|
الخميس:17/07/2007
نبذة
مختصرة عن المدارس الفقهية الشيعية
د. حسين عبد الأمير النصيري(*)
(خاص للمعهد)
تتوزع المدارس الفقهية الشيعية، كواحدة من معالم
الحضارة الإسلامية، بين مدن إسلامية متعددة، وعبر مراحل التاريخ الإسلامي، ولكننا
سنعرض هنا أهمها بإيجاز شديد بغية التعرف على جملة من الحواضر العلمية أو صورة من
صور العطاء العلمي في تاريخ الإسلام.
1. مدرسة المدينة
يمكن القول ان هذه المدرسة بدأت بعد رحيل الرسول الأكرم (صلي الله عليه وآله وسلم)
واستمرت في تعاليمها حتى زمان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). بدأ الاجتهاد في
هذه المدرسة وإخراج الفتوى بعد وفاة الرسول الأكرم (صلي الله عليه وآله وسلم) في
المدينة، ويعتبر الإمام علي (عليه السلام) والزهراء (عليه السلام) والحسن والحسين (عليه
السلام) من رواد وعلماء هذه المدرسة. وقد أخذوا علومهم عن الرسول الأكرم (صلي الله
عليه وآله وسلم) مباشرة وبدون واسطة. وكان الناس ترجع اليهم وحتى الخلفاء في أخذ
الفتوى والرأي. أما من الصحابة فيعتبر عبد الله بن عباس وسلمان الفارسي وأبو ذر
الغفاري وأبو رافع إبراهيم، من فقهاء هذه المدرسة، وحتى الأحاديث، فكان أغلبها يروى
عن طريق هؤلاء.
يقول ابن شهرآشوب: كان سلمان الفارسي من فقهاء الشيعة، وقد ذكر مجموعة من الأحاديث
النبوية في المجالات الفقهية، وكذلك علي بن أبي رافع كان صلحاء الشيعة وأتباع أمير
المؤمنين (عليه السلام) ألف كتابا في فنون الفقه، وفيه باب الوضوء والصلاة وأبوابا
أخرى.
أما الاجتهاد فلم يكن ضروريا بوجود الإمام، ولكن طلب العلم والتصدي للفتوى من قبل
العلماء يتم عن طريق الإمام.
2. مدرسة الكوفة
تأسست هذه المدرسة في نصف القرن الثاني للهجرة واستمرت حتى أوائل القرن الرابع
للهجرة – أي بداية الغيبة الكبرى عام 321هـ.
يقول الحسن بن علي الوشاء: لقد رأيت في هذا المسجد (في الكوفة) ما يقارب 900 عالما،
وكان أغلبهم من المحققين في العلوم المختلفة، وكلهم يقول: (سمعت الصادق يقول) ومن
تلاميذه المعروفين أبان بن تغلب، محمد بن مسلم الكوفي، الذي نقل عن الإمام الباقر
والصادق (عليه السلام) أحاديث كثيرة في مختلف العلوم واستطاع تلاميذ مدرسة الإمام
الصادق (عليه السلام) السفر إلى المناطق البعيدة والقريبة ونقل العلوم إليها، وكذلك
الجواب على الاستفتاءات والأسئلة المطروحة من قبل الناس.
3. مدرسة قم
تأسست هذه المدرسة بعد الغيبة، وانتقلت العلوم الشيعية إليها. وكان من عوامل انتقال
علوم اهل البيت إليها، هو الضغط الشديد من قبل الحكام العباسيين على الشيعة وعلى
علمائهم، فسافر الكثير منهم إلى قم، ولأن قم كانت خاضعة لسلطة البويهيين الذين
كانوا يوالون أهل البيت (عليه السلام). ومن أشهر علماء هذه المدرسة، ابن بابويه
والد الشيخ الصدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) وكذا يمكن أن ينسب الكليني إلى
هذه المدرسة من أهم معالم هذه المدرسة هو تدوين الاحاديث.
4. مدرسة بغداد
تأسست في القرن الخامس الهجري. بدأت الحركة الفقهية تنتقل من قم إلى بغداد، والسبب
هو ضعف حكومة بني العباس. لذا استفادت الشيعة من هذه الفترة في تأسيس مدرستهم
الفقهية في بغداد. ومن الأسباب الأخرى أيضا هو ظهور بعض العلماء الكبار في بغداد
أمثال الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وهو من تلاميذ الشيخ المفيد، وقد
لقب بشيخ الطائفة.
