الحضارية «دراسات اسلامية»

 الثلاثاء : 17/03/2009   

الشيخ محمد مهدي شمس الدين والإصلاح الديني / 2

 

زكي الميلاد(*)
(خاص للمعهد)

ـ 5 ـ   

الوحدة والتقريب والمصالحة

لعل أقدم نص تحدث فيه الشيخ شمس الدين عن الوحدة، هو المقال الذي نشره في مجلة «الأضواء» سنة 1960م، حينما كان في النجف، بعنوان «رسالتنا يجب أن تكون قاعدة للوحدة». هذا الإدراك المبكر لمسألة التقريب والوحدة ظل حاضراً ونابضاً ومتجلياً بصورة مستمرة ومتنامية في الخطاب الفكري والإصلاحي للشيخ شمس الدين، الذي يعتبر من رجالات التقريب والوحدة البارزين في الأمة، وأفكاره وتصوراته في هذا المجال هي على قدر كبير من الأهمية والفاعلية لوضوحها وجرأتها ونضجها. وقد ظل يبلغ بهذه الأفكار بدون توقف أو انقطاع، ويتواصل مع المشتغلين في هذا الحقل من المصلحين والمفكرين سنة وشيعة، وعكس هذا النهج في كتاباته ومؤلفاته التي كان يستند فيها على آراء واجتهادات المذاهب الإسلامية الخمسة، منذ كتابه الأول «نظام الحكم والإدارة في الإسلام»، إلى كتابه «الاحتكار في الشريعة الإسلامية» الصادر سنة 1990م، وهكذا في كتابه «الاجتهاد والتقليد» الصادر سنة 1998م. وكان يوصي الكتاب والباحثين باعتماد هذا المنهج في البحث، وإذا تحدث معه بعض الكتاب عن مؤلفاتهم يسألهم دائماً عن رجوعهم واستفادتهم من المذاهب الإسلامية الأخرى. والقاعدة التي ينطلق منها الشيخ شمس الدين في تشكيل أفكاره وتصوراته في هذا الشأن هي أنه يرى بأن قضية وحدة الأمة من المقدسات، وليست من السياسات، أي أنها بمنزلة التكاليف الشرعية مثل الصلاة والصوم والزكاة، وعلى هذا الأساس حسب رأيه فنحن مكلفون بوحدة الأمة([1]). وينتقد السياسات التي دمرت شعور المسلم العادي بأنه جزء من أمة، ورسخت فيه الشعور الذي يصور له بأنه جزء من طائفة، أو جزء من مذهب، وهذا خلاف المسلمات الفقهية السياسية كما يقول في وحدة دار الإسلام، ووحدة أمة الإسلام([2]). ولتصحيح هذا الشعور يقترح الشيخ شمس الدين إدراج مادة الأمة الإسلامية كمادة أساسية في جميع مراحل التعليم من الابتدائية إلى الجامعة، لتكوين ذهنية المسلم بطريقة واعية في ارتباطه بالأمة الإسلامية([3]). ولأنه يدرك طبيعة التعقيدات التي تحيط بهذه القضية، فقد اقترح سنة 1987م إنشاء مركز دراسات للوحدة الإسلامية يتخصص بدراسة قضايا الوحدة الإسلامية بعمق ومسؤولية وواقعية، وبعيداً عن روح المحاباة أو الخوف أو الانخداع بالحلم السحري([4]).

وحينما توجه في دراساته وأبحاثه نحو الفقه لم يهمل هذه القضية، فقد دعا سنة 1990م، لوضع باب فقهي خاص بوحدة الأمة، يبحث عن حدود وحدة الأمة وإطارها، والعلاقة بين وحدة الأمة والتنوع القومي واللغوي في المجتمعات الإسلامية، وما مدى إلزامية هذه الوحدة على المستوى الحقوقي والقانوني الإسلامي العام([5]). وأكد على مبدأ الأخوة الإسلامية في أن يكون دليلاً للفقيه عند بحث واستنباط أحكام العلاقات بين المسلمين جماعات وأفراداً. فهذا المبدأ حسب تقديره ثابت بالنسبة لجميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم. وانتقد من جهة أخرى الفتاوى التي لا تلاحظ مبدأ علاقة الأمة التفاعلية، وعلاقة المجتمع التفاعلية بين أفراده، فتعطي حقوقاً وتشرع أوضاعاً للأفراد بمعزل عن مدى تأثير ذلك في وحدة ومصالح الأمة([6]). وفي مجال رواية الحديث ينتقد الشيخ شمس الدين القطيعة الحاصلة بين السنة والشيعة في هذا المجال، حيث يتساءل: «لماذا لا يعمل الشيعة في الأخبار التي تجمع شرائط الحجية عند أهل السنة؟ لماذا لا يحترم الشيعي السنة السنية، السنة في كتاب البخاري ومسلم ويسمى الصحاح، ونحن بطبيعة الحال لا نراها صحاحاً لماذا؟ هل هذه الأحاديث كلها لا يتمتع حديث واحد منها بأي اعتبار على الإطلاق؟ هل بذلت محاولة في دراسة هذه السنة، واكتشف أنها كلها من الناحية الرسمية مجموعة أكاذيب؟ عشرات أو مئات ألوف الأحاديث، أو أن الموقف الشيعي أصدر حكماً مبدئياً صارماً بأن كل ما ليس عندنا فهو باطل. عند السنة يوجد موقف صارم بأن كل ما رواه الشيعة إما موضوع أو مشكوك على الأقل في صدقه بدرجة تجعله غير جدير بالقبول. وأنا أسأل: هل بذلت محاولة سنية من علماء حديث ومن محدثين وفقهاء، من فحص هذه السنة المروية عن طريق الشيعة، للتأكد من كل ما في الكتب الأربعة عند الشيعة مجموعة أكاذيب؟ وهل بذلت محاولة من المحدثين وعلماء الحديث والفقهاء السنة لفحص هذه الكتب الأربعة، وفهم قيمتها بصورة مجردة؟»([7]). وحين يفسر الشيخ شمس الدين هذه القطيعة يرى أنها من موروثات الشقاق السياسي، ولا تستند على قاعدة علمية وموضوعية، وإنما تتأثر بدرجة سعة وضيق انفتاح وانغلاق ذهنية الفقيه الشيعي أو الفقيه السني، وخلل رؤيته لوظيفة الشريعة في الأمة([8]).

