الحضارية «دراسات اسلامية»

 السبت : 20/06/2009   

 

حرية التعبير

ضوابطها وأحكامها

 

 

 

إعداد : الشيخ أحمد بن سعود السيابي(*)

 

 

 

الحرية لغة ومعنى

اقتصرت في تعريف الحرية لغة على مصدرين فقط وهما:

كتاب العين للإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي ، والقاموس المحيط للفيروز آبادي.

وقد جاء في كتاب العين ، الحريّة من الناس خيارهم ، والحر من كل شيء اعتقه[1].

وجاء في القاموس المحيط ، الحرية جمع أحرار وحرار، والفعل الحسن، وتحرير الكتاب وغيره تقويمه ، وللرقبة اعتاقها[2].

ونستلخص من تعريف الخليل والفيروز أبادي المعاني التالية:

الحرية : هم خيار الناس .

الحرية : الاعتاق .

الحرية : تقويم الشيء .

الحرية : الفعل الحسن.

ومن ذلك ندرك أن كلمة الحرية ، تدل على معنى الكرامة والعزة وحسن التصرف ، والتحرك الايجابي في الحياة ، والانعتاق من كل ما يعتبر تقييدا لحركة الإنسان.

أما من حيث المعنى ، فقد جاء في الموسوعة الحرة ما يلي "حرية الرأي والتعبير يمكن تعريفهما بالحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو عمل فني بدون رقابة أو قيود حكومية ، بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ، ما يمكن اعتباره خرقا لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير"[3].

على أن هذه التعريفات اللغوية والاعتبارية تنسجم مع ما قرره الإسلام من أن الأصل في الإنسان الحرية ، وهو ما تتحدث عنه الفقرة التالية.

الأصل في الإنسان الحرية

الحرية هي الأصل في الإنسان ، أما غير ذلك من أنواع الرق والعبودية والاستعباد وسائر أنواع الخضوع القهري فهو ناتج عن التعسف والتسلط ، وهذا ما يفهم من مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، التي تعتبر – بحق – قاعدة أساسية في العلاقات الإنسانية ، تلك المقولة الشهيرة التي وجهها إلى واليه على مصر عمرو بن العاص ، عندما ضرب ابن الأخير أحد الأقباط المصريين قائلا له خذها من ابن الأكرمين فما كان من ذلك القبطي إلا ان توجه إلى عاصمة الخلافة الإسلامية ، رافعا أمره إلى الخليفة شاكيا من الوالي وابنه ، فكتب الخليفة عمر إلى وليه عمرو تلك العبارة العظيمة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"[4].

ولا شك أن الخليفة استلهم ذلك واستوعبه مما قرره القرآن من تكريم الإنسان، وجعل بني البشر سواسية في الخلق والحقوق والواجبات ، وإنما التميز بينهم دينيا ، بمدى قرب كل انسان من الله ، وتعلقه به ، وعبادته له ، واستسلامه لأمره.

يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ){الإسراء/70}.

فهذه الآية الكريمة ترشدنا إلى محاور التكريم الرباني للإنسان ، وهي:

1- خلق الله للإنسان في أحسن تقويم وأفضل هيئة ، فهو يتميز بذلك الحسن والأفضلية عن سائر المخلوقات (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) {التين/4} (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) {الانفطار/7}.

2- الحركة في الحياة في البر والبحر بمطلق الحرية والتصرف (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ){الزخرف/12}.

3- التمتع بالطيبات من كل شيء في الحياة ، من مطعوم ومشروب وملبوس ، ومشموم ومسموع (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث) {الأعراف/157}.

4- السيادة على الكون ، وذلك بتفضيل الإنسان على سائر المخلوقات في هذا الكون ، فالإنسان هو سيد الكون ، بأن جعله الله تعالى خليفة له على هذه الارض ، منذ ان انزل الله اليها أبا البشرية آدم عليه السلام ، وبموجب ذلك الاستخلاف الرباني للإنسان، أصبح صاحب السيادة والتصرف ، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) {الجاثية/13} (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) {البقرة/29}.

