الحضارية «دراسات اسلامية»

السبت: 20/12/2008

اختلاف حكم القصاص والديّة بين الرجل والمرأة

(2-2)

الدكتور حسين المهري
 
باحث اسلامي

اختلاف دية الرجل والمرأة

حكم الدية في كتاب عمرو بن حزم:

يبدو أن أهم مصدر اتخذ كمستند لقول الرسول [ص] بأن دية المرأة نصف دية الرجل هو كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله [ص] عند إرساله إلى اليمن، ودوّن فيه بعض الأحكام الشرعية، ومن جملتها حكم دية القتل مائة بعير. ولكن يتضح من خلال التتبع عدم امكانية الاستناد على هذا المصدر في الحكم بأن دية المرأة نصف دية الرجل، وسبب ذلك هو –كما سبقت الإشارة- أن المصدرين التاريخيين المهمين، وهما سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري، اللذين نقلا ذلك الكتاب، لم يذكرا أنه يتضمن حكماً بأن دية المرأة نصف دية الرجل.

تطرق مؤلف كتاب مكاتيب الرسول، الذي ذكر كتاب عمرو بن حزم إلى الكثير من المصادر الموجودة في هذا المجال. ولم تشر أغلب المصادر التي ذكرها إلى وجود حكم الدية في كتاب عمرو بن حزم. وقد نقلت بعض المصادر أن الحكم الاجمالي للدية هو مائة بعير. وأورد أحد المصادر أحكام الدية مشيرا إلى أن دية النفس مائة بعير، إضافة إلى تعيين مقدار دية الأنف والرجل وإصبع اليد والرجل والسن وبعض الجراحات، وجاء فيه أن الرجل يُقتل بالمرأة، وأن مقدار الدية عند أهل النقود والدراهم والدنانير مائة دينار: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل؛ وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية.. والرجل يُقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب الف دينار[1].

لم يذكر أي من المصادر التي نقلت ذلك الكتاب؛ كالدر المنثور للسيوطي، وسنن البيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وسيرة ابن هشام، وسنن أبي داود، وموطأ مالك، وتنوير الحوالك، والبداية والنهاية، وكنز العمال، وغيرها بأن يتضمن حكما في دية المرأة نصف دية الرجل.

حكم دية أعضاء المرأة والرجل في الروايات:

يلاحظ وجود نوعين من الروايات في ما يخص مقدار دية أعضاء المرأة والرجل. فهناك روايات اعتبرت دية اعضاء المرأة كدية النفس: على النصف من دية الرجل. فقد جاء في حديث نقله ابو مريم عن الإمام الباقر [ع] قال فيه: "جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال في كل شيء"[2] بمعنى أن دية جرح المرأة في أية مرحلة كان على النف من دية جرح الرجل.

وكما ذكرنا سابقا فإن بعض المصادر تنقل عن علي [ع] بأنه قال إن دية المرأة سواء في النفس أو في الجراح أو في نقص الاعضاء، نصف دية الرجل. ولكن توجد روايات أخرى تُشعر بأن دية أعضاء المرأة تساوي دية أعضاء الرجل إلى الثلث. وإذا بلغت الثلث؛ أو إذا زادت على الثلث كما تعبر بعض الروايات، فهي على النصف من دية الرجل. جاء في روياة نقلها ابو بصير عن الامام الصادق [ع]: "جراحات المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية فإذا جاز ذلك تضاعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين"[3].

ووردت عن طرق السنة رواية بهذا المضمون وهو أن دية المرأة مساوية لدية الرجل إلى حد الثلث، فإذا بلغت الثلث على النصف من دية الرجل: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها" أو "تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية..."[4].

الرواية المشهورة لدى الشيعة في هذا المجال هي رواية إبان بن تغلب عن الإمام الصادق [ع]: "قال إبان بن تغلب: قلت لأبي عبد الله [ع]: ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها؟ قال عشر من الإبل. قلت: قطع اثنين: قال عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال : ثلاثون. قلت: قطع أربعا. قال عشرون قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون. ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون؟ إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا إبان هذا حكم رسول الله [ص] إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا إبان إنك قد أخذتني بالقياس، والسنة إذا قيست مُحق الدين"[5].