وعندما أسست الجامعة الإسلامية في لبنان سنة ؟؟؟ أراد الشيخ شمس الدين من كلية الاجتهاد والعلوم الإسلامية أن تكون معنية بالفقه المقارن، وقضايا الوحدة الإسلامية. وعن رؤيته لهذه القضية يقول في كتابه «الوصايا»: و«حيث أننا لاحظنا أن العَالِمَ المسلم الديني وخاصة الشيعي، هو جاهل جهلاً تاماً بمذاهب الإسلام غير مذهبه الخاص، وهو لا يعقل شيئاً يذكر فيما يتعلق بالأصول العامة والخاصة للفقه المقارن. فقررنا أن يكون مجال الدراسة هو مجال الفقه المقارن بين المذاهب، لتخريج علماء إلى جانب تخصصهم العالي في مذاهبهم الخاصة، يكون لهم تخصص عال أيضاً في مجال الفقه المقارن، تمهيداً لنشوء جيل من المجتهدين العاملين في الحقل الإسلامي العام، لا على الصعيد المذهبي، وإنما على صعيد الشريعة الإسلامية العامة مقارنة بالقوانين الوضعية، ولجعل الشريعة جزءاً من الهيكلية القانونية الحقوقية في الفكر القانوني العالمي. إلى جانب ذلك، تهتم الكلية بقضايا الوحدة الإسلامية على قاعدة المشروع الذي ذكرناه في عدة من أبحاثنا، وهو إعادة السنة النبوية ما ورد منها من طريق أئمة أهل البيت (ع)، أو ما ورد منها من طريق الصحابة. وهذه السنة التي تنقسم الآن إلى قسمين، يأخذ الشيعة بجانب منها، وهو سنة أهل البيت، ويأخذ السنة بجانب منها وهو سنة الصحابة، وقلما يلتقيان، وقد وضعنا الأساس النظري الصحيح إن شاء الله لتوفير هذه السنة»([9]).

يضاف إلى ذلك فإن الشيخ شمس الدين حاول أن يضع ميثاقاً إسلامياً لقضايا الوحدة والتقريب، ونشر هذا الميثاق بعنوان «صياغة أولية لميثاق تأسيسي لهيئة قضايا الوحدة والتقريب»، وهو يعبر عن شدّة حرصه، وعمق تمسكه بهذا النهج الوحدوي الثابت، ويرتكز هذا الميثاق حسب رأيه على الأسس التالية:

الأساس الأول: إن المسلمين اتفقوا على أمر جامع يوحدهم في دائرة الإسلام وعلى هذا الأساس يتمثل فيهم جميعاً كيان الأمة، وينتزع من هذا الواقع مفهوم الأمة الإسلامية، إن الثوابت الكبرى في الإسلام التي أجمع المسلمون على الإيمان بها، والالتزام بها هي أساس الإسلام، حيث أن المسلم هو من آمن والتزم بها، وأن من أنكرها وأنكر بعضها ليس مسلماً. وهذا موضع وفاق بين المسلمين، وبهذا يتبين أن الواقع التنظيمي للأمة هو الوحدة.

الأساس الثاني: إن التمذهب ظاهرة طبيعية في كل عالم ثقافي وحضاري، وهو ما يتفق مع الفطرة، إننا لا نعتبر التمذهب بالمعنى الفقهي تمزقاً في الإسلام، بل هو منسجم مع طبيعة اختلاف الأفهام والمدارك والرؤى في ضمن الإطار الواحد الجامع. فالاختلافات المذهبية أمر طبيعي، وهي ناشئة من الاختلاف الاجتهادي في فهم ظواهر الكتاب وفي تقييم السنة، من حيث الصدور أو من حيث الظهور... هذه المذاهب تتمتع بالشرعية الكاملة من كل مذهب تجاه المذاهب الأخرى، فأتباع كل مذهب يجب أن يكونوا معترفاً بهم باعتبارهم مسلمين كاملي حقوق الانتماء إلى الإسلام على مستوى الأمة وعلى مستوى مجتمعهم الوطني الخاص، ويتمتعون بكل ما تتمتع به المذاهب الأخرى، من دون اعتبار لكونهم أكثرية أو أقلية، بل لا يجوز اعتبار التنوع المذهبي أساساً للتصنيف إلى أقلية وأكثرية، ويجب أن تحترم عقائدهم وأفهامهم الخاصة، وأن لا ينعكس تنوعهم المذهبي إذا كانوا أقلية على إمكانات اندماجهم في المجتمع، وعلى تمتعهم بحقوق عضوية المجتمع وعضوية الأمة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