على أن الحرية بمعانيها التي ذكرنا هي من أولويات التكريم الرباني للإنسان ، وتقرر ذلك أيضا آية التعارف والمساواة ، حيث يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ){الحجرات/13}.

فهذه الآية الكريمة العظيمة تقرر معنى الحرّية ، عن طريق المساواة بين البشر ، ففي المساواة تكون الحرية ، حيث لا قهر ولا تسلط ولا تعسف من أحد على أحد على مستوى العلاقات الإنسانية ويبين ذلك أيضا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله الذي يعتبر إعلانا عالميا لحقوق الإنسان ، بل أن الإسلام كله إعلان ونداء لحقوق الإنسان " يا أيها الناس ألا أن ربكم واحد وأن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى" [5].

وبقوله عليه الصلاة والسلام " ألا وأن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها بالآباء ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب ، ليس إلا مؤمن تقي ، أو فاجر شقي ، وأكرمكم عند الله اتقاكم"[6].

من خلال الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة ، يتبين لنا أن الله تعالى وهو خالق الإنسان ، أراد له أن يكون حراً يتمتع بالحرية المطلقة الخالصة من القيود القهرية البشرية ، وبقدر قرب الإنسان من الله بالتقوى والعمل الصالح ، يكون أكثر انعتاقا وتحرراً من العلائق الدنيوية القائمة على الخضوع لغير الله تعالى .

كما أن النطق بالشهادتين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، اللتين هما بوابة الدخول إلى الإسلام ، إيذانا بذلك التحرر وعدم التعلق بغير الله، لأنه لا معبود إلا الله جل جلاله فهو الخالق والرازق وإليه المحيا والممات وإليه المصير ، فالتصور الإسلامي حول ذلك كما عبر عنه الشاعر بقوله:

ومـما زادني شــــرفا وتيها

 

وكدت باخمضي اطأ الثريــا

دخولي ضمن قولك يا عبــادي

 

وان صيـرت احمـد لي نبيا

لتتحقق الحكمة الإلهية من خلق الإنسان (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {الذاريات/56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {الذاريات/57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ){الذاريات/58}

        ويرفع القرآن من قيمة الحرية إلى منتهى السمو والرفعة ، إذ يقول: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ){النحل/75}

وبما أن الأصل في الإنسان هو الحرية ، فإنها تنقسم إلى أقسام وهي ما سنتحدث عنها لاحقا:

أقسام الحرية

- الحرية الشخصية

عندما يمنح الإسلام للإنسان حريته ، فهو يمنحه ذلك على اعتبار هذا الإنسان يختزن طاقات هائلة من النشاط والحيوية والإبداع ، ونتيجة لذلك فهو متعدد المواهب ، وفي ضوء ذلك فإنه يعطي للحياة وللبشرية الخير والصلاح.

باعتبار المخلوق الراقي المهيأ للسيطرة على قوى الطبيعة وتسخيرها لخير الإنسانية وسعادة الإنسان[7].

والمتأمل في موضوع العتق من الرق ، يجد أن الملمح في ذلك ، إرادة الإسلام تكريم الإنسان ، ليشعر بالحرية التي هي الأصل بعد العبودية التي هي العارض ، كل ذلك لكي تتفجر تلك الطاقة البشرية في فضاء حرية التصرف بعد القيود والأغلال .

فالإسلام ضيق مداخل الرق ووسع منافذ العتق متبعا الخطوات التالية:

1- جاء الإسلام وأمر الرق وضع قائم ، فكان من غير المناسب القضاء عليه دفعة واحدة حتى لا تحدث من جراء ذلك مشاكل اجتماعية يصعب حلها ، فكان أن تعامل مع ذلك الوضع القائم بحكمة التدرج أو سياسة الخطوة خطوة ، كما هي سياسة التشريع في المألوفات البشرية.

2- أبقى الإسلام في سبيل الرق مدخلا واحدا فقط ، وهو الحرب العادلة مع الآخر غير المسلم ، وأغلق المداخل الأخرى وقد تعامل الإسلام في ذلك من باب المعاملة بالمثل .