وبيّن الشيخ المفيد في المقنعة عند ذكره لتساوي المرأة مع الرجل في دية الأعضاء والجوارح إلى أن تصل الدية إلى الثلث، فإذا وصلت إلى الثلث رجعت إلى النصف، ويضرب لذلك مثلاً في أصابع المرأة والرجل إذا قطعت فهي متساوية في الدية إلى حد الثلاثة فإذا قطعت أربعة أصابع تصبح دية المرأة نصف دية الرجل، ويقولون أن الدية إذا تجاوزت الثلث رجعت إلى الأصل وهي أن دية المرأة نصف دية الرجل مؤكداً أن ذلك ما ثبتت به السنة عن نبي الهدى [ص] وبه تواترت الأخبار عن الأئمة [ع][6].

وروي عن طريق السنة ما يشابه حديث إبان بن تغلب؛ فقد روي أن ربيعة سأل سعيد بن المسيب: ما تقول فيمن قطع إصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل. قلت: فإن قطع إصبعين منها؟ قال: عليه عشرون من الإبل. قلت: فإن قطع ثلاثة أصابع؟ قال: عليه ثلاثون من الإبل. قلت: فإن قطع أربعة أصابع؟ قال: عليه عشرون من الإبل. قلت: سبحان الله! لما كثير ألمها واشتد مصابها قل أرشها؟ قال أعراقي أنت؟ فقلتُ: لا، بل جاهل مسترشد، أو عال مستثبت. قال: إن السنة، وبه أخذ الإمام الشافعي[7].

تعجب فقهاء الفريقين من هذا الحكم:

لم يبادر أحد من فقهاء الشيعة أو السنة لتوجيه هذا الحكم أو بيان الحكمة الكامنة وراءه؛ وبقي هذا الحكم مثاراً لدهشتهم جميعا؛ فبعضهم لم يقرّه، وبعضهم الآخر أقرّه انطلاقا مما جاء في نص الرواية من وجوب عدم الأخذ بالقياس ووجوب الأخذ بهذا الحكم تعبّدا. ولكنهم لم يبينوا ما هي الحكمة الكامنة وراء هذا الحكم الاجتماعي الذي يجب أن يطبّق على الناس. فهذا الحكم أثار دهشة إبان بن تغلب الشيعي قبل أربعة عشر قرناً، وأثار في الوقت ذاته دهشة ربيعة السني، ولم يقدّم له جواباً مقنعا لا إمام الشيعة، ولا كبير فقهاء السنة لانتشال أتباعهم من دوامة الحيرة وعدم التصديق بوجود مثل هذا الحكم في الشريعة الغراء، واكتفوا بمجرّد التأكيد على أن هذا الحكم من السنة النبوية ويجب الأخذ به. واليوم وبعد مرور عدة قرون، ورغم ارتفاع مستوى المقدرة الفقهية لدى الفقهاء، لم يتمكن أحد منهم من إماطة اللثام عن سر هذا الحكم.

رأي المقدس الأردبيلي:

قال المقدس الأردبيلي، وهو من فقهاء الشيعة، بعد نقله الحكم المذكور:

هذا الحكم مشهور، وهو خلاف بعض القواعد المنقولة والمعقولة؛ فإن العقل يقتضي أن تزيد دية الأربعة أصابع على دية الثلاثة وإن لم تزد لم تنقص. وهنا قد نقصت فدية الأربعة أصابع عشرون بعيراً، ودية الثلاثة ثلاثون. ولكن دية الأربعة على هذا الوجه موافقة للقاعدة الأولى؛ فمع افتراض كون دية المرأة نصف دية الرجل، من الطبيعي أن تكون مقتضاها دية الأربعة أصابع عشرين بعيرا، والخسمة أصابع خمسا وشعرين بعيرا وهكذا. فلا بد من حكمة تشرع الزيادة في الثلاث والاثنتين والواحدة فيهما.

