسين بن علي، سيِّد شباب أهل الجنّة، يرفض البيعة
بالإكراه ليزيد، ويختار الشهادة على الحياة، ليُثبِّت أنّ في
الإسلام، حقّ الناس في الحياة الحُرّة والكريمة، ورفض القمع
والإذلال السياسي، للطغاة والمُتكبِّرين، وهاهو يقول: (ألا وإنّ
الدعيَّ ابن الدعيَّ قد ركّز بين إثنتين: بين السلّة – القتل –
والذلّة وهيهات منّا الذلّة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون،
وجدود طابت، وحجور طُهِّرت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة، لا تؤثر
طاعة اللِّئام على مصارع الكرام.. ألا وإنِّي قد أعذرت وأنذرت، ألا
وإنِّي زاحف بهذه الأسرة، مع قلّة العدد وكثرة العدوِّ، وخذلان
الناصر)[2].
ونجد في هذا السياق، الإمام
مالك، إمام المذهب المالكي، يفتي: (لا بيعة لِمُستَكرَه)[3]
ليرفض كل أشكال الإكراه والقمع السياسي.
ولا يمكن بدون إحترام
الحرِّيات السياسية وضمان حقّ الناس قانونياً في النقد، من دون
مساءلة أو ملاحقة.. لا يمكن بدون ذلك إقامة ديمقراطية حقيقية وضمان
أوضاع سياسية سليمة، إذ تتحوّل بذلك المجالس المنتخبة ومجالس
الشورى المعيّنة إلى مجرد هياكل مزيّفة يؤمّها مجموعة من المنافقين
المتزلفين والمصفقين للسلطان وآخرين من الجبناء والمستضعفين، لا
غير، وتفقد بذلك العملية الديمقراطية خواصّها الذاتية الأساسية.
ولا تتوقف المسألة ضمن الحدود
الفردية.. فالنشاطات السياسية تقوم بها اليوم أحزاب وهيئات ومؤسسات
وقنوات إعلامية مختلفة، وبالتالي يجب أن يضمن القانون حُرِّية هذه
التنظيمات السياسية والإعلامية والإجتماعية في ممارسة نشاطاتها
وقيامها بأدوارها السياسية، ضمن حدود القانون، والذي يجب أن لا
يصادر الحرِّيات الأساسية للناس ويراعي حقوقهم، ومن ذلك حُرِّية
الإعتقاد والتعبير عن الرأي.
سادساً – إقرار مبدأ المساءلة والمحاسبة:
إذ إنّ أساس الطغيان هو شعور
الفرد، أيّاً كان موقعه، بالإنفراد في أمره دون وجود لرقيب أو
حسيب، ليتصرّف على هواه، دون إلتزام بقانون، متبعاً أهواءه
ورغباته، التي لا يمكن أن يحدّها شيء سوى وجود المراقبة والمحاسبة،
بواسطة الناس وبواسطة المؤسسات الرقابية، ومنها ما يرتبط بالحكومة
ومجلس النواب، ومنها ما يكون حُرّاً مستقلاً، كمنظمات المجتمع
المدني، والتي لها دور رائد في تطوير العملية الديمقراطية ومتابعة
تطبيقاتها في المجتمع.
والإسلام يُحدِّد مسؤولية كل
فرد عن تصرّفاته، دنيا وآخرة، فالقرآن ينطق }والمؤمنونَ والمؤمناتُ
بعضهم أولياء بعضٍ يأمُرون بالمعروف ويَنهَونَ عن المنكر...{
(التوبة/ 71).
والسنّة الشريفة تجعل هذه
المسؤولية: مسؤولية جماعية لكافّة أفراد المجتمع، ولكل بحسب مجاله
ودائرته التي يتحرّك فيها.
فالرسول الكريم(ص) يقول:
"كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته"[4].
وفي التطبيق نجد مبدأً
قانونياً يثبِّته لنا التاريخ الإسلامي في المحاسبة والمساءلة،
وهو: (من أين لك هذا؟) ليكون كلُّ مسؤول، مسؤولاً عن عمله، ومن
ذلك: أمواله.. من أين أتى بها؟
وطبيعي أنّ المجتمعات تتطوّر
والمؤسسات تتقدّم، وهناك اليوم في العالم: عدّة مستويات من
المحاسبة، كالتفتيش وديوان المحاسبة، إضافة إلى قيام البرلمان
ولجانه بالمتابعة والمراقبة، لأن أنظمة الدول ودوائرها وسير
أعمالها، أصبحت أكثر إتساعاً وأشدّ تعقيداً.