3- أمر الإسلام بإكرام الرقيق والعطف عليهم والرفق بهم .

واعتبرهم أخوة لساداتهم في الإنسانية فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، ويلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فان كفلتموهم فأعينوهم"[8].

على إن التعبير بالأخوة في هذا الحديث الشريف ، لإثارة الشفقة عند السيد ممن يملكهم من الرقيق ، ولكي يكون بهم رحيما ، لأن الإنسان تثور فيه عواطف المحبة لأخيه ، وتلك المحبة لا شك تتبعها الشفقة والرحمة والعطف والإحسان ، لذلك كان اختيار لفظ الأخوة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أوتي جوامع الكلم – له مدلوله الإنساني الكبير .

4- أمر الإسلام بالعتق وحث عليه بمنتهى القوة والعزم ، جاعلا إزاء ذلك الأجر العظيم والثواب الجزيل يقول الرسول عليه الصلاة والسلام "أيما رجل اعتق امرءاً مسلما استنفذ الله بكل عضو منه عضوا من النار"[9] ، وما ذلك إلا ترغيب في إيجاد الحرية الشخصية لبني الإنسان ، حتى لا يبقى هذا الإنسان الذي كرمه الله تعالى بالخلق في أحسن تقويم، ويسر له الرزق العميم وسخر له الكون بأسره ، في أسر رق أخيه الإنسان ، ويرقى الإسلام بموضوع تحرير الرقيق إلى أن جعل الأجر مضاعفا ، لمن أدب جاريته تأديبا حسنا، ثم يعتقها ويتزوجها ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام "أيما رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها كان له أجران"[10]. لأن الإنسان المسلم بطبيعة الحال يتوق إلى الثواب ويرغب في الأجر لا سيما إذا كان ذلك الأجر والثواب في الآخرة . والحرية الشخصية تقودنا إلى الحرية الدينية وهي ما سنعرفه في الفقرة التالية .

الحرية الدينية

الحرية الدينية هي عبارة عن حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية ، فلا يكون لغيره من الناس سلطان عليه فيما يعتقده[11].

وليس في الدين إكراه أو جبر على اعتقاد عقيدة ما ، لقول الله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) {البقرة/256} وقوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ){يونس/99} وقوله (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) {الكهف/29} وقد نسب إلى الطاهر به عاشور في كتابه التفسيري التحرير والتنوير[12] أنه قال بأن الآية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ناسخة لحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله" ، ولم يتح لي الرجوع إلى التفسير المذكور.

وعلى أي حال فإن الحرية الدينية وضع أقر الإسلام الناس عليه بعد امتثالهم للضوابط السيادية للإسلام ، وتلك الضوابط مذكورة بالتفصيل في الفقه الإسلامي .

والحرية الدينية تترتب عليها الحرية العلمية ، وهي ما نتناوله في الفقرة التالية.

الحرية العلمية

لعل من المناسب أن نعرف الحرية العلمية بأنها إطلاق العنان لسلطان العلم عن طريق البحث والتقصي والاستقراء ، والمقصود بالحرية العلمية تلك النتيجة التي يتوصل إليها الباحث عن طريق المنهج التحليلي أو الوصفي أو الاستقرائي .

ولا شك أن الإسلام يدعو إلى العلم وإلى التفكير العلمي باعتباره موصلا إلى معرفة الله عز وجل ، يقول عبد المتعال الصعيدي "ومن الطبيعي أن يدعو الإسلام إلى العلم بعد دعوته إلى التفكر ، لأن التفكر نتيجة العلم والمعرفة ، الغرض الذي يدعو الإسلام إلى طلب العلم ، هو الغرض الذي يدعو إلى طلب التفكر ، والغاية التي تقصد من طلب العلم هي الغاية التي تقصد من طلب التفكر ، لأنه لا فرق في هذا بينهما ، فالعلم إنما يطلب في الإسلام لأن من شأنه أن يوصل إلى الإيمان بالله تعالى ، العلماء هم الذين يمكنهم الوصول إلى هذا ، لا الجهلاء"[13].