وطبعاً لم يتوصل المحقق الأردبيلي إلى جواب، ولكنّه يقول في ضوء رواية إبان بن تغلب وما جاء في ختامها بسبب استعمال إبان لأسلوب القياس، وما قاله الإمام [ع]، ما يلي:

وفيها بطلان القياس، بل يشكل أمر مفهوم الموافقة. فإن العقل يجد بحسب الظاهر أنه إذا كان ثلاثون لازما في الثلاث، فيكون لازما في الأربع بالطريق الأولى. فعلم أنه لا ينبغي الجرأة فيه أيضاً، إذ قد تخفى الحكمة[8].

وعلى كل حال، فعلى الرغم من الشكوك التي ساورت المقدس الأردبيلي تجاه هذا الحكم، ومع ما أبداه من تردد في اعتبار سنده بسبب وجود عبد الرحمن بن الحجاج في سلسلة رواته، ولكن يبدو أنه قبله تعبّداً. في حين لا يبدو التعبد بالأحكام الفرعية المتعلقة بالشؤون الاجتماعية أمراً صحيحاً بدون وجود تسويغ عقلي ومنطقي له، ولا ينسجم مع روح الأحكام الإسلامية القائمة على أساس مصالح العباد، ولا يمكن أن تكون تلك المصلحة خفية وبعيدة المنال.

وفي ضوء الشكوك المثارة ضد أحد رواة سلسلة سند رواية إبان بن تغلب، وهو عبد الرحمن بن الحجاج، بناءً على قول المحقق الأردبيلي، ونظراً لمغايرتها لقواعد النقل وفهم العقل، فلا يمكن اتخاذها كمستند للتطبيق العملي، خاصة وإن كيفية بيان الرواية تنم عن التشكيك في صحة صدورها. فعلى الرغم من احترام إبان بن تغلب للإمام الصادق [ع] وإكباره إياه نراه يقول عن الحكم الصادر عن الإمام [ع] إننا كنا نظن قائله شيطاناً. وفي المقابل نلاحظ أن الإمام يكتفي إزاء ما أبداه إبان من شك وحيرة، بالقول بأنه حكم رسول الله [ص] بدون تقديم اجابة مقنعة وموجهّة، ويحذّر إبان من التمسك بالقياس. في حين إن إبان لم يستخدم أسلوب القياس وإنما عبر عما يخالج فكره ويراود عقله. وهكذا كله يدل على أن الرواية لا يمكن أن تكون صحيحة وتتخذ كمستند يصاغ على أساسها قانون. وهذا الأمر شبيه بمن يسمع أن ضرب الوالدين لا ضير فيه، في حين جاء في القرآن الكريم: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا)[9]، فكيف يُؤمر الإنسان بتجنب التأفف من الوالدين، ويؤذن له بضربهما. ونقول إذا كان القياس غير جائز في الدين لا يمكن أن تُستنبط من حرمة التأفف من الوالدين حرمة ضربهما.

على كل حال يُستفاد من قرائن الحال والمقال والعلة عدم صحة اعتبار هذه الرواية. ولا يمكن اتخاذها كمنطلق يُبنى على أساسه مثل هذا الحكم البعيد عن العقل والمنطق.

من الطبيعي أن سن القانون على أساس مثل هذه الرواية التي تكتنف صحتها الكثير من الشكوك، يبدو عملاً بعيداً عن التروي من قبل المشرّع، ويؤدي في الوقت ذاته إلى عدم تقبّل المجتمع لمثل هذه القوانين.

رأي مؤلف فتح القدير:

إن الرأي الذي طرحه المقدّس الأردبيلي في استبعاد مثل هذا الحكم عقلياً، طُرح من قبل بعض الفقهاء السنة أيضا، وأدى بهم إلى رفض مثل هذا الحكم معتبرين هذه الرواية غير كافية لإثباته. فقد كتب مؤلف فتح الدقير بعد قوله بأن دية المرأة نصف دية الرجل، وأن ديتها مساوية لديته إلى حدّ الثلث، وما زاد عن الثلث فهي وإياه على النصف: "ومثل هذا الحكم الذي يحيله عقل كل عاقل لا يمكن إثباته بالشاذ النادر"[10].

