|
الاربعاء:
24/10/2007
النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام(2/3)
الثقافة الدينية ما بعد القرآنية
هشام
جعيط
كانت هذه الثقافة
بطيئة في تشكـّلها وتطورها نظراً لشدّة سلطان الوحي: فكان لابد لها من
قرن كامل لكي تبرز. وبعد ذلك، كان تفتح مرموق للإبداع. التيار الرئيس كان
يمثله الفقهاء والمحدثون، لكن بذوراً أخرى كانت تنبت منذ نهاية العصر
الأمويّ، مثل علم الكلام العقلي، التصوّف الأوّلي، التشيّع المبكـّر. ومن
البديهي أن الانتساب إلى الوحي وإلى ضخامة الظاهرة النبويّة، كان يشكـّل
الركيزة، أي أنه كان أساساً دينياً للثقافة؛ ولكنما الإنسان المسلم
المتوضع في المجتمع هو الذي كان غاية ذلك المجهود، وتالياً كان الهدف
سعادته في الدنيا والآخرة. وهذا لا يكفي لإعلان تلك الثقافة بوصفها ثقافة
إنسانية المنزع، وهي في بعض الأحيان ليست على شيء من ذلك، بقدر ما سعت،
عبر الفقه والحديث، إلى تنسيق العناصر القرآنية التشريعية وتعميمها
وتشديدها. هنا سأضرب مثلين: التوسع الكبير جداً في التحريم القرآني
للرّبا، والابتداع انطلاقا من السنة، أي من حديث مبتدع، لرجم المرأة
الزانية، وهو عقاب غير موجود أبداً في النص القرآني، بل هو مخالف تماماً
لمقاصد القرآن لمن يعرفه حق المعرفة. أما التشديد على كل ما يقترب من
الرّبا، فكتاب الموطإ لـ «مالك» يظهر بمظهر الكاريكاتور حيث يحرّم كل ما
فيه عنصر مخاطرة ولو طفيف جداً إلى درجة تعطيل التبادل التجاري (مثلاً:
لا يحصل إلا تبادل الذهب بالذهب والفضة بالفضة).
لكننا نجد في الفقه والحديث ـ هذا المرجع الضخم للعقل الديني الإسلامي ـ
الوجه الآخر للأمور: حـَذر شديد في إقامة حدود الله، حقوق الله، وإحساس
حقيقي بكرامة الإنسان وقيمته. بالطبع، إن فكرة العدل القوية جداً، حتى
عبر تفريعات الفقه وأنماطه العديدة جداً، حاضرة بعمق، وكذلك الرغبة في
إخضاع النظام الاجتماعي للإسلام حسبما كان يرى مؤسسوه في نسق الشريعة.
ولعلّ هذا أهمّ ما أتى به الفقهاء وأهل الحديث زيادة عن أنهم كوّنوا كتلة
مستديمة تعمل على استمرارية المجتمع الإسلامي حتى في غياب الحكم. هنا أودّ
ضرب مثل مستمد من مذكرة وجهها إلى هارون الرشيد، القاضي أبو يوسف، أحد
مؤسسي المذهب الفقهي الحنفي وصاحب كتاب الخراج. إن أحد فصوله يسترعي
الانتباه خصوصاً بموضوعين أساسيين، يتوّسع فيهما:
ـ مناشدة الخليفة بأن يعامل السجناء إنسانياً، وهي مناشدة يمكن أن
تتبناها تماماً رابطة حديثة لحقوق الإنسان؛
ـ العقوبات الجسدية التي يأمر بها القرآن أو عقوبة السرقة والزنا وشرب
الخمر، والقتل بكل أشكاله (الحدود). ينكبّ أبو يوسف على التوصية بتوخي
الحذر الشديد في تطبيق الشريعة. ويشرح مدى تحسس ممارسة السنة السابقة،
سُنة النبي أو صحابته، للعذاب البشري، وكيف جرى نقلها وتطبيقها أو
تأويلها.
سأنقل هنا عن أبي يوسف عبارة أو عبارتين لهما دلالتهما بالنسبة إلى
الأسرى أو السجناء: «والأسير من أسرى المشركين لا بد أن يُطعم ويحسن إليه
حتى يحكم فيه، فكيف برجل مسلم قد أخطأ أو أذنب: يترك يموت جوعاً؟ وإنما
حمَلـَه على ما صار إليه القضاء أو الجهل؟»(الخراج: 149). يلي ذلك مسلسل
وصايا: عدم إيذاء الأسرى، إطعامهم وإلباسهم، عدم تركهم يخرجون إلى الشارع
ليتسّولوا وهم مقيدون بالسلاسل، منع ضربهم، لأن «رسول الله نهى عن ضرب
المصلـّين». في الغالب يكون السجن وقائياً، ويشكو أبو يوسف من بطء
العدالة ومن السجن الوقائي: أي فليـُطلق سراح الذي لا يكون موضع ملاحقات..