وقد رفع الله من شأن العلم إلى المستوى الذي ليس بعده مرتقى وإلى النهاية التي ليس بعدها غاية ، يقول الله (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ){الزمر/9}.

كما أن الله تعالى أسند الخشية له على العلماء ، وجعل مدار خشيتهم لله على معرفتهم بهذا الكون وأسراره ، وما يشمل عليه من أقسام ومخلوقات حيث يقول عز من قائل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ {فاطر/27} وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ){فاطر/28}.

على أنه لا يمكن الوصول إلى الحقائق العلمية إلا بالوسائل العلمية ، كالبحث والتحليل وغيرهما من آليات المنهجية العلمية ، ولشرف الغاية تشرف الوسيلة الموصلة إليها أيضا ، وبما أن العلم غاية شريفة ، فإن الوسيلة إليه شريفة أيضا على أن الحرية العلمية هي واسطة العقد بين الوسيلة والغاية .

ولعل الحرية العلمية تقود إلى حرية الفكر التي سنوردها في الفقرة اللاحقة.

الحرية الفكرية

يعرف المناطقة الفكر بأنه حركة النفس في المعقولات [14].

ويمكن تعريف الحركة الفكرية بأنها إعمال الفكر في المعقولات والتصورات والتصديقات ، واستخراج القضايا الفكرية من النصوص الدينية على أن التفكير طبيعة بشرية وفطرة إنسانية ، خلق الله الإنسان عليها ، وهي فرق بين الإنسان والحيوان ، ومن المعلوم أنه في مقدمة التكاليف الشرعية ، الإيمان بالله عز وجل وهو مما يحصل من طريق السمع أو من طريق العقل ، أو منهما معا وطريق العقل معناه التفكر في خلق الله تعالى وعندما سئل أعرابي بم عرفت ربك أجاب قائلا "إن البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فهيكل سفلي بهذه الكثافة وهيكل علوي بهذه اللطافة ، ألا يدلان على الصانع الخبير"[15].

وقد أثنى الله على الذين يعملون فكرهم في تدبر خلق هذا الكون يقول الله(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ){آل عمران/191} وكما قال (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ){الفرقان/73} وما ثناء الله عليهم إلا لما حصل لهم من تقوية إيمانهم بالله نتيجة استعمالهم فكرهم الذي قادهم إلى وحدانية الله تعالى وعظمته وقدرته إلى غير ذلك من الصفات الواجبة في حقه تعالى جل جلاله.

وهكذا تقود حرية الفكر إلى النتيجة الصحيحة ، بعد وجود مقدمات صحيحة ، وصحة تلك المقدمات ، خلو البيئة المحيطة من المفاهيم المغلوطة ، والضغوطات المنحرفة ، ويفهم ذلك التحرر من تلك المقدمات الفاسدة ، مما أمر الله به عبده ونبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في قوله (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) {سبأ/46}.

وعندما ذكر الله في كتابه الكريم ملكة سبأ وما كانت عليه من الكفر ، اعتبر ذلك من مسببات البيئة الاجتماعية التي كانت فيها . (وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ) {النمل/43}.

وعلى كل حال فإن التفكر الصحيح تكون نتيجته صحيحة فيها الخير والمنفعة يقول مصطفى الرافعى : " إن الإسلام منح المسلمين حرية الفكر في جميع المعقولات والتصورات والتصديقات ، بل وأوجب على إنسانة المسلم ان يواظب على التفكير في كل ما ينفع نفسه وينفع غيره ، وفيما يقي الناس جميعا الضرر والأذى، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها"[16].

ولا شك أن حرية الفكر تقود صاحبها إلى الحرية السياسية التي سنتحدث عنها في الفقرة التالية ، ولعلى لا أكون مبالغا إذا قلت إن جميع الحريات الآلفة الذكر كلها تترتب عليها الحرية السياسية التي بدورها تنبني عليها حرية التعبير ، وفضاء القول، وفسحة الكلام.