(ج) التسويغات العقلية والمنطقية:

نعود إلى مسألة دية المرأة وجعلها نصف دية الرجل لنرى ما هي التسويغات العقلية والعرفية التي قدمه الفقهاء إلى جانب الروايات والأدلة النقلية التي أقاموا هذا الحكم على أساسها.

يمكن من خلال النظر في كتابات الفقهاء والمفسرين العثور على نوعين من التسويغات حول هذا التفاوت من الرجل والمرأة.

1- قيمة المرأة دون قيمة الرجل:

يُستشف من كتابات وآراء بعض أعلام الفقه والتفسير أن المرأة أساساً أقل قيمة واعتباراً من الرجل. وانطلاقاً من هذه الرؤية جُعلت شهادة امرأتين معادلة لشهادة رجل واحد، وجعل نصيبها من الإرث نصف نصيب الرجل. وعلى كل حال فمتى ما تعلق الأمر بالتقييم المادي يلاحظ أن قيمة واعتبار المرأة لا يتساوى مع ما للرجل من قيمة واعتبار.

ومن هنا نلاحظ أن الفقه يعتبر الدية (Blood-Money) تعويضا عن الضرر؛ ولهذا السبب حينما لا توجد دية معينة على الجراح يجب عند ذاك دفع الأرش، والأرش هو الفارق بين قيمة السلعة السالمة والسلعة المعيوبة، ففي جميع الكتب الفقهية، وحتى المعاصرة منها يقال في ما يخص تعيين الأرش بوجوب تقييم العضو في حال السلامة وتقييمه في حال النص أو العيب ودفع التفاوت بين القيمتين كأرش[11].

وعندما تحتسب الدية انطلاقا من هذه الرؤية، تكون قيمة المرأة في نظر الكثيرين أقل من قيمة الرجل وفي حد نصف قيمته، ولهذا تعتبر ديتها نصف ديته. ويمكن في هذا المجال الإشارة إلى رأي صاحب شرح فتح القدير الذي قال في محاولة تعليل كون دية المرأة على النصف من دية الرجل: "وإن حالها أنقص من حال الرجل. قال الله تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) ومنفعتها أقل لا تتمكن من التزوج بأكثر من زوج واحد"[12].

وهناك رأي أكثر وضوحاً في هذا المجال طرحه ابن عربي مؤلف كتاب أحكام القرآن، حيث يقول: "مبنى الديات في الشريعة الإسلامية على التفاضل في الحرمة والتفاوت في الرتبة لأنه حق مالي يتفاوت بالصفات بخلاف القتل: لأنه لما شرّع زجراً لم يُعتبر فيه ذلك التفاوت. فإذا ثبت هذا نظرنا إلى الدية فوجدنا الأنثى تنقص فيه عن الذكر ولا بد أن يكون للمسلم مزية على الكافر فوجب أن لا يساوى في ديته.."[13].

ويمكن ملاحظة مثل هذا التوجيه في كلام ابن قيم الجوزية في كتاب أعلام الموقعين؛ فقد أورد في كتابه هذا تبريرات بشأن مساواة الرجل والمرأة في العبادات واحتساب النصف للمرأة في الحدود والشهادات والإرث، ومن جملة ذلك يقول في ما يخص الدية: "وأما الدية، فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسدّ ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين، لم تكنن قيمتها مع ذلك متساوية (مع قيمة الرجل) وهي الدية: فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما".

ثم يشير بعد ذلك إلى تساوي المرأة والرجل في الجراحات ونقصان الأعضاء إلى حد الثلث ومغايرته مع الحكمة المذكورة قائلاً: "لا ريب أن السنة قد وردت بذلك. فقد روي عن رسول الله [ص] أنه قال: (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها). والفرق فيما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه قليل، فجبرت مصيبة المرأة فيه بمساواتها للرجل، ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية لقلة ديته، وهي الغرة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين"[14].

