الحضارية «دراسات اسلامية»

الجمعة: 19/12/2008

اختلاف حكم القصاص والديّة بين الرجل والمرأة

(2-1)

الدكتور حسين المهري
 
باحث اسلامي

 

مقدمة

إن نمط التفكير السائد في المجتمعات الحديثة والذي ينعكس من خلال المواثيق العالمية وخاصة مواثيق حقوق الإنسان كميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية، ومعاهدة إلغاء اضطهاد المرأة، ومعاهدة حقوق الطفل، وما إلى ذلك من العهود والمواثيق واللوائح الأخرى، يركز على المساواة بين الرجل والمرأة وعدم التمييز بينهما على أساس الجنس. وبناء على هذا النمط من التفكير، لا ينبغي سن وتطبيق أية قوانين وأحكام تفضي إلى تمييز الرجل أو تفضيله على المرأة.

لا شك في وجود فوارق بارزة في البنية الطبيعية لكل من الرجل والمرأة، وهذه الفوارق تؤدي تلقائيا إلى بروز فوارق بينهما في الواجبات الطبيعية والمزايا الاجتماعية، بيد أن المهم عند وضع الأحكام والواجبات والحقوق والمسؤوليات هو عدم الالتفات إلى شيء آخر سوى الفوارق الطبيعية الموجودة بينهما، وإلغاء أي حكم قائم على النظرة الدونية إلى المرأة.

تنص المادة الأولى من معاهدة عدم اضطهاد المرأة على أن:

"المراد من اضطهاد المرأة هو انتهاج أي نوع من التمييز أو الاستثناء أو التقييد على أساس الجنس بحيث يؤثر سلبياً في الاعتراف بالحقوق الإنسانية للمرأة وحرياتها الأساسية، وتمتعها بحقوق وممارسات متساوية مع حقوق وممارسات الرجل في جميع المجالات، أو يستهدف القضاء على مثل هذه الحالة"

 مبنى الحكم في القرآن والسنة:

(أ) القرآن:

صرح القرآن الكريم في مواضع عديدة بمسألة القصاص بمعنى قتل القاتل جزاء على جريمة القتل، وأعطى هذا الحق لأولياء المقتول. يمكن على سبيل المثال الإشارة إلى ثلاث آيات صريحة في هذا الخصوص، هي:

1-  الآية (33) من سورة الإسراء وقد نزلت في مكة ولا تتضمن حكما مفصلا وواضحا، ولكنها تصرح من جانب آخر بحرمة القتل إلا بالحق، واعترف من جهة أخرى رسميا بحق ولي المقتول بالقصاص، ونهت من جهة ثالثة عن الاسراف في القتل انتقاما للمقتول، جريا على العادة التي كانت متبعة بين العرب يومذاك، قائلة:

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ)

2-  الآية (45) من سورة المائدة وهي مدنية، وفيها إخبار من الباري تعالى عن الأحكام الالهية التي نزلت في التوراة، وصرحت بحكم القصاص للنفس والأعضاء هي كالآتي:  (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)

ومع أن أسلوب الآية ذو طباع إخباري، ولكن يُفهم من الآيات اللاحقة أن هذه الأحكام مما أقرته الشرائع اللاحقة؛ أي الإسلام والمسيحية.

3-  الآية (178) من سورة البقرة وهي مدنية، وفيها بيان أكثر وضوحا لحكم القصاص. وركزت هذه الآية والآية اللاحقة لها على تعيين حكم القصاص وفلسفته وترتيب تعادله. فقد جاء في الآية 178 ما يلي:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)

وجاء في الآية 179 ما يلي: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)

اضطلعت الآية الأولى ببيان ثلاث نقاط وهي: تشريع حكم القصاص للقتل والتعادل في القصاص أو حق الانتقام، وهو ما يعني في الواقع الاكتفاء بالاقتصاص من القاتل بغض النظر عن جنسية المقتول ومكانته الاجتماعية. وتحث الآية في ختام المطاف على العفو والتغاضي عن القصاص.

وقد أشارت الآية 179 إلى فائدة القصاص وبينت أن الحكمة من تشريعه هي صيانة النفوس. وعلى العموم فُسرت هذه الآية على هذا النحو وهو أن سن حكم القصاص، وقتل القاتل في ازاء جريمة القتل بمثابة عِبرة للآخرين، وللحيلولة دون وقوع الفوضى ولردع الناس عن قتل بعضهم بعضا[1].

وتحدث آخرون عن شأن نزول هذه الآية في ضوء الظروف التي كان يعيشها عرب الجاهلية قبل الإسلام، وأشاروا إلى أن تشريع حكم القصاص بما يعنيه من الاقتصاص من القاتل وقتله في مقابل المقتول وعدم التجاوز على أشخاص آخرين بدل القاتل ومن دون قتل أشخاص كثيرين.

قال أبو الفتوح الرازي عند تفسيره لهذه الآية نقلا عن السُدي:

قال السدي: "إن معناه في ايجاب القصاص حياة: لأن من همّ بالقتل فذكر القصاص ارتدع، فكان ذلك سبباً للحياة..."[2].