ويتطلّب ذلك أيضاً شفافية
المعلومات وعدم إخفائها حتى لا تكون الأمور غير قابلة للمتابعة،
وأيضاً: تحديد التصرُّفات المالية بالأطر القانونية والأعراف
الجارية، وتقليص الصلاحيات الشخصية للرؤساء والوزراء حتى لا
يستأثروا بالأموال أو يبذِّرونها على الأقارب والمحسوبين عليهم.
سابعاً –
تشخيص المواصفات:
في الإسلام، الحكم أمانة،
والمسؤول مؤتمن من قبل الأُمّة ووكيل عنها في إدارة الأعمال
وتسييرها، من أعلى رئيس في الدولة إلى أصغر موظف فيها، كلّ بحسب
طاقته ومساحة مسؤوليته، قال تعالى: }إنّ اللهَ يأمُرُكم أن تؤدّوا
الأماناتِ إلى أهلها...{ (النِّساء/ 58).
ولكل مسؤولية شرائطها ولكل
موقع في الحكم مواصفاته، التي تتناسب مع حجم المسؤولية وعظمها،
وإذا كان الإسلام يشترط في الشاهد أن يكون عادلاً (الطلاق/ 2)، كان
من الأولى أن يكون الحاكم عادلاً، لأن هذا مؤتمن على الناس: دينهم
ودنياهم، نفوسهم وأعراضهم، أموالهم وأمور حياتهم، وهو الشاهد
عليهم: }وكذلك جَعَلناكم أُمّةً وَسطاً لتكونوا شُهداء على الناس
ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً{ (البقرة/ 143).
ومن أولى مهام الحاكم، إقامة
العدل وهو أولى بالعمل به من غيره، فإن مال عن العدل، سقطت ولايته،
لأنّه لم يعد أهلاً لها.
ولا تجوز أيضاً ولاية الظالم،
لقوله تعالى: }ولا تَركَنوا إلى الذين ظَلَموا فَتَمسَّكُمُ
النارُ...{ (هود/ 113).
ولا تجوز أيضاً ولاية الكافر،
ومَن يتولاّه، لقوله تعالى: }ولن يَجعل اللهُ للكافرين على
المؤمنين سبيلاً{ (النِّساء/ 141).
ولا تجوز في الإسلام، ولاية
الفاسق، لأنّ الذي لا يتقي الله ويخون أمانته ليس مؤهلاً للإئتمان
على دين الله ودنيا الناس، وقد قيل: (لم يخنك الأمين ولكنك إئتمنت
الخائن)[5].
وكذلك لا تجوز ولاية السفيه –
وهو المُبذِّر ومَن خفّ عقله – ، لقوله تعالى: }ولا تُؤتوا
السُّفهاء أموالكم التي جعل اللهُ لكم قياماً وارزُقُوهُم فيها
واكسُوهُم وقولوا لهم قولاً معروفاً{ (النِّساء/ 5)، فإذا جاء
النهي عن إعطاء المال لمن لم يكمل عقله، ولم يبلغ رُشده، بالأخص
إذا كان سفيهاً لئلاّ يتصرّف بها بحماقة فينفقها في غير محلّها..
فكيف بالولي الذي يتصرّف بأموال المسلمين ويتحكّم فيها.
ويجب أن يكون ولي المسلمين
وإمامهم تقيّاً ملتزماً بالواجبات الدينية، صائناً لنفسه عن
الحرام، وقد ورد قوله تعالى: }إنّما وَليُّكُمُ اللهُ ورسولهُ
والذين آمنوا الذين يُقيمونَ الصلاة ويُؤتون الزكاةَ وهُم راكعون{
(المائدة/ 55)، ممّا يدلّ على وجود مواصفات خاصّة للإمام، لا أيّاً
كان من الناس.