2- ضآلة دور المرأة في النشاط الاقتصادي:

علل بعض أصحاب النظر المسلمين إعطاء نصف دية الرجل للمرأة بأن الدية هي عبارة عن تعويض عن الضرر اللاحق بالمجني عليه أو بأسرته. وبما أن للرجل دورا أكبر في الحياة الاقتصادية فإن قتله أو إصابته يلحق ضرراً أكبر بالوضع الاقتصادي للأسرة، خاصة وإن النظام الإسلامي يُلقي مسؤولية إدارة الأسرة وتأمين معيشتها على عاتقه. ومن هنا فلا بد أن تكون ديته أكثر. إلا أن زيادة دية الرجل على دية المرأة لا تعني التقليل من قيمة المرأة، بل لأن النتائج السلبية المترتبة على فقد الرجل أو إصابته تكون في الجانب الاقتصادي أفدح مما يترتب على فقدان أو إصابة المرأة. وهكذا فلو تقرر التعويض عن هذه الخسارة مادياً تحت عنوان الدية، لا بد أن يؤخذ هذا التفاوت بنظر الاعتبار طبعاً. ونظرا إلى أن الحكم الشرعي والقانوني يتعين على أساس الحالة الغالبة، والحالة الغالبة هي أن الرجل هو الذي يوفّر معيشة الأسرة وله الدور الأكبر في الوضع الاقتصادي والمالي، وعلى هذا فإن الغرامة التي تُدفع له أو لأسرته كدية جُعلت أكثر مما للمرأة.

وأكثر أصحاب النظر يعللون اليوم تفاوت دية المرأة والرجل بهذا التعليل ولا يعتبرونه منافيا لكرامة وقيمة المرأة ومساواتها مع الرجل. نشير من جملة ذلك إلى رأي محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار الذي قال في هذا الصدد:

"إن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أكبر من المنفعة التي تفوت بفقد الأنثى فقدّرت بحسب الإرث"[15].

وبالطبع يمكن نقض كلا هذين التوجيهين بالقول لو ارتفع المستوى الفكري للمرأة على أثر اتساع التعليم والتربية، وأصبحت لديها قدرات وكفاءات اجتماعية وأخذت على عاتقها مهام مختلفة في ميادين الحياة الاجتماعية وتبنت دوراً في التقدم الصناعي والنشاط السياسي والاقتصادي (مثلما نلاحظ وجود هذه الظاهرة إلى حدّ بعيد في الوقت الحاضر) وتغيرت الأوضاع وصار للمرأة دور مؤثر في تأمين معيشة الأسرة، كما يتضح هذا المعنى من خلال تقرير الأمم المتحدة عام 1995 حيث ظهر أن ربع الأسر في العالم تعيلها المرأة، وهناك الكثير من الأسر التي يوجد فيها رجل ولكنها تعتمد على ما توفره لها المرأة من دخل[16] بعد هذا يصبح من الصعب التمسك بالتوجيهات المذكورة أعلاه للتمييز بين الرجل والمرأة في مقدار الدية.

النتيجة:

درسنا في حدد الممكن مسألة دية المرأة وتفاوتها عن دية الرجل في قانون العقوبات الإسلامي وأسسه الفقهية، واستعرضنا منطلقاته وأدلّته، ووجهنا له بعض الانتقادات أثناء البحث. إلاّ أن استخلاص النتيجة وإبداء رأي قطعي في هذا المجال يبدو أمراً عسيراً. وعلى كل الأحوال فقد حصلنا من خلال دراستنا أدلة ومصادر الحكم الموجود في هذا المجال، أي كون دية المرأة نصف دية الرجل، على النتائج التالية:

1. إن القرآن شرع أصل دفع الدية لأسرة المقتول في حالة القتل غير العمد، إلاّ أنه لم يعيّن مقدارها ولا أشار إلى وجود فوارق فيها بين الرجل والمرأة. ولم يأت في القرآن ذكر لدية الأعضاء والجروح.