- الحرية السياسية:

هي احترام رأي الفرد في الحكم بحيث لا تضيع شخصيته في شخصية الحاكم ، بل يكون لرأيه سلطانه فيما يراه ولو تعلق بشخص الحاكم نفسه ، فيكون له الحق في معارضه إسناد الحكم إليه وفي نقد أعماله بالوسائل النزيهة في النقد[17].

على أن الحرية السياسية محورها حق المحكوم في المعارضة وعلى الحاكم أن يتقبل الرأي المعارض شريطة أن يكون الرأي المعارض موضوعياً منسجماً مع منظومة العلاقة بين نظام الحكم والرعية على حد تعبير المثل القائل إذا أردت أن تطاع فاطلب ما يستطاع .

وحق الرأي المعارض قرره الله في كتابه الكريم ، حيث يقول عز من قائل  (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يدعون إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) {آل عمران/104}.

فهذا أمر لكل فرد مؤهل أن يدعو إلى ما فيه الخير والصلاح للإنسانية ، ولا نريد هنا أن نخوض أو نذكر الخلاف حول كلمة "منكم" في كونها للتبعيض أو للبيان ، فعلى أي المعنيين، يجب على كل فرد مؤهل للقيام بذلك أن يمارس النصح والتوجيه والإرشاد في المجتمع بجانب الدولة وفي إطارها ونظامها بما يتماشى مع النظام العام للدولة والمجتمع ، والله تعالى رتب الفلاح والنجاح في آخر هذه الآية الكريمة على ذلك السلوك الراقي للدولة والمجتمع ، ويقول عز من قائل في آية أخرى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ){الحج/41}.

فمفهوم الآيتين معا يدل على وجوب ذلك على الدولة والمعارضة ويقول أيضا (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) {المائدة/2} فالتعاون هنا عام سواء كان بين أفراد المجتمع أم بين الأفراد ونظام الحكم ، لأن في التعاون على المعروف والإحسان والاستقامة فيه الخير والصلاح والاستقرار للدولة والمجتمع ، وقال جل جلاله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ){المائدة/8}والشهادة بالقسط الذي هو العدل تمثل قمة المعارضة النزيهة كما أن على الدولة القيام بالعدل والحق بين الناس وهو من أسمى وأجل الغايات لنظام الحكم في الإسلام.

ويقرر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حق المعارضة للأفراد تجاه نظام الحكم حيث يقول "الدين النصيحة . قلنا لمن يا رسول الله . قال : لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم"[18].

أما إذا تجاوز الحاكم حده ، وضرب بالعدالة عرض الحائط ، وأخذ       يظلم الناس فهناك يجب على الأمة أن تحاسبه وتأخذ على يده لتكفه عن الظلم واستعمال التعسف ، وإلا فإن الأمة تكون واقعة تحت عذاب الله وعقوبته ، كما جاء ذلك في الحديث الشريف" أن الناس إذا رؤوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"[19].

وهذا ما أدركه الخليفة الأول أبو بكر الصديق عندما قال في أول خطبة له "أيها الناس أني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني"[20].

وكان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، كثيرا ما يقول ويأمر أصحابه بإبداء آرائهم حول أسلوب حكمه ، بل كان يسره ذلك ويرتاح إليه ، ألم يقل له أحد الناس قائلا ؟ إن رأينا فيك اعوجاجا قومناه بسيوفنا ، وألم تعترضه امرأة في صدقات النساء ، فما كان منه إلا أن قال للرجل : الحمد لله الذي قيض في الأمة من يقوّم عمر بالسيف ، وقال للمرأة ، أصابت امرأة وأخطأ عمر.

ولا ريب أن من نتائج الحرية السياسية ، حرية التعبير ، كما سنذكرها في الفقرة التالية.

حرية التعبير ، الإطار العام

التعبير مصدر عبرّ وعَبرَ أي فسر ، فاصل الكلمة عبر ، وهو يعني التفسير والانتقال من مكان إلى آخر ، وعليه فإنه يمكننا أن نعرف التعبير بأنه الاستطراد في الكلام تفسيرا والانتقال به من موضوع إلى آخر .

