الحضارية «دراسات اسلامية»

 الأربعاء : 18/03/2009   

 

ثقافة التعايش السلمي في الإسلام ودور المرأة فيها

 

أ.د. سعاد إبراهيم صالح(*)
(خاص للمعهد)

 

تمهيد :

إن من أهم ما يميز شريعة الإسلام أنها جاءت خاتمة للرسالات التي سبقتها , ومن ثم كانت صالحة للتطبيق في كل عصر , من عهد رسول الله ص إلى أن يرث الله الأرض وما عليها . ولقد جاءت هذه الشريعة السماوية بمبادئ وقواعد لتنظيم أنواع السلوك الإنساني كافة , سواء أكان ذلك من قبيل علاقات الأفراد بعضهم ببعض , أم من علاقات الحاكم بالمحكوم , أم من علاقات الدولة بالدول الأخرى سلما وحربا , أم من علاقة الكل بالحق تبارك وتعالى .

وكان من المبادئ السامية التي ارستها هذه الشريعة الخاتمة , مبدأ المساواة بين الناس جميعا , فكانت نظرتها إلى الإنسان باعتباره بشرا فحسب لا يميزه عن سائر أفراد جنسه أو طبقته التي ينتمي إليها ما لديه من ثروة أو سلطة , وإنما البشر يتفاضلون بشيء واحد هو تقوى الله , فيقول الله عز وجل : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعويا وقبالئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم ) والله سبحانه وتعالى رفع شأن الإنسان , فكرمه بقوله : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) .

وجاء في تفسير القرطبي في شأن  هذه الآية : ( كرمنا : تضعيف كرم , أي جعلنا لهم كرما , أي شرفا وفضلا , وهذا هو كرم نفي النقصان , لا كرم المال . وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة وحسن الصورة , وحملهم في البر والبحر مما لايصح لحيوان سوى بني آدم أن يتحمل بإرادته وقصده وتدبيره . والصحيح الذي يعول عليه , أن التفضيل كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف , وبه يعرف الله ويفهم كلامه , ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله ) (1) . ويقول سبحانه ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) (2) , ثم سخر له ما في السموات وما في الأرض : ( ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض ) (3) , وجعله خليفة في الأرض : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) (4) , ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ) (5) .

والخلافة وصف عام , أو تكليف يشمل البشر كافة , فالناس جميعا يرثون خصائص آدم ــ عليه السلام ــ ما كان منها روحيا , وما كان غير روحي , لافرق في ذلك بين شعب وشعب , ولابين جنس وجنس .

وخلافة الإنسان شأن كل شيء , وشأن كل تفويق أو تكليف , لها وجهان :

الوجه الأول : هو العلاقة بين الإنسان وخالقه , وهي علاقة عبودية لله والالتزام بمنهجه بقوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (6) .

الوجه الثاني : هو العلاقة بين الإنسان وكل ما استخلفه الله عليه , وهي علاقة سيادة على الأرض وتعميرها بقوله تعالى : ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) (7) , أي خلقكم لعمارتها . ووسيلة الأنسان لتحقيق العبودية هي الدين والإيمان , ووسيلته في تحقيق السيادة على الأرض هي العلم والعمل . فالإيمان والعلم هما مقوما الخلافة , وهما في الإسلام متوافقان ومتكاملان وضروريان لتحقيق رسالة الإنسان . وليس بينهما ــ شأن المذاهب الوضعية ــ أي تعارض أو انفصام . والإنسان حامل الأمانة : لقوله تعالى : ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) (8) .     

وجاء في تفسير القرطبي في شأن  هذه الآية : ( لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين , أمر بالتزام أوامره . والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال , وهو الجمهور . روي الترمذي عن ابن عباس قال : قال رسول الله (ص) : قال الله تعالى لآدم : يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها ؟ فقال : وما فيها يارب ؟ قال : إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت , فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها . فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد ) (9) .