2. وردت عن طريق السنة والشيعة روايات كثيرة عن الرسول [ص] عيّن فيها دية قتل النفس بمائة بعير. ويبدو أن هذا الحكم إمضائي؛ أي أن بعض حالات هذا الوضع على الأقل كانت تُراعى في الجاهلية. وتفيد بعض المصادر أن هذا المقدار من الدية قد عُيّن من قبل عبد المطلب وقد استحسنه الرسول [ص] وأقرّه. ويبدو أنه قد أباح دفع ما يوازي في قيمته هذا المقدار من السلع الأخرى حسب الحالة وبناءً على ما تقتضيه أوضاع المجتمعات المختلفة لغرض التسهيل على الناس، من قبيل دفع ألف دينار، أو مائة ألف درهم، أو مائتي بقرة، أو ألف شاة، أو مائتي حلّة يمانية.

3. نسبت بعض الروايات إلى رسول الله [ص]، والكثير من هذه الروايات جاءت عن طريق الشيعة، أنه جعل دية المرأة نصف دية الرجل.

ويبدو أن جعل دية المرأة على النصف حتى وإن كان مصدره الروائي موضع شك، إلا أنه أصبح أمراً مألوفا بين الصحابة وحظي بقبولهم، بل إنه بات أمراً طبيعياً في ضوء وجود أحكام أخرى مثل نصف حظه من الإرث وكون شهادتها نصف شهادة الرجل.

4. نظراً لإطلاق الآية القرآنية الكريمة وعدم وجود دلالة فيها على كون دية المرأة نصف دية الرجل وكذلك إطلاق الروايات المنقولة عن النبي [ص] خاصة كتاب عمرو بن حزم الذي جعل دية النفس المؤمنة إطلاقاً مائة بعير، ذهب بعض فقهاء السنة إلى القول بتساوي دية المرأة والرجل.

أما فقهاء الشيعة فهناك بينهم من يشكك في الأدلة النقلية المتعلّقة بكون دية المرأة على النصف من دية الرجل، وعبّروا عن شكهم هذا بنحو أو آخر، إلاّ أنهم عملياً أقروا هذا الحكم بسبب وجود الإجماع عليه. وتمسّك بعض الفقهاء المعاصرين بإطلاق حكم القرآن والروايات على نحو أقوى في ما يخص دية القتل غير العمد، وأفتوا بتساوي دية الرجل والمرأة.

5. حاول بعض الفقهاء إيجاد توجيه عقلي ومنطقي لجعل دية المرأة نصف دية الرجل، بعيداً عن حكم الروايات والأدلة النقلية؛ فأعلن بعضهم صراحة أن قيمة المرأة نصف قيمة الرجل، وبرّر بعضهم هذا الحكم بأن الدور الاقتصادي للمرأة في الأسرة والمجتمع أقل من دور الرجل، وهذا ما يوجب جعل ديتها نصف دية النفس ودية الأعضاء. وكلا هذين التوجيهين يمكن إثارة بعض المؤاخذات حوله.

6. هناك اتجاه آخر يرى أن تعيين مقدار الدية من قبل الرسول [ص] وجعل دية المرأة على النصف من قبل الرسول [ص] على فرض صحته، فإن حكم حكومي ومؤقت وليس حكماً إسلاميا ثابتاً لا يقبل التغيير. أما الحكم الثابت الدائم فهو حكم القرآن الذي يوجب دفع الدية لأسرة المقتول. وعلى كل حال فإن الدية هي مبلغ من المال يدفع لأسرة الشخص بسبب فقده وهي تأخذ على العموم طابع التعويض عن الضرر الناجم عن فقد الشخص. ومن الطبيعي أن حالات نقص الأعضاء تستوجب دفع دية تتناسب مع حجم الضرر الذي يصيب أي عضو من أعضاء الإنسان.

وقد اعتبر الرسول [ص] المائة بعير دية مناسبة في ذلك العصر وفي ضوء مقتضيات الأوضاع والظروف وطبيعة الحياة الاجتماعية السائدة آنذاك، ونوع الرؤى والتصورات التي كانت موجودة في ذلك العصر، ومن هنا فقد أقرّ ذلك الحكم كتعويض عن فقد القتيل.