الأساس الثالث: إن المرجع في فهم منهج كل مذهب ورؤيته العقائدية ومنهجه الفقهي هو أئمة وعلماء المذهب نفسه، والكتب المعتمدة فيه على نطاق واسع ورسمي، وليس الآراء الشاذة منه، وليس ما يقوله عنه أو نقله عنه في الماضي خصومه ومناوئوه في المذاهب الأخرى. ولا يجوز الحكم على المذهب استناداً إلى التفاصيل الشاذة والغامضة، بل يجب أن يرجع في درسها لإثباتها أو نفيها أو تأويلها إلى المرجعية العقائدية والفكرية والفقهية لأتباع المذهب نفسه، ولا يجوز أن تكون موضوع اجتهادات أو أحكام من قبل مصادر أخرى في مذاهب أخرى.

الأساس الرابع: تحريم التبشير في داخل الإسلام، فلا يجوز للشيعة أن يقوموا بنشاط تبشيري داخل هذا المذهب الإسلامي أو ذاك، ولا يصح من أي مذهب منفرد أن يقوم بنشاط تبشيري على مستوى عام داخل المذاهب الأخرى، كما لا يجوز ولا يصح أن يقوم أهل السنة باعتبارهم كتلة عقائدية بأنشطة تبشيرية مبرمجة وممنهجة داخل الشيعة. وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب على صعيد فردي فهذا شأن من شؤون كل شخص، بحسب قناعاته التي يكونها نتيجة لقراءته وتفكيره الخاص، وإذا قرر مسلم من المسلمين من مذهب معين الانتقال إلى مذهب آخر فإن إرادته ورغبته يجب أن تحترم، ويطبق عليه باحترام أحكام المذهب الذي اختاره.

الأساس الخامس: لا يجوز أن تؤدي الاختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أية دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع، أو على مستوى العالم الإسلامي، بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنية وواجباتها([10]).

ومن أفكاره وأطروحاته أيضاً في مجال الوحدة والمصالحة، دعوته إلى ما أطلق عليه سنة 1993م، بالمتحد القومي ـ الإسلامي القائم حسب رأيه على المصالحة الإيجابية وليس السلبية. ويعني ذلك بأن المصالحة الإيجابية هي تعاون على عمل مشترك، أما السلبية فهي عنده مجرد الكف عن الآخر. والذي يطمح إليه كما يقول هو الاشتراك والانخراط في عمل واحد مشترك، وليس مجرد الكف عن حالة العداء والمواجهة التي سادت العالم العربي كله منذ الأربعينيات، ونمت وظهرت بأبشع صورها في الخمسينيات والستينيات وما تلاها. لأن لكل التيارين، القومي والإسلامي الأطر والبنى التنظيمية، لذلك فهو يقترح تشكيل لجنة متابعة أو هيئة مشتركة، أو أمانة عامة. والمشروع المشترك الذي اقترحه في ذلك الوقت هو مقاومة التطبيع. وكان يعتبر إنجاز هذه الخطوة بمثابة إنجاز الصلح داخل الأمة بين المجموعات السياسية، وكبرى هذه المجموعات التيار القومي بكل تنوعاته، والتيار الإسلامي بكل تنوعاته([11]).

وقد أراد الشيخ شمس الدين من هذه المبادرة أن تكون مدخلاً لمشروع أكبر كان يدعو إليه وهو مصالحة الأمة مع نفسها لتكون في مستوى مواجهة المشروع الصهيوني. وفي هذا السياق أيضاً جاءت دعوته إلى المصالحة بين الإسلاميين والأنظمة. وعن هذه الدعوة يقول «أدعو الإسلاميين إلى أن يصالحوا الأنظمة إذا قدروا، وإلى أن يهادنوا الأنظمة إذا لم يروا المصالحة. ولتكن الهدنة غير موقوتة، هدنة مفتوحة إلى مدى لا يعمله إلا الله، وأوجه القوميين إلى نفس هذه الدعوة. إن الضرورة تدعونا لنبرمج أولوياتنا، على أن تكون الأولوية الآن أخلاقياً وشرعياً هي لمواجهة المشروع الصهيوني»([12]).

وانسجاماً وتوافقاً مع هذا المسلك جاء تأكيد الشيخ شمس الدين على ضرورة اندماج الشيعة في أوطانهم. الضرورة التي أكد عليها وباهتمام في كتابه «الوصايا»، حيث قال «أوصي أبنائي وإخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم، وفي مجتمعاتهم، وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم»([13]).