رفع شأن الإنسان لذاته لا لاعتقاده :

إن الآيات التي تمجد الإنسان وتعلي مرتبته فوق كل المخلوقات , تتناول الإنسان لذاته لا لاعتقاده , من حيث هو تكوين بشري , وقبل أن يصبح مسلما , أو نصرانيا , أو يهوديا أو بوذيا , وقبل أن يصبح أبيض أو أسود أو أصفر . وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد عبد الله دراز :     ( كل إنسان له الإسلام قدسية الإنسان , إنه في حمى محمي وحرم محرم , ولا يزال كذلك حتى يهتك هو حرمة نفسه , وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه بارتكاب جريمة ترفع عنه جانبا من تلك الحصانة , وهو بعد ذلك برئ حتى تثبث جريمته , وهو بعد ثبوت جريمته لا يفقد حماية القانون كلها لأن جنايته ستقدرها , ولأن عقوبته لت تجاوز حدها . فإن نزعت عنه الحجاب الذي مزقه هو , فلن تنزع عنه الحجب الأخرى . بهذه الكرامة يحمي الإنسان أعداءه كما يحمي أبناءه وأولياءه . هذه الكرامة التي كرم الله بها الإنسانية في كل فرد من أفرادها هي الأساس الذي تقوم عليه العلاقات بين بني آدم ) (10) .

إن الإسلام يجعل طبيعة مكرمة مستمدة من كونه "خليفة في الأرض" , وهذا التكريم مطلق , لا يتقيد بجنس , أو مكانة اجتماعية , إنما هو تكريم للإنسان بغض النظر عن دينه أو جنسه . وإذن , فهناك طبيع خاصة يفترضها الإسلام للإنسان , ومن هذه الطبيعة ــ التي تحددت معالمها في القرآن الكريم ــ يستمد الإنسان حقوقه , فلا يصح أن يضطهد أو يظلم أو تسلب حريته أو يفرق بينه وبين أخيه على أساس العرق , أو اللون , أو الجنس (النوع) , أو أي أعتبار آخر .

وخلاصة القول : إن الله سبحانه وتعالى قد رفع شأن الإنسان ــ كل إنسان ــ فكرمه واستخلفه في الأرض وحمله الأمانة .

تأكيد حقوق الإنسان في القرآن والسنة :

    عنيت شريعة الإسلام أبلغ العناية بتأكيد مبدأ المساواة وبين الناس جميعا , لا فضل لأحد على أحد بجنس أو لون , وإنما بتقوى الله عز وجل .

وقد أبرزت آيات القرآن الكريم تساوي أفراد الإنسان كلهم في أصل خلقهم : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى) (11) , ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجا وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) (12) . والمعاني المستفادة من هذه الآية الكريمة , أن الخالق واحد , والنفس الإنسانية واحدة , ومن هذه النفس خلق الله زوجها , ومن هذه الأسرة الأولى جاء الناس : رجالا ونساء , ثم يأمرهم الله بأن يتقوا أمرين : الله سبحانه وتعالى , والأرحام ,  والأرحام هنا دلالة على الصلة الإنسانية التي تربط الناس جميعا بعضهم ببعض , مهما تناءت الديار , وتعاقبت العصور واختلفت الألسنة والألوان (13) .

وقوله تعالى : ( من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) (14) . إن هذه الآية الكريمة تنطوي على تصور بالغ القوة في الدلالة على بشاعة جريمة قتل الإنسان ظلما بغير حق , إذ هي من هذا النص ليست عدوانا على الفرد فقط ولا عدوانا على المجتمع كما تنص التشريعات الوضعية , ولكنها شيء أكبر وأفدح , إنها عند الله سبحانه وتعالى عدوان على الناس جميعا , اي على الجنس البشري بأسره دون تفرقة بين لون وجنس وملة .

وجاء قوله تعالى في سورة كاملة معبرا عن هذه المساواة : ( عبس وتولى أن جاءه الاعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ) (15) . وتعد هذه الصورة من أهم الدروس المستفادة في المساواة بين الناس جميعا , في ظل تلك الحقيقة الكبرى _ حقيقة المساواة بين البشر _ يمكن أن نفهم في السنة النبوية الشريفة , ومن ذلك ما ورد في سنن أبي داود عن جابر قال : كنا مع النبي ص إذ مرت بنا جنازة فقام لها , فلما ذهبنا لنحمل , إذا هي جنازة يهودي فقلنا يا رسول الله إنما هي جنازة يهودي , فقال : إن الموت فزع , فإذا رأيتم جنازة فقوموا .