أما بالنسبة إلى تعيين نصف الدية للمرأة –على فرض صحة بعض الروايات المنقولة عن الرسول [ص]، أو على فرض قبول الصحابة لهذا الحكم وتطبيقهم إيّاه- فهو ناجم عن وضع ودور المرأة حينذاك، وعن طبيعة النظرة السائدة في ذلك المجتمع. وليس من الواضح إن كان تعيين حكم الدية بمائة بعير للرجل ونصفها للمرأة، جاء بمثابة بيان حكم قطعي دائم لكل زمان ومكان والحكم الحقيقي والقطعي هو دفع الدية بقدر معقول ومتناسب مع الظرف. ولعل الحكم بمائة بعير لنفس الرجل وبنصفها لنفس المرأة لا يتعارض مع إقرار حكم آخر يتناسب مع متطلبات الزمان ويأخذ بنظر الاعتبار ظروف المجتمع ومستجداته ودور المرأة فيه. يُعيّن فيه مقدار دية المقتول أو المقتولة أو المتضرر بأعضائه سواء كان ذكراً أم أنثى من قبل المحكمة مع أخذ الجوانب المختلفة للقضية بنظر الاعتبار، من غير أن يكون هناك فرض ثابت يقضي بالتفاوت بين المرأة والرجل في حالتي القتل والإصابة وإنما يُحكم لكل حالة بخصوصياتها، مثلما تجري المسألة اليوم وفقا للقوانين العرفية للمسؤولية المدنية.

ويستشعر وجود مثل هذا الاتجاه لدى صاحب تفسير المنار، محمد رشيد رضا من بين علماء المسلمين، وقد نقلنا مقتطفات من آرائه سابقاً. وقد علّق في ختام الآية التي تتحدث عن دية غير المسلم، قائلاً:

"وجملة القول أن الروايات القولية والعملية مختلفة متعارضة ولذلك اختلف فيها الفقهاء، وظاهر الآية أن أمر الدية منوط بالعرف وبالتراضي"[17].

ويلاحظ وجود مثل هذا الاتجاه بشكل عام في ما يخص الأحكام الفرعية خاصة الأحكام المتعلقة بالمرأة وتفاوتها عن الرجل، في كلمات كاتب عربي مسلم آخر من السودان وهو محمود محمد طه الذي يقول: ظهر الإسلام في عهد كانت تتعرض فيه المرأة لظلم فادح ولا يقام لها وزن في المجتمع. وبما أن الإسلام لم يتمكن من إعطائها حقوقها كاملة فقد سعى إلى إصلاح حالها، وأقر على الأقل نصف حقوق الرجل، ولهذا جعل إرثها نصف إرث الرجل وأعلن قبول شهادة امرأتين في مقابل شهادة رجل واحد. بيد أن عدم التساوي هذا بين الرجل والمرأة ليس قطعياً ودائميا.

ثم يواصل كلامه قائلاً: تؤدي التبعية الاقتصادية للمرأة دوراً مهماً في هذا التمايز، والمعيار الذي يجعله القرآن ملاكاً لأفضلية الرجل على المرأة، هو تكليف الرجل بتوفير نفقتها وضمان معيشتها. فقد جاء في الآية 34 من سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). غير أن أساس التساوي المطلق بين الرجل والمرأة يأتي بناء على المسؤولية الشخصية. وهذا يعني لو أن الأوضاع اختلفت وأصبحت المرأة قادرة –كما هو الحال بالنسبة للرجال- على النهوض بأعباء المسؤوليات والأعمال الاجتماعية، فلا بد طبعاً أن تكون لها حقوق مساوية للرجل. وبالنتيجة إذا مارست المرأة عمل القضاء لا يمكن بعد ذلك أن تكون شهادتها نصف شهادة الرجل. (وطبعاً إذا أصبحت لها مشاركة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لا بد عند ذاك من إعادة النظر في جعل ديتها على النصف من دية الرجل).

