الحضارية «دراسات اسلامية»

الجمعة: 5/12/2008


أفكار في الوحدة الإسلامية
من بحث مقدم لمؤتمر الوحدة الإسلامية- طهران

هاني فحص

ليس هناك من داع للخوف من اختلاف العلماء والفقهاء وأهل الأديان وأهل الدين الواحد أو المذهب الواحد... الخ. لأن استقطاب الوحدة قائم. وما علينا إلا أن نواكبه بعقلانية وواقعية لا تصل إلى حد اعتبار الخلاف أو الاختلاف عائقا، فنقع في مثالية مستحيلة كالتي وقعت فيها أفكار وفلسفات ومناهج مادية (كالماركسية مثلا) عندما حاولت مستحيلا فانحلّت وتحللت. بينما كانت الرؤية القرآنية لمسألة الوحدة على قاعدة الاختلاف وموضوعيته أشد ملاءمة للتكون والإمكان والطموح، تقول الآية الكريمة:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[1].
بهذه المعيارية (التقوى) أفسحت الآية مجالا للتنافس على الخير تتجلى فيه وعليه ومن خلاله حالات التوحيد التي تتقدم وتتراجع وتبقى هاجسا دائما وسعيا مفتوحا على الإنسان والمكان والزمان والوجدان والوعي والتاريخ، ولا يلتزم القرآن ولا يلزم بمفهوم حصري للوحدة عن:
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)[2]
وفي آية أخرى (فَاتَّقُونِ)[3]
وعندما يقرأ المفسرون هذه الآية يتفقون على أن المعيار والمناط هو الإنسان وإن المقصود هو النوع الإنساني، إذن فالوحدة لا تتحقق، إلا بمقتضى نظام قيم وأفكار وغايات محددة وفسيحة، لتنطلق نحو مداها الإنساني الأرحب.
واللافت أن الترتيب القرآني لعناصر الآيتين اللتين جعلتا الربوبية وما تقتضيه من عبادة هادفة (للواحد) مترتبة أو تابعة في السياق، للمؤكد واقعيا من وحدة البشر أو النوع الإنساني ما اقتضى توسيع مفهوم الأمة والخروج به عن الحصر والاختيار المحكوم بنزوع محدود عرقي أو لوني أو جغرافي.. الخ، من دون أن يعني ذلك أي لون من ألوان الدعوة للاستقالة من الهموم الخاصة أو الأشد خصوصية في سبيل الهم العام، بل هي دعوة دائمة إلى اكتشاف النسق التواصلي بين الخاص والعام، بين الخاص الشخصي والعام الغيري في المطلق، بين الخاص الوطني والعام القومي، بين ا لخاص الوطني والقومي والعام الإسلامي، وبين هذا العام وبين العام الإنساني إلى آخر المكونات العامة والخاصة، التي تحكمها نسبية العموم والخصوص وتنأى بها عن الاطلاق حذراً من إغلاقها وإغلاق الذات على الذات، ما يضعها على شفا التنصل من أواصرها ووشائجها العامة ويضعها على طريق النبذ والإلغاء والعنف.
كلنا مدعوون إلى الكف عن القبول التسامحي، الاستغلالي الهروبي بالتعدد.. والأقسى منه هو القبول الاستيعابي الذي يعكس قدراً عالياً من الغرور يتمثل شفقة في غير محلها، على المختلف أياً كان... ومدعوون إلى رفع التعدد أطروحة حضارية تجعل من الوحدة شرطاً غائيا للتعداد، ومن التعدد شرطاً واقعيا عمليا للوحدة، وشرطا موضوعيا للحركة والإبداع، من هنا نحمل الوحدة شعارا وهما ومشروعا على حذر من الوقوع في ظلم النفس والغير معاً.