وحرية التعبير بهذا المفهوم هي الإطار العام لجميع أنواع الحريات التي ذكرناها ، كالحرية الشخصية والحرية العقدية والحرية العلمية والحرية الفكرية والحرية السياسية.

فحرية التعبير تشملها وتتناولها جميعا ، ولا شك أن تلك الحريات يترتب بعضها على بعض، ففي رأيي أن الحرية الشخصية تترتب عليها الحرية الدينية والحرية الدينية  تترتب عليها الحرية العلمية والحرية العلمية يترتب عليها الحرية الفكرية ، والحرية الفكرية تترتب عليها الحرية السياسية والحرية السياسية تترتب عليها حرية التعبير ، لأن هذه الحريات آخذ بعضها بحجز البعض الآخر إذ لا يمكن أن تأتي دفعة واحدة وإنما هي تراتيب وأولويات لابد منها في التطور الاجتماعي والسياسي.

ضوابط حرية التعبير

خلق الله الإنسان ولم يجعله هملا ، وإنما أرسل إليه الرسل وانزل معهم الكتب (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) {الحديد/25}

لتنضبط أعمال الناس وتحركاتهم في الحياة وفق أحكام الكتب الربانية ، وفي إطار هذا الميزان القسطاس لكي يتعامل الناس بالعدل في علاقاتهم فيما بينهم وفي جميع شؤونهم.

وحرية التعبير في الإسلام ليست انفلاتا وإنما هي محكومة بالضوابط الشرعية ، لقول الله تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) {البقرة/83}، ولا شك أن حسن القول وكذلك حسن الفعل هو ما يسر به الطرف الآخر ، ولا يؤذيه أو يجرح مشاعره ويحطم أحاسيسه ، فالله تعالى يقول (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) {البقرة/195}.

فالإحسان يحبه الله في كل شيء ، ولكل مخلوق ، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام " أن الله كتب الإحسان في كل شيء "[21] في الإنسان وفي الحيوان ، ويقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل " واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن"[22].

والخلق الحسن يتمثل في القول والفعل ، وخطاب الله للصحابي أو لمجموع الصحابة هو خطاب للأمة جمعاء .

وقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة الحسنه (ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ){النحل/125}  لتكون العلاقة ملفوفة بالاحترام المتبادل الناتجة عن القول الصائب البعيد عن الافتراء والمغالطات ، وإذا ما ترفع عن الإساءة والشتيمة.

وكذلك فإن الله عز وجل نهى المسلمين أن يسبوا غير المسلمين حتى لا يسب أولئك القوم الله جل جلاله (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ){الأنعام/108}

والآية هنا ليس فيها مفهوم مخالفة بمعنى أن أولئك الكفار إذا لم يسبوا الله عز وجل حينذاك يجوز سبهم ، وإنما الغالب من أمرهم المسارعة إلى سب الذات الإلهية.

فلذلك نهى الله المسلمين عن السب ، تقديسا وتنزيها لله عز وجل . إذن حرية التعبير في الإسلام مضبوطة بهذه الضوابط من الكتاب والسنة ، وكذلك – ولا شك -  الديانات الربانية الأخرى قبل تحريفها تخرج هي والإسلام من مشكاة واحدة ، لأن مصدرها واحد، هو الله عز وجل ، وموردها واحد ألا وهو نبوة ورسالات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليتحقق العدل في دنيا الناس ويرتفع عنهم الظلم .

وكما أن الإسلام ضبط حرية التعبير فإن القوانين الدولية بل والقوانين المحلية هي الأخرى ، لها ضوابطها حول توجيه حرية التعبير ، حتى لا تسيء إلى الأديان ولا تؤذي الآخرين. فقد جاء في المادة الثانية من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية "أنه تحضر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف".