وجاء في سنن النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن عبادة بالقادسية فمر عليهما بجنازة , فقاما فيقل لهما إنها من أهل الأرض , فقالا : مر على رسول الله ص بجنازة , فقام فقيل له إنه يهودي فقال : ( أليست نفسا ) ؟ .

ومن ذلك كذلك قول النبي ص : ( لت تؤمنوا حتى تحابوا . أولا أدلكم على ما تحابون عليه ؟ افشوا السلام بينكم . والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تراحموا . فقالوا : يارسول الله . كلنا رحيم , قال إنه ليس برحمة أحدكم خاصته ولكن رحمة العامة , رحمة العامة ) .

كذلك جاء في خطبة الوداع , وهي آخر خطبة النبي ص قبل وفاته : ( يا أيها الناس , إن ربكم واحد , وإن أباكم واحد , وكلكم واحد , وكلكم لآدم , وآدم من تراب , إن أكرمكم عند الله اتقاكم , ليس لعربي على عجمي , ولا لعجمي على عربي , ولا لأحمر على أبيض , ولا لأبيض على أحمر , فضل إلا بالتقوى , ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد , ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ) . وكان في دعائه عليه الصلاة والسلام في صلاة آخر الليل يقول : ( اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت , وأن العباد كلهم أخوة ) .

إذا كان الإسلام قد أبرز التساوي في هذا , فمن الطبيعي أن يترتب على هذا أن يكون الناس كلهم سواسية فيما يكلفون به من واجبات , وما منحهم الله من حقوق .

تأكيد حقوق اللإنسان في القرآن والسنة :

من ناحية التساوي في الواجبات , نرى أن الله سبحانه وتعالى قد أكرم الإنسان بواجبات بينتها الشريعة الإسلامية . وليس من حق أي قوة أن تعفي بعض أفراد الإنسان من أداء واجب قد فرضه الله عز وجل عليه . لا يعفيه من ذلك أهله أو جنسه أو لونه . ولذلك نرى الرسول ص يقول محذرا أهله وعشيرته من أن يتهاونوا في أداء ما كلفوا به : ( يا معشر قريش , لا أغنى عنكم من الله شيئا , يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا , ياعباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ) . فالكل سواء أمام ما شرعه الله من واجبات يطالب بها كل فرد صالح لأدائها , سواء أكانت هذه الواجبات حقوق خالصة لله تبارك وتعالى , كالإيمان والعبادات , أم كان للعبد فيها شيء . فالتكاليف الشرعية كالصلاة والصوم , والزكاة والحج . والإحسان إلى الوالدين , وصلة الرحم , وحسن الجوار , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , والصدق في معاملة الناس , وغيرها مما هو واجب عل كل بالغ عاقل قادر , لا يسقط عن أحد مهما كانت مكانته . ولو كان يجوز استثناء أحد منها , لكان أحق الناس بذلك أشرف الرسل صلوات الله وسلامه عليه . ولكنه وهو الرسول المبلغ للشريعة المبشر بها لم تسقط عنه التكاليف أبدا . وقد تضافرت النصوص على صدق القضية في القرآن الكريم وسنة الرسول ص كقول الحق تبارك وتعالى ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) (16) , وقول سبحانه وتعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إلكم جميعا ) (17) . فضلا عن أنه من الأمور الثابتة أن الأحكام التي أتت بها الشريعة الإسلامية , إنما جاءت لصالح الناس عامة في دنياهم وآخرتهم , ويؤيد هذا نصوص متعددة كقوله تعالى ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (18) , وكقوله سبحانه : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) (19) .

وإذا كانت الأحكام التي كلفنا بها الله عز وجل إنما جاءت لتحقيق مصالحنا , فنحن مرآة هذه الأحكام , تنطبع فينا هذه المصالح على السواء , لأننا جميعا متساوون في الطبيعة الإنسانية . فلو كانت الأحكام قد وضعت لجماعة خاصة دون غيرها , لما كانت موضوعة لمصالح الناس عامة .