ويشترط في المسؤول أن يكون
كفئَاً لما عيّن له، سواءً كانت الكفاءة جسدية أو عقلية، علمية أو
عملية، بحسب ملاك الوظيفة ومتطلِّباتها، وقد ورد في القرآن الكريم
في مواصفات الحاكم قوله تعالى: }وقال لهم نَبِيُّهُم إنّ الله قد
بَعثَ لكم طالوتَ مَلِكاً قالوا أنّى يكونُ لهُ المُلكُ علينا
ونحنُ أحقّ بالمُلك منهُ ولم يُؤتَ سَعَةً من المال قال إنّ الله
اصطفاهُ عليكم وزادهُ بَسطَةً في العِلمِ والجِسمِ والله يُؤتِي
مُلكَهُ مَن يشاءُ واللهُ واسعٌ عليم{ (البقرة/ 247).
فذكر تعالى أنّه آتى طالوتَ
سعةً في العلم وقوة في الجسم، مما يجعله أكثر لياقة للقيادة
والحكم.
وكل هذه المواصفات وغيرها التي
نجدها في القرآن والسيرة، تجعل دائرة الإختيار واضحة حتى يوضع
الشخص المناسب في المكان المناسب، ويختار الأصلح، للمسؤولية، مما
يُضيِّق مساحة الخطأ والإعتماد على الشخص الخائن أو غير الكفوء،
وهو يعطي ضمانة كبيرة لعدم الإفساد وإتباع الصلاح.
ثامناً –
تحديد الصلاحيات:
كما شخّص الإسلام مواصفات
الرجل المسؤول، كذلك حدّد دائرة صلاحياته ومجالات إختياراته لتكون
دوماً ضمن القانون ولا تخرج عن الحدود.
وأوّل حدود الصلاحيات أن لا
يحلّ حراماً ولا يُحرِّم حلالاً ولا يعصي الله تعالى، وإلاّ سقطت
ولايته ولم تجب طاعته، إذ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وعليه أيضاً أن لا يتجاوز حدود
إمتيازاته الإدارية والمالية، فعلى الوكيل أن يتصرّف بحدود وكالته
ولا يعدو عنها، والموظف في الدولة، سواء كان رئيساً أو مرؤوساً،
موكّل من قبل الناس لإدارة أمورهم وبالحدود التي يُحدِّدها القانون
وممثلو الشعب في البرلمان، فلا يجوز أن يتصرّف بما يخالف مقرراتهم
وتشريعاتهم، فهو مؤتمن على ذلك.
وعليه أن ينصف الناس ولا
يتصرّّف في المال العام، والذي هو مال الناس، إلاّ برضاهم وبالحدود
المقرّرة له، من دون تبذير ولا إسراف }إنّ المُبذِّرينَ كانوا
إخوانَ الشياطينِ وكان الشيطانُ لربِّهِ كفوراً{ (الإسراء/ 27).
وعليه حفظ حقوق الناس، فلا
يجوز له أن يتعدّى على أنفس الناس ولا أموالهم إلاّ بالحق وحكم
القانون.
وعليه المساواة بين الناس، فلا
يجوز له التبعيض بينهم، ولو كانوا ذوي قربى، فالجميع سواسية أمام
القانون.
ولا يجوز له إستخدام الوسائل
الغير المشروعة، حتى لو كان هدفه نصرة الحق أو صلاح البلد، لقوله
تعالى على لسان موسى: }... ولا تتّبع سبيل المُفسدين{ (الأعراف/
142).
ولا يجوز إستخدام القوّة، إلاّ
بالحقّ، ولا يفرط في إستخدامها خارج حدود القانون، وقد قال تعالى
في مورد القصاص: }ولا تَقتُلُوا النَّفسّ التي حَرَّم اللهُ إلاّ
بالحقِّ ومَن قُتِلَ مظلوماً فقد جعلنا لوليِّهِ سُلطاناً فلا
يُسرِف في القَتلِ إنّهُ كانَ مَنصوراً{ (الإسراء/ 33).
ولا يجوز للحاكم الإستعلاء على
الناس أو التكبُّر عليهم، بل ينبغي له التواضع وفتح أبوابه للناس
والإستماع إلى شكواهم.
وفي كل الأحوال، يجب عليه
الإصلاح وإزالة مظاهر الفساد، في كل جوانب المجتمع وعموم البلاد،
فإنّ ذلك من صميم مسؤولياته، وأكيد وظائفه، فإذا تعدّى ذلك، أخلّ
بأهليّته لِما عُيِّن له، ولا يجوز الإتكال على مُفسد وإناطة أمور
الناس إليه.
.....................
(*) كاتب وباحث من العراق ، معهد الأبحاث والتنمية
الحضارية .
الهوامش :
..........................