كان أسلوب هذه المدرسة هو دراسة ونقد الأحاديث، فيما كانت المدارس السابقة تعتمد
على نقل وتدوين الأحاديث. أخذت هذه المدرسة بتنقيح الأحاديث وتحليلها، حتى يستطيع
المجتهد الاستفادة منها. وقد دخلت أصول الفقه إلى هذه المدرسة الشيعية، وبدأوا
بتدريسها لكي تعطي للمجتهد القابلية والقدرة على إصدار الفتوى وتمنعه من الاشتباه،
وتعتبر هذه المدرسة من المدارس المهمة في تطوير الفقه الشيعي.
5. مدرسة الحلة
تأسست هذه المدرسة في نصف القرن السابع للهجرة بعد سقوط بغداد على يد هولاكو،
وسيطرة المغول على بغداد. بعث علماء الحلة إلى هولاكو وطلبوا منه الأمان لأهلها.
استفادوا من هذا الأمان في تأسيس مدرستهم الفقهية. هاجر أكثر علماء بغداد وطلابها
والأساتذة والمحققين إلى الحلة. يعتبر المحقق الحلي المتوفى عام 676هـ من علماء واساتذة ومحققي هذه المدرسة. أصبحت مدرسة الحلة من أعظم المدارس الفقهية في التاريخ
الشيعي، وقد خرجت علماء ومحققين ألفوا مئات الكتب في الفقه والعقيدة والكلام،
ويعتبر البعض مدرسة الحلة امتدادا لمدرسة بغداد.
6. المدرسة الفقهية في فترة الحكم الصفوي
استمرت هذه المدرسة من عام 907هـ إلى عام 1135هـ. وتقسم دورات هذه المدرسة إلى ثلاث
دورات هي:
1. المرحلة الأولى: ومن علمائها المحقق الكركي والمحقق علي بن الحسين بن عبد العال.
2. المرحلة الثانية: وهي مدرسة الفقيه للأردبيلي، وتعتمد على الاجتهاد والتحقيق.
3. المرحلة الثالثة: وهم الاخباريون، أو أهل الحديث. هذه المدرسة تأسست في الأصل في
القرن الرابع والخامس الهجري، نتيجة اتصالهم بالمتكلمين والأصوليين الشيعة في
المدرسة الفقهية في بغداد. وكانوا آنذاك مجموعة قليلة، ولكنهم ظهروا مرة أخرى أوائل
القرن الحادي عشر على يد الملا محمد استرآبادي المتوفى عام 1036هـ، مؤلف وصاحب كتاب
الفوائد المدنية. الإخباريون يشبهون إلى حد ما أهل مدرسة الحديث التي ظهرت في القرن
الثالث والرابع الهجري. ومن أشهر علماء الإخبارية ملا محسن فيض الكاشاني ويوسف بن
احمد البحراني ومحمد بن حسن الحر العاملي مؤلف وسائل الشيعة.
7. مدرسة الفقيه وحيد البهبهاني
تأسست هذه المدرسة في منتصف القرن الثاني عشر، ومؤسسها وحيد البهبهاني، وهو عالم
كبير وصاحب نبوغ واستدلال وتفكر عظيم بعد انتشار فقه الاخباريين وسريانه إلى اهم
المراكز الشيعية في النجف وقم وأصفهان. ظهر الاصوليون مرة أخرى في منتصف القرن
الثاني عشر. فاستطاعوا أن يدحضوا بكتبهم وكتاباتهم وحججهم آراء الإخباريين. أما من
أشهر علماء هذه الفترة وهم من طلاب الوحيد البهبهاني: بحر العلوم مؤلف كتاب
المصابيح، وجواد الحسيني العاملي، وجعفر بن خضر كاشف الغطاء، والميرزا القمي،
والملا احمد النراقي وغيرهم.
8. مدرسة الشيخ الانصاري
المتوفى عام 1381هـ، ويعتبر مجدد الفقه الشيعي. حيث أدخل اساليب جديدة في الاستدلال،
لذا يعتبر مجدد صورة الفقه وباني معالمه الجديدة. لقد أعطى الشيخ مرتضى الانصاري
أهمية اكبر لمباحث الأصول العلمية. وجاء أيضا بتحقيقات فنية وبشكل جديد، لذا فان
اغلب الحوزات الشيعية في العالم الإسلامي تتبنى طريقة الشيخ الانصاري في الدرس
والبحث والاجتهاد إلى يومنا هذا.
(*) خبير مركز البحوث والدراسات التربوية، وزارة التربية،
بغداد.
|