بالتأكيد بأننا لا نحاول محالاً، أو نستهل صعبا، فالوحدة شأن صعب، في المطلق، وهي شأن أصعب بلحاظ المعطيات والشروط الملموسة فماذا نفعل؟
إن هذا الكلام يبقى وجيها لو كانت الوحدة التي نتكلم عنها وندعو إليها مشروعا ينتظم الشعوب الإسلامية كلها من طنجة إلى جاكرتا، في وحدة سياسية واحدة، دولة تحت ظل خليفة أو رئيس!
إن ذلك يعني في المنظور كما يعني في المدى البعيد، إلجاءً وإكراهاً وقسراً إلى عقود من العنف ويؤسس لعنف يمتد مدى الحياة، إلا أن تعود الأمور بانقلاب أو انفصال أو انشقاق عنيف، إلى نصابها في التجزئة، أي إلى منحدر أشد انحداراً تصبح فيه التجزئة أشد عمقا وبعداً ورسوخاً (ما انتهت إليه حال المنظومة الاشتراكية عموما والاتحاد السوفيتي خصوصاً) فتتضاعف وتتفاقم خسائر وتبعات العنف المعاد تأسيسه، إلى حد إغراء شعوب أو أقوام أو دول أو أحلاف طامعة بالعدوان الشامل الساحق الذي يدوم طويلاً ويكلف الخلاص منه غالياً.
 حروب الفرنجة
ونستذكر الحروب الصليبية مثلاً، حروب الفرنجة حسب التزام المؤرخين العرب، هؤلاء الفرنجة قدموا بكل عصبيتهم وخلافاتهم وصراعاتهم إلى هذا المشرق فاحتلوه واضطهدوه وعبثوا بأفكاره وقيمه وتراثه ومدخراته وأحلامه وتطلعاته، قدموا مختلفين على حالة من الخلاف أشد عندما (اختف السلاطين) حكام التجزئة (كما في تلخيص ابن الاثير لأهم الأسباب المؤاتية الموجبة).
وظلوا مقيمين ما بقيت التجزئة مقيمة مستشرية، يرسخونها ويثمرونها ويفتحونها على مديات أخرى، قتالا داخليا واقتتالا وغيلة وغدرا وبيعا وشراء وفتنا بين الامراء والحكام ليوسعوا نفوذهم ويعمقوه، حتى أتيح لعماد الدين زنكي أن يؤسس حالة وحدوية بهدف التحرير لم يلبث ولده نور الدين محمود أن أنجزها ووضعها على طريق التحرير، الفعلي ليأتي من بعده صلاح الدين قاطفا ثمرتها السائغة في حطين والقدس، التي لم يلبث بعد أن حررها أن توفي تاركاً مقاليد الأمور في أيد أعضاء أسرته، الذين ورثوا من نسب ومن غير تعب أو نصب، فعادوا إلى سيرة الحكام في التجزئة والصراعات الداخلية والتنازل للعدو من أجل التفرغ للقريب، أو ابن عم، حتى أعيدت القدس على يد الكامل إلى قبضة المحتل[4].
ونستذكر في المناسبة أن التجزئة عادت لتستشري في مرحلة متقدمة من مراحل الاحتلال الفرنجي، إلى حد أنها أغرت التتار بالزحف في عرض الفرنجة، ومرة أخرى كان الرد هو الوحدة التي أمنت الشرط الموضوعي للتحرير ليعود التحرير فيشكل شرطاً موضوعياً لها، من هنا أتى الظاهر بيبرس والمصور بن قلاوون والأشرف خليل بن قلاوون الذي في عهده ورعايته استكملت عملية التحرير في عكا.. وكانت معركة دمياط والمنصورة في مصر رافعة جهادية وحدوية.
 الفقهاء والحكام
وفي حالات التجزئة والهزيمة والتراجع والخيانة والتواطؤ مع الخارج ضد الداخل، كما في حالات الوحدة والتفاهم والتقدم، كان لا بد من غطاء فكري وفقهي يبرز ويسوغ على المعهود من علاقة التكامل بين الحاكم الصالح والعالم الصالح والتواطؤ بين الحاكم الفاسد والعالم التابع.