المنهاج الإسلامي في معاملة غير المسلمين :

وقف الإسلام موقفا متسامحا تجاه الأديان الأخرى , كما تقررت من خلاله القواعد التي على أساسها يعامل غير المسلمين في دار الإسلام , وما يجب على المسلمين اتباعه من تعاليم , وما عليهم من واجبات من خلال القرآن الكريم الذي ظم تلك العلاقات , فشملت كثير من النصوص القرآنية روح التسامح والعفو , قال تعالى : ( فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ) (20) , وكذلك في سورى الشورى قال سبحانه : ( فمن عفا واصلح فاجره على الله انه لا يحب الظالمين ) (21) .

كما يتضح موقف الإسلام منذ البداية في الدعوة للإسلام , فقد حدد وبدقة , عدم إجبار الناس على الدخول في الإسلام , فالإنسان بعقله الذي وهبه الله إياه عليه أن ينظر أي طريق يسلكه من طريقي الهدى والضلال , وعلى المسلمين أن يبلغوا رسالة الإسلام إلى من عاداه , فإما أن يهتدوا ويختاروا طريق الخير وهو طريق الخير وهو طريق الإسلام , وإما أن يختاروا الطريق الآخر , لا إكراه عليهم في ذلك . ونصوص القرآن صريحة في عدم إجبارهم على الدخول فيما لا يؤمنون به . يقول الله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) (22) . يقول سبحانه : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (23) , وقال تعالى : ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ) (24) , ويقول تبارك وتعالى : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقوموا اشهدوا بأنا مسلمون ) (25) .

سار الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا المنهج , فقد منع رجلا حاول أن يرغم ولديه على الإسلام . فقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الكريمة ( لا إكراه في الدين ) , أن رجلا من الأنصار كان له ابنان نصرانيان قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبا , أما هو فكان رجلا مسلما , فلما عزم الابنان على أن يذهبا مع هؤلاء التجار , أراد أبوهما أن يكرههما على ترك النصرانية والدخول في الإسلام , فنزلت الآية الكريمة .

كما كانت إحدى نساء بني قريظة وتدعى ريحانة من نصيب الرسول ص بعد محاربة قومها . فعرض عليها الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب , فقالت : يا رسول الله بل تتركني في ملكك , وأظل على ديني ( اليهودية ) فقربها الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أسلمت بعد ذلك عن اختيار ودون إكراه . كما كتب إلى معاذ بن جبل وهو باليمن : ( أن لا تفتن يهوديا من يهوديته ) . أي لا تكرهه أو تحرضه على ترك دينه.

كما دعا الإسلام إلى اتباع أسلوب اللين والرفق والحوار الهادئ والمجادلة بالحسنى من خلال استخدام العقل والمنطق لإقناع أهل الكتاب بالدخول في الإسلام . قال تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وآلهنا وآلهكم واحد ونحن له مسلمون ) .

عهود الأمان :

يظهر تسامح الإسلام في مواقفه الكريمة مع غير المسلمين في عهود الأمان التي أعطيت لهم , فكانوا يقيمون في بلادهم بناء على هذه العهود تحت مظلة الإسلام دون إكراه بدني أو مادي أو أدبي على أن يتخلوا عن دينهم أو أن يقوموا من الأعمال بما لا يرضون القيام به .

وكان الأمان يشكل القاعدة الإسلامية الأساس بعد دخول المسلمين البلاد المفتوحة . وبمقتضى هذا الأمان أتيح لغير المسلمين بعض الحقوق والحريات . وكان عهد الأمان الذي عقده الرسول ص لأهل نجران , هو المثال الذي عقدت على منواله عهود الأمان اللاحقة , فقد نص على أن ( ... لنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم غائبهم وشاهدهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير , ولا يغير أسقف ولا أرهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته . وليس عليه دية ولا دم جاهلية , ولا يخسرون ولا يعسرون , ولا يطأ أرضهم جيش , ومن سأل منهم حقا فبينهم للنصف غير ظالمين ولا مظلومين . ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة , ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر ) . والأصل في الأمان قول النبي ص ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) , وقوله تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ) (26) .