 حكم القرآن في قصاص المرأة والرجل:

سبقت الإشارة إلى أن الآية (45) من سورة المائدة بينت حكم الله بشكل مطلق في التوراة بشأن القصاص مشيرة إلى أن القاتل يقتص منه في مقابل المقتول، من غير فرق بين أن يكون رجلا أو امرأة. ونصب الآية (178) من سورة البقرة ابتداء على اصل تشريع حكم القصاص ثم ذكرت بعض المصاديق لتطبيقه: بمعنى أن تكون المقابلة بالمثل في تطبيق العقوبة، واستخدمت عبارات من قبيل: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. ومنطوق الآية يدل على أن الرجل القاتل الحر يحكم بالقصاص بالرجل الحر المقتول، والعبد القاتل يحكم بالقصاص بالعبد المقتول، والمرأة القاتلة تحكم بالقصاص في مقابل المرأة المقتولة، بيد أن منطوق هذه الآية لا يحمل دلالة بشأن القصاص من الرجل القاتل بالمرأة المقتولة، ولا عن قصاص المرأة القاتلة بالرجل المقتول، ولا عن الحر بالعبد، ولا العبد بالحر.

استفاد بعض الأشخاص من هذه الآية ما يلي: بما أن الآية صرّحت بالقصاص من الحر بالحر، ومن المرأة بالمرأة، إذن لو قتل رجل امرأة لا يمكن الاقتصاص منه لأن منطوق الآية لا يحمل دلالة على هذا المعنى، ومن جهة أخرى أن نفس المرأة لا تساوي نفس الرجل، وإنما تساوي نصف نفس الرجل. وعلى هذا الأساس فيجب إذا أخذت النفس الكاملة بالنفس الناقصة أن يرد فضل ما بينهما ولهذا يتعين عن الاقتصاص من الرجل بالمرأة دفع نصف ديته[3].

أما في حالة قتل الرجل من قبل المرأة، فمع أن منطوق الآية لا يدل على قصاص المرأة بالرجل، ولكن هناك إجماعا على إمكانية قصاص المرأة بالرجل. ومع أن الآية لا تصرح بهذا المعنى ولكنها في الوقت ذاته لا تنهى عن قتل المرأة بالرجل. وفضلا عن ذلك عندما يمكن الاقتصاص من شخص بشخص مكافئ له في المنزلة، فمن الأولى الاقتصاص ممن يقتل شخصا أشرف وأفضل منه[4]. ويرى هذا الفريق إمكانية الاقتصاص من المرأة بالرجل على الرغم من صمت الآية عن التصريح بأي حكم بشأنه، ولكن من الممكن تبرير ذلك في ضوء صمت الآية وإجماع الفقهاء على الجواز والأولوية انطلاقا من أفضلية الرجل على المرأة، أما بشأن الاقتصاص من الرجل بالمرأة فبما أن القرآن لم يصرح بحكم في هذا المعنى، ونظرا إلى عدم تساوي الرجل مع المرأة، فلا يمكن إيجاد توجيه مطلق له، وعند إرادة القصاص يجب دفع نصف دية الرجل من أجل إعادة التوازن إلى نصابه.

الفريق الذي يفهم هذه الآية القرآنية على هذا النحو يعتبر الفارق الذاتي بين الرجل والمرأة أمرا مسلّما به، ويقيس بهذا المعيار أيضا حكم القصاص وغيره من الأحكام الأخرى كاستحقاق المرأة لنصف الدية ومدى اعتبار شهادتها. أما بالنسبة إلى الشبهة التي ينطوي عليها الحكم العام الوارد في الآية (45) من سورة المائدة التي جعلت النفس بالنفس إطلاقاً، وهو ما ينم عن تساوي نفوس بني الإنسان إطلاقا بغض النظر عن جنسهم، فقد صدرت من الفقهاء آراء مختلفة بشأنها؛ فبعضهم يقول إنها نُسخت بالآية (179) من سورة البقرة، وحتى أنهم استندوا في قولهم هذا إلى حديث ورد عن الإمام علي [ع] قال فيه: "ومن الناسخ ما كان مثبتا في التوراة من الفرائض في القصاص، وهو قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) فكان الذكر والأنثى والحر والعبد شرّعا، فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) فنسخت هذه الآية السابقة"[5].

ومن الواضح أن صحة هذا الرأي مستبعدة جدا، وذلك لأنه أولا: يحتمل جدا أن سورة المائدة نزلت بعد سورة البقرة. وهي كما يقول المفسرون آخر سورة تفصيلية نزلت على الرسول [ص]، وفيها ناسخ، ولكن لا يوجد منسوخ[6].

وثانياً: إذا كان حكم قصاص الرجل والمرأة متساوياً في التوراة، يبدو من المستبعد ان تلغي الشريعة الإسلامية هذا الحكم وتصدر حكما آخر يوجب اختلافهما في هذا المجال؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية رفعت مكانة المرأة وحقوقها مقارنة مع الشرائع السابقة.

وفي مقابل ذلك يرى بعض الناس أن الآية (45) من سورة المائدة نساخة للآية (179) من سورة البقرة التي توحي بوجود فارق بين الرجل والمرأة في أمر القصاص[7].

تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء عموما لم يصرحوا بأن اختلاف القصاص بين الرجل والمرأة نابع من اختلاف قيمة واعتبار نفس كل منهما، بل إن بعضهم عرض القضية على نوحي يوحي بتساوي اعتبار وحرمة نفس المرأة والرجل، ولكنهم يصرحون بأن دفع نصف الدية لقاتل المرأة إنما جعل بسبب الروايات الكثيرة الواردة في هذا المجال، مثلا تحدث الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط عن شروط القصاص وتكافؤ اعتبار نفسي القاتل والمقتول، قائلا: "كل شخصين تكافأت دماؤها واستوت حرمتهما جرى القصاص بينهما، والتكافؤ في الدماء والتساوي في الحرمة أن يحد كل واحد منهما يقذف صاحبه. فإذا تكافأ الدمان قتل كل واحد منهما بصاحبه فيقتل الحر بالحرة إذا ردوا فاضل الدية عندنا وعندهم لا يرد"[8].