لاشك أن هذه الأفكار والطروحات والدعوات في مجالات الوحدة والتقريب والمصالحة تميز الشيخ شمس الدين، وتعطيه درجة عالية من الفرادة بهذا المستوى من المكاشفة والجرأة والوضوح، ومن الثقة والاطمئنان والتأصيل، بغض النظر عن جوانب الاتفاق والاختلاف، النسبي أو الكلي، الخاص أو العام، المقيد أو المطلق.

ـ 6 ـ

من تجديد الفكر إلى تجديد الفقه

في سنة 1997م أصدر الشيخ شمس الدين كتاباً بعنوان «التجديد في الفكر الإسلامي»، وفي سنة 1999م، أعاد إصدار هذا الكتاب بعنوان مختلف مع بعض الإضافات وأصبح عنوانه «الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي». وهذا في حقيقته يعكس طبيعة التحول والاهتمام عند الشيخ شمس الدين من جهة تراتب الأولوية وتقدم مجال الفقه على مجال الفكر. ولكن يبقى لمجال الفكر عنده على أنه مصدر التنوير والتجديد لنظراته وتصوراته في مجال الفقه.

وفي هذا المجال طالب الشيخ شمس الدين بالتجديد والمراجعة والنقد وإعادة النظر في قضايا وموضوعات ومنهجيات الفقه والاجتهاد وأصول الفقه. فقد دعا إلى ثورة منهجية في عملية الاجتهاد، بدءاً من مناهج الأصول إلى الاستنباط... فمناهج الاجتهاد حسب رأيه تحتاج إلى إعادة نظر، لأن هناك نقصاً منهجياً، وتحتاج إلى تعميق وتوسيع لاكتشاف الحلول أو مشاريع الحلول للقضايا الفكرية والتنظيمية التي تحيط بالإنسان المعاصر والمسلم المعاصر([14]). وفي نظره بأن أهم الاختلالات في منهج الاستنباط، هي:

1 ـ النظرة الفردية التجزيئية، واعتبار الخطابات للأفراد وآحاد المكلفين والغفلة عن خطابات الأمة والجماعة. والخطابات الموجهة للأمة والجماعة كثيرة جداً، وهي خطابات عينية تعيينية للأمة والجماعة المسلمة في الاجتماع السياسي ضمن صيغة الدولة وصيغة المجتمع. لقد عطل الاتجاه نحو البحث عن أحكام الأفراد القدرة على ملاحظة حاجات الأمة والجماعة.

2 ـ اعتبار الشريعة مشروعاً أخروياً فقط. فقد تحولت الشريعة بسبب انحراف الحكم السياسي وفساد الاجتماع السياسي إلى مشروع أخروي، يسعى المسلم عن طريقة إلى الخلاص والنجاة في الآخرة، من دون أن يكون له أثر يذكر في حياته الدنيا.

3 ـ الانقطاع عن الواقع الموضوعي المتغير وعدم التفاعل مع الطبيعة. فقد بني الفقه على التجريد النظري، وافتقد رؤية الواقع الموضوعي، وهو الواقع الراسخ المتفاعل أو الثابت، أي الطبيعة في ثوابتها ومتغيراتها، والاجتماع الإنساني في ثوابته ومتغيراته، التي هي موضوع دائم للمعرفة النامية والمتجددة.

4 ـ عدم ملاحظة مقاصد الشريعة في كثير من مجالات الفقه. فلابد من النظر إلى الشريعة بحسب مقاصدها، وهذا يقتضي البحث فيها خارج دائرة العبادات وعلى أساس المقاصد([15]).