ولم تخل بعض الفترات من تميز بعض الحكام عمن حوله من علماء وأدباء وفقهاء ومستشارين، كان الحاكم أحياناً يضع سلم أولوياته ويعطي الأولوية لسلامة الوجود والأصل، فيتنازل عن الخاص من اجل أن يحفظ العام، مثل ما أثر عن المعتمد بن عباد حاكم قرطبة عندما أصبحت جيوش الفرنجة على وشك الهجوم عليها بعد احتلال طليطلة (874 هجرية) فجمع مستشاريه من أهل الفقه والرأي وانتهى إلى ضرورة الاستعانة بيوسف بن تاشفين زعيم المرابطين فحذره المستشارون من أنه إذا انتصر يوسف ونجح في رد غائلة الفرنجة فسوف يصبح راعياً لإبله، فأجابهم بأنه خير له أن يصبح راعياً لإبل ابن تاشفين من أن يصبح راعيا لخنازير الفونسو زعيم الفرنجة وقائدهم (الأذفوش).
ويؤثر أن نور الدين محمود أرسل في لحظة حرجة من تاريخ حروب الفرنجة إلى أمراء الأطراف بالتعبئة والتجهيز لرد حملات الفرنجة في شمال فلسطين، ولكن امراء الأطراف كانوا قد أخلدوا إلى الدعة على طمأنينة إلى حالهم، واستعداد إذا ما داهمهم خطر أن يمالئوا المغير ويواطئوه كما حدث اكثر من مرة، ولكن نور الدين عاد فالتف عليهم فأرسل الرسائل بالشكوى والتحريض إلى العلماء والفقهاء والزهاد وشيوخ الزوايا والطرق من أهل العرفان وأهل الصلاح من إمارات الأطراف فقرئت رسائله في المساجد والزوايا والتكايا على الملأ فثارت ثائرة الناس ونادوا بالويل والثبور وعظائم الأمور واضطروا أمراءهم إلى التعبئة والتجهيز.
ولو لم تكن حالة الوحدة راسخة ومنتشرة ومستندة إلى قناعة الحاكم والمحكوم واستقلالية العلماء وذوي الرأي والشأن ووحدويتهم وتوحيدهم لكان المآل مختلفا، لما بكى أهل حلب وهم يستمعون إلى شكوى نور الدين وترجموا حزنهم غضباً على أمرائهم.
في هذا المجال يطل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين على إشكالية علاقة الفقيه بالحاكم بعد انقضاء عهد الراشدين، وبدء الدولة تشكيل جهازها الديني، فيقسم الفقهاء في هذا الصدد إلى ثلاث أقسام.
القسم الأول الأعظم آثر أن يبقى على علاقة بالأمة بعيدا عن الارتباط بالدولة ما عرّض كثيرا منهم للاضطهاد والتنكيل.
والقسم الثاني تواصل مع الدولة على قاعدة حفظ النظام العام، فساعدها في الحق وتبرأ منها في الباطل.
والقسم الثالث: يسمون فقهاء السلاطين وهم الذين استحوذت عليهم الدولة فأصبحوا الجزء الوحيد من نجاح الدولة في مشروع وضع اليد على الشرع وعلى الإسلام.
إن هذا يحدد لنا مساحتين للعمل الوحدوي أو ثلاثا.
المساحة الأولى: هي مساحة الحكام، والثانية: هي مساحة الأمة والجمهور، المساحة الثالثة الأِشد اتصالاً بشأننا كأهل علم ودين هي مساحتنا، مساحة العلماء والفقهاء لأن انقسام المجتمع لأسباب داخلية أو خارجية وانقسام الحكم يبقى أقل خطراً إذا ما ظلت قيم الوحدة وأفكارها محفوظة في نصباها العلمي والفقهي وحركة الفقه والفقهاء.
 موقع الوحدة في نظام الاعتقاد
إذن تصبح الوحدة عقيدة، أو يجب أن تكون كذلك لدى المسلم بمقتضى ظواهر الكتاب والسنة المعروفة.