وعلى هذا الأساس لو أن رجلا اتهم امرأة بالزنا ولم يأت بما يثبت صحة دعواه، يقام عليه حد القذف. بالمعيار اعلاه يتضح لنا تساوي اعتبار وحرمة كل من المرأة والرجل. وهذا هو ما استدل به بعض فقهاء السنة على عدم دفع نصف الدية حين الاقتصاص من الرجل بالمرأة. قد ذكر ابن قدامة في المغني: ولأنهما شخصان يحد كل واحد منهما بقذف صاحبه فقتل كل واحد منهما بالآخر كالرجلين ولا يجب مع القصاص شيء: لأنه قصاص واجب فلم يجب معه شيء على المقتص كسائر القصاص"[9].

بينما استند فقهاء الشيعة إلى الروايات الواردة عن الأئمة وأجمعوا على دفع نصف دية الرجل عند قصاصه بالمرأة.

 المفهوم الصحيح للآية (179) من سورة البقرة:

يبدو أن الآية (179) من سورة البقرة لا يمكن أن يُستنبط منها التمييز بين الرجل والمرأة في أمر القصاص، وهي ليست بصدد بيان هذا المعنى أساساً. ولا توجد بينها وبين الآية (45) من سورة المائدة علاقة ناسخ ومنسوخ ولا علاقة عام وخاص كما ذكر بعض الفقهاء والمفسرين[10] وكلاهما تصب في اتجاه واحد وتنطلق كل واحدة منهما لبيان حكم القصاص في القتلى بأسلوب مختلف والتأكيد على تعادله، ولا يوجد بينهما أي تعارض. فالآية (45) من سورة المائدة أخبرت عن حكم كان موجودا في التوراة، أما الآية (179) من سورة البقرة فقد تناولت شرح حكم القصاص للمسلمين على نحو أكثر تفصيلا.

يمكن القول بأن المفسرين متفقون على أن الآية (179) من سورة البقرة نزلت عندما كانت تشيع بين عرب الجاهلية ظاهرة الانتقام للقتيل بلا ضوابط واضحة ومحددة، وكانت كيفية الاقتصاص من القاتل تخضع لمدى قوة وعصبية قبيلة القاتل أو المقتول؛ إذ لم تكن قبيلة القاتل على استعداد لتسليمه لينال جزاءه، ولا قبيلة المقتول كانت تقنع بالاقتصاص من القاتل فقط، وكانوا أحيانا يقتلون عشرات الاشخاص بالمقتول. وإذا عقدت اتفاقية بين القبيلتين المتنازعتين كانت القبيلة الأقوى تفرض على القبيلة الاضعف أن تقتل بكل عبد قتل منها حرا من القبيلة الأخرى. أو تقتل في مقابل كل امرأة قتلت منها رجلا من القبيلة الأخرى. وقد ألغى الإسلام هذه العادة المقيتة وسن بهذه الآية حكما يقضي بالقصاص من القاتل نفسه لا أحد غيره، سواء كان حرا أم عبداً أم رجلا أم امرأة[11]. وهذه الآية لا تحمل أي معنى آخر ولا تتعارض مع المضمون العام الوارد في الآية 45 من سورة المائدة. ثم إن سائر الآيات القرآنية لا يستوحى منها أن المرأة أدنى جنساً من الرجل لكي تعتبر هذه الحالة أمراً مسلّما به ويفسر في ضوئه مفاد هذه الآية.

 المبنى الروائي:

توجد في هذا المجال ثلاث مجموعات من الروايات نشير إليها كما يأتي:

1. يجيز اكثر فقهاء السنة القصاص من الرجل بالمرأة بلا قيد أو شرط، ويستندون في ذلك إلى ظاهر الآيات القرآنية التي سبقت الاشارة إليها، والى مبدأ تساوي نفوس بني الإنسان سواء كانوا رجالاً أم نساء، ويستندون أيضاً إلى بعض الأحاديث من جملة ذلك ما نقل عن طريق العامة عن رسول الله [ص] أنه قال: "إن الرجل يُقتل بالمرأة"[12].

وروي أنه [ص] "حكم بالقصاص على رجل يهودي قتل صبية"[13]. ونقل أيضاً عن هذا الطريق أن علياً [ع] قال: "إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود"[14].

ويوجد في المصادر السنية حديث آخر منقول عن أمير المؤمنين [ع] أنه قال:

"إذا شاءوا قتلوا وأدوا نصف الدية، وإذا شاؤوا اخذوا نصف دية الرجل".

وقال الجصاص مؤلف كتاب أحكام القرآن:

"ما روي عن علي مرسل؛ لأن أحداً من رواته لم يسمع من علي شيئا[15].

وجاء عن طريق الشيعة أن أمير المؤمنين [ع] قتل رجلا بامرأة قتلها عمداً، وقتل امرأة قتلت رجلا عمدا...[16].

 2. نقلت عن طريق الشيعة روايات جاء أكثرها عن الإمام الصادق [ع] وبعضها عن الإمام الباقر [ع] إن قتل رجل امرأةً عمداً وأبى أولياؤها إلا قتل قاتلها غرموا نصف دية الرجل وقتلوه، وجاءت في كتاب وسائل الشيعة حوالي تسع روايات بهذا المضمون رويت بطرق مختلفة عن الامام الصادق [ع]، أو الامام الباقر [ع]، وثلاث روايات أخرى بالمضمون نفسه منقولة عن الإمام الباقر [ع]، وتوجد أيضا رواية أخرى منقولة عن الإمام الباقر [ع] تفيد أنه جيء إلى الرسول [ص] برجل قتل امرأة حاملا بعمود خيمة فخير أولياءها بين أخذ خمسة آلاف درهم ومبلغ إضافي عن الجنين وبين دفع خمسة آلاف درهم لأولياء القاتل وقتله[17].