أما السبيل لصياغة مناهج ملائمة لاجتهاد معاصر يستجيب لقضايا التنظيم المجتمعي في مختلف الحقول، فهذا الأمر كما يقول الشيخ شمس الدين أصبح «ميسوراً لنا أكثر مما كان ميسوراً للأجيال السابقة. نحن الآن نمتلك رؤية شاملة للمجتمع ولقضاياه، سواء في ذلك القضايا الراهنة القائمة أو التي نستشرفها، أو التي نتوقع أن تحدث في المستقبل. ونمتلك الآن وعياً نرى فيه الفقه على أنه كل متكامل مترابط، أو هذا ما يجب أن نراه، ونحن ندرك الآن في صورة أفضل التفاعل بين الحياة المعاشة وبين النص القانوني أو الحكم الشرعي، وكيف يمكن أن يتأثر التقنين بضرورات الواقع أو بخياراته، وكيف يمكن أن يؤثر التقنين في تغيير هذه الضرورات، وفي تغيير هذا الخيارات»([16]). كما أننا والكلام للشيخ شمس الدين «نحتاج إلى تأصيل أصول جديدة، والأصول الموجودة تحتاج إلى تحديث، ونحتاج إلى وضع قواعد أصولية جديدة تكمل هذا المنهج... ولابد من فتح أبواب لا تزال مغلقة على ما نسميه الفقه العام... فيكون ثمة فقه بيئي، وفقه تنظيمي، وفقه علائقي في مجال الطبيعة ومجال المجتمع الداخلي والعلاقات الخارجية»([17]). ومن القضايا التي يجب إبلاءها أهمية كبيرة كما يرى الشيخ شمس الدين «قضية فتح المجال أمام الاجتهاد التخصصي في مجال فقهي محدد ينصرف إليه الفقيه بعد بلوغه مرتبة الاجتهاد العام في جميع أبواب الفقه. والاجتهاد التخصصي يكون في غير أبواب العبادات، وإنما في أبواب الفقه العملي في مجال علاقة الإنسان بالمجتمع والطبيعة»، وهذا التصور مبني في نظر الشيخ شمس الدين على خلفية «تطور الحياة الإنسانية وتعقيدها، وتنوع وضخامة شبكة العلاقات التي تربط الإنسان الفرد والجماعة والمجتمع بالطبيعة والمجتمع والعالم، وتثير مسائل كثيرة ومتنوعة لا يستطيع الفقيه الواحد أن يعالجها جميعاً بكفاءة عالية. وهذا يقتضي تفرغ جماعات من الفقهاء بعد بلوغهم مرتبة الاجتهاد العام للتخصص في مجالات خاصة، الاقتصاد أو أحد حقوله، البيئة، الصناعة، الزراعة، الأسرة، الولايات السياسية والمجتمعية، التجارة المحلية والدولية، الجهاد وغير ذلك»([18]). ويفرق الشيخ شمس الدين بين الاجتهاد التخصصي الذي يدعو إليه، والاجتهاد الجماعي الذي لا يميل إليه، وحسب قوله «نحن لا نميل إلى ما يسمى الاجتهاد الجماعي، لأن الاجتهاد لا يمكن أن يكون جماعياً، ولذلك نرجح صيغة التخصصية»([19]).

ـ 7 ـ

مسائل حرجة في فقه المرأة

في سنة 1994م أصدر الشيخ شمس الدين كتاباً من أربعة أجزاء بعنوان «مسائل حرجة في فقه المرأة» وقد جاء هذا الكتاب في سياق تأكيد المنحى الفقهي في كتاباته ودراساته، وبيان المنحى التجديدي عنده في هذا الحقل. وكأنه أراد أن يقدم نفسه في هذا الحقل من مدخل التجديد والتحديث، والدعوة إلى المراجعة وإعادة النظر حتى لبعض المسلمات والبديهيات الراسخة في الفقه وعند الفقهاء. واختيار فقه المرأة لتأكيد هذه الأبعاد يعد اختياراً حساساً للغاية، أو محرجاً على حد وصفه، ويعرف الشيخ شمس الدين هذه المسائل الحرجة بقوله: «هي المسائل المتعلقة بأحكام ـ المرأة ـ وعلاقتها بالمجتمع، وما يلابس ذلك من شؤون وضعها في الأسرة في حالة كونها زوجة، من حيث إشكالات التعارض بين حقوق وواجبات الزوجية عليها، وبين عملها في المجتمع. وهذه المسائل الحرجة أربع:

1 ـ قضية الستر عن الرجال الأجانب المشهورة باسم الحجاب، ونظر الأجانب إليها ونظرها إليهم.

2 ـ قضية أهليتها لتولي الحاكمية في الدولة ـ رئاسة الدولة.

3 ـ قضية حقوق الزوجية، حقوق الزوج عليها، وحقوقها على الزوج.

4 ـ قضية عملها في المجتمع لكسب المال أو تطوعاً في المجالات الإنسانية»([20]).

والقضية التي انفرد فيها الشيخ شمس الدين عن الإجماع العام، ودعا من خلالها إلى إعادة النظر في بعض المسلمات الفقهية، هي قضية أهلية المرأة لتولي السلطة العليا في الدولة، القضية التي خصص لها الجزء الثاني من هذا الكتاب. فقد تبين له من النظر في الأدلة كما يقول: «أن ما تسالم عليه الفقهاء من عدم مشروعية تصديها وتوليتها للسلطة دعوىً ليس عليها دليل معتبر»، ويأمل أن يكون هذا الطرح «حافزاً للفقهاء على إعادة النظر والبحث في بعض المسلمات الفقهية بإعادة النظر والبحث في أدلتها، وفي طرائق الاستدلال وعدم الاسترسال في الاتكال على فهم فقهائنا القدماء لهذه الأدلة، وخاصة فيما يعود إلى دعاوى الإجماع، حيث نرى أنه ينبغي تقصيها لمعرفة حقيقتها»([21]).