هذه هي الأصول التي وضعها الرسول عليه الصلاة والسلام والمستمدة من القرآن الكريم في الدعوة للإسلام , وعقد عهود الأمان مع غير المسلمين , والتي ظلت المنهاج القويم التي سار عليه الخلفاء الراشدون والقادة الفاتحون الذين تحملوا عبء نشر الدعوة الإسلامية شرقا وغربا , والتي يؤدي الالتزام بها من جانب المسلمين , إلى إشاعة روح التسامح والتعاون والتفاهم من أجل خير الإنسانية كلها .

دور المرأة في ثقافة التعايش السلمي :

والسؤال الذي يفرض نفسه : ما دور المرأة فيما سبق ؟ , أين فعاليتها ومشاركتها وامتثالها لجوانب التعايش السلمي وملامحه بين المسلمين وغيرهم في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية ؟ .

الجواب أنه تأكيدا لمبدأ المساواة في الإسلام بين البشر جميعا : لا فضل لأحد على أحد بجنس أو لون , وإنما بتقوى الله سبحانه وتعالى استنادا إلى قوله : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (27) .

اتفق جمهور العلماء والمفسرون على أمر مهم بالنسبة لدلالة النص القرآني , وهو أن كل ما جاء في القرآن الكريم من خطاب موجه إلى المؤمنين والمسلمين في مختلف الشؤون بصيغة المفرد المذكر والجمع مما يتصل بالتكالييف والحقوق والأعمال العامة , يعتبر شاملا للمرأة دون أي تفريق أو تمييز , إذا لم يكن ثمة قرينة تخصيصه . ومن ذلك التكاليف التعبدية والمالية والبدنية , والحقوق والمباحات والمحظورات والآداب والأخلاق الفردية والاجتماعية , وما يترتب على ذلك من نتائج إيجابية وسليبة في الدنيا والآخرة .

والآيات القرآنية التي يتمثل فيها ذلك كثيرة جدا . ويكفينا ذكر ما جاء منها في سورة واحدة وهي سورة البقرة , قوله تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب و الحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون * فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ) (28) , وقوله جل شأنه : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ) (29) .

وفي مساواة المرأة بالرجل في الحدود , قوله تعالى في سورة المائدة : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديها جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) (30) .

وفي المساواة بين الرجل و المرأة في الآداب والأخلاق , قوله تعالى : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنان يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) (31) .

كما ورد اتفاق جمهور المحدثين على أن الأحاديث النبوية الموجهة إلى المسلمين والمؤمنين بصيغة المفرد المذكر , تشمل الرجل والمرأة على السواء إذا لم يكن فيها قرينة مخصصة . هناك آلاف الأحاديث التي ينطبق عليها ذلك في الإيمان والعلم والتقوى والآداب والأخلاق , منها ما وراه البخاري ومسلم عن النبي ص : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

كما أن الإسلام قد قرر أهلية المرأة للتدين وتلقي التكاليف الشرعية حيث جعل الرسول ص للنساء بيعة خاصة بهن في الإسلام دون بيعة الرجال لتدخل كل منهن الإسلام من باب غير باب زوجها أو أبيها , وهي قوله تعالى ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصيك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) (32) .

هذه الآية عظيمة الدلالة بالغة المدى , فقد أمرت النبي ص بناء على طلب المؤمنات , بأخذ البيعة منهن أسوة بالرجال واستقلال دون تبعية أن يجيب طلبهن ويأخذ البيعة منهن . وفي هذا إقرار لشخصية المرأة وكيانها المستقل دون تبعية للرجل وأسوة بالرجال , وإقرار لأهليتها لذلك .

كما جعل الإسلام للمرأة حق المشاركة في الحياة الاجتماعية العامة . فيقول الله تعالى في سورة التوبة : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) (33) .