وهكذا نرى أن الديانات الإلهية وفي مقدمتها الدين الإسلامي والقوانين تضبط حرية التعبير بما لا يسمح بالإيذاء أو الإساءة إلى الغير لا في دينهم ولا في أشكالهم، فكيف يتجرأ إناس في الدول الغربية على إهانة الإسلام وإيذاء المسلمين مرة بالرسوم الكاريكاتورية ، كما حدث في الصحيفة الدانماركية يولاندس بوستن وتبعتها العديد من الصحف الغربية ، ومرة أخرى بالآيات الشيطانية كما حدث من الكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي .

وأحيانا بحرق المصحف الشريف وتمزيقه ودوسه ، كما حدث في معتقل جوانتانامو، وكما حدث ويحدث من اليهود في فلسطين،ناسين أو متناسين أن الإسلام يحترم جميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم ، معتبرا ذلك من مكونات العقيدة الإسلامية (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ){البقرة/285}

ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما فتح خيبر غنم المسلمون فيما غنموه ، نسخا من التوراة ، ولما جاءه اليهود وسألوه إياها ردها إليهم سليمة كاملة دون أن يحدث فيها حدثا.

فلينظر المتأمل هذا الفرق في التعامل والتسامح والاحترام بين المسلمين وغيرهم ، وكأن لسان الحال والمقال يعبر بقول الشاعر:

ملكنا فكان العدل منا سجية

 

ولما ملكتم سال بالدم ابطح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا

 

وكل إناء بالذي فيه ينضـح

وعلى العموم ، فان حرية التعبير يجب ان تكون منضبطة بالضوابط التي قدمنا ذكرها، حتى لا تؤذي الآخر دينا ، ولا تجرح له شعوراً. والتهكم والتهجم على الإسلام ورموزه فيه أكبر إهانة وأشد إيذاء للمسلمين.

ونظرا لارتباط الشورى بحرية التعبير ، فإننا سنتحدث عنها في الفقرة التالية.

الشورى وحرية التعبير

الشورى في الإسلام لها مكانتها وأهميتها ، فقد أمر بها الله تعالى في كتابه الكريم في آيتين كريمتين ، وقد سمى الله السورة ذات الرقم (42) حسب ترتيب المصحف باسم الشورى، وذلك يعني الأهمية التي تحتلها الشورى في النظام العام للإسلام ، كما أن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه أمر بها قولا ومارسها عملا طوال حياته في جميع المواقف.

والآيتان القرآنيتان الكريمتان هما: قوله تعالى : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ){آل عمران/159}

ففي الآية الأمر من الله لنبيه بالعمل والأخذ بالشورى ، وهو أمر لجميع الأمة ، ولا شك أن الرفق واللين الذين يتصف بها المسئول هما من مقدمات العمل بالشورى وتطبيقها ، أما إذا كان المسئول والقائد غليظ الطبع قاسي القلب ، جاف الطبيعة ، فإنه قلما يستجيب للشورى ويستمع إليها ، فضلا عن أن يطلبها.

ويقول الله تعالى أيضا (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) {الشورى/38}

فالأخذ بالشورى والعمل بها هي من الاستجابة لله تعالى وامتثال أمره مرتبطة بعبادة المسلم لربه عز وجل.

أما ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم ، فليحدث المرء عن ذلك ولا حرج ولا ريب أن ذلك من أمر الله تعالى له سواء كان ذلك استبيانا من القرآن الكريم ، أم كان ذلك بوحي خفي، والظاهر أن الوجهين الجلي والخفي جعلا مساحة واسعة للمسلم في الحياة يتحرك فيها لتطبيق الشورى والعمل بها بين الحاكم والرعية ، وبين أي مسئول وتابعيه ، وهذا الذي يفهم من قوله عليه السلام ، عندما اقترح على الأنصار إعطاء بعض قبائل العرب التي كانت على الشرك شيئا من ثمار المدينة لكي يردهم عن الهجوم على المدينة ، وقال له سعد بن معاذ "كنا نحن وإياهم على الشرك ولا يطعمون في ذلك ، أبعد أن أكرمنا الله بك وبالإسلام ، والله لا تعطيهم إلا السيف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ، أنت وذاك"[23].

وقد تجلى العمل بالشورى وتطبيقها في معركة بدر ، وفي معركة أُحد وغيرهما ، وكان صلى الله عليه وسلم دائما ما يقول "أشيروا على أيها الناس"[24].