وقد حاول الشيخ شمس الدين أن يقدم نقداً جذرياً لمفهوم الإجماع وحجيته، وطالب بإعادة النظر فيه بطريقة كلية وتامة، وبصراحة يقول عن نفسه «وقد خالفنا في بعض أبحاثنا الفقهية إجماعات وشهرات لم تثبت عندنا حجيتها... وغاية ما يمكن إثبات حكمه بالإجماع في جميع فروع الفقه، هو عدد قليل من المسائل، ونحن نشك في إمكان ذلك»([22]). وأشد من ذلك فهو يرى بأن الإجماع قد تحول إلى «أداة سياسية وضعت لمواجهة الرأي المخالف في السجال السياسي والصراع على السلطة، واستخدمته القوة الحاكمة دائماً في هذا المجال. ثم استخدم في التنظير الديني للوضع السياسي القائم، وهو ما أنتج الفقه السياسي، فقه الأحكام السلطانية، وتسرب بعد ذلك إلى فضاء البحث الفقهي العام ليكون ضابطاً لسلوك الأمة في المجال السياسي والحضاري والحياتي العام... وإن اعتبار إجماع الفقهاء دليلاً شرعياً موازياً للكتاب والسنة في مجال البحث الفقهي الاجتهادي، قد أدى إلى نتيجتين:

إحداهما: إعاقة نمو الفقه، لأنه يحول بين الفقيه وبين البحث عن أجوبة غير جاهزة عن المسائل الطارئة، لأنه يقدم للفقيه جواباً جاهزاً يعفيه من عبء البحث ومسؤولية القرار الفقهي، فيعطل نمو البحث عن أجوبة جديدة عن الأمور الطارئة. وبذلك يحول أيضاً دون استجابة الشريعة لمستجدات الواقع، لأنه يحصر الشريعة في صيغ جامدة ومحددة، هي صيغ الإجماع على قول ما، أو الشهرة على قول ما.

ثانيتهما: إن إجماع الفقهاء قد استخدم في المجال السياسي ضد أي موقف نقدي لسلطة الحاكم ولممارسات وسياسات الحكم، فقدم دائماً تبريراً فقهياً شرعياً لعملية القمع السياسي في الاجتماع الإسلامي. كما شل إرادة الأمة وعطلها عن التصدي للنقد لاعتقادها بأن ذلك عمل محرم. وبذلك فإن حجية إجماع الفقهاء أدى إلى تعطيل النمو الحضاري في المجال الحياتي العام، وإلى شل مشاركة الأمة في قيادة نفسها في المجال التنظيمي السياسي»([23]).

لاشك أن هذا النقد الصارم ليس مألوفاً أو متعارفاً عليه في الأوساط الدينية، ومن الصعب على الكثيرين من داخل هذه الأوساط، الإجهاز بهذا المستوى من النقد في مثل هذه القضايا التي اكتسبت ثباتاً راسخاً، وتراكماً متجذراً. وهذا ما يلفت النظر لآراء وأفكار الشيخ شمس الدين، وما تتصف به من جرأة ووضوح، ولمسات تجديدية وتحديثية. وعن رؤيته لمنهج الاستنباط الفقهي في مجال أحكام المرأة والأسرة، وهو المنهج الذي حاول الالتزام به في هذا الكتاب، فإنه يقتضي على الفقيه كما يقول «أن يلاحظ النصوص الواردة في السنة في شأن المرأة والأسرة على ضوء التوجيه القرآني من جهة، وباعتبارها متلازمة متكاملة من جهة أخرى»([24]). ويقسم النصوص المروية في السنة حول المرأة إلى قسمين: «أحدهما نصوص ضعيفة السند أو مرسلة أو مرفوعة، لا تصلح لأن تكون أدلة على الحكم الشرعي. ثانيهما، نصوص معتبرة شرعاً، إذا ثبت أنها واردة لبيان الحكم الشرعي الإلهي، ولم تكن تدبيراً لمواجهة حالة طارئة، أوتوجيهاً خاصاً بشخص معين في حالة معينة. وتتوقف صلاحية هذه النصوص للاستدلال بها على أن لا تكون مخالفة لكتاب الله الذي هو المعيار في صلاحية ما روي في السنة للدلالة على الحكم الشرعي. وقد جرى كثير من الفقهاء في فقه المرأة على العمل بما روي من النصوص من دون احتراز عن الأحاديث الضعيفة، ومن دون محاكمة لمتون الأحاديث المعتبرة... فلابد من تمحيص النصوص للكشف عن مراد الشارع المقدس بالرجوع إلى الكتاب والسنة المعتبرة لمعرفة موقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات الإسلاميين، ومحاولة فهم النصوص الواردة في بيان أحكام المرأة في الأسرة الأبوية والزوجية، وفي المجتمع على ضوء ما يؤدي إليه البحث عن موقع المرأة في نظام القيم ونظام الحقوق والواجبات، مضافاً إلى العرف الثابت صلاحيته للمرجعية في فهم النصوص عند إلتباس دلالتها اللفظية»([25]).

وهذا الكتاب بإمكانه أن يساهم في تجديد الفكر الديني حول قضايا المرأة، ويرفع سقف التفكير في النظر لهذه القضايا، ويفتح حولها آفاقاً ومداخل جديدة خصوصاً في مجال الدراسات الفقهية التي ينتمي إليها هذا الكتاب. فهو كتاب في الفقه، وفي الثقافة أيضاً. كتاب في الفقه لكن ليس على النمط التقليدي أو الجامد أو البارد، وكتاب في الثقافة لكن ليس على النمط الذي يفتقد إلى الاستدلال والبرهان والاجتهاد والموقف الشرعي. كما إنه كتاب في النقد، وفي التأسيس أيضاً.