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)[5] وهذا لا يخرج الوحدة من التاريخ، يعني أنها في فترات الأزمات والتراجع، وحتى في فترات التقدم قد تتراجع كمشروع سياسي، ولكنها لا تترك موقعها في نظام الاعتقاد، لأن ذلك من شأنه أن يمس عقيدة التوحيد والإيمان بسوء واهتزاز، ويبقى المسلم ملزما بقيمها وأفكارها وتجسيدها في الحدود المتاحة مع الطموح الدائم إلى الارتقاء، أما إذا أردنا أن نرفع المعتقد الفكري والديني والسياسي الوحدوي في لحظة التراجع من المستوى الاعتقادي إلى المستوى العملي والحركي، فإنها تصبح أقرب إلى الافتعال الذي يقيمها تعسفاً وقسرا على معطيات غير مؤاتية مما ينتهي إلى انتكاسات كبرى.
لقد كان المخلصون في سورية ومصر وحولهما يرتاحون إلى الإرادة الوحدوية والاتجاه الوحدوي لدى الحكام والمحكومين.
ووافق الجميع على الوحدة الاندماجية حذرا من أن تكون المعارضة مساً بالفكرة الأساس، لكن النتيجة سرعان ما تحولت إلى السلب فأثر النمو التاريخي في إطار المستعمر وآليات الاستعمار، أي النمو غير المتكافئ وغير المتناظر في تسريع حدوث الانفصال الحاد الذي دفع الجميع ثمنه.
إذن انتجت التجزئة وتنتج خصوصيات ومعطيات وعوائق لا بد من أخذها بعين الاعتبار والالتفاف عليها أو التعامل معها على أساس وحدوي، يفترض أنه يبقى راسخا مهما تكن الظروف وإن كان التعبير عنه يتقدم ويتراجع تبعا للظروف والأحداث.
وإذن فالوحدة، أي وحدة بين أي طرفين تستدعي أنظمتهما الفكرية أو الدينية أو الاجتماعية أو السياسية، وحدة بينهما إذا قامت في أوانها وعلى غير مثالها المتاح والممكن والواقعي والقابل للحياة، تسهم في اتساع نطاق التجزئة حتى تطال المستجدات الأكثر تقارباً وحينئذ يصبح على خطر أن يصبح أديانا والمذاهب والطائفة طوائف والوطن أوطانا.
هنا نصل إلى تحديد المطروح والمنشود والمقصود بالوحدة الإسلامية، أي وحدة المسلمين، على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم وأوطانهم، مع دفع سريع للوهم أو التوهم بإمكان أن نغامر الآن حتى أجل غير محدد بطرح مشروع سياسي يطابق بين الدولة والأمة الإسلامية من دون مصادرة على من يطرحون هذا الأمر أو يعملون له، وإن كانوا قد أصبحوا قلة، لأن الحركة الإسلامية (التنظيمات والمنظمات) أصبحت من الواقعية بحيث صارت ترى إلى مدى أصبح هذا الموضوع مؤجلا، وإن كان بعضها قد استغرق في مذهبيته مرة وفي اقليميته مرة بحيث صار أمر الوحدة بهذا المعنى مستبعداً وأخذ التبشير بالمذهب لدى أهل المذهب الآخر ينتشر وكأن المذهب الآخر على النقيض من الدين والعياذ بالله!!!
إن الوحدة المطروحة هي وحدة تطال المستوى المعرفي والمنهجي العام، والذي يجد في الفقه أوسع مجال لتجسده وتجسيده لأن الفقه يطل على يوميات الناس وسلوكياتهم وعلائقهم وعوائدهم.
 المنهج الإيماني يتسع لحركة متنوعة
فهل في النية أن تكون هذه الوحدة مفتوحة على الاحتمال الأبعد، وهل يمكن توحيد المذاهب الفقهية بكل تفرعاتها وشعابها في مذهب واحد؟ علما بأن هناك إسلاما، على مستوى النص التأسيسي، كتابا وسنة، وهنا تراث انساني تكون عليهما وعلى وقائع الحياة والتاريخ، وهما لا غيرهما مصدرا الرؤيا والمعرفة ولكن هناك خلافا في المباني، وفي التعاطي معهما وفي طريق تحصيل المعرفة منهما، على المشترك من المباني داخل الفرقة الواحدة أو المذهب الواحد تتفرع مبان تصل من الاختلاف داخل المذهب الواحد إلى مستوى نوعي يعادل ويضاهي الخلاف بين مذهب ومذهب آخر، الحنفي والحنبلي مثلا، والأصولية والإخبارية لدى الشيعة الإمامية مثلا آخر، وهكذا.