وقد سار على هذا النهج خلفاؤه العظام وصحابته الكرام رضوان الله عليهم.

على أن فقهاء الإسلام قد اختلفوا إزاء إلزامية الشورى على الحاكم حيث إن بعضهم يرى إلزامها ، بينما البعض الآخر يرى عدم إلزامها وقد فرق بعضهم بين الشورى والاستشارة معتبرا إلزامية الشورى وعدم إلزامية الاستشارة[25].

أما الأباضية فعندهم أن الشورى ملزمة على الحاكم وهو قول المذهب ، وهناك قول في المذهب بعدم الإلزامية ، وعندما نقول قول المذهب معناه قول جمهور علماء المذهب أما القول في المذهب فيعني قول فرد أو أفراد  من علماء المذهب ، ولذلك أوجبوا على الإمام ان يستشير أهل الحل والعقد غير أن ذلك يكون في القضايا الكبرى التي تتعلق بالأمة ، وهو ما يعتبر عنها – تقريبيا - بالأمور الاستراتيجية ، أما الأمور والقضايا الصغيرة التي هي من التصريف اليومي للأعمال ، فغير محتاجة إلى الاستشارة بل يفوض فيها الإمام ، لان استعمال الاستشارة فيها من شأنه تعطيل مصالح العباد[26].

وعلى العموم فان الشورى في الإسلام لها شأن عظيم ، فهي قوام الحكم وعماده، وهي المرآة التي تتضح فيها صورة الحكم وأسلوبه.

 

....................
(*) الأمين العام مكتب الإفتاء بسلطنة عُمان

 


 

[1]     الفراهيدي ، الخليل بن أحمد ، كتاب العين ، ج1، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي.

[2]     الفيروز آبادي،أبو طاهر محمد بن يعقوب القاموس المحيط ،ج1، ترتيب الطاهر الزاوي.

[3]     الشبكة العالمية للمعلومات ( الانترنت ).

[4]     الجامع الأكبر للتراث الإسلامي ، نسخة الكترونية ، شركة العريس وقناة المجد الفضائية.

[5]     رواه احمد .

[6]      رواه الربيع .

[7]     مصطفى الرافعي ،الإسلام دين المدينة القادمة، مسحوب من شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) .

[8]   رواه البخاري .

[9]      رواه البخاري .

[10]     رواه البخاري والبيهقي .

[11]    عبد المتعالي الصعبدي ، حرية الفكر في الإسلام ، ص 12 .

[12]     د.حسن مزيو ، جلة التنوير العدد الخامس جامعة الزيتونة ، تونس  ص. 163 ..

[13]    حرية التفكير في الإسلام ، ص 25 .

[14]     السالمي ، عبد الله بن حميد ، طلعة الشمس ، ج1 ، ص 75 تحقيق عمر حسن القيام.

[15]    الجناوني ، كتاب الوضع ، ص 5 ، مكتبة الاستقامة ، سلطنة عمان.

[16]    مصدر سابق .

[17]    عبد المقال الصعيدي ، حرية الفكر في الإسلام ، ص12 .

[18]  .    رواه مسلم  .

[19] . رواه أبو داود والترمذي.

[20]  . السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، ص 690 .

[21] . رواه مسلم في صحيحه ، واحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم.

[22]  رواه احمد والبطراني .

[23] . ابن هشام ، السيرة النبوية ، ص 457 ، دار بن حزم ، بيروت.

[24]  . نفس المصدر ، ص 293 .

[25]  . فهمي هويدي ، الإسلام والديمقراطية ، ص117 ، مركز الأهرام للترجمة والنشر ، القاهرة .

[26]  . اطفيش ، محمد بن يوسف ، شرح النيل ج14 ، ص 306 ، مكتبة الإرشاد ، جده .

 

 

.....................
من بحوث مجمع الفقه الإٍسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، الدورة التاسعة عشرة ، إمارة الشارقة ، دولة الإمارات العربية المتحدة