ـ 8 ـ

هامش من الملاحظات

أولاً: الملاحظ بصورة عامة على كتابات الشيخ شمس الدين النقد الشديد والصارم للفلسفة بالشكل الذي ينبىء عن موقف سلبي ونهائي تجاهها. فهو لا يتطرق إلى الفلسفة إلا في معرض النقد والرفض وخصوصاً في مجال علم أصول الفقه، حيث يعتبر «إن زج العلوم والأفكار الفلسفية والمنطقية والكلامية في علم أصول الفقه، هو إدخال مادة غريبة لا تتناسب مع طبيعة الحقل المعرفي الذي يراد استخدام علم الأصول فيه»([26])، فأنشأ هذا الزج خللاً في علم الأصول فأصبح كما يقول «شيئاً فشيئاً مقصداً بذاته، بينما هو آلة، مجرد منهج وسيلة. وازداد تعقيداً بدخول المصطلح الفلسفي ومناهج البحث الفلسفي... وتحول علم الأصول في كثير من الموارد إلى غاية بحد ذاته، وهذه ناحية شديدة الخطورة، وأنها شلت الفقه الإسلامي في جوانب كثيرة، وانعكست على وضع الأمة وعلى العقل المسلم»([27]). يقابل هذا الرأي ما يطرحه السيد محمد باقر الصدر الذي يدافع عن الفلسفة، ويرى بأن أصول الفقه قد استفاد من الفلسفة، كما أن الفلسفة أيضاً استفادت من أصول الفقه، وشرح ذلك وبرهن عليه في كتابه «المعالم الجديدة»، لذلك فإن الفلسفة لا تمثل بعداً حاضراً في كتابات الشيخ شمس الدين كالذي نراه في كتابات السيد الصدر.

ثانياً: لقد أعطى الشيخ شمس الدين رأياً قاطعاً ونهائياً تجاه الألسنيات، وأغلق إمكانية الاستفادة من هذا الحقل كلياً في مجالات الاستنباط والمعرفة الدينية. وهذا الرفض كان مبنياً في رأي الشيخ شمس الدين على أمرين:

الأول: عدم إمكانية الوثوق بهذه الأبحاث. وحسب قوله «إن الاعتماد على نتائج الأبحاث اللغوية الحديثة المسماة بالألسنية لا وجه له، لأنه لا يمكن الوثوق بها في تطبيقاتها على عملية الاستنباط. لأن الألسنية نمت في أوساط لغوية بعيدة ومنفصلة عن اللغة العربية، وقوانين البيان في اللغة العربية هي قوانين محكومة بطبيعة هذه اللغة وبآلياتها. ولا يمكن نقل أحكام في الدلالة اللغوية ناتجة من لغات أخرى وخاضعة لآليات حضارية، وآليات تفكير لغوية أخرى وتطبيقها على اللغة العربية»([28]).

الثاني: اعتبار الألسنيات منهجاً غربياً لا يمكن الاعتماد عليه في دراسة النص الديني. وعن هذا الرأي يقول: «نحن لا نوافق إطلاقاً على اعتماد المناهج الغربية في استنطاق النص بإتباع المناهج الألسنية في اللغة، لأننا نعتبر أن هذه المناهج تنتمي إلى مناخ ثقافي وحضاري مختلف عن ثقافة وحضارة الإسلام من جهة، وتنتمي إلى مناخ لغوي وطبيعة لغوية مختلفة عن اللغة العربية من جهة أخرى، ولا يمكن التعامل مع نصوص الوحي القرآني بهذه المناهج»([29]). والملاحظ على هذا الرأي هو أن من المبكر الحكم على الألسنيات بهذا الشكل القاطع والصارم، في حين يعتبر هذا الحقل وليداً وجديداً في الدراسات العربية. والغاية من هذا الحقل هو البحث عن المشتركات العامة في اللغات التي يتحدث بها البشر من أجل التوصل إلى قواعد جديدة في فهم آليات هذه اللغات وقوانينها. يضاف إلى ذلك أن هذا الحقل يضيف قانوناً جديداً في دراسة اللغات وهو قانون التحليل الصوتي إلى جانب قانون الدلالة والمعنى. مع الإشارة إلى أن مصطلح الليسانيات أو هذه التسمية هي من التسميات التي استعملها القرآن الكريم في حديثه عن تعدد اللغات واختلافها بين البشر، فقد جاء في قوله تعالى: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم}([30]). واللسان هو تعبير عن الجانب الصوتي والجانب الدلالي معاً. والدارسون لعلم أصول الفقه يدركون أن مباحث الوضع في أصول الفقه تعتبر من المباحث القديمة، والتي بحاجة إلى تجديد وتحديث، وهكذا مباحث الألفاظ بصورة عامة.