الخ.
أما بخصوص الحدود، أو العقوبات الذي يأمر الله بها، فإن أبا يوسف يرجع
إلى السنة بالمعنى الواسع، سنـّة الصحابة. توسّط «الزبير» و«عليّ» لسارق
وهما يعلنان المبدأ التالي: «الشفاعة مباحة طالما أن الجاني لم يصل إلى
الإمام (السلطة العامة)». كذلك هذا المبدأ العام الذي نطق به إبراهيم
النخعي: «ادرؤوا الحدود عن عباد الله ما استطعتم». كما يروي عن عائشة أم
المؤمنين، حديث آخر: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين بالشبهات ما استطعتم،
فإن وجدتم مخرجاً للمسلم فخلـّوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو
خير له من أن يخطئ في العقوبة».
لربما خصصتُ مكانة واسعة جداً لعلوم الشريعة، وفي صميمها للمذهب العراقي
الحنفي ولأبي يوسف بنحو خاص. إلا أن هذا المثل يدلّ على وجود نزعة
إنسانية أو على الأقل بشرية، في ثقافة الإسلام الدينية. ناهيك بأن أهل
التقى والورع، كانوا، قبل ولادة هذه الثقافة في بـُناها الأساسية،
ينحازون للقضايا العادلة، المحقة على المستويين السياسي والاجتماعي. وكان
الخوارج، وكذلك أهل الكوفة والبصرة الأتقياء يساندون الموالي المضطهدين
أو حتى الشعوب الخاضعة (أهل الذمة). وكان الشيعة الأوائل قد طوّروا شعوراً
عميقاً بالشفقة بعد مجزرة الحسين وصحبه في كربلاء. صحيح أن العامل الديني
كان يقود كل تلك الخطى، ولكنه كان يؤوّل ويُدرك في اتجاه البعد الإنساني
للإسلام، كما هو مستفاد من النصّ الموحى، وكذلك من جدل الوعي الإسلامي
بالذات. إنها نزعة إنسانية غير خالصة من الغلاف الديني، وحتى إنها كانت
من صنعه على حد كبير بلا ريب، لا تتجاسر ولا تستطيع أن تبوح باسمها،
ولكنها حاضرة، هناك، في الباطن، وبقوة في بعض الأحيان.
خارج الفقه والحديث، يمكننا أن نجد عناصر مذهب إنساني في قطاعات أخرى من
الثقافة الدينية. فالكلام الإسلامي (علم اللاهوت العقلاني)، الذي بدأ مع
القدرية، ليتواصل مع المعتزلة، لم يكن مركـّزاً فقط على التوحيد الإلهي،
وعلى طابع القرآن المخلوق، ولا على الصفات الإلهية (الأسماء الحسنى). في
الأصل، مع القــَدَرية، كان الكلام مطروحاً كحركة سياسية ـ دينية ثورية،
رداً على استبداد آخر عهد بني أمية؛ وكانوا قد قالوا بالحرية الشخصية
مقابل مذهب الجبرية الرسمي الذي كان يسوّغ كل نظام قائم. وكان أحفادهم،
المعتزلة، يقولون بالمذهب نفسه بخصوص الخيار الإنساني من خلال العدل
الإلهي: لا يمكن أن يُقدّر الله العادل للإنسان، منذ الأزل، الإيمان أو
الكفر، السعادة أو الشقاء. وكان يمكنهم الاستناد في ذلك إلى النص الموحى،
الذي كان حتى طوره المكـّي الثالث، يحمّل الإنسان المسؤولية. لكن
محاجّتهم كانت تقوم بنحو خاص على فكرة معينة عن الله.
من الممكن التفكير والقول إن المقصود هنا هو علم كلام، لأن كل شيء مركـّز
على الشخص الإلهي، على ما يستطيع أن لا يستطيع فعله، بحكم طبيعته وضرورته
الداخلية وحول هذه النقطة الدقيقة، لا شيء يمنع أن يكون الإنسان هو
المعني عملياً؛ فهو له مكانته في علم الكلام هذا. إن مفهوم الإرادة الحرة
هو موضوعياً مفهوم محرّر للإنسان، دون أن يمكن القول مع ذلك، إنه كان
يمثل حصيلة نزعة إنسانية واعية بذاتها.
أنتقل الآن إلى بعض الملاحظات حول ركن أساسي آخر من أركان الثقافة
الدينية الإسلامية، وهو التصوّف، الذي طوّرته هذه الثقافة إلى أعلى ذراه.