إذن تتعدد المعرفة من دون المعروف واقعاً، ولكنه يتعدد اعتباراً أي بلحاظ تعدد العارف، الذي يقترب مرة ويبتعد مرة ويلتقي مع غيره هنا ويفترق هناك ثم يعود ليلتقي هناك ويفترق هنا.
والفقهاء عندما يعرفون الاجتهاد، المسلك المعروف في النظر في الأدلة وإعادة قراءتها وعرضها على المستجد من عناوين وحاجات ومعارف واعتبارات، يقولون بأنه بذلك الجهد من أجل تحصيل العلم أو الظن بالحكم الشرعي، وحتى العلم هنا المقصود به هو الظن المعتبر شرعاً، من دون استبعاد لليقين.
إذن مساحة التنوع والاختلاف على قاعدة الظن الذي قد يتعدد بتعدد المجتهدين واسعة، وكذلك اليقين، لأن اليقين هو يقيني ويقينك ويقينه.
فما هي المعرفة الملزمة؟
إن الملزم هو النهج الايماني والتوحيدي العام، الذي يتسع لحركة متنوعة فيه وعليه ومنه وإليه، تكون مصدر غنى وتجديد وحوار مستمر.
إذن فالمتوخى والمرتجى والمنسجم والمطلوب والممكن والواجب هو التقارب والاقتراب والتقريب الدائم، وهو حقل منزوع الأوهام والألغام التي لا تلبث أن تتفجر في حقولها الصعبة (الوحدة بالمعنى المطلق) لتعود العلاقة والحوار إلى انتكاس وارتكاس تترتب عليها مظالم كثيرة ليس الدم الذي جرى في تاريخنا أقلها، وسيبقى هذا الدم (الهابيلي) صارخا في البرية لا تشربه الأرض لأنها تضيق به، لأنه عقم ودليل عقم وضيق، والأرض واسعة فسيحة ومظنة خصب دائم بين مختلف البذور التي تنبت فيها وتطلع منها صنوان وغير صنوان يلذ الناظر ويمعن في الروح حياة وإحياء لمقتضيات الألفة وأسباب الجمال والانسجام الذي قد تفسده الوحدة إذا لم ترسُ على نصاب وأطروحة ميسورة لا يتركها العقلاء والمؤمنون سعياً وراء المعسور أو المستحيل إلا في لحظة ليست هي في كل حال شأن الإنسان بل هي شأن الرحمن الذي خلقنا مختلفين لكان ذلك تجليا لحكمة من حكمته، وإلا فقد كان من المقدر أن يسود الثبات القاتل واليباس والجفاف مقدمة لنهاية محتومة.. أو أنها ليست نهاية، ولكنه يتعطل إذا ما رصدته نهايات توضع له ولا يحتملها على هذا النهج الطامح غير المتعسف، تضيق المسافات وتتسع المساحات وتتحرر من قيودها وأوابدها والموانع المصطنعة فيما بينها، يما تبقى الفواصل الضرورية للحيوية والابداع قائمة عاملة على الوصل، إلا عندما يراها الرائي بعين واحدة على حرف واحد، ويوظفها في توسيع الفواصل وتحويلها إلى موانع وعوائق.

الهوامش

ــــــــ

[1] سورة الحجرات، الآية (13).
[2] سورة الأنبياء، الآية (92),
[3] سورة المؤمنون، الآية (52).
[4] حسين الأمين، صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين، دار الجديد، ط1، 1995.
[5] سورة الانعام، الآية (159).