وهذه الروايات نقل بعضها باختلاف طفيف في العبارة عن بعض الرواة كأبي بصير أو ابي العباس عن الامام الصادق [ع] وعن الامام الباقر [ع]، أي إن العدد الحقيقي للروايات أقل مما جرى إحصاؤه.

 3. جاء في رواية عن الصادق [ع]: "أن رجلا قتل امرأة، فلم يجعل علي [ع] بينهما قصاصا وألزمه الدية"[18].

 4. جاء عن الامام الباقر [ع]، قال في امرأة قتلت رجلاً: تُقتل ويؤدي وليها بقية المال[19].

والروايتان الأخيرتان لم يأخذ بهما الفقهاء وفسروهما على نحو آخر أو رفضوهما كروايات شاذة إلا أن عموم فقهاء الشيعة يأخذون بالروايات التي تجيز قصاص الرجل بالمرأة مع دفع نصف دية الرجل من قبل أولياء القتيلة.

 

النتيجة:

يستشف من هذا البحث المقتضب بأن الآيات القرآنية الكريمة الواردة في باب القصاص لا يمكن أن يفهم منها وجود فوارق أو تمايز بين المرأة والرجل في مسألة القصاص، بل إن ظاهر الآية (45) من سورة المائدة جعل النفس بالنفس صراحة وعلى نحو الإطلاق، مما يفيد تساوي الجنسين في هذه المسألة. أما الآية (178) من سورة البقرة فتفيد بالمنطوق لا بالمفهوم وجود تمايز بين المرأة والرجل في أمر القصاص بالقاتل ولا يتعداه إلى غيره، بغض النظر عن جنسه أو مكانته الاجتماعية كأن يكون حرا أو عبدا.

وهكذا الحال أيضاً بالنسبة إلى الدية؛ فالقرآن لم يجعل أي فارق بين المرأة والرجل في مسألة الدية، كما لا يوجد أي تسويغ عقلي ومنطقي مقبول لوضع نوع من التمايز بين المرأة والرجل في أمر القصاص. هذا فضلا عن أن الروايات المنقولة عن طريق الشيعة والسنة عن رسول الله ً[ص] وعن أمير المؤمنين [ع] وسيرتهم العملية تفيد أن الرجل أو المرأة لو قتل أحدهما الآخر، يُقتل به، وأكثر فقهاء السنة يقولون بهذا الرأي.

ومن جهة أخرى، هناك روايات متعددة منقولة عن الإمام الباقر [ع] قال فيها إن قصاص الرجل بالمرأة يتوقف على دفع نصف دية الرجل إلى القاتل أو إلى اوليائه.

وإذا كانت هذه الروايات صحيحة ويجب الالتزام بحكمها تعبدا في جميع الازمنة، فلا مناص من قبول التمايز بين الرجل والمرأة في أمر القصاص، إلا أن المعنى المستفاد من الآية (179) من سورة البقرة والآية (45) من سورة المائدة، وتعارض هذه الروايات مع احكام القرآن وعدم الاطمئنان من صحتها، اضافة إلى امكانية البحث في القبول التعبدي للروايات من جهة، وامكانية تأثير مقتضيات الزمان من جهة أخرى، يبدو الأخذ بهذه الروايات أمرا مشكلا.

وبناء على ما مر ذكره يبدو العمل بمفاد الآيات القرآنية على النحو الذي سبق شرحه أعلاه، قويا.

 مباني حكم الدية ومقرراته المتفاوتة

ترى القوانين العرفية اليوم أن جرائم القتل والجرح والضرب ذات طابع جزائي من جهة، وتترتب عليها من جهة أخرى عقوبات كالإعدام والسجن والغرامة النقدية، أو عقوبات أخرى أغلبها ذات طابع عمومي. وتعمد الحكومة إلى معاقبة المجرم لغرض تأديبه أو جعله عبرة للآخرين، أو لغرض الوقاية أو الردع، أو لكل هذه الأغراض جميعاً، وتحكم عليه بالعقوبة المناسبة وفقا للقانون بسبب تطاوله على حرمة المجتمع والإخلال بأمن الآخرين والتعدي على حقوقهم. ومن الطبيعي أن شكوى المجني عليه ومتابعته للقضية، أو عفوه عن المجرم وعدم ملاحقته، تعتبر من جملة العوامل المؤثرة في تخفيف العقوبة. وفي حالة الأضرار الطفيفة قد لا يلاحق الجاني قانونيا أو تتوقف إجراءات معاقبته. وفي غير هذه الحالة، يحق للمجني عليه أو أولياؤه المطالبة بتعويض عن الضرر الذي لحق به نتيجة للجرم. تفيد المادة (12) من قانون المحاكمات الجزائية:

"إذا لوحق المتهم لسبب قانوني أو آخر يمكن للمتضرر بالجريمة أن يقدّم ما لديه من مستمسكات ثبوتية إلى المحكمة ويطالب بالتعويض عما لحقه من ضرر".

وتنص المادة الخامسة من قانون المسؤولية المدنية على أنه:

"لو أصيب بدن الشخص أو سلامته البدنية بضرر أدى إلى حصول نقص، أو تسبب في زوال أو تقليل قوة العمل للعضو المصاب، أو أدى إلى زيادة نفقاته المعاشية، يجب على المسبب للأضرار أن يتحمل التعويض عن جميع الأضرار المذكورة...".