ويرى خلافا لما يراه المتشرعون أن الأحكام الإسلامية (والمقصود طبعاً هو الأحكام الفرعية العملية) ذات طابع مؤقت، وأن الدين الإسلامي لم يقل كلمته النهائية في القرن السابع. وهذه الآراء التي طرحها محمود محمد طه، أدتّ به إلى أن يقاد إلى منصة الإعدام بتهمة الردة، فأعدم عام 1985 وهو في التاسعة والستين من عمره[18].

هذا النوع من التوجهات بشأن الأحكام الفرعية بشأن الأحكام الفرعية التي يبدو أحيانا أنها لا تحظى بالمقبولية ولا ينسجم العمل بها مع أوضاع وظروف العصر، آخذ بالتزايد، ويجدر بالفقهاء من ذوي الرؤية المنفتحة العارفين بشؤون العصر أن يبذلوا مزيدا من الاهتمام بمثل هذه المسائل وبهذا النمط من الرؤى، ليقدموا في حدود موازين الاجتهاد صورة مقبولة وعملية عن أحكام الإسلام بعيدا عن الانحراف والتحريف، ويجب عليهم الكشف عن مصالح الأحكام والحكمة منها واستيعاب الرأي الحقيقي للشريعة المقدسة بدلا من الاكتفاء بالتمسك بتعبدية الحكم والعمل بالنص في الأمور العرفية والاجتماعية.


الهوامش

.............................................................


[1] راجع: علي بن حسين علي الاحمدي، مكاتيب الرسول، ج1، ص281.

[2] الحر العاملي، المصدر السابق، ص295. يجب حمل هذه الرواية على ما تكون فيه الدية أكثر من الثلث، وانظر أيضاً ص60 من المصدر نفسه.

[3] المصدر السابق.

[4] راجع: ابن قدامة. المصدر نفسه، ص797، عبد الرحمن الجزيري، المصدر السابق، ص371.

[5] الحر العاملي، المصدر السابق، ج19، ص268.

[6] الشيخ المفيد، المصدر السابق، ص764.

[7] عبد الرحمن الجزيري، ج4، ص471. كمال الدين محمد بن عبد الواحد، شرح فتح القدير، ج9، ص211.

[8] المقدس الأردبيلي، المصدر السابق، ج14، ص471.

[9] سورة الإسراء، الآية 23.

[10] كمال الدين محمد بن عبد الواحد، المصدر السابق، ج9، ص210.

[11] كمثال على الكتب الفقهية للفقهاء المعاصرين، راجع: روح الله الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، ص596، المسألة 9: كل موضع يقلل فيه بالحكومة أو الأرش فهما واحد. والمراد أنه يقوّم المجروح صحيحا أن كان مملوكان تارة، ويقومّمع الجناية أخرى ويُنسب إلى القيمة الأولى ويُعرف التفاوت بينهما ويؤخذ من دية النفس بحسابه.

[12] شرح فتح القدير، ج9، ص210.

[13] ابن عربي، أحكام القرآن، ج1، ص478.

[14] راجع: ابن قيم الجوزية، أعلام الموقعين عن رب العالمين، ج2، 146.

[15] محمد رشيد رضا، المصدر السابق، ص332.

[16] راجع: حسين مهربور، حقوق بشر در اسناد بين المللي وموضع جمهوري اسلامي ايران، ص397، وكذلك action and The Beijine Declaration platform، ص34.

[17] محمد رشيد رضا، المصدر السابق، ص236.

[18] راجع: كتاب مسلمين وحقوق بشر (باللغة الفرنسية): Del home les Musulmans Face Aus Droit، تأليف سامي الديب، ص214.

[يبدو أن كاتب المقالة نسي قوله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وقوله عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ولذلك يقرر آراء محمود محمد طه المرتد ويعتبرها أساساً يستند إليه في المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة وإمكان تغيير الأحكام الإسلامية مع مرور الزمن، وهو أمر خطير لأنه قد يجرئ الناس على تغيير ما شاءوا وتبديل ما أنزل الله بما يرتأونه، مما لا يبقي للدين وأحكامه باقية. (منقح الكتاب، رعد جبارة)].