وهذا النص يتطلب التأمل في بديع إحاطته بكافة شؤون الحياة وأوضاعها , فقوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) , فيه أن الإيمان هو الوصف الذاتي الذي تحدد به شخصية كل فرد ـ رجلا كان أو امرأة ـ وأن الولاء الذي بين المؤمنين والمؤمنات هو الولاء لقيم الإيمان , وقوله تعالى : ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) واضح  في الدلالة على أن الإسلام يضع صلاح المجتمع أمانة بين يدي كل مؤمن مستنير وكل مؤمنة مستنيرة , ويجعل كلا منهما مسؤولا عن ذلك , لا يعفي المرأة ولا يستثني الرجل , لأنه ينظر إلى وصف الإنسانية , لا إلى الذكورة أو الأنوثة . وهو إقرار لحق المرأة أسوة بالرجل في كيان الدولة والمجتمع , وتوطيد مركزها فيه .

ولذلك اعترف الإسلام للمرأة بأن لها حق إعطاء الأمان للشخص الذي يدخل ديار الإسلام على نية الإقامة فيها . والأصل فيه قول النبي ص : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ) .

ولما كان الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا وآدابا , ولما كانت المرأة , كما أوضحت فيما سبق , لها الحقوق نفسها التي للرجل وعليها الواجبات ذاتها التي عليه , فإن المرأة تتحمل نصيبها المفروض في إشاعة روح التعايش السلمي التي لها قواعد راسخة في الإسلام تقوم على أساس من النصوص القطعية في القرآن الكريم والتطبيق العلمي من الرسول الكريم ص .

 

 

.........................
(*) باحثة إسلامية

 

الهوامش :
..................

 

1 ــ أ.هـ . تفسير القرطبي , الجامع لأحكام القرآن , المجلد الخامس , ص 4022 .

2 ــ التين , آية 4 .

3 ــ لقمان , آية 20 .

4 ــ الأنعام , آية 165 .

5 ــ فاطر , آية 39 .

6 ــ الذاريات , آية 56 .

7 ـ هود , آية 67 .

8 ـ الأحزاب , آية 72 .

9 ـ أ.هـ. تفسير القرطبي , الجامع لأحكام القرآن , المجلد الخامس , ص 9522 .

10 ـ نظرات في الإسلام , للدكتور محمد عبد الله دراز , ص 164 .

11 ـ الحجرات , آية 13 .

12 ـ النساء , آية 1 .

13 ـ تفسير القرطبي , ص 1673 .

14 ـ المائدة , آية 32 .

15 ـ عبس , الآيتان 1 ـ 10 ) .

16 ـ سبأ , آية 28 .

17 ـ الأعراف , آية 158 .

18 ـ الأنبياء , آية 107 .

19 ـ المائدة , آية 6 .

20 ـ المائدة , آية 13 .

21 ـ الشورى , آية .

22 ـ البقرة , ية 256 .

23 ـ يونس , آية 99 .

24 ـ الغاشية , الآيتان 21 ـ 22 .

25 ـ آل عمران , آية 64 .

26 ـ التوبة , آية 6 .

27 ـ الحجرات , آية 13 .

28 ـ البقرة , الآيات 151 ـ 153 .

29 ـ البقرة , آية 188 .

30 ـ المائدة , آية 38 .

31 ـ النور , الآيتان 30 ـ 31 .

32 ـ الممتحنة , آية 12 .

33 ـ التوبة , آية 71 .

        

 

 

المراجع :
..........................

1 . القرآن الكريم .

2 . أحكام  عبادات المرآة في الشريعة الإسلامية , للدكتورة سعاد إبراهيم صالح .

3 . أحكام القرآن , القرطبي .

4 . سنن أبي داود , لأبي داود الطيالسي .

5 . المستأمن , ما له وما عليه , بحث للدكتورة سعاد إبراهيم صالح .

6 . معاملة غير المسلمين في الدول الإسلامية , للدكتورة نريمان عبد الكريم أحمد .

7 . معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي , للدكتور إدوارد غالي الذهبي .

8 . نظرات في الإسلام , للدكتور محمد عبد الله دراز .

9 . سيرة النبي , لابن هشام .

10 . صحيح البخاري , للإمام محمد بن إسماعيل البخاري .