ونصت المادة العاشرة في نفس القانون على أنه:

"في حالة موت المتضرر يجب على المرتكب أن يتحمّل جميع المصاريف المترتبة على ذلك: من نفقات المعالجة وتكاليف التكفين والدفن، وكذلك نفقات الأفراد الذين كانت تؤمن نفقاتهم من قبل المتوفى، وذلك بحكم يصدر من المحكمة في حالة المطالبة".

وأمثال هذه المقررات موجودة في القوانين الوضعية للبلدان الأخرى الإسلامية أو غير الإسلامية، ويُعمل بها في محاكمها. إلا أن هذه القوانين لا تجعل من جنسية المتهم أو المجني عليه ملاكا في إصدار الحكم، ولا يوجد فيها فارق في ماهية التعقيب والمحاكمة وتطبيق العقوبة وتعيين مقدار الغرامة. كما إن مقدار الضرر الناجم عن الجريمة يعيّن من قبل المحكمة مع أخذ جميع الجوانب بنظر الاعتبار. ومن الطبيعي أن يؤخذ بنظر الاعتبار عند تعيين الغرامة دور وتأثير المجني عليه وكونه رجلا أو امرأة، ولكن لا كقاعدة ثابتة وشاملة.

لقد عيّن قانون العقوبات الإسلامي –بناء على الأحكام الفقهية وفتاوى الفقهاء- دية ثابتة ومحددة لقاء الضرر الناجم عن جريمة القتل أو الجرح والضرب وفي بعض الحالات تعيّن المحكمة مقدارها. وفي الوقت ذاته يشكل هذا الحكم المالي عقوبة للمجرم من جهة وتعويضا عن الضرر النازل بالمجني عليه من جهة أخرى.

إن تعيين مقدار دية المرأة بنصف دية الرجل في قانون العقوبات الإسلامي، جاء طبعاً على أساس مبنى الحكم الفقهي وآراء الفقهاء. ومن هنا فقد ارتأيتُ ذكر آراء الفقهاء في هذا المجال أولاً، ثم أبتعه بييان مباني هذا الرأي الفقهي.

 

آراء الفقهاء في دية المرأة والرجل

سبقت إلى وجود إجماع من قبل الفقهاء على أن دية قتل المرأة تساوي نصف دية قتل الرجل، وهنا ادعاء على وجود إجماع لدى فقهاء السنة في الشأن. فقد قال صاحب الجواهر:

"فلا خلاف ولا إشكال نصاً وفتوى في أن دية المرأة الحرة المسلمة... على النصف من جميع الأجناس المذكورة في العمد وشبهه والخطأ، بل الإجماع بقسميه عليه،بل المحكي منها مستفيض أو متواتر كالنصوص، بل هو كذلك من المسلمين كافة إلا من ابن علية والأصم فقالا هي كالرجل وقد سبقهما الإجماع ولحقهما، بل لم يعتد بخلافهما من حكى إجماع الأمة غير مشير إليهما"[20].

فقهاء السنة عموماً على هذا الرأي ونقلوه كأمر متفق عليه. فقد قال عبد القادر عودة في كتابه "التشريع الجنائي": "الفقهاء متفقون على أن دية المرأة نصف دية الرجل"[21].

وقال ابن قدامة مؤلف كتاب "المغني":

"أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. ونقل عن ابن علية والأصم أنهما قالا ديتها كدية الرجل لإطلاق قول الرسول [ص]: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل". وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي [ص]"[22].

وسارت بقية كتب الفقه السنية على هذا المنوال من القول بأن دية المرأة نصف دية الرجل[23].

 

تساوي دية المرأة والرجل في رأي بعض الفقهاء المعاصرين

باستثناء ابن علية والأصم، هناك فقهاء سنة آخرون[24] يعتقدون أن إطلاق عبارة الرسول [ص] في أن دية النفس المؤمنة مائة بعير،يستلزم التساوي بين الرجل والمرأة في دية النفس. وقد نحا فقهاء معاصرون هذا المنحى وقالوا بالمساواة بين الرجل والمرأة في الدية. ومن الفقهاء أصحاب الفتوى والرسالة الذين أفتوا بهذا الرأي هو الشيخ يوسف صانعي على حد علمنا. فقد قال ردأ على استفتاء وجّه إليه في ما يخص التفاوت بين دية المرأة، ما يلي:

"أرى أن دية المرأة التي تُقتل خطأ أو شبه العمد تساوي دية الرجل قضاءً لإطلاق أدلة الدية وعدم وجود دليل على التقييد..."[25].

وطرح المقدس الاردبيلي في كتاب "مجمع الفائدة والبرهان" مسألة الدية وأنها على النصف من دية الرجل على نحو وكأنه غير واثق من قوة أدلتها، قائلا:

"والظاهر أن دليلها الإجماع والأخبار التي سبقت الإشارة إليها"[26].

 

آراء الفقهاء في ديات الأعضاء

يرى عموم فقهاء الشيعة –مثلما عليه الحكم الوارد في قانون العقوبات الإسلامي- أن دية الأعضاء للمرأة والرجل تتساوى إلى حد الثلث. وإذا تجاوزت الثلث تصبح دية المرأة نصف دية الرجل، أو بتعبير آخر تصبح دية الرجل ضعف دية المرأة.