قيل عن تصوّف العصر الكلاسيكي (القرن التاسع ـ القرن الثاني عشر) الذي
كان معقلناً بقوة، إنه كان يبحث عن انصهار الأنا البشرية في الأنا العليا
الإلهية، وإنه بالتالي كان يقول بوحدة عامة للوجود (عند الوجودية، ممثلي
تيّار إسلامي صوفي) أي أن كل شيء إلهي لمحبة الله لخلقه، وهذا شكل من
أشكال «البنتاييسم» غير الميتافيزيقي لأنه منبنٍ على الحب الإلهي وهو ما
يجعله تصوفاً. أو إنه كان يسعى إلى الإشراق العرفاني، واضعاً نفسه في
الخط الهرمسي (الإشراق). وكان خصوم الحجاج السنيون يفسرون قوله «أنا الحق»
كأنه إرادة تأله، وتالياً كأنه نفي لتعالي الله. وما يدهش خصوصاً في هذا
المجال الروحي من الإسلام، هو أن الله والإنسان يتصلان في بعض اللحظات
المميزة ويتواصلان في اختبار جرى إعداده من خلال زهدٍ مديد، بعد مراحل
طويلة. ولكن من المفارقات أن الأنا، وعلى الرغم من بحثه عن الانصهار،
يؤكد نفسه في الصوفية على نحوٍ ما، لأنه في الصميم وفي ذروة غيبوبته
الصوفية، لا يمكنه بلوغ الله الخارجي بل يصعد في درجات تعاليه الذاتي
الداخلي، شبه الإلهي. إننا بعيدون عن الفلسفة الغربية، ذات الأنا المستقل
الذي وسم بقوة الحضارة والثقافة في الغرب الحديث. ولكن مما يلاحظ بشدّة
هو أن هذه الفلسفة، في آخر إنجازاتها بعد ما مجّدت إلى حد الهذيان تعالي
الأنا المؤسس للعالم في كتاب «هوسرل» Krisis ولدى «هايدغر» الأول أو حتى
عند «سارتر»، قد آلت لدى «هايدغر» الثاني، إلى عودة شبه صوفية إلى الكائن
الموجود اللامتمايز والمختلف تماماً عن بقية «الكائنات». وقد ظهرت في
الإسلام صوفية المرحلة ما بعد الكلاسيكية (القرن الثالث عشر ـ القرن
التاسع عشر)، كصوفية حركة منظمة بواسطة الطرق، وأدرجت في شبكاتها شرائح
واسعة من العالم الاجتماعي وحتى إنها شملت قطاع العلماء (فقهاء الشريعة)
القويمين. وفي بعض مناطق الإسلام، فرضت نفسها كحركة مجاهدة (المغرب
الأقصى، إيران). وكانت، إلى حد كبير، عملاً إنقاذياً وتجديدياً للإسلام
المُهدد أو المصاب بالجفاف.
بأي معنى تستطيع هذه الصوفية الجماعية، المنبنية، اللاعقلانية في العمق،
أن تحتوي بذوراً معيّنة لمذهب إنساني؟ أولاً بما أرادت أن تكون وبما كانت
قريبة من الشعب على صعيد إشباع حاجاته، وبذلك، كانت تتصل بالهيئات
السياسية العاجزة وتوصل الناس بها؛ وعلى الصعيد الديني، قامت بتقديم صورة
عن الإسلام مهدّئة للإنسان بقدر ما كان التعالي الإلهي يصوّر بعيداً جداً
ولم يكن الإسلام المتشدّد، القويم، يقيم وساطة حيّة بين الله والإنسان،
ما خلا ما كان قائماً، ربما، عبر الشخصية النبوية التي كبرت كثيراً مع
الزمن. ولكن بسبب ذلك بالذات فإن هذه الشخصية ابتعدت عن الإنسان العادي،
بعدما كانت في العصور السابقة شديدة الحضور في بناء الارثوذكسية الدينية.
وما كانت تبتغيه الصوفية الشعبية الجديدة إنما كان الإنساني القريب،
الملموس، والقداءة المجزأة والمنتشرة في كل مكان، التعويذية وشبه السحرية.
لنصغ إلى هذا المقطع الرائع لـ «غرامشي»، المقتطف من دفاتر السجن:
«أعتقد أن الهوة بين المثقفين والشعب [في الإسلام] كانت كبيرة جداً[...]
وعلى هذا النحو يمكن أن نفسّر كيف تتجدد النزاعات الوثنية في الثقافة
الشعبية وكيف تسعى إلى التكيف مع الإطار العام للتوحيد المحمّدي [...] إن
الصوفية هي حركة التجديد في الإسلام». فشخص الوليّ وهو إنسان فرد أصابته
الرحمة الإلهية، يظهر عندئذ في المشهد الديني للإسلام.
المصدر: أزمة الثقافة الإسلامية، دار
الطليعة، بيروت
|