ثالثاً: لقد عرف الشيخ شمس الدين بمقولة ولاية الأمة على نفسها وتحمس لها، وظل يبلغ بها في مناسبات ومنتديات عديدة حتى اشتهر بها عند الآخرين. ووصل الاهتمام بهذه المقولة إلى النخب العربية التي وجدت في هذه المقولة ترجيحاً لمفهوم الأمة المغيب في الأدبيات السياسية السلطانية المتوارثة من التاريخ الإسلامي القديم. واعتبر الشيخ شمس الدين هذه المقولة بأنها تجسد مفهوم الشورى الذي يرى إلزاميته منذ وفاة النبي (ص) عند المسلمين السنة، ومنذ عصر الغيبة عند المسلمين الشيعة. وهذه المقولة على أهميتها وقيمتها إلا أنها ظلت بدون تنقيح أو تنضيج أو تأسيس. ولم تتحول بالتالي إلى أطروحة مقننة، أو ذات معالم واضحة، بحيث تقدم كأطروحة ناضجة تفهم بصورة محددة، ويمكن الدفاع عنها والتبشير بها. فالذي طرحه الشيخ شمس الدين لم يتجاوز حدود المقولة العامة ولم تتحول أو تتطور إلى نظرية تستند على قاعدة معرفية ومنهجية وتنظيمية.

رابعاً: يميل الشيخ شمس الدين إلى مشروعية تقليد الميت ابتداء، وهو قول قوي كما يقول عن المسلمين الشيعة، لكنه غير مشكور عند غيره من الفقهاء([31]). واستدل على هذا الرأي بقوله: «إذا الإطلاق ـ إطلاق الأدلة ـ يشمل حال البقاء، فينبغي أن يشمل حال الابتداء أيضاً، لما عرفت من أن التقليد أمر متجدد عند العمل بكل مسألة، فإذا عمل في قضية بفتوى للمجتهد الميت الذي قلده في حياته، فإنه في هذه المسألة مقلد للميت ابتداء أيضاً، وليس عمله برأي الميت فيها استمراراً على تقليد الحي الذي مات. فالظاهر أن الاستدلال على مشروعية البقاء بالكتاب والسنة مع القول بعدم مشروعية الابتداء مشكل جداً لورود الإشكالات على الاستدلال من غير فارق بين المقامين»([32]). وهذا الرأي لا يتناسب على الإطلاق وما يدعو إليه الشيخ شمس الدين من تطويرات وتجديدات شاملة وواسعة في الاجتهاد والفقه وأصول الفقه، كدعوته إلى بناء مرجعية جامعة، أو مرجعية ذات تخصصات. والتخصص يقصد به قراءة الواقع الخارجي، ومتغيرات هذا الواقع والتعمق في فقه النصوص على ضوء الواقع([33])، وهكذا دعوته إلى ثورة في الاجتهاد، إلى غير ذلك من دعوات جذرية وصارمة. خصوصاً وأننا في عصر تتغير فيه أحوال المعرفة الإنسانية بسرعة وتتضاعف وتتراكم في فترات قياسية، وبالطريقة التي تؤثر على مختلف مجالات الحياة العامة.

 


الهوامش :
........................

([1])  حوار مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الكلمة، بيروت، فصلية فكرية، السنة الأولى، العدد الخامس، خريف 1994م ـ 1415هـ ص124.

([2])  أنظر كتاب: دراسات ومواقف في الدين والسياسة والمجتمع. مصدر سابق، ج3، 1993م، ص255.

([3])  المصدر نفسه، ص265.

([4])  المصدر نفسه، ص268.

([5])  حوار مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الكلمة، مصدر سابق، ص125.

([6])  أنظر كتاب: مقاصد الشريعة، تحرير وحوار: عبد الجبار الرفاعي، دمشق: دار الفكر، 2002م، حوار مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ص26 ـ 27.

([7])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي. ص138 ـ 139.

([8])  المصدر نفسه، ص138.

([9])  الوصايا، ص76 ـ 77.

([10])  صياغة أولية لميثاق تأسيسي لهيئة قضايا الوحدة والتقريب، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رسالة التقريب، طهران، فصلية فكرية، الدورة التاسعة، العدد 33، صيف 1423هـ ـ 2002م، ص177.

([11])  التطبيع في ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بيروت: مركز أفق للصحافة والعلاقات العامة، بدون تاريخ، ص20 ـ 21.

([12])  المصدر نفسه، ص23.

([13])  الوصايا، ص27.

([14])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص206 ـ 82.

([15])  مقاصد الشريعة، مصدر سابق، ص24 ـ 18.

([16])  مناهج التجديد. تحرير وحوار: عبد الجبار الرفاعي، دمشق: دار الفكر، 2000م، حوار مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ص26.

([17])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص 91 ـ 88 ـ 82.

([18])  المصدر نفسه، ص34.

([19])  المصدر نفسه، ص159.

([20])  الستر والنظر، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1994م، ص5.

([21])  أهلية المرأة لتولي السلطة، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1994م، ص6.

([22])  مقاصد الشريعة، ص28.

([23])  المصدر نفسه، ص29 ـ 30.

([24])  الستر والنظر، مصدر سابق، ص23.

([25])  المصدر نفسه، ص24 ـ 25.

([26])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص16.

([27])  المصدر نفسه، ص85 ـ 86.

([28])  المصدر نفسه، ص260.

([29])  مقاصد الشريعة، ص43.

([30])  سورة الروم، آية: 22.

([31])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص148.

([32])  الاجتهاد والتقليد، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1998م، ص346.

([33])  الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص201 ـ 202.


 


...............................
(*) كاتب وباحث من المملكة العربية السعودية، رئيس تحرير مجلة الكلمة