لا يوجد لدينا من فقهاء الشيعة من يقول بتساوي دية أعضاء المرأة والرجل بشكل عام، أو كون دية المرأة على النصف من دية الرجل في جميع المراحل؛ أي حتى لو كانت أقل من الثلث. وقد أثير السؤال التالي من قبل بعض الفقهاء وهو: ما الحكم فيما إذا من كان قد تسبب في نقص العضو أو في الجرح، امرأة؟ أي أن يكون الجاني والمجني عليه كلاهما امرأة؟ هل يجب أن يدفع للمرأة معادل دية الرجل؟ أو بما أن الجاني امرأة، فهي تتحمل منذ البداية نصف الدية؟ أي لو أن امرأة على سبيل المثال قطعت إصبع امرأة أخرى، هل يجب عليها أن تدفع عشرة أباعر كدية، أم خمسة أباعر[27]؟

سبقت الإشارة إلى ان الرجل إذا قطع من أصابع المرأة إلى الثلاثة،يجب أن يدفع لها ما يساوي دية ثلاث أصابع للرجل؛ أي عشرة أباعر للإصبع الواحد وعشرين للإصبعين، وثلاثين للثلاثة. ولكن إذا قطع أربعة أصابع منها، تصبح دية أعضاء المرأة منذ ذلك فصاعدا نصف دية الرجل. والسؤال الآن هو: إذا كان الجاني امرأة، هل يجب السير على ذلك المنوال؟ أو يجب الحكم بنصف الدية منذ البداية؟ قال الشيخ المفيد في كتابه "الإرشاد" بعدم وجود فارق "سواء كان الجاني رجلاً أو امرأة، ففي ثلاثة أصابع ثلاثمائة، وفي أربع مائتان"[28].

وتررد صاحب القواعد في البت في الحكم قائلاً:

وتتساوى المرأة والرجل دية وقصاصاً في الأعضاء والجراح حتى تبلغ الثلث، تم تصير المرأة على النصف سواء كان الجانبي رجلا أو امرأة، على إشكال في المرأة[29].

ورأى بعض الفقهاء ومنهم المقدس الاردبيلي –كما جاء في كتاب مجمع الفائدة والبرهان-:

الذي يظهر أنه ينبغي عدم التردد والجزم بالتسوية، فإن الحكم مخالف للقواعد كما عرفت وليس في المرأة دليل؛ لاختصاص الدليل بالرجل كما سمعت وبطلان القياس خصوصاً هنا على ما عرفت. فأي شيء يقتضي التردد كما فعله في القواعد أو الحكم بالتسوية بين كون الجانبي رجلاً أو امرأة كما فعله هنا وهو ظاهر[30].

 آراء فقهاء السنة

لفقهاء السنة آراء مختلفة فيما يخص دية أعضاء المرأة، ويذهب الكثير منهم إلى ما يذهب إليه فقهاء الشيعة في اعتبار دية أعضاء المرأة مساوية لدية أعضاء الرجل إلى حد الثلث.

أما أبو حنيفة فيرى أن ما يجب للمرأة هو نصف ما يجب للرجل بصفة مطلقة، بينما يرى مالك وأحمد أن المرأة تساوي الرجل إلى ثلث الدية، فإن زاد الواجب على ثلث الدية، فللمرأة نصف ما يجب للرجل[31]. أما بالنسبة إلى الشافعي –كما ذكر ذلك عبد القادر عودة في كتابه "التشريع الجنائي"[32]، وعبد الرحمن الجزيري في كتاب "الفقه على المذاهب الأربعة"[33] فيرى أن ما يجب للمرأة هو نصف ما يجب إلى الرجل بصفة مطلقة. ونقل أيضا أن الشافعي يرى تبعا لما يراه زيد بن ثابت وبناء على رواية عن الرسول [ص] في هذا المجال، أن دية المرأة تساوي دية الرجل إلى الثلث، وما زاد على الثلث فلها النصف[34].

 المباني الفقهية للقول بنصف الدية للمرأة

لغرض معرفة أساس ومصدر هذا الحكم، لا بد من إلقاء نظرة على ما ورد بشأنه في القرآن والسنة وحكم العقل.

(أ) حكم الدية في القرآن

الآية القرآنية الوحيدة التي تحدثت عن الدية هي الآية (92) من سورة النساء، وهي:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)

والآية تبين أن من يقتل شخصاً غير متعمد يجب أن يدفع دية إلى ذويه إضافة إلى الكفارة وهي تحرير رقبة. أما سبب نزول هذه الآية فإن عموم المفسرين يُجمعون على أنها نزلت بشأن شخص قتل رجلاً كان قد أسلم ظناً بأنه لا زال على كفره. ولما وصل الخبر إلى الرسول [ص] أساءه ذلك، ونزلت هذه الآية التي تحكم بدفع الدية[35].

وهذه الآية الكريمة ذكرت دية النفس فقط، أي دية القتل غير العمد، ولم تتناول ذكر مقدار الدية ولا أشارت صراحة إلى وجود تفاوت بين دية المرأة ودية الرجل. واللفظة المستخدمة في الآية بشأن المقتول دالة على الذكر (ومن قتل مؤمناً) وسبب نزولها كان بشأن من قتل رجلا. ولكن من الواضح أن هذا النوع من البيان لا يعتبر دليلا على أن هذا الحكم خاص بالرجال دون النساء. وأمثال هذا النوع من الخطاب القرآني حتى وإن جاءت بلفظ التذكير فهو لا يقصد الذكور فقط بل يشمل الإناث أيضاً، إلاّ عند وجود قرينة دالة على التخصيص.

 رأي صاحب تفسير المنار

قال محمد رشيد رضا، صاحب تفسير المنار بأن القرآن الكريم قد أطلق كلمة الدية وأوردها نكرة، فظاهر ذلك أنه يجزئ منها ما يُرضي أهل المقتول وهم ورثته، قل أو كثر. ولكن السنة بينّت ذلك وحددته على الوجه الذي كان معروفاً مقبولا عند العرب. وأجمع الفقهاء على أن دية الحر المسلم الذكر مائة بعير. وظاهر الآية أنه لا فرق بين الذكر والأنثى[36].

ولم يرد في القرآن الكريم أي ذكر لدية الأعضاء، وسنبين لاحقا أن المصدر المعتمد عليه في تعيين دية النفس والأعضاء، والتفاوت بين دية المرأة والرجل، هو الروايات.

 (ب) الدية في الروايات

جاء في الروايات المنقولة عن الرسول [ص] والأئمة ذكر مقدار الدية، وأشار بعضها إلى أن دية المرأة نصف دية الرجل، بمعنى أن بعض الروايات ذكرت على الاطلاق دية قتل الإنسان (دية النفس) ودية الجروح والأعضاء، وصرح بعض الروايات بأن دية المرأة نصف دية الرجل. ونأتي أولاً على ذكر الروايات الخاصة بدية النفس:

 دية القتل في الروايات

جاء في الروايات المنقولة عن طرق السنة أو عن طرق الشيعة أن رسول الله [ص] جعل دية قتل الإنسان مائة بعير. وهذا التقليد كان شائعا بين العرب قبل الإسلام وقد أقره الإسلام.

جاء في رواية عن الامام الباقر [ع] أن من بين الوصايا التي أوصى بها رسول الله [ص] الإمام علياً [ع] أنه قال له:

"يا علي أن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له ي الإسلام... إلى أن قال:

وسن في القتل مائة من الإبل فأجرى الله ذلك في الإسلام"[37].

وجاء في رواية أخرى عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سمعت ابن ابي ليلى يقول:

كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها رسول الله [ص] ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة وفرض على أهل الشياه ألف شاة ثنية وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل اليمن مائتي حُلّة. قال عبد الرحمن بن الحجاج: فسألت أبا عبد الله [ع] عما روى ابن أبي ليلى فقال: كان علي [ع] يقول: الدية ألف دينار وقيمة الدينار عشرة دراهم. وعشرة آلاف لأهل الأمصار وعلى أهل البوادي مائة من الإبل ولأهل السواد مائة بقرة وألف شاة"[38].

وجاء عن طريق أهل السنة أيضاً ان رسول الله [ص] جعل دية القتل مائة بعير. ونسبت الكثير من كتب السنة أصل صدور هذا الكلام عن الرسول [ص] إلى كتابه [ص] إلى عمرو بن حزم، حيث كتب له عندما بعثه إلى اليمن كتاباً ليبلغه إلى الناس وجاء في جملة ما جاء فيه: "وإن في النفس الدية مائة من الإبل". وجاء في الكثير من الكتب الفقهية عند السنة أن هذه الجملة موجودة في كتاب عمرو بن حزم[39].

وقد أوردت المصادر التاريخية والحديثية نص كتاب عمرو بن حزم بصيغ وعبارات مختلفة، ولكن لم يأت في الكثير منها –كما سنبين ذلك لاحقاً- ذكر للدية. لقد ورد نص كتاب عمرو بن حزم في مصدرين تاريخيين مهمين هما: سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري ونقلا فيه احكاما وموضوعات متعددة، ولكن لم ينقلا عبارة واحدة حول مقدار الدية[40]. ونقل موطأ مالك مقطعاً من كتاب عمرو بن حزم على النحو التالي، وهو أن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم نقل عن أبيه بأن الكتاب الذي كتبه رسول الله [ص] لعمرو بن حزم نص على أن "دية النفس مائة بعير"[41].

وعلى كل حال فقد جاء في روايات أخرى منقولة عن طرق السنة أن الرسول جعل دية قتل النفس مائة بعير. ونقلوا أن رسول الله [ص] قال في الخطبة التي ألقاها يوم فتح مكة: "ألا أن قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل"[42].

أما فيما يتعلق بكون دية المرأة نصف دية الرجل فقد وردت عن طرق الشيعة روايات بهذا الخصوص من جملتها حديث جاء في كتاب "وسائل الشيعة" وورد فيه أن عبد الله بن مسكان نقل عن الإمام الصادق [ع] أن "دية المرأة نصف دية الرجل"[43] ونقلت بهذا الخصوص عدة روايات أخرى بهذا المضمون عن الإمام الصادق [ع] وعن الإمام الباقر [ع] بأنهما قالا في رجل قتل امرأة: "إن شاء أهلها أن يقتلوه ويؤدوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية"[44].

واستند أهل السنة إلى روايات منقولة عن بعض الصحابة وعن علي [ع] ومفادها أن دية المرأة نصف دية الرجل، ونقلوا على سبيل المثال عن معاذ: أن دية المرأة نصف دية الرجل. ونقلوا عن علي [ع]: "عقل المرأة على النصف من عقل الرجل في النفس وفيما دونها"[45].

ويقولون أيضاً بأنه نقل عن بعض الصحابة كعمر، وعلي [ع]، وعثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت بأنهم قالوا إن دية المرأة نصف دية الرجل[46].

ونقل ابن قدامة في المغني عن علي [ع] أنه قال: "دية المرأة على كل الأحوال نصف دية الرجل". وهذا هو رأي ابن يرين، والثوري، وليث، وابن ابي ليلى، وشبرمة، وعليه أيضا أبو حنيفة وأصحابه[47].

وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة نقلا عن سنن البيهقي أن رسول الله [ص] قال: "دية المرأة نصف دية الرجل"[48].

وذكر ابن قدامة في المغني أن رسول الله [ص] قال في كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة نصف دية الرجل". وقال في معرض رده على آراء اثنين من فقهاء السنة وهما ابن علية وأبو بكر الأصم، وكانا يقولان بتساوي دية المرأة والرجل: "وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسُنة النبي [ص] فإن في كتاب عمرو بن حزم: دية المرأة على النصف من دية الرجل، وهي أخص مما ذكروه وهما في كتاب واحد فيكون ما ذُكر مفسرا لما ذكروه مخصصا له..."[49].


االهوامش

............................................................................


[1] الزمخشري، تفسير الكشاف، ج1، ص233: وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالقصاص من القاتل، مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، ج1-2، ص481، تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ج2، ص132.

[2] أدوار الفقه، محمود الشهابي، ج1، ص125، مجمع البيان، ج1-2، ص481.

[3] تفسير مجمع البيان، الطبرسي، ج1-2، ص479.

[4] المصدر السابق، كنز العرفان في فقه القرآن، فاضل مقداد، ص398.

[5] جواهر الكلام، ج42، ص84، وسائل الشيعة، ج19، ص63.

[6] تفسير الميزان، ج5، ص167.

[7] كنز العرفان في فقه القرآن، ص398، تفسير الميزان، ج1، ص441.

[8] الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الامامية، ج7، ص5.

[9] المغني، ابن قدامة، ج2، ص679.

[10] المصدر السابق، وسائل الشيعة، ج19، ص63.

[11] تفسير الكشاف، الزمخشري، ج1، ص221، تفسير المنار، ج2، ص126. تفسير مجمع البيان، ج1-2، ص481، تفسير الميان، ج1، ص444، كنز العرفان في فقه القرآن، ص398، أدوار الفقه، محمود الشهابي، ج1، ص125.

[12] أحكام القرآن، الجصاص، ج1، ص139.

[13] المصدر السابق، الفقه على المذاهب الأربعة، ج5، ص287.

[14] المصدر السابق.

[15] المصدر السابق.

[16] وسائل الشيعة، ج19، ص61.

[17] المصدر السابق، ص59-63.

[18] المصدر السابق، ص62.

[19] المصدر السابق، تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج10، ص183.

[20] محمد حسن النجفي، جواهر الكلام، ج43، ص32. وراجع أيضاً ابو القاسم الموسوي الخوئي، مباني تكملة المنهاج، ج2، ص205، الشهيد الثاني، مسالك الافهام، ج15، ص322، شرح اللمعة، ج10، ص189. الشيخ المفيد، المقنعة، ص739، وغيرها من الكتب الفقهية المعتبرة.

[21] التشريع الجنائي، ج1، ص669، ج2، ص182.

[22] المغني، ج7، ص797

[23] من جملة ذلك، راجع: عبد الرحمن الجزايري، الفقه على المذاهب الاربعة، ج5، ص371، كمال الدين محمد بن عبد الواحد،شرح فتح القدير، ج9، ص210.

[24] وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، ج6، ص310.

[25] يوسف صانعي، توضيح المسائل، ص515.

[26] مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الأذهان، الأردبيلي، ج14، ص322.

[27] راجع: أبو القاسم الخوئي، المصدر السابق، ص317، العلامة الحلي، إرشاد الأذهان، الأردبيلي، المصدر السابق، ص467، محمد حسن النجفي، المصدر السابق، ص352.

[28] متن الإرشاد في مجمع الفائدة والبرهان، المصدر السابق، ص467.

[29] متن القواعد في إيضاح الفوائد لفخر المحققين، ج4، ص715.

[30] الاردبيلي، المصدر السابق، ص471.

[31] عبد القادر عودة، المصدر السابق، ص669.

[32] المصدر السابق.

[33] عبد الرحمن الجزيري، المصدر السابق، ج4، ص371.

[34] المصادر السابقة، ابن قدامة، الصدر السابق، ج7، ص798.

[35] راجع: محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج5، ص41، محمد رشيد رضا، المنار، ج5، ص332، الطبرسي، مجمع البيان، ج3-4، ص138.

[36] محمد رشيد رضا، المصدر السابق، ص332.

[37] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج19، ص145.

[38] الحر العاملي، المصدر السابق، ج19، ص142.

[39] من جملة ذلك راجع: ابن قدامة، المصدر السابق، ج7، ص797، عبد الرحمن الجزيري، المصدر السابق، ج5، ص371، وهبة الزحيلي، المصدر السابق، ص302، عبد القادر عودة، المصدر السابق، ص182.

[40] سيرة ابن هشام، ج4، ص241. ويبدو أنه نقل الكتاب على أنه النص الكامل للكتاب وفيه أحكام عن الحج والصلاة والزكاة وغير ذلك. ولكن لم يرد فيه ذرك للدية. وكذا تاريخ الطبري، ج2، ص387 الذي يبدو أيضا أنه نقل نص الكتاب ولكن لم يذكر فيه شيئا عن الدية.

[41] موطأ مالك، ج2، ص849.

[42] سنن ابن ماجة، ج2، ص878.

[43] الحر العاملي، المصدر السابق، ص151.

[44] المصدر السابق.

[45] وهبة الزحيلي، المصدر السابق، ص310.

[46] عبد القادر عودة، المصدر السابق.

[47] ابن قدامة، المصدر السابق، ج7، ص797.

[48] عبد الرحمن الجزيري، المصدر السابق، ص371.

[49] ابن قدامة، المصدر